الخميس، 10 ديسمبر، 2015

في الطريق إلى كوثر مصطفى .. بنت بتشبه للوطن ( 2 ـ2 )








العتبة الثامنة

مثلما قررتْ كوثر الإقامة في اسبانيا إلى الأبد ، مثلما قررت العودة إلى مصر لتكون بلد المحيا والممات ، عن نفسي لا أعرف بين الشعراء شاعرًا صبر على الاغتراب ، حتى هذا المحكوم عليه بالنفي " بيرم التونسي " رأيناه يتكبد ما هو فوق العناء لكي يعود إلى مصر مغنيًا شوقه وحنينه إليها .

استقرت كوثر في بيتها القاهري وقد ودعت أحلام بل أوهام الغربة ، وذات ظهيرة طرق طارق بابها ، كان الطارق محمد منير .

قال لها منير :" لا شيء في صناعة الغناء اسمه هدية ، لابد من تنازلك لكي أستطيع تقديم أغانيك ".

قبل مغادرته لبيتها ، ترك منير شريط كاسيت لكوثر ، استمعت إليه فكانت مفاجأة ردتْ إليها مصريتها كاملة غير منقوصة .

حمل الشريط لحن قصيدتها " ساح يا بداح " وقد لحنه الملحن فتحي سلامة ، كما حمل الشريط لحن أغنية "العالي عالي يا ابا " مع طلب من منير بأن تبذل ما لديها من جهد لكتابة أغنية تتسق واللحن الفلكلوري .  

من شركة " ساوند أوف أمريكا " لصاحبها عصام إسماعيل فهمي سيظهر شريط منير الذي يغني فيه ساح يا بداح ، تلك الأغنية التي ستكون عنوانًا لجيلي الذي وقعتْ على قلبه كارثة غزو صدام للكويت ونكبة دخول الأمريكان لبغداد .

ألا لعنة الله على التسعينيات البغيضة التي جعلتنا نصرخ مع كوثر بصوت منير
:" أنا مش رايح
أنا مش جاي
أنا مش واقف حتى مكاني ".
تجربة كوثر مع منير ستكون فارقة ، وستقدم معه أكثر من عشرين أغنية ، منها " مدد يا رسول الله " و " سو يا سو " و" حط الدبلة " و " بكار " و ...
كنت أراقب مباركًا نجاح كوثر بوصفها صديقة قديمة لم أقابلها بعد!!


اللقاء

  كان المخرج الأشهر يوسف شاهين مهووسًا بالإيقاع ، لا تخلو أفلامه من أغنية أو رقصة أو موسيقي أو حتى  نبرة صوت خاصة  يضبط على إيقاعها موسيقاه هو الداخلية ، ولذا لم يكن غريبًا أن يستعين بكوثر لكتابة أغنيات فيلمه المصير .

كان المصير عن رؤية شاهين لعالم الفيلسوف ابن رشد ، وكنا جماعة من شباب الكُتّاب نكتب في جريدة الدستور في إصدارها الأول في النصف الثاني من التسعينيات ، رأينا أن رؤية شاهين مشوشة ومفتعلة وأن ابن رشد أعمق وأخطر من أن يتناوله شاهين في تلك العجالة .

شرّحنا بقسوة جسد الفيلم وكان من نصيبي كتابة مقال حمّل عنوانًا ساخرًا " وأنكل ابن رشد وطانط زينب " سخرتُ  فيه من رؤية شاهين المتفرنجة لشيخ من شيوخ أمة الإسلام .

كل كُتّاب الصحيفة حملوا على الفيلم واستثنوا أغاني كوثر ، وخصوها بمديح ليس فوقه مديح ،  خاصة أغنيتها العلامة " لسه الأغاني ممكنة " التي لحنها لها الموسيقار الكبير كمال الطويل .

يومها قلت  لنفسي :" لقد آن أوان اللقاء بصديقة قديمة ",
شقيت حتى عرفت عنوان بيتها ، فكوثر التي تشعل أغانيها وقصائدها الشارع لا يعرف أحد عنها شيئًا ، دخلت بيتها فرأيت جدرانه ترشح شعرًا ، ليس في جملتي تلك أدني مجاز أو مبالغة .

كان ذو خط جيد جميل قد كتب لكوثر كلمات قصائدها على جدران بيتها.

سألتها متعجبًا :" لهذه الدرجة يفتنك شعرك ؟".
أجابت ببساطة :" ولماذا لا تحسبه نوعًا من الونس ؟؟".
ألقمني ردها حجرًا ، تخلصت منه بأن رحت أحكي لها عن صديقتي التي عرفتها وأنا محموم في بيت أبي قبل أكثر من عشر سنوات .

قطعتْ سياق حكاياتي بأن ضحكتْ وقالت :" ها قد التقيت بصديقتك القديمة ".

منذ ذلك اليوم البعيد وكوثر تكتب كأنها ستعيش أبدًا أو ستموت غدًا ، لقد كتبت لأصوات كثيرة منها ريهام عبد الحكيم " هى الحياة كدا ليه بقي ليها لون تاني ؟"  " ولآمال ماهر " يا عيني عليكي يا طيبة و" لحنان ماضي " شدي الضفاير " ولسيمون " كان فيه زمان بنوته " ولنيهال نبيل " فص زمرد فص ياقوت " .

