الاثنين، 6 أبريل، 2015

اسمها صفاء (1)






من عاداته التى يحرص عليها دائمًا ألا يغادر دور العرض إلا بعد إظلام الشاشة وإضاءة القاعة، يضيق أشد الضيق بهؤلاء الذين يهرولون نحو باب الخروج أثناء عرض المشهد الأخير صانعين ضجة تشتت انتباهه، يؤلمه أن لا أحد غيره يمكث مستحلبًا مشاهد الفيلم، ومحييًا تلك الأسماء التى تتوالى بسرعة على الشريط، يسأل نفسه دائمًا عن جدوى المغادرة قبل أن تهدأ انفعالات المشاهدة؟

***

ليلتها كانت هى بجواره، لا يفصل بينهما سوى أربعة مشاهدين هرولوا مع المهرولين صانعين الضجة ذاتها التى يكرهها. كان يمكنها الخروج من ناحيتها ولكن حظه ـ الذى لم يكن جيدًا قط سوى فى تلك الليلة ـ جعلها تختار أن تخرج من ناحيته.

لحظة اقترابها منه كانتْ ذاتها اللحظة الحنون فى عمره، وهى تلك التى يصدق فيها أن الفن يستحق أن يضحى الإنسان بحياته من أجله، ربما كان الحنان مرتسمًا على قسمات وجهه لأنها نظرتْ إليه كما ينظر الإنسان إلى شىء خارق مدهش، قبل أن يبادلها النظرة كانت قد أصبحتْ على بعد خطوة منه بحيث أصبح نظره إليها يعد فعلًا وقحًا لا يريد اقترافه وهو معبأ بتلك المشاعر الغامضة التى تعرف طريقها إلى غرف قلبه ساعة تمتعه بفن جيد.

الحظ وحده هو الذى يفسح لها لكى تمر من أمام مقعده، والحظ وحده هو الذى سيجعلها تتلكأ فى قبول دعوته وتشير إليه بأن يمر أولًا.

وفق نظامه الصارم الذى اختطه لقلبه لكى يجنبه مزيدًا من الخيبات، كان عليه أن يهز رأسه شاكرًا إشارتها ويندفع خارجًا وينتهى الأمر، لكنه الحظ الحسن الذى لم يذقه قبل هذه الليلة قط، جعله يصر على أن تعبر هى أولًا. عبرتْ بجلال ملكة منتصرة، ونفحته نسمة من عطرها الذى يربك كل الحسابات، الآن فقط انتبه لجمالها، إنها أجمل أكثر مما يظن أن جميلة موجودة على ظهر هذه الأرض.

***

هى ضربة، إن أصابت فستأخذه ليحلق فى السموات الصافية، وإن طاشت فلن يخسر شيئًا، سيبقى مغروسًا فى أرضه القاحلة، قبل أن يخطو خطوته التالية، استدارت لتواجهه كأنما تستحثه لكى يلحق بها.

أبدًا لن يعرف كيف دعاها ببساطة لمشروب فى كافتيريا المركز الثقافى، وأبدًا لن يعرف كيف استجابت ممتنة وبدون تردد لدعوته.

على الطاولة عرفته بنفسها قائلة: "اسمى صفاء، مهندسة زراعية أمتلك شركة صغيرة ترعى زهور المنازل".

كان سيعلق بجملة طيبة تربط بين جمالها وعملها، لكنه حبس جملته خوفًا من أن تنظر إليه نظرتها لمراهق يغازل امرأة عرفها منذ دقائق فى ظلمة قاعة عرض سينمائى.

قدم نفسه إليها قائلًا: "اسمى على، محامٍ أخسر معظم قضاياى لأنى أضيق بأكاذيب موكلى".

ضحكتْ فلمعتْ عيناها، فانتبه لجمالهما الصاعق، عينان عسليتان تمتزج فيهما البراءة بالمعرفة، فى صحن خدها الأيمن تظهر غمازة لطيفة مشاكسة، مما يجعل دلالًا لا يطاق ينسكب من وجهها الأبيض النظيف  من مساحيق الزينة.

قفزا برشاقة فوق لعثمة البدايات فسألها: "لماذا لم تسارع ِبالمغادرة مع المغادرين؟".

