الأحد، 30 نوفمبر، 1997

غسيل الأشعار



يجمع أحدهم أموالاً من مصادر قذرة مثل تجارة المخدرات أو الرشاوي أو تجارة السلاح ثم يشتاق إلى "الشرعية" فيؤسس بماله الحرام مشروعاً "نظيفًا" فيختلط ماله القذر بمال المشروعات النظيفة فيصبح الجميع – الرجل وماله – شرعيًا ومشروعًا في نظر المجتمع صاحب الذاكرة المثقوبة أو المتثاقبة.

رجال الاقتصاد يطلقون على مثل هذه العمليات "غسيل أموال" غسيل الأموال هذا انتقل بقدرة قادر من أروقة البورصة وزوايا البنوك إلي قلب الندوات الأدبية ليأخذ اسم "غسيل الأشعار" فأحدهم بعد أن يسطو على إبداعات الآخرين يلجأ إلي أعوانه الذين يسارعون إلى إقامة ندوة يتحدثون فيها عن تجربة صاحبهم الشعرية ومعاناته الإبداعية ودوره التنويري ومسيرته النضالية.. ثم يلتقط صاحبنا خيط الحديث ويصنع "كرة" من الأكاذيب يراوغ بها أصحاب اليقين ويظل يزعم أنه يرهق نفسه في الإطلاع على أمهات الكتب "ليتواصل" مع التراث وأنه وأنه وأنه...!.

ومن مباخر الأعوان ومفاخر صاحبنا يتصاعد دخان يعمي الأبصار عن حقيقة ما يجري على المسرح.. ففي مثل هذه الندوات يتم غسل الأشعار والروايات والقصص والمسرحيات بل يتم غسل الكُتاب أنفسهم.. يدخل الواحد منهم إلي الندوة وحبل سرقاته ملتف على عنقه ثم يغادرها وهو صاحب تجربة وفارس من فرسان الكلمة. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
 
____________________________
نشرت بجريدة الدستور ــ 31 نوفمبر 1997

الأربعاء، 19 نوفمبر، 1997

أحمد الشهاوى يسرق أشعار الشهداء ويشوه اللغة ويفوز بمديح النقاد


 

-  لوجه الله الكريم أرجوك سيدى القارئ أجب عن أسئلتي:

1- لماذا يسافر الأستاذ أحمد الشهاوي كثيرًا؟

2- لماذا يحتل وحده معظم فقرات برنامج "شعر وموسيقى" بإذاعة الشرق الأوسط؟!

3- لماذا تنشر الصحف صوره وتتابع أخباره ويكتب عنه النقاد أربعين دراسة؟!

- أسمعك سيدي القارئ تقول: إن أحمد الشهاوي يسافر كثيرًا وعلى نفقة جريدة "الأهرام" إحدى مؤسسات الدولة لكي يمثل مصر في المؤتمرات الأدبية بوصفه شاعرًا كبيرًا، كما أن الإذاعة لا تجامله فهي تبث قصائده كما تفعل عادة مع كبار الشعراء، ثم إن النقاد كتبوا عنه أربعين دراسة لأنه أبرز شعراء جيله.

- إجابتك سيدي على "العين والرأس" لكن بربك اصبر قليلاً حتى تقرأ باقي السطور لتكتشف معي أن الأستاذ الشاعر الفحل والنجم الرائع الفظيع... إلخ متخصص إلى حد الاحتراف فيما يمكن أن يسمى السطو المسلح على قصائد الشعراء الشهداء ولأنه بسلامته مثقف فهو يعتمد على النظرية "التفكيكية" التي تعتمد على طريقة الأخوة لصوص السيارات الذين يجعلون "الموتور" في ناحية و"الشاسيه" في ناحية أخرى ولكنهم ينسون أن لكل شىء "رقم مسجل" وبالرجوع إلى الأرقام تعود السيارة إلي صاحبها.

وهذا بحمد الله ما فعلناه مع سرقات الشهاوي ، عدنا إلي الأرقام فقط لنخلص قصائد الشهداء من بين أنيابه.

- نبدأ بجسم الجريمة كتاب يحمل عنوان "كتاب الموت" وقد صدر مؤخرًا عن الدار المصرية اللبنانية، وهذا الكتاب امتداد لطريقة الشهاوي "الشعرية" ففيه يواصل الاعتماد على لغة الصوفيين ومصطلحاتهم ورموزهم وإشاراتهم لكي يبكي كثيرًا وطويلاً ذكرى رحيل والدته السيدة نوال عيسى وأخته السيدة سعاد الشهاوي رحمهما الله ويقيم معهما حوارات حول اليتم والفقد والموت والحياة.

وهذه الحوارات مكدسة بمفردات وصياغات من عينة"سر سرى وكل كلى وبعض بعضى واشتمالي وحلولي" وإلى غير ذلك من مفردات الصوفيين والحقيقة لقد استخدم الشهاوي هذه المفردات بوصفها "قنابل دخان" يتسلل تحت سترها إلى عيون قصائد الصوفيين وينهب منها كما يشاء "وكله عند نقاده صوفية".