لقد كتبت أكثر من ثلاثمائة أغنية لمختلف الأصوات من محمد منير نهاية بحنان ترك .

كما كتبت الصياغة الشعرية لمسرحيات " مخدة الكحل " من إخراج انتصار عبد الفتاح و " أولاد الغضب والحب " من إخراج ناصر عبد المنعم و " إحنا وظروفنا " من إخراج حسام عطا .

وقد نشر لها اتحاد الكتاب ودار الحضارة للنشر ديوانها الثاني " لسه الأغاني ممكنة " ونشرت لها دار ميريت ديوانها الثالث " حكاية ديل حصان " .

على مدار سنوات تلك الرحلة اقتربت من كوثر مصطفى حتى أنني كنت شاهدًا على ميلاد العديد من أعمالها ، ولا أنسى يوم التقينا في شارع جامعة الدول العربية وكانت كلمات قصيدتها " مدد يا رسول الله " تفور بداخلها ، وعندما غادرنا مقهانا بلغ توترها مداه ، فطلبت منها أن تدندن لي لحن القصيدة التي سيغنيها منير ففعلت ، فرحت أنا أكمل اللحن مغنيًا " مدد مدد مدد يا شاذولي مدد "

وقلت لها هذا لحن نغنيه نحن الصعايدة في حضرة ولي الله أبي الحسن الشاذلي .

قالت :" أعرف هذا ، وأبحث عن كلمات فصيحة بسيطة تليق بلحن شائع ".

ثم فجأة توقفت عن السير وأخرجت ورقة وضعتها فوق مقدمة سيارة متوقفة بجوار الرصيف وتناولت قلمًا وكتبت  
:" أقسمت بالفرقان
و بسورة الإنسان
العدل في الميزان
لكل خلق الله
مدد يا رسول الله
أقسمت بالإسراء
و براءة العذراء
الدم كله سواء
حرام بأمر الله
أنشودة المسيح رسالة حرة
علي الأرض السلام
و بالناس المسرة
مدد يا رسول الله".
كانت الأغنية ردًا على الذين اتهموا كل العرب وكل المسلمين بالضلوع في كارثة 11 سبتمبر .

ومع القرب الشديد كان للأيام حكمها ، فكنا نفترق لشهور بل لسنوات فإذا ما عدنا للقاء كنا نواصل ما انقطع من أحاديثنا كأننا لم نفترق .

يوم التتويج 

من محاسن  الثورة المصرية ( 25 يناير 2011) أنها ردت  في أيامها المجيدة لكل ذي حق حقه .
جاءت جمعة الشهداء المعروفة إعلاميًا باسم جمعة الغضب ( 28 يناير 2011) كنت مع هؤلاء المحتشدين أمام كوبري الجلاء ، محاولين الدخول إلى ميدان التحرير ، يومها كانت ملحمة الغاز والخرطوش والرصاص الحي والصمود الأسطوري لشعب المساكين . نال التعب من شباب شعب المساكين فتحلقوا في هدنة مع الغاز والرصاص الحي حول تمثال العميد طه حسين الذي يقف على رأس الكوبري .

قرأت أنا تلك الدائرة الشبابية بوصفها رد من العقل الباطن لشباب شعب المساكين لحق جدهم الأكبر طه حسين ، الذي كافح كثيرًا لكي ينال هؤلاء حقهم في التعليم المجاني .

اكتملت الدائرة حول الجد طه حسين وانبعث صوت حفيد من الأحفاد مغنيًا
:" سو يا سو والشعب حابسوه
 حبيبي عايز ياسمينه
ومنين أجيب ياسمينه ؟
ما علوا السور علينا
حبسوني وحابسوه ".

عشرات الآلاف من الأحفاد رددوا مع الحفيد كلمات كوثر ، ثم أعادوا لها حقها عندما غنوا معًا بصوت واحد
:"   على صوتك بالغنا
لسه الأغاني ممكنة
و لو فى يوم ، راح تنكسر ، لازم تقوم
واقف كما النخل باصص للسما
ولا انهزام .. ولا انكسار
ولا خوف ولا .. ولا حلم نابت فى الخلا
على صوتك على صوتك بالغنا
غنوتك وسط الجموع
تهز قلب الليل فرح
تداوى جرحى اللي أنجرح
على صوتك ... على صوتك بالغنا ".

أخرجت هاتفي المحمول لكي أطلب من كوثر الحضور الآن لتشاهد تتويجها ولحظتها العظمى ، ولكن نظام حسني مبارك كان قد قطع الاتصالات ، من الظلم البين أن تفوت كوثر هذه اللحظة ، شباب شعب المساكين يطوف بكلماتها حول جسد طه حسين .

كدنا نهزم تحت وطأة ضربات الشرطة ، ولكن جاءنا المدد ، مظاهرة حاشدة من إمبابة يقودها الفنان فتحي عبد الوهاب ، تبعتها مظاهرة من الهرم وفيصل والجيزة يقودها زياد العليمي ، وفيها تسير كوثر تحجل بعد أن أنكسر كعب حذائها .