قالتْ: "أعرف أن تأثرى بما أشاهده، حتى لو كنتُ قد شاهدته عشر مرات يكون ظاهرًا على صفحة وجهى، ولذا أتأخر فى المغادرة حتى يعود وجهى إلى طبيعته".

عندما وجهتْ إليه نفس السؤال رد قائلًا: "لكى أتذوق منفردًا حلاوة المشهد الختامى".

ابتسمتُ معجبةً بإجابته، ثم هزتْ رأسها فجأة هزة عنيفة، كأنها تطرد منها ذكرى أليمة، ثم صوبتْ عينيها نحو عينيه قائلة: "حان وقت تبادل الهواتف".

***

خارج المركز الثقافى كانت سيارتها اللامعة تقف بجوار الرصيف ابتسم قائلًا: "وقفة سيارتك مفرطة فى الأناقة"، ضحكتْ من تعليقه فظهرتْ الغمازة المشاكسة، ولم تعقب، ثم عرفتْ أنه لا يمتلك سيارة فدعته للصعود معها لكنه رفض بلطف زاعمًا بأنه ذاهب فى اتجاه معاكس لمقابلة صديق، لوحتْ له مودعةً وانطلقت .

ظل واقفًا حتى لم يعد يميز سيارتها بين مئات السيارات التى تملأ الشارع، وضع يمينه على جانب خده الأيسر وراح يدلكه برقة، وتلك عادته عندما يريد التخلص من توتر مفاجئ، يعرف نفسه جيدًا، ستبدأ الآن حفلة أسئلته التى دائمًا تكون بلا أجوبة حاسمة.


هل هى متزوجة؟ كيف لا تفوته شاردة أو واردة من الفيلم وفات عليه أن ينظر لأصابع يسراها فتكون لديه إجابة؟ لقد عرف لون عينيها لكنه لم يعرف أمرًا شديدة الأهمية مثل هذا الأمر، حتى لو عرف، فما معنى تلك المعرفة؟ ألن يكف عن مطاردة سراب لن يصبح ماءً يومًا؟ لقد تركتْ كل النساء اللاتى عرفهن وشمًا من الخيبات على قلبه ، وقد رضى أخيرًا بأن يطاردهن متوحدًا بهن عبر خيالات أفلام السينما، فلماذا الآن يبدأ النبش فى صحراء لن تثمر له أبدا؟

زفر ضيقه وسار مترنحًا تحت وطأة ذكرى عطرها الهامس، ثم ألقى بنفسه على أحد مقاعد أول مقهى صادفه.

ضحك ساخرًا من نفسه عندما تذكر أن الليلة هي ليلة تمام القمر، شوارع وسط العاصمة لا تترك له فرصة لكى يرى قمره، تمنى لو كان بيت صفاء خارج خارطة الجنون التى تحاصر عاصمته المغلوبة على أمرها، ليتها تكون الآن تقود سيارتها على طريق صحراوى حيث البراح ينسكب عليه قمر فضى، يضحك كثيرًا من تلاحق خيالاته بشأن امرأة جالسها لدقائق وتبادل معها أرقام الهواتف مثلما يفعل كل الأسوياء. تتسع عيناه فى دهشة عندما يتذكر هزها لرأسها بعنف، لماذا كان كل هذا العنف؟ ترى أى شىء ضايقها؟ لماذا كانت حاسمة وهى تقول: "حان وقت تبادل الهواتف".

***

قبيل الفجر يصعد متعبًا سلم خمسة طوابق لكى يصل إلى شقته، يدخل الشقة ويهرع إلى الشرفة، يرى سحابة صيفية بيضاء تحيط بقمره، يجرى إلى غرفة نومه، يفتح دولابه، يلتقط الكاميرا، يسرع إلى الشرفة، تكون السحابة قد انقشعت، كان سيلتقط صورة جميلة لسحابة بيضاء تحيط بقمر فضى، ينظر إلى أسطح العمارات التى تواجهه فيراها مجنونة وفظة مثل الشوارع، يتمتم فى غضب: "متى أسكن بيتًا لا تحاصره عمارات قبيحة؟".