- ولكيلا يتوج لص بما سرقته يداه كما قال أمل دنقل فسأنقل لك الآن وقائع سرقات الشهاوي الشعرية سرقة سرقة والله من وراء القصيد.


1- في "ص 17" يقول الشهاوي "سينٌ هي الدنيا ونونٌ مدخل ونهاية ذاتي بآياتي عليّ استدلت وأنت شاردة".

بعد أن أطلق الشهاوي قنبلة الدخان التي هي هنا "السين والنون" تسلل إلى ديوان ابن الفارض حتي وصل إلى قصيدته التائية الكبرى المسماة "نظم السلوك" وهبش منها "ذاتي بآياتي عليه استدلت" فعلها الشهاوي وهو مطمئن إلى فاعلية دخان قنابله ولكن "الرقم المسجل" وشى به يقول سلطان العاشقين عمر بن الفارض المصري المولد والمدفن سقتني حميا الحب راحة مقلتي / وكأس محيا عن الحسن جلت / وذاتي بأياتي عليه استدلت .

2 – في ص 27 يقول الشهاوي: "وأنا بوصاله لا اكتفى دمي دمه دمي لكم ودمي مباح فاقتلوني أبدا تحن إليكم الأرواح الوقت منقطع والحلم منسرب والعشق تحت يدي فضاح وأنا شهيد فراقها سينها ليل وعينها ماء ومصباح وللسماء لم ترفع عينا منذ تكلمت أشجارها وتحدثت أقداح لحت في النور ومن بعد لاح العاشقون فباحوا".

هذه المرة نجح الشهاوي في نظرية "التفكيكية" نجاحًا ساحقًا وأضاف إليها نظرية أخرى هي "البلحية" نسبة إلي وكالة البلح حيث يتم بيع أجزاء السيارات يا أستاذ شهاوي هناك رجل اسمه شهاب الدين عمر السهروردي ولد في مدينة سهرورد وعاش في بغداد وحلب وكان من كبار علماء التصوف والفقه والحكمة والمنطق ودس له بعضهم عند صلاح الدين الأيوبي فأمر بقتله بدعوى الزندقة. هذا الشاعر الشهيد جئت أنت يا شهاوي لقتله مرة أخرى.

يقول الشهروردي:

أبداً تحن إليكم الأرواح / ووصالكم ريحانها والراح

وأرحمتا للعاشقين تحملوا

ثقل الهوى والهوى فضاح

صافاهمو فصفوا له فقلوبهم

في نورها المشكاة والمصباح

والكاتمون لسردهم شربوا الهوى

ممزوجة فحمتهموا الأقداح

لا ذنب للعاشقين إن غلب الهوى

كتمانهم فنما الغرام فباحوا

بخٍ بخٍ يا شهاوي تسرق من شهيد قتل ظلما صفحتين كاملتين دون أن تلتقط أنفاسك والله إنها لمقدرة فذة.

3- هذه السرقة تظهر القدرات الخاصة التي يتمتع بها الشهاوي، ففي الوقت الذي كان يسرق فيه شعر السهروردي كان يسرق أيضًا – مجددًا – شعر ابن الفارض!

اذهب يا شهاوي فقد أصبحت فارس "السرقات المزدوجة" تسرق شاعرين في صفحة واحدة مرة أخرى بخ.. بخ يا شهاوي في ص 28 يقول الشهاوي: "وأنا شهيد فراقها سينها ليل وعينها ماء ومصباح، أهل الهوى جندي وهي أهلي ودالها دالي وصمتها إلماح" بالله عليك يا شهاوي متى رضى أهل الهوى الإلهي أن يكون قائدهم مجرد سارق؟

أهل الهوى يا هذا هم جند ابن الفارض الذي يقول: نسخت بحبي آية العشق من قبلي / فأهل الهوي جندي وحكمي علي الكل / وكل فتي يهوى فإني إمامه / وإني برىء من فتى سامع العذل.

4- في ص 31 يقول الشهاوي: "كل العاشقين رعيتي وأنا من نقطة في قلبها طالع عارفا أسود اللحظة" يا شهاوي ليس هناك أسود ولا أبيض هناك سرقة أخرى قمت بها ضد ابن الفارض الذي يقول: "ملك معاني العشق ملكي وجندي / المعاني وكل العاشقين رعيتي / فتي الحب ها قد نبت عنه بحكم من يراه حجابًا فالهوى دون رتبتي.

5- في ص 80 خاف الشهاوي من ظهور ورثة لابن الفارض فقال لشيطانه يا شيطاني العزيز هيا بنا إلى حديقة شاعر آخر نفسد كرمها وندمر وردها فذهبا هو وشيطانه إلى حيث يقول: "إليك سعيت لاعرف وأفض السر وأعرج سائلاً لماذا هذه الجدران نائمة على موت كأني تحتها".