فجأة وجدت كوثر تقف في مواجهتي ، صحت فيها :" قبل قليل كان الشعب يغني كلماتك في مواجهة الرصاص الحي ".
بكت كوثر متأثرة بكلامي ، ثم قالت :" إنه شعبنا ،وسينتصر ".

في طريقنا إلى التحرير قالت كوثر :" لم أحصل على أي تكريم من أي جهة كانت سوى مجلة روز اليوسف التي منحتني درعها  بعد أغنية فيلم المصير ، لكن الليلة في قلب هذا الموت أنت أخبرتني بأن الشعب توجني ، لست نادمة على شيء ولا أطمع في أكثر من مواصلة الونس بالشعر ".

ستظل كوثر كما كتبت عن البنت الكونية
بنت بتشبه للوطن ليها من الأسماء كتير
هي الليالي وحلمها
هي أنات المواجع
هي إنت وهي و أنا
 في كل حارة وكل شارع
بس باقي لسه باقي
 لسه أجمل حاجة فيها 
لسه نبض القلب حي
ولسه قوة الاحتمال
لسه فيها صمود وصبر
تقدر تشيل حمل الجبال
بنت تشبه للوطن ".

أقلب الآن بين يدي مسودات أعمالها الشعرية الكاملة التي ستصدر قريبًا عن دار نشر أوراق تحت عنوان " يا ليل يا عين يا أغاني ".  وتتضمن دواوين "موسم زرع البنات  " و " حكاية ديل حصان " و " لسه الأغاني ممكنة " و " مركب ورق " و " نص ميت نص حي".

أقرأ فأتذكر مرضي في بيت أبي عندما كنت أرتب لصداقة أكيدة مع شاعرة لا أعرفها ، فأسمعني أهتف :" حقًا لسه الأغاني ممكنة ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نُشر المقال بجريدة أخبار الأدب  عدد الأحد 6 ديسمبر 2015

السبت، 5 ديسمبر، 2015

في الطريق إلى كوثر مصطفى .. بنت بتشبه للوطن ( 1 ـ 2 )





العتبة الأولى
بنت تشبه للوطن 
ليها من الأسماء كتير
نفس الملامح والقدر
نفس البداية والمصير
هي الليالي وحلمها
هي أنات المواجع
هي إنت وهي  أنا
في كل حارة وكل شارع .

مَنْ تلك البنت التي كتبتْ عنها كوثر مصطفى قصيدتها  التي غناها محمد الحلو ؟.
إن قلت إنها بنت من ملايين البنات فأنت محق لحضور اللفظ والمعنى في القصيدة .

وإن قلت إنها البنت الكونية الأجمل من كل جميلة ، التي نعرفها باسم مصر ، فأنت تقرأ المعنى البعيد ، وهذا يجوز ولا غبار عليه.

أما أنا فأقول بدون لعثمة ، إن البنت  التي في القصيدة هى ذاتها كوثر مصطفى التي في الحياة .
اصبر على القراءة وستأتيك الأدلة .

العتبة الثانية

ليس في عائلة كوثر فنان أو أديب اللهم إلا زوج شقيقتها الناقد الراحل الدكتور محمود العزب الذي لمح تفرد هذه البنت  بين أفراد عائلتها فأحتضن موهبتها الوليدة وأتاح لها مكتبته التي نهلت منها حتي سافر العزب إلى فرنسا  ليعمل أستاذًا بجامعة السربون .

بسفر العزب غاب الراعي الحاضن ولكن كوثر أصرت على السباحة في بحر الشعر ، ربما من باب الوفاء للأستاذ المعلم .
كانت كوثر تعطي نهارها للشعر وليلها لدراسة اللغات الشرقية في كلية البنات حتى حصلت على الليسانس  في بدايات الثمانينات .

محصولها من الشعر تقدمت به إلى سلسلة نشر من سلاسل وزارة الثقافة ، وبعد وقت طال ، جاءها الرد :" مجموعتك الشعرية لا ترقى لمستوى النشر ".

تلك الجملة الحاسمة الباترة ، تستطيع قصم ظهر أي مشروع ، ولكن كوثر المتحدية كتبت عن بنتها الكونية
"بنت بتشبه للوطن
 هي القمر
بس يا خسارة القمر
إنطفي نوره الجميل
بنت تشبه للوطن وليها من الأسماء كتير
هي العصية ع الزوال
هي اللي صابرة ع العطش
زي الصحاري والجمال
 قايمة ونايمة بالعطش ".

العتبة الثالثة

رأت كوثر أن تحصل على دبلومه في الفنون الشعبية فقدمت أوراقها ، وجاء يوم امتحان القبول ، كانت لجنة الامتحان برئاسة الراحل الكريم الدكتور عبد الحميد يونس رائد دراسات الفن الشعبي.

سأل الرجل الكبير كوثر  :" لماذا الفن الشعبي ؟"
أجابت :" لأنني أحبه ".
سألها :" وما علامة حبك له ؟ ".
أجابت :" ليلى يا ليلى يا ليل
لا بتنطفي نجمتك
ولا شمعتك بتزول
دخلت قلب نعيمة
قلب البنية دليل
كلبشت بين بزينها
عششت في العنتين
دقولها زار ما نفع
كتبوا الحجاب بالليل
إنك يا ليل ح تولي
والكلمة قالها مغني
ليه اندبح في الليل
ليلى يا ليلى يا ليل ".
صاح الرجل الكبير :" لمن هذا الشعر ؟".
ردت كوثر :" هذا شعري استوحيت فيه شيئًا من قصة حسن ونعيمة".