تحت رشاش الماء يستعيد دلال غمازة خدها الأيمن، يصعد إلى أنفها الدقيق الواضح، يرتاح على نصاعة جبهتها، ينزلق إلى خديها، يتأمل شفتيها وهى تلعق أثرًا من القهوة علق بشفتها السفلى، ترى لماذا جعدتْ شعرها؟ ترى كيف يكون وهو حر على خلقته الأولى؟ ثم ما هذا العنق الأنيق الذى يتلفت وفق نظام محسوب بدقة؟ هو لا يشك فى عظمة منح السماء التى وهبتها نهدين راسخين لم يلحظ اهتزازهما وهى تلقى بجسدها على مقعد سيارتها.

ضاق من فرط انشغاله بها فأوقف تدفق رشاش الماء وتناول منشفته وجفف جسده وهو يخاطب نفسه قائلًا: "كثيرة هى كأنها ألف جميلة، غادر حمامك واصنع لنفسك كوب شايك، وارشفه على مهل فى شرفتك، وتجاهل نشع العمارات وأسطحها، ثم تجاهل الصيف الذى لا تحبه وواصل المكوث فى شرفتك إلى أن تربت على جسدك نسمة فجر باردة، فاذهب إلى سريرك النظيف المعطر ونم عميقًا بلا أوهام".

تمدد فى منتصف سريره، شعر براحة تسرى فى ظهره، سيسقط فى النوم ما أن تصل الراحة إلى قدميه، قطع وصول راحته السرية، سماعه لرنين رسالة على هاتفه، مد يده بتكاسل لكى يلتقط الهاتف من أقصى يسار الوسادة حيث اعتاد أن يضعه هناك، قبل أن يقرأ راهن نفسه كما يصنع دائمًا كلما جاءته رسالة فى وقت متأخر.

ثلاثون من مئة الرسالة من صاحب سخيف يدمن إرسال رسائل مكتظة بسجع ثقيل، ستون من مئة الرسالة من مساعده فى المكتب يعتذر فيها عن عدم حضوره إلى المكتب فى الصباح، تسعة من مئة الرسالة تحمل شتائم موكل خسر قضيته، واحد من مئة هى من صفاء.

***

كاد قلبه يقفز من صدره، عندما ربح الواحد من مئة التسعة والتسعين، قالت صفاء فى رسالتها: "إن كنتَ نائمًا فنومًا لطيفًا بلا عرق ورحيمًا بلا كوابيس، وإن كنت يقظًا فتكرم بمهاتفتى".

قرأ الرسالة خمس مرات، وراجع ثلاث مرات قائمة الأسماء بذاكرة هاتفه ليتأكد من أنها لا تضم سوى صفاء واحدة، هى التى كانت معه منذ ساعات.

تنفس بعمق عندما توصل إلى هذه النتيجة التى بدت له مدهشة وعظيمة عظمةً لا يحتملها قلبه الموشوم بالخيبات.

دخل مطبخه اللامع المرتب، أعد فنجان قهوة، خالف مألوف عادته وأقسم على ألا يراهن نفسه بشأن مجرى الحديث الذى سيجمعه بصفاء بعد قليل، وضع الفنجان بحرص فى منتصف المنضدة الصغيرة التى بالصالة، ذهب إلى غرفة نومه، تناول الهاتف وعاد به إلى الصالة، قرأ الرسالة للمرة السادسة، كاد يراهن نفسه، ولكنه تذكر قسمه، رشف رشفة من القهوة وضغط مفتاح الاتصال فجاءه صوتها: "هل سببت لك قلقًا برسالتى فى هذا الوقت المتأخر؟".

رد: لا

قالت ضاحكة: "أعرف أننى لم أسبب لك قلقًا، لأنك وحيد".

اخترقته جملتها فقال بصوت متوتر: "وكيف عرفت بوحدتى؟".

قالتْ واثقة: "ليس من أصابعك الخالية من خاتم زواج فحسب، بل من انحناءة ظهرك، لك ظهر رجل وحيد".

لم تترك له فرصة لكى يعلق فقد واصلتْ قائلة: "قبل أن أغادرك ضبطت مرآة سيارتى لكى أتأمل وقوفك فى وداعى، كان ظهرك محنيًا فى وحدة وحزن".