هل قرأت سيدي القارئ هذه الجملة الركيكة "لماذا هذه الجدران نائمة على موت كأني تحتها"؟؟ شهد الله أن هذه الجملة هي في أصلها الأول من أشرف وأثمن كلام العرب ولكن ماذا نفعل مع الشهاوي الذي وضع عليها تراب صياغته لكي يخفي بريق معدنها النفيس؟ الجملة في الأصل سرقها الشهاوي من المتنبي الذي يقول:" فما حاولت في أرض مقاما / ولا أزمعت عن أرض زوالا / على قلق كأن الريح تحتي / أوجهها جنوبًا أو شمالاً.

عمومًا ليست هذه هي المرة الأولى التي يمسخ فيها الشهاوي جملة المتنبي لقد فعلها قبل ذلك في كتابه الصادر عام 1996 "أحوال العاشق" ص 57 عندما قال: "على سفر أنا كأن الموت تحتي"!!!

6- وكنت أظن أنه بعد أن مسخ جملة المتنبي سينصرف إلي حال سبيله ولكنه عاد بإصرار عجيب إلى نظريته التفكيكية في ص 82 يقول الشهاوي: "أنت فتقي وأنت رتقي نقطة من ماء مائى فجرت في الشمس شمسا فدنت حائي تجلب قلوب العاشقين لها عيون" أولا شفاك الله من الفتق والفتاق، ثانيًا "قلوب العاشقين لها عيون" أشهر من أن تسرق.. ولكنه اطمع.. هذه القصيدة تحديدًا لا تقام في الصعيد "حضرة" إلا وأنشدها المنشد هكذا.

قلوب العاشقين لها عيون / ترى ما لا يراه الناظرونا وأجنحة تطير بغير ريش / إلى ملكوت رب العالمينا

7- وبعد قلوب العاشقين يشتاق إلي سفك دم الشهداء فيقول ص 93 "أيهرب الموت مني أم يسجل سيرته في هوائي أيضرب محتوما أم تحررني يداه، من ذا يرد الموت عني؟ قلت: وإذا المنية أنشبت أظفارها فكل تميمة لا تنفع".

لقد بلغت بك البجاحة حدا غير مسبوق يا شهاوي، هل تأملت سيدي القارئ كلمة "قلتُ" التي أثبتها الشهاوي لكي يؤكد أن ما بعدها هو شعره الذي جادت به قريحته؟ لقد تسلق الشهاوي مواسير بيت الهذلي وسرق بداية قصيدته التي يقول فيها:

"أمن المنون وريبة تتوجع / والدهر ليس بمعتب من يجزع

أودي بني وأعقبوني حسرة / بعد الرقاد وعبرة ما تقلع

وإذا المنية أنشبت أظفارها / الفيت كل تميمة لا تنفع".

أبو ذؤيب الهذلي يا سيد شهاوي مات أولاده الخمسة في عام واحد بمرض الطاعون ثم انخرط هو في صفوف المجاهدين وظل يحارب أعداء الإسلام إلى أن مات شهيدًا في عهد الخليفة عثمان بن عفان وبعد هذه الحياة الجهادية يأتي الجالس في طراوة "الأهرام" ليسرقه ويفوز بأربعين دراسة تشيد به. ألا لعنة الله على الغاصبين.

8- للأسف نفدت مراجعي ولذلك أدعو كل محب للحقيقة أن يقرأ كتاب الشهاوي لكي يحكم على صحة نسب العبارات الآتية إليه:

"أنا شجر الكلام أجمع في العالم في وأحد" و"حسب الواجد إفراد الواحد له" و"وما الوجد إلا وأحد غير أنه إذا أنت عددت المرايا تعدداً" هل هذه العبارات للشهاوي أم هي الأخرى لغيره ونسبها لنفسه؟

9- وإذا تركنا السرقات وذهبنا إلى اللغة فستجد الكوارث يصنعها الشهاوي وهو مطمئن القلب وانظر إليه وهو يقول في ص 68 "ذابت الأرض من جروحي وأحرق القلب قلب أنت" الشهاوي يقول "قلب أنت" لأنه لا يعرف أن طلاب الإعدادية يدرسون درسًا عن الضمائر المنفصلة والضمائر المتصلة وكيفية استخدامهما. وفي ص 81 يقول "أنتما ديني وكشفي ما أكون هي أنت أنت هي انتمائى" هل رأيتم "انتمائى" هذه من قبل؟؟ بالتأكيد لا ولكن ماذا نفعل مع الشهاوي الذي يكره اللغة فيدمرها.