عاد يونس يسألها :" وأين أجد أشعارك ؟"
ردت :" لقد اخترت منه ما رأيته جديرًا بالنشر وأرسلته إلى سلسلة من سلاسل وزارة الثقافة فقالوا لي : إنه لا يرقى لمستوى النشر ".

ظهر الغضب على وجه يونس ثم قال لكوثر :" أرسلي لي بشعرك على عنوان بيتي ".
أرسلت كوثر ديوانها الأول المرفوض من سلسلة وزارة الثقافة  إلى عبد الحميد يونس الذي قرأه وكتب عنه دراسة ونشره تحت عنوان :" موسم زرع البنات " من سلسلة اشراقات أدبية التابعة للهيئة العامة للكتاب !!

التحقت كوثر بمعهد الفنون الشعبية ، سعيدة بأن تتعلم على يد الرائد عبد الحميد يونس ، ولكن الرجل غادر دنيانا بعد قليل ، ثم في نوبة من النوبات  الجنونية التي تصيب مؤسسات الدولة  قال المعهد :" إن الطلاب الحاصلين على تقدير مقبول من كلياتهم ليس مرحبًا بهم هنا".

ولمّا كانت كوثر من هؤلاء الحاصلين على تقدير مقبول من كليتها فقد غادرت المعهد مع المغادرين .
البنت الكونية ستكتب :
" هم اللصوص ووراها  طلقين العسس
هم الجناة وهي الحبيسة في القفص
كمموها وقيدوها عصبوها وعجزوها
مسخوها ومساخوها
توهوها وغربوها ".

ثم ستلتحق بمعهد التذوق الفني لتتخرج منه بتقدير جيد جدًا ، ربحتْ الشهادة لكنها خسرتْ عبد الحميد يونس .

العتبة الرابعة

في صيف العام 1989 عدت من القاهرة إلي بيت أبي في أسيوط  في إجازة قصيرة ، فجأة ضربني مرض غامض ، رغم حر أسيوط الشهير وسخونة شمسها كنت أرتجف من شدة البرد ، عرضني أخي الحاج حمزة ـ  رحمه الله وعوضه عن شبابه بالجنة ـ على أكثر من طبيب ، تضارب التشخيص والعلاج حتى كدت أهلك .

قال طبيب : أتركوه فكما مرض سيشفى !!.
ظللت لأيام أتعاطي أدوية غامضة وأعيش على السوائل ، حتى جاء يوم جاءني فيه شقيقي بكل ما وقع تحت يده من جرائد ومجلات وكتب ، وذلك للتخفيف عني وشغلي عن مرضي بالقراءة .

ذهبت كل الكتب إلي غياهب النسيان وبقي عنوان واحد ساطع متحدي ، كان عنوان ديوان كوثر مصطفي الأول " موسم زرع البنات ".

قرأت الديوان وأغلقته على عزم أكيد بأن هذه الشاعرة ستكون صديقتي يومًا ما !!.

العتبة الخامسة

في بداية صيف العام 1990 كان المخرج السينمائي خيري بشارة  يتناول من فرشة بائع جرائد جرائده ومجلاته ، عندما أستوقفه كتاب يحمل عنوان " موسم زرع البنات ".

تناول الكتاب وتصفحه فوجده مقدمًا بدراسة من عبد الحميد يونس.
عاد بالديوان إلى بيته وقرأه بيتًا بيتًا فبهره شعر شاعرة لم يكن قد سمع باسمها قط ، راح يبحث عن هذه الكوثر مصطفى بلا جدوى ، ثم توصل إلى هاتف  موظف الهيئة العامة للكتاب الذي وقع  مع كوثر عقد نشر ديوانها ، ومن الموظف حصل على هاتف كوثر ، ودعاها إلى بيته في شبرا لكي يعبر لها عن إعجابه بشعرها .

ذهبت كوثر إلى بيت خيري بشارة فوجدت المطرب الشهير محمد منير في استقبالها .

العتبة السادسة

علاقتي بميدان التحرير مشوشة ، بل قد تكون مشوهة ، كثيرًا ما رأيت الأحبة يفترقون هناك ، كثيرًا ما ضاق صدري بترابه وضجيجه و غلظة سائقيه ، بيني وبين نفسي أؤمن أن أرض الميدان تهبط بالسائرين فيها ناحية شارع القصر العيني ، ولذا فأنا بيني وبين نفسي أطلق على السائرين ناحية القصر العيني لقب المنحدرين ، ذات عصر شتائي كنت أسير في التحرير مع صديقي سعيد شعيب ، كانت سيدة دقيقة التكوين تنحدر ناحية القصر العيني مع المنحدرين ، قال سعيد بعد أن أبتلع الانحدار السيدة :" دي كوثر مصطفى ".
يومها عاتبت سعيد بقسوة أدهشته لأنه أفلت مني فرصة التعرف علي صديقة مؤجلة !!.