افتعل ضحكة لكى يغير مجرى الحديث، ثم قال: "نقاء صوتك يؤكد أنك لم تنامى حتى الساعة".

قالت: "ماذا أصنع بنفسى؟. مشاهد الفيلم تحرمنى من النوم، إننى منذ دخلتْ بيتى وأنا مشغولة بإعادة ترتيب الفيلم كأننى سأخرجه، بداية توقفتُ عند اسمه، لماذا هو "الميل الأخير" هل لديك إجابة ؟".

قال: "العنوان وإن كان مباشرًا، إلا أنه موفق جدًا، لأنه يشير إلى المسافة التى سيقطعها المسجون من زنزانته إلى المكان الذى سيتم فيه إعدامه".

قالتْ: "أظن أنهم لم يقصدوا تلك المباشرة، أنهم يحرضوننا على التمسك بالحياة ولو كنا نعيش ميلها الأخير".

هز رأسه معجبًا بتأويلها ثم قال: "ولمَ لا، ربما كان هذا هو مقصدهم من اسم الفيلم فعلًا".

سكتتْ لحظة قبل أن تسأله: "هل توافقنى لو قلتُ أن آل باتشينو كان يجب أن يكون بطلًا للفيلم وليس توم هانكس؟".

رد: "أعتقد أن آل باتشينو لم يكن سيضيف للفيلم، لأن ملامحه أكثر حزنًا ونبرات صوته أكثر حكمة، رسالة الفيلم تعتمد على صهر رجل منضبط ملامحه هادئة مثل توم هانكس فى تجربة مريرة لكى يولد بعدها من جديد".

قالتْ: "معك حق، على أن أعترف بأننى منحازة لآلباتشينو منذ رأيته فى فيلم عطر امرأة، والآن لو كان لك أن تصنف فيلمنا هذا ففى أى القوائم ستضعه؟".

رد: "لقد رأيته بوصفه فيلمًا صوفيًا، يقدم تفسيرًا جديدًا للولادة الثانية، كما يقدم معنىً جديدًا للخلود".

قالتْ: "هل تعرف من الذى رشحّ للمركز هذا الفيلم ليعيد عرضه؟"

قال: "أنا، لأننى من أصدقاء المركز القدامى، ولى حق اختيار فيلم مرة كل شهر".

قالت: "من العجيب أننى لم أعرف بوجود المركز الذى جمعنا إلا من ثلاثة أيام فقط ".

قال: "ليس فى الأمر ما يدعو للعجب، فهناك مراكز كثيرة ".

قالت: "هل أطلت عليك؟".

رد ضاحكًا: "لا، فأنا رجل وحيد".

لم يتبين صوتها وهى تغمغم: "وأنا أيضًا".

عندما عاد إلى غرفة نومه، كانت تباشير نور الصباح تخترق النافذة، أسدل الستائر لكى لا تصرفه الإضاءة الإلهية عن استرجاعه لدقائق حديثه مع صفاء.

له عقل مرتب وقلب مرتاب ولذا لا يسرف أبدًا فى التخمينات، ولكنه لا يستطيع إيقاف شلال الأمنيات الذى انهمر بداخله، أتكون كل العلاقات السابقة مجرد تمرين على لقاء خارق سيجمعه بصفاء؟ هل يواصل الحظ عطاياه التى بدأها منذ جعلها تختار المرور من أمام مقعده؟ هل تغرس تلك المكالمة الليلية جذورًا مستقرة فى الأرض؟ أم ينتهى الأمر سريعًا مثلما بدأ؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينشر الجزء الثاني يوم الخميس القادم بإذن الله


هناك تعليقان (2):

  1. قصة عظيمة يا أستاذ واختيارك للفيلم كمان موفق جداً الذي برغم غرائبية أحداثة يلتقي مع النص في إبداع متفرد من قلمك المبدع
    :)
    ما تتأخرش علينا في الجزء التاني بقى !

    ردحذف
  2. Pasha

    اشكرك أخى الكريم على متابعتك؛ وان شاء الله الجزء الثاني بيتنشر الخميس القادم

    ردحذف