10- أعرف والله الكلمات التي تتجمع على طرف لسانك. أعرف أنك تقول كيف إذن علا شأن الشهاوي فأصبح يسافر كثيراً ليتصدر المؤتمرات وأصبحت الإذاعة تبث قصائده وفاز بأربعين دراسة كتبها عنه نقاد كبار؟

ويا أخى وصديقي وسيدي التحق فوراً بكلية التجارة لكي تدرس مناهج التسويق والإعلان وساعتها ستجد الإجابة على أسئلتك كاملة ولله الأمر من قبل ومن بعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 19 نوفمبر 1997

الأربعاء، 12 نوفمبر، 1997

سامحيني يا سعاد




- وسعاد هذه تملك جسدًا كان قادرًا بلفتة واحدة على إيقاف حركة مرور شارع بأكمله، هذا عن جسدها عمومًا، أما التفاصيل فتحتاج إلى حضور مأذون– إن كنت من أولاد الحلال ـ لا أدري ما الذي جعل سعاد مبهورة "بجو المثقفين" فطلبت مني ومن صديقين آخرين ( دروسًا في الثقافة) فهمنا نحن الأبرياء كلمة ثقافة فهما أكاديميًا معقدًا، اجتمعنا وقررنا أن يعطيها صديقي "ع" دروسًا في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، أما صديقي "س" فسيحاضرها في التاريخ الإسلامي وأنا كنت مختصًا بالشعر القديم.

- وبعد أسبوع جاء صديقي "ع" غاضبًا وقال لنا: هذه البنت لن تفلح في شيء، لقد اختبرتها في المعلومات التي شرحتها لها فقالت لي إن سبب نكبة فلسطين هو وعد "بلوفر" وعندما جاء الدور على صديقي "س" قال: إن سعاد تصر علي أن الذي اغتصب الخلافة من علي بن أبي طالب كان اسمه "معاوية بني أبي شعبان"!!!

- أما أنا فقد مكثت شهرًا كاملاً أشرح لها قصيدة ابن زيدون "أضحي التنائي" ولما قلت لها هل حفظت القصيدة قالت نعم لقد حفظت قصيدة "الأستاز ابن ذيتون" هكذا نطقتها وهكذا طردتها.

- والآن وبعد كل ما رأيته من نماذج اغفرى لي يا سعاد واسمحي لي أن أقبل قدميك، فلو رضينا بوعد "بلوفر" و"معاوية بن أبي شعبان" و"الأستاز ابن ذيتون" لأصبحت الآن يا سعاد مثل فلانة أو علانة، تصدر لك الكتب ويكتب عنك النقاد.. فعلى الأقل أنت أجمل منهن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 12 نوفمبر 1997

الأربعاء، 29 أكتوبر، 1997

عادات القطط

              
إلى متى تأكل القطط طعامنا وتشرب حليبنا وعندما تشبع تفعلها – بخسة – في زوايا بيوتنا وتنصرف راضية؟
والثعابين تلك التي كان باستطاعتنا أن ندهسها.. لماذا تغرس أنيابها في منتصف قلوبنا؟
وهؤلاء "البكم" لماذا عندما تعلموا الكلام راحوا يشتموننا؟ وتلك الثعابين التي أشفقنا عليها من قرصة البرد وفتحنا لها أبواب حدائقنا لماذا دمرتها ولم تترك بها وردًا ولا عنبًا؟ العيب فيهم أم فينا؟ العيب عيبنا ولا شك لأننا وثقنا "بالمنبتين" الذين لا يحبون إلا ذواتهم ولا يرون غيرها ولا يعبدون سواها وما أتعس المنبت الذي وجد الصحبة والدفء والماء والنار والطعام ثم – ولأنه منبت – راح يهذى ويصف من يخالفه الرأي بأنه "هتيف" و"أمى" و"وطني جديد" مقنعًا نفسه بأنه قد احتكر الحقيقة واستحوذ على الوطنية، بينما نحن ولأننا لا نحب المقاهي الفاسدة الهواء بفعل البانجو ونهش أعراض خلق الله "أميون" "وطنيون جدد" "ولا نفعل شيئًا" فضلاً عن أننا "نشوه العشاق". نعم نحن أميون إذ إننا لا نجيد قراءة أحوال المصالح والمكاسب والمنافع نعم نحن وطنيون جدد لأننا نؤمن بحتمية خلق وطن جديد يكون خاليًا من البرك والمستنقعات والذباب. نعم نحن لم "نفعل شيئًا" مما يفعلون فلا نحن بصقنا في آبار طالما روت عطشنا ولا نحن دهسنا قلوب أصدقائنا. نعم نحن نشوه العشاق بل نفضحهم بل مستعدون لقتلهم ولكن أي جنس من العشاق نحن ضده؟

نحن ضد عشاق الفشل والنميمة والكذب والادعاء والجهل إن أي "غلوشة" على دور شريف ونبيل نقوم به لن يجعلنا نقفل الباب التي تأتي منه الريح، بل إن "غلوشاتهم" ستجعلنا نعلن التحدي وبيننا وبينهم قراء يعرفون من نحن ومن هم.
___________________________
نشرت بجريدة الدستور ــ 29 أكتوبر 1997 