العتبة السابعة

في صالون بيت خيري بشارة كان يجلس محمد منير ويسرا وحسين الإمام والسيناريست الدكتور يحيى عزمي ، كانوا يحضرّون لفيلم " طعم الحياة " الذي سيخرجه خيري وينتجه المنتج الكبير حسين القلا.

بعد أن هدأت حرارة الترحيب قال خيري لكوثر :" ستكتبين لنا أغاني الفيلم ".

تخوفت كوثر من الإقدام على تجربة جديدة فاعتذرت بأنها شاعرة وليست كاتبة أغاني ، وأضافت بأنها حتى في شعرها لا تلتزم بقاعدة أو قانون .

قاطعها خيري :" ولهذا السبب تحديدًا أريدك ، لديك ما أبحث عنه من نَفْس شعري طازج وبكر ، معي ستكتبين ما لم تكوني تظنين أنك ستكتبنه أبدًا ".

مع خيري ستكتب كوثر كتابة جديدة عليها ، كلمات شقية متدللة يلحنها حسين الإمام وتغنيها بطلة الفيلم يسرا .
" جت الحرارة في قلوب العذاري
البيض الأمارة ، دبلوم التجارة
آلو
جت الحرارة في الخط المسمّسم الرقة المقسّم
تضحكله يبسّم يديلك حرارة ".
في الفيلم نفسه ستكتب كوثر أغنيات " اخرج من بيبان الحارة الضيقة " و " مكرونة بالصلصة " و" يا يمام ".

لظروف إنتاجية لم يظهر الفيلم إلى النور ، ولكن منير ويسرا سيغنيان الأغاني بعيدًا عن سياقها الدرامي في الفيلم ومع ذلك ستسجل نجاحًا لافتًا .

ربما لفشل مشروع الفيلم ، وربما لأساب أخري ستقرر كوثر السفر إلى أسبانيا والإقامة فيها إلى الأبد ، ولكنها قبل السفر كتبتْ خطابًا إلى محمد منير تخبره فيها بأنها تهديه كل أغاني الفيلم ومعها قصيدة جديدة تقول يقول مطلعها

:" ساح يا بداح
ما الذي كان ومعدش وراح
قمر انطفي وانكفي واختفى
نهر ما بلش حتى الريق
وآه يا براح عمًال بيضيق
صبح وزيه الصبح التاني
ليل ملضوم في الليل التاني
وأنا مش رايح
وأنا مش جاي
وأنا مش واقف حتى مكاني ".

بعدما قرأ منير الخطاب والقصيدة ، حاول الوصول إلى كوثر ولكنها كانت بعيدة جدًا ، لقد فعلتها وسافرتْ للإقامة في أسبانيا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة أخبار الأدب العدد 1167 يوم الأحد 6 ديسمبر 2015

السبت، 21 نوفمبر، 2015

مناقب سيد صومال














نسبه ومولده

هو سيد (في الرقم القومي السيد) بن أحمد بن إبراهيم بن عبد المجيد. ومن هنا انقطع نسبه ولا نعرف له جدًاأبعد من عبد المجيد هذا. أمه هي فتحية (ويقال شربات) بنت إسماعيل بن حنفي السقا.


في اللحظة التي دخل فيها صدام حسين الكويت خرج سيد من رحم أمه فتحية. الذين حضروا تلك اللحظة اختلفوا اختلافًا كبيرًا بخصوص بقعة الأرض التي لامستها رأس السيد فور اندفاعه من رحم أمه ، بعضهم يقول " الدويقة " وفريق يقول "شبرا" وثالث يقول " الدرب الأحمر " وهناك بعض آراء تنسبه إلى أرض الإسكندرية وأخرى تنسبه إلى الصعيد. سنسكت عن هذا التضارب لعلمنا بأن الجهل بمسقط الرأس لا يضر كما أن العلم به لا ينفع. لا يفوتنا أن نسجل قبل الانتقال إلى فصل جديد أن السيد هو وحيد أبويه ، أحمد الذي يعمل مبيض محارة وأمه فتحية التي لا يعرف لها عمل سوى "الحكي مع الجارات" وتربية البط في حيز صنعته بقطع الصاج أمام باب الغرفة التي هي كل مسكن الأسرة، وإن كان أهل زمانها يشهدون بحرصها ـ وهي التي لا تفك الخط ـ على إلحاق السيد بالمدارس.


طفولته والأصل في لقبه

في ظرف تاريخي بالغ التعقيد والغموض انتقلت أسرة السيد من مسقط رأسه (الذي لا نعرفه على وجه اليقين) إلي الإقامة في حجرة أعلى سطح عمارة بشارع رمسيس. ليس عسيرًا عليك تخيل السطح بغرفه الضيقة وحمامه المشترك وضجيجه وتناقضات ساكنيه ومشاجراتهم وأفراحهم القليلة. وسط هذا العالم العجيب قضى سيد طفولته، ملعبه السطح وحارات الأزبكية المجاورة وشوارع كلوت بك الضيقة المتعرجة.