الأربعاء، 22 أكتوبر، 1997

هناء عطية تقتل القارئ البرىء لتمضية أوقات الفراغ





- هل تعرف هناء عطية؟ 

إنها بعينها التي بعثت منذ سنوات بإحدى قصصها إلى مجلة "أدب ونقد" وعندما قرأ مدير تحرير المجلة الأستاذ حلمي سالم القصة وجدها مكدسة بالأخطاء الإملائية والنحوية، فقام – سامحه الله – بإصلاح الأخطاء ونشر القصة علي صفحات المجلة وما فعله الأستاذ حلمي سالم يستحق الشكر من جانب الكاتبة ولكنها علي ما يبدو تؤمن بأن الأخطاء حتي إن كانت في الإملاء من أهم خصائص الكاتب التي لا يجوز لأحد الاقتراب منها!! وعلى هذا قامت الكاتبة بشن حرب شعواء ضد حلمي ومجلته واستطاعت أن "تجند" نفراً من مشاهير الكتاب لمساندتها في معركتها "المصيرية" فراح المشاهير "يرطنون" بكلام كثير حول حرية الكاتب وضرورة الحفاظ على أسلوبه!! ولم تكتف الكاتبة بهذه المساندة وكلفت "أحدهم" بإعادة كتابة القصة "خالية طبعاً من الأخطاء" وبعثت بها مرة أخرى لتنشرها المجلة لكي تثبت أنها كاتبة أحكمت سيطرتها على أدوات الكتابة. وأمام "نكرانها لجميله" أعاد حلمي سالم نشر قصتها كما وصلته مكدسة بالأخطاء. 

- هكذا كانت بداية هناء نحو اقتحامها عالم الكتابة. وقد تظن أن هذه البداية "الفضيحة" ستجعل السيدة تعود لدارها لتمارس أفعالاً مفيدة كأن ترفو جوارب زوجها أو تراقب تحصيل أولادها المدرسى أو حتى تتجهز للكتابة من خلال العكوف على تلقي دروس في الإملاء والنحو وأبشرك بأن شيئاً من هذا لم يحدث. فقد انطلقت هناء مثل قذيفة تنشر هنا وهناك حتى أصبحت الآن – بسم الله ما شاء الله – كاتبة على سن ورمح!! 

- الشهر الماضي طلعت علينا هناء بأحدث مجموعاتها القصصية وتحمل عنوان "هي وخادمتها" وقد صدرت عن سلسلة أصوات أدبية إحدى سلاسل الهيئة العامة لقصور الثقافة. قسمت الكاتبة لسبب لا يعلمه إلا الله مجموعتها إلى قسمين يضمان معاً تسع عشرة قصة. 

يبدأ القسم الأول بجملة موضوعة بين قوسين تقول: "كيف أصفها تلك الأشياء التي تموت فينا لتفسرنا" والحقيقة أنا لا أعرف من صاحب هذه الجملة، فلو كانت الكاتبة هي صاحبتها فلماذا وضعتها بين قوسين؟ وإن كان لها صاحب آخر فلماذا لم يوضع اسمه تحتها؟ وهذا الأمر يتكرر مرة ثانية في بداية القسم الثاني عندما تثبت الكاتبة جملة تقول: "من أي نور أنت أيها الورد من أي موت" عموماً ليس المكان مكان مناقشة "موضة" الافتتاحيات المجهولة. 

- أولى قصص المجموعة تحمل عنوان "أشياء يومية" وفيها نرى زوجة تقدم شرائح الخيار لزوجها المخمور الذي يعزف على الكمان وبين الزوجين هناك طفلة تلجأ إلي حضن أمها مرة ويحادثها أبوها "السكران" مرة أخرى وحديث الأب يدور حول ضرورة عودته مع ابنته إلي بلده وتنتهي القصة عندما لا يكون هناك "سوى كأس واحدة كان يشربها على مهل". قلت لكم إن هناك زوجًا وزوجة وللحقيقة أؤكد أن تحديد العلاقة بين الرجل والمرأة عمل أقوم به على مسئوليتي الشخصية!! وذلك لأن القصة غائمة وملتبسة لأن الكاتبة تظن أن تحديد أو حتى الإشارة إلى ملامح أبطالها "الزمان والمكان والفضاء" أمور تخص الأمن القومي لا يجوز الخوض فيها!! 

- وبعد هذه المرأة التي كانت مع الرجل السكران نجد امرأة تلبس قميص نوم أزرق "قصة المطر" وتجلس مع رجل كان "جسده المتناسق بعطره الفاخر يضفي على الغرفة بهجة عابرة" ونعرف أن الرجل جاء يبغي "المتعة" وبعد أن شرب قهوته تبادل مع المرأة حديثًا حول قميص نومها وهل اشترته من مصر أم من الخارج؟!! وتقطع المرأة حديث القميص بأن تدخل إلي إحدى الغرف لإسكات بكاء طفلها وعلى هذا يترك "الزبون" كومة من النقود على المنضدة ثم ينصرف!! بالله عليكم إن لم يكن هذا هو العبث بعينه فماذا يكون؟! 