أما عن لقب "صومال" الذي التصق به فأصبح أشهر من اسمه فقد وصل إلينا ما قالته عطيات بائعة الترمس عن صابر العجلاتي عن زوجته أم أشرف وهي صديقة أم السيد أن سيدًا مذ كان في اللفة وهو لا يحب من جنس الفاكهة سوى "الموز الصومالي" وما إن عرفت قدماه المشي حتى امتدت يداه إلى فرش عاطف الفكهاني ولم يكن يسرق من بين أنواع الفاكهة سوى أصبع أو أصبعين من الموز، ومن هنا جاء اللقب.



ولكن لأن التاريخ أمانة فإن الأستاذ شحاتة محمود المحامي الشاب (غرفته لصق غرفة أسرة السيد) قال في معرض تبرير لقب السيد: "حالة أسرة سيد المادية كانت الضنك بعينه والولد في طفولته الباكرة كان شديد السمرة إضافة إلى نحافة تلفت النظر ومن هنا أطلق عليه زملاء الدراسة لقب صومال وهذا شغب مصري سخيف ومعروف ".



وسواء صح هذا السبب أو ذاك فقد أصبح السيد يعرف باسم سيد صومال منذ كان في الصف الثالث الابتدائي.
بالجملة ليس في طفولة سيد ما يثير الاهتمام اللهم إلا شروده الدائم حتى ليظنه الرائي من الذين يتعاطون الكيوف والحشيشة.



علمه وأساتذته

عرف السيد العلم والتعليم أول ما عرف في مدرسة " أم عباس " الابتدائية المشتركة، لم يكن هناك كثير ود يربطه بالمدرسة، وكثيرًا ما سمع الجيران السيد وهو يسب أم عباس التي ابتلته بمدرستها ، تلقى السيد العلم على يد جماعة من الذين أطلق هو عليهم وصف "الرمم" فيما بعد سيتوسع السيد في استخدام هذا الوصف فيطلقه على كل الكاذبين والمنافقين وغليظي الطبع وعلى كل أصحاب الأصوات الصاخبة وعلى كل الذين يضربون الناس بلا سبب.



قال لي بعض مجايليه: "كان سيد صومال غبيًا لا يفهم وشديد النسيان لا يحفظ ، وشديد الفقر لا يتعاطى الدروس الخصوصية، وتلك الخصال الثلاث جعلت الأساتذة يصبون عصيهم على جسده النحيف، كان سيد يعاقب لأتفه سبب وكثيرًا ما عوقب لغير سبب، وهو من ناحيته لم يكن يستسلم للعقاب فقد كان مثل الجمل يخزّن غضبه ثم ينفجر في ساعة يحددها هو ولذا فقد كمن مرة وهو في الابتدائي لأستاذ الحساب وقذفه بحجر أسال دمه وكذا فعل مع مدرس الإنجليزية في الإعدادية، أما مدرسة الجغرافيا أبلة فاتن فقد أقسم أنه سيقذفها بقرطاس من الشطة السودانية وقد أبر بقسمه".



السر في شروده

بعد حصوله على الإعدادية التحق السيد بالمدرسة الثانوية الصناعية، هناك لم يتعلم شيئًا سوى شيء واحد فقط، لقد عرف هو بنفسه دون مساعدة من أحد سر شروده.


 
داخل جدران المدرسة الكالحة تذكر السيد أنه أمضى عمره يتأمل الآلات، كل الآلات، من الغسالة البرميل إلى أحدث أنواع الهواتف المحمولة. كانت تتملكه رغبة عارمة في معرفة كينونة الآلة، كيف تعمل ومتى يصيبها العطب وكيف يتم إصلاحها؟.



يكون السيد مستلقيًا على الكنبة التي ينام عليها ولكنه يستطيع إخبار الذين من حوله بماركة السيارة التي تمر بالخارج فهذه فيات وتلك مرسيدس أما الثالثة فـهي بيجو.
أما الموتوسيكل أو "المكنة " فكان عشقه الضارب في جذور قلبه.



تجرأ يومًا وهو في سنوات دراسته وقدم نفسه للأسطى محمد مصطفى صاحب ورشة تصليح الموتوسيكلات في " غمرة ". قال للأسطى بكثير من الثقة: "أنا أعرف منزلتي لست الولد بلية صبي الميكانيكي ولست المهندس الذي تجلب له المقعد وفنجان القهوة. سأعمل بأجر رمزي ولكن أحذر من التعامل العنيف معي، لا أكره شيئا أكثر من كراهيتي شتم أمي، أما لو فكر أحدهم في ضربي فأنا أرد الصاع صاعين".


  
بعد قليل سيكتشف الأسطى أن الولد سيد ـ بسم الله الرحمن الرحيم ـ من الجن. كان السيد يفك الموتوسيكل جزءًا جزءًا ، يكوم الأجزاء أمامه ثم وهو شارد شروده الأزلي تبدأ يداه في العمل، لا يمضي اليوم إلا وقد عاد الموتوسيكل الميت إلى الحياة. من أجل أمه فقط جمع سيد بين دراسته والعمل في الورشة حتى حصل على الشهادة وعلى موتوسيكل ألفه من بواقي الموتوسيكلات المعطوبة.


حياته الخاصة

عندما هاجمت علامات البلوغ جسد السيد لم يلق لها بالًاهو يعرف ما فيها، شعر هنا وهناك وصوت خشن وعلبة سجائر مالبورو أحمر سيتقاسمها مع أبيه.