مرة أخرى – لن تكون الأخيرة – نحن لا نعرف شيئاً عن الرجل أو المرأة لا أسماء لا ملامح لا زمان لا مكان فقط هي امرأة وهو رجل!! وبعد امرأة القميص الأزرق هناك امرأة "قصة مكان" يقف رجل خلف نافذتها الواطنة وهذا الرجل له رائحة "تشبه رائحة الطلاء" وللمرأة أم عجوز تراقب انفعالات ابنتها وتحس بها وهي خارجة لتستدعى "رجل النافذة" ولاحظ أن التي تراقب كفيفة البصر!! تنفرج شفتاها عن ابتسامة شاحبة وتنصت بحذر إلى شىء ما يحدث هناك فى الغرفة الأخرى!! 

ولكي أتأكد أن الأم هي الكفيفة لا البطلة قرأت القصة مرتين لأن الضمائر والأفعال يسودها نوع من الارتباك يذكرك على الفور بلعثمة الأطفال ومرة أخرى نحن أمام نماذج لا ندرى عنها شيئاً فلغة الكاتبة مرتبكة ومعتمة ويكفي أن نشير إلى أولى جمل القصة "كلما أتى الليل تحس روحها ذلك الخفوت وخدر ينتشر فيه" هل فهمنا شيئاً؟ 

- أما القصة التي تحمل المجموعة عنوانها "هي وخادمتها" فتحكي عن السيدة "رجاء"- الحمد لله عرفنا اسم إحدى البطلات وهذا لن يتكرر ثانية – وهي تضع الحناء على شعرها وخادمتها تحاول مساعدتها ولكن السيدة ترفض المساعدة وتواصل وضع الحناء ثم تتذكر فجأة زوجها الذي مات من عامين وكان قبل وفاته على علاقة بالخادمة وتتذكر السيدة "رجاء" أنها هي التي كانت تدفع زوجها وخادمتها لمواصلة هذه العلاقة!! 

وبعد نوبة الذكريات هذه تحمل السيدة الحمام مع خادمتها لكي تنزلا إلى "البانيو" معاً وساعتها تكتشف السيدة أن "وجه خادمتها النضر يخفي جسدًا عجوزًا". 

هل اكتشاف أن جسد الخادمة عجوز يستحق كتابة قصة؟ نعم يستحق بشرط ألا تكون هناء عطية هي كاتبتها لأنك ساعتها ستقرأ – مثلاً – عن سيدة وحيدة تقتلها الغيرة أو كنا سنقرأ عن امرأة تتأمل حياتها بصراحة وهدوء أو كنا سنقرأ عن خادمة تتذكر رجلاً كانت تشارك زوجته فيه. ولكن كل هذه المعالجات وغيرها لا تستطيعها هناء لأنها من ذلك النوع من الناس الذين إذا سألت أحدهم عن قصة سيدنا يوسف وجدته يجيبك قائلاً: "أبداً دا كان عيل تايه من أهله وبعدين لقيوه" بمثل هذا التسطيح والاختزال المخل وضبابية الرؤية وتشتت الأفكار تكتب هناء عطية وهذه العيوب التي يكفي عيب منها لقتل كاتب نراها مجتمعة في قصة "الأشجار" التي تحكي عن ثلاث أخوات كن بصحبة أزواجهن في زيارة ما وبدون سبب يتركن السيارة.. تقول الصغرى موجهة كلماتها لأختيها "نحن الثلاث ازددنا بدانة بما يكفي وأزواجنا الآن يتفرسون في مؤاخرتنا وهم جالسون داخل العربة" وبعد تفرس الأزواج لا تجد شيئًا اللهم إلا كلام الصغرى للكبرى "سكر.. عفريت أزرق.. لا فارقة معاه" وبعد هذه "الفضيحة الفراشية" نجد ثرثرة نساء حول الظلام والأشجار ووصف روائح عطور الكبرى والوسطى "هو فيه إيه" وبذلك تنتهي القصة!! 

وباقي قصص المجموعة تسير علي هذه الوتيرة، فدائمًا هناك امرأة مجهولة الاسم والملامح والمكان والزمان ودائمًا هناك حوار بالعامية التي تشبه "تخاريف" المحموم ودائمًا هناك ضباب يصنعه عجز الكاتبة التى لا تملك تجربة تحكي عنها بل هي لا تملك لغة "تزوق" بها بضاعتها التي جاءت بها ليالي الأرق فما أحسبها إلا أنها من ذلك النوع الذي إن هاجمه الأرق قام إلى الورق وأفرغ فيه – كيفما اتفق – تشنجاته. ولعلك توافقني أن المسافة بين قتل أوقات الفراغ والكتابة الأدبية كبيرة جدًا. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 22 أكتوبر 1997 

الأربعاء، 1 أكتوبر، 1997

متى يقرأ الجالسون في الحانات حتى يكتبوا قصائد جيدة؟





نعتبر ناقدنا سيد خميس أحد الأدباء الذين نحمل كتاباتهم شارة علي صدر صفحاتنا، ولذلك كانت دهشتنا من غضبة سيد خميس من مقال لجمال فهمي كتبه عن أحد الأماكن التي يتمترس بها "حزب إسرائيل" وكان الأجدر بمكانة أستاذنا سيد خميس أن يغضب من سلوك هؤلاء المتفرغين لمساندة العدو الصهيوني نهارًا ونهش أعراض الشرفاء ليلاً. 

والأمر كما نراه أخطر من تهجم رخيص يقوده "حزب إسرائيل" ضد كل من يحاربها ونظرة واحدة علي ما يدور داخل هذه الأماكن المسماة زورًا وبهتانًا بـ "مقاهي المثقفين" تجعلنا نسأل ونستريب ونشكك ونغضب ومن ثم نفضح. 

ولكننا أبداً لن نتورط فى الدخول إلي نفق "التعميم" فنحن نؤمن بأن هناك شرفاء يرتادون هذه الأماكن، ولأنهم شرفاء فإننا ندعوهم إلى الخروج إلى رحابة الضوء التماساً للمسك بدلاً من مجاورة "الحدادين". 

إننا نستطيع تحديد أسمائهم ولكن ليس هذا ما نبغيه لأن ما نسعى إليه هو تتبع خطوات هؤلاء والنظر فيها، هل هي مما ينفع الناس ويمكث في الأرض أم هي مثل كل زبد سيذهب جفاء؟ سنطرح السؤال ونقدم الإجابة ونرحب بأي اختلاف بشرط أن يكون عفيفًا لا مهووسًا بالخوض في أعراض النساء. 

والآن نسأل: لماذا تحولت الأماكن التي يجتمع فيها المثقفون من أماكن صانعة للثقافة إلى أماكن صانعة للنميمة بكافة أشكالها؟ 

‍لقد كان المقهى مكانًا مصريًا يجذب المفكرين ليقولوا للناس بأسلوب بسيط ما يقولونه في كتبهم، فمن فاته قراءة كتاب ما يستطيع معرفة مضمونه من الاستماع إلى مؤلفه وهكذا جعل الرواد من المقهى جامعة شعبية. وما أكثر الذين دربتهم هذه الجلسات على المناقشة ثم علي الكتابة.

 أما الآن وفى حالة التردى التي تسيطر علي معظم جوانب حياتنا، فقد أصبحت أكثر جلسات المثقفين مخصصة لصناعة مؤامرات رخيصة تعرقل وتهدم ولا تقدم عملاً يقود الناس الذين يتشدق مثقفو المقاهي بأنهم يدافعون عنهم بشكل يذكرنا بقصيدة أحمد فؤاد نجم عن المثقف: "مزفلط محلفظ كتير الكلام عديم الممارسة عدو الزحام بكام كلمة قاضية وكان اصطلاح يفبرك حلول المسائل قوام" ولكي "ينقرض" هذا النوع فلابد للمثقفين الحقييين أن يقودوا حملة لتطهير صفوفهم من هؤلاء الدخلاء الذين لا تعرف متى يقرأون ولا متى يكتبون ولا حتى متى ينامون ثم تجدهم منتشرين على صفحات الجرائد والمجلات بوصفهم شعراء وأدباء وهذا هو العجب وإلا فلا. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 1 أكتوبر 1997 


الأربعاء، 24 سبتمبر، 1997

ديوان "تشكيل الأذى" لميسون صقر شعر بالسريالية الفصحى


 



بصدور مجموعتها "تشكيل الأذى" تكون السيدة ميسون صقر قد قطعت شوطًا لا بأس به في عالم الكتابة. كانت مجموعة ميسون الأولى "هكذا أسمى الأشياء" قد صدرت عام 1982 وبعدها توالت مجموعات السيدة ميسون "الرهيقان"، "البيت"، "السرد على هيئته"، ‍"مكان آخر"، "الآخر في عتمته"، "عامل نفسه ماشي"، وهذه المجموعة فيما تزعم السيدة ميسون أشعار بالعامية المصرية!!

ولا تظن سيدي القارئ أن عطاء ميسون قد توقف عند الشعر، لقد تجاوزت ذلك بكثير لأنها وكما تقول زاوجت بين الشعر والتصوير عبر معارضها التشكيلية التي أقامتها في الفترة من 1990 – 1992.