اعترف مرة بأن الأمر شهد بعض التعقيدات. فجأة وبدون سابق إنذار اكتشف السيد أن "صفية " (غرفة أسرتها الرابعة على يمين السلم) تمتلك جسدًا قويًا ولينًا ومتناسقًا يشبه الموتوسيكل الجاوا. شاهدها منحنية تكنس البقعة المتربة دائمًا التي أمام غرفة أسرتها فضربها برقة على ردفيها، وعندما اعتدلت مفزوعة قرص نهدها الأيسر.



شلت المفاجأة جسد صفية ولكنها لم تصرخ وتساقطت دموعها سريعًا وقالت له: "برضه كدا ، اخص عليك دا أنا زي أختك".


ليلتها حزن السيد جدًا وأقسم أنه لن يفعلها ثانية، لكنه فعلها ثانية وعاشرة وفي كل مرة كانت صفية تبكي وكان هو يحزن إلى أن كفت عن البكاء وكف عن الحزن وأصبح مألوفًا أن يحتضنها.



دينه وتقواه

لا يتأخر السيد عن صلاة الجمعة أبدًا، ويداوم على صوم رمضان، قد يصلي أوقاتًا متفرقة حسب ظروف نفسيته، لا يعرف عن الدين سوى شخص النبي محمد، يتخيله رجلًا طويلًا  قمحاوي اللون له أسنان بيضاء نظيفة وكف لين ناعم ورائحة ذكية.



إذا ذكر أحدهم شيئًا عن النبي خرج سيد من شروده وقال بيقينه التام: "النبي ماعمروش ضرب حد أو حتى شخط في حد ، النبي كان حنين".



وطنه

يعرف السيد أن مصر هي وطنه وأن اسم شهرتها هو " أم الدنيالكنه في قرارة نفسه لا يعرف عنها سوى أنها البلد الذي يصلح فيه الموتوسيكلات.

عشقه وغرامه
 
كانت صفية المرشحة الأولى بل والوحيدة لأن تكون عشق السيد وغرامه، خاصة بعد أن انتشرت بين الجارات أخبار الأحضان التي بينها وبينه، بل إن صفية ذاتها بدأت تتعامل معه بوصفه زوجها القادم أو على الأقل خطيبها المرتقب.



من ناحيته كان لا يعلق إلا بجملة واحدة: "أهو كلام".
الحقيقة كما تأكدت منها أن تعليق السيد الذي يبدو مستهترًا كان يستر به وجود قصتيّ غرام قيدتا روحه فلم يعرف الانطلاق سوى في مداراتهما.



لن نلتفت إلي غرامه بالموتوسيكلات فهذا أمر فرغنا من ذكره. القصة الثانية تربطه بالممثلة الشهيرة (هند صبري).



يذكر السيد التاريخ جيدًا لأنه كتبه بقطعة فحم على جدار غرفة أسرته، ليل الخميس الموافق 18 أغسطس 2008 ، كان الجو خانقًا وكانت أمه قد أخرجت التلفزيون إلى مكان فارغ بين الحجرات، كانت تجلس مع الجارات يحكين ويشاهدن فيلم "ملك وكتابة " ألقى السيد عليهن السلام وجلس بالقرب منهن في تلك اللحظة التي كانت هند صبري تجلس على شاطئ البحر مع محمود حميدة وتغني له عابثة "حب إيه اللي أنت جاي تقول عليه "
لا أمه ولا الجارات عرفن ذلك الشيء الذي تنزل على روحه كأنه النفحات الإلهية التي يسمع عنها،  كانت هند تغني وكان نسيم البحر يبعثر شعرها وكانت أسنانها العلوية بارزة ناصعة البياض نظيفة وكان الجاكت الجينز يضم جسدها في حنان، لحظتها وقع السيد في غرامها، غرام عاقل ليس فيه من جنون العشق شيء، فهو لم يقم مثلًا بوضع صورها على حيطان غرفته، ولم يسع مرة إلى دار سينما تعرض فيلما من أفلامها، بل لم يكن حريصًا على تتبع مسلسلاتها، كان يدرك تمامًا من هي ومن هو، لقد اكتفى بأنه أحبها وانتهى الأمر، فقط كان يشاغبه حلم مجنون. كان يحلم بأن تركب خلفه موتوسيكل جاوا تحتضن بيديها خاصرته وتضم ظهره في حنان، ينطلق بهما الموتوسيكل على كورنيش المعادي ويكون الزمن شتاء وتغني له، له وحده " حب إيه اللي أنت جاي تقول عليه".



عضويته في كفاية

إذا سألت السيد عن السياسة والسياسيين فسيرد عليك : "دول عالم رمم ".
إذن ما الذي قذف بالسيد في بحور السياسة؟
إنها الأستاذة "ريم عبد الوهاب " المحامية. كانت ريم تتظاهر مع أصحابها وصاحباتها أعضاء حركة " كفاية " اعتراضًا على شيء لا يعرف السيد ما هو، كانت التظاهرة كالعادة فوق سلم نقابة الصحفيين وكان السيد يتجول في شارع شامبليون باحثًا عن قطعة غيار لموتوسيكل يخص زبونًا من زبائن الورشة، بعد شرائه لقطعة الغيار سار باتجاه شارع عبد الخالق ثروت لكي يقطعه وصولًا إلى محطة مترو جمال عبد الناصر لكي يستقل المترو عائدًا إلى الورشة في غمرة، أمام النقابة توقف مبهوتًا، كان أحد ضباط الشرطة يسحل "ريم" لماذا تعلقت عيناه بها دون غيرها من المسحولات والمسحولين؟ السيد لا يعرف سوى إجابة واحدة.. "القسمة والنصيب ".