لقد ذكرت أعمال السيدة لتعلم سيدي القارئ أننا أمام كاتبة احترفت الكتابة منذ خمس عشر عامًا إضافة إلى احترافها التصوير منذ سبع سنوت، والآن ماذا في كتاب ميسون "تشكيل الأذى"؟ الكتاب يقع في 223 صفحة بما فيها الصفحات البيضاء من غير شعر ومقسم على عدد من القصائد على النحو التالي:

"ظلام يذهب بالأدلة" 23 قصيدة، "الوحشة قبل اكتمالنا" 28 قصيدة، "الصور العديدة ليست أنا" 37 قصيدة، "الجسد وليف وحدته" 36 قصيدة، "سمكة في فراغ" 21 قصيدة، "الشبهات" 6 قصائد، وهكذا أنت أمام 151 قصيدة يحتويها كتاب كل صفحاته 223 صفحة!!

أولى قصائد الديوان ليس لها عنوان وتقول فيها الشاعرة – إن صح هذا التعبير – "انحنت والشرفة تعلو" انتهت القصيدة نعم والله القصيدة مكونة من هذه الكلمات الثلاثة "انحنت والشرفة تعلو" سيقولون هذه ليست قصيدة إنها مفتتح للديوان وسأصرخ في وجوههم بئس المفتاح والمفتتح والافتتاحية.

وبعد قصيدة "انحنت" هذه ستجد قصيدة عنوانها "ينبغي.. امرأة واحدة" وأرجوك تأمل معي العنوان جيداً وقل لي ماذا فهمت من ينبغي هذه ثم أربع نقاط ثم امرأة واحدة؟

لقد ظننت أن مكان النقاط كلمة قبيحة خافت الشاعرة من ذكرها فأخذت أبحث في قاموس الشتائم عن كلمة يستقيم بها العنوان فلم أجد، فهل تدلني سيدي القارئ ولك الشكر على هذه الكلمة؟

مهلاً سيدي القارئ لقد ظلمنا والله الشاعرة فها هي تفسر لنا لغز النقاط الأربع بقولها "ينبغي اليوم أن تكون هناك امرأة واحدة أخرى تغلق الباب لتتسرب مساءات لم نأبه بها من خلال يديها وتذهب الجدران الأربعة لحنان قاصر كلما أضاءت مفتاح الضوء نلاحظ أثاثنا وهو يشتهيها" بسم الله ما شاء الله ما كل هذا التكثيف يا سيدتي الشاعرة، لقد ضربت عصفورين بقصيدة واحدة فأنت أولاً فسرت لنا لغز النقاط الأربع، وثانيًا كشفت لنا عن عشقك للسريالية فرأينا معك الحنان القاصر والأثاث الذي يشتهي المرأة، عمومًا حكاية الأثاث هذه ذكرتني بالفنان السريالي الذي قال : "أتمني أن أرسم قلق الكرسي عندما نجلس عليه"!!!!

والآن نتمتع معًا بالقصيدة القنبلة التي تحمل عنوان "الأسف" وتقول فيها الشاعرة : "مثلما كان للعصافير حين سقوطها نعلق الليل على الأكتاف" بس خلاص انتهت القصيدة.. أسمعك تحتج سيدي القارئ وتقول ولكن المعنى ناقص وأنا لم أفهم ماذا كان للعصافير حين سقوطها، ومن ناحيتي فإني أنصحك أن تكف عن احتياجك العقيم هذا وتحتشد لتعمل عملاً مفيداً للإنسانية جمعاء كأن تشترك مع السيدة الشاعرة في حمل الليل وتعليقه على الأكتاف ولأنك مطيع وتسمع الكلام وقد رأيتك مشاركًا بهمة في تعليق الليل على الأكتاف فسوف أمنحك بهجة قراءة القصيدة التي عنوانها "الهواء الثقيل" التي تقول فيها الشاعرة:

"بعض ضوء تحت الخيمة السوداء غصون لأشجار تكسرت وبعض نبيذ معتق مناجل لأجساد تلاقت على ود والهواء الثقيل يصبح نجمة حينا وبعدها شعرًا لإبط إحدى الجثتين" الله يا سيدتي ما كل هذا الوضوح من أين جئت يا سيدتي بهذه الصورة الشعرية العطرة؟ "الهواء يصبح شعرا لإبط إحدى الجثتين" لأن الموضوع دخل في شعر الإبط فكان لابد أن تخصص الشاعرة قصيدة لرائحة العرق وهكذا صنعت في قصيدتها "المتعة والآثام" التي تقول فيها "أدرك هذه المسافة بين القوتين لكن رائحة العرق جلبت وعداً منه الخيرة الخالصة المتعة والآثام كم وحيا نزل قرأت فيه موتى" وهذه القصيدة واضحة جداً كما ترى والشىء الغامض الوحيد بها هو تحديد المسافة بين القوتين ولكني وبعون الله وبعد طول تفكير توصلت إلى حل لهذه المعضلة وهذا الحل هو أن نفترض أن إحدى القوتين هي "أسيوط" مثلاً، والقوة الثانية هي "القاهرة" مثلاً