دون تفكير في العواقب اندفع السيد ليخلص ريم من بين يديّ الضابط، ناله ما ناله من الضرب والشتم لكنه خلصها وقادها عبر شوارع متعرجة يعرف هو جغرافيتها جيدًا لتجد نفسها جالسة بجواره على دكة أسمنتية في أول كورنيش المعادي.



سطح النيل رصاصي باهت ونسمة تداعب الموج وريم تحكي لسيد عن " الرمم " الذين سحلوها و"الرمم" الذين يسخرون منها بينما هي تحلم لهم بمستقبل أفضل.



حكت ريم في اندفاعة غير محسوبة عن حركة كفاية وبداية تأسيسها ودورها في إسقاط حاجز الخوف.
لم يعلق السيد سوى بجملة بسيطة: "أنا مبحبش حد يضرب حد أو يهين حد".


كفاحه ونضاله
 
العجيب أن ريم بنت الشريحة العليا في الطبقة المتوسطة قد تأثرت بجملة السيد بل تأثرت جدًا بتكوينه كله، أما السيد فلم تكن المقابلة مع ريم تمثل له حدثًا استثنائيًا، هو لم يصنع شيئًا خارقًاكل ما في الأمر أنه أنقذ مظلومة.



عندما كانت ريم تدعوه للمشاركة في مظاهرة كان يشارك وإذا كلفته بتوزيع منشور كان يوزعه وإذا طالبته بترديد هتاف معين في مظاهرة معينة كان يلبي طلبها.


 
كانت ريم مفتونة بهذا الذي يقتحم المخاطر بذات السهولة التي يدخن بها سيجارة المالبورو الحمراء.
السيد لم يكن يشاركها ذات النظرة ونفس الفهم ، هو ضد الرمم وهذا كل ما في الأمر.
قالت له ريم ذات مظاهرة جمعتهما: "يوما ما يا سيد سننتصر وسيذهب حسني مبارك وأولاده وأعوانه إلى مزبلة التاريخ ، يومها يا سيد سينعم الرمم الذين يسخرون منا الآن بحياة أجمل بفضل كفاحك ونضالك، سيذهبون يا سيد إلى الانتخابات التي لن تزور ولن يذكر أحد أنك الذي جلبت له تلك النعمة، ستقفز رواتبهم ولن يذكرك أحد، ستتحسن مدارس أولادهم ولحظتها سينسونك، أنت يا سيد تبني الآن مستقبل الوطن".



ضحك السيد لأنه لم يفهم كلمة من خطبة ريم وعقب عليها قائلًا: "ربنا يسهل ".

بصقة واحدة
موتوسيكل السيد الذي ألفه من بواقي الموتوسيكلات لم يخذله أبدًا ، كان دائمًا يربت على الموتوسيكل قائلًا"مكنة أصيلة ". تلك المكنة الأصيلة حملت جثامين شهداء شارع محمد محمود وأنقذت أرواح مئات المصابين. انتهت المعارك وأصبح السيد أحد أشهر قائدي الموتوسيكلات المنقذة. من ناحيته كان دائمًا يرجع الفضل إلى الله ثم لأصالة المكنة التي ما إن يلمس دواسة وقودها حتى تنبت لها أجنحة وتطير حاملة المصابين والشهداء.


لم يصب السيد بخدش واحد في كل معارك الثورة المصرية التي شارك فيها منذ يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من يناير .


عندما اندلعت معارك مجلس الوزراء ذهب السيد بمكنته ليشارك في حمل جثامين الشهداء وإنقاذ المصابين. مر اليوم الأول كما مرت أيام من قبله، وكذا مر اليوم الثاني، ضحى اليوم الثالث كانت المعارك حاسمة، سمع السيد ضابطًا يقول للثوار: "أنتم أو نحن ".



جملة الضابط جعلت الثوار في حالة جنونية، أما السيد فلم يهتم، هو يعرف عمله جيدًا ولا يدع شيئًا يفسده، عندما كان يحمل جثمان الشهيد الثاني من شهداء اليوم الثالث، قطع عليه الطريق نفس الضابط صاحب الجملة الجنونية، صرخ في وجه السيد: "ألم أقتلك من زمن مضى؟".



لم يستوعب سيد صومال سؤال الضابط وضغط على دواسة الوقود فضغط الضابط على زناد المسدس، زاد سيد صومال من سرعة المكنة ، أطلق الضابط رصاصة واحدة اخترقت مؤخرة رأس السيد الذي تمكن قبل سقوطه من أن يبصق بصقة واحدة باتجاه الضابط.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت هذه القصة فى المجموعة القصصية "ليلة دخلة شيماء" الصادرة عن دار أوراق للنشر عام 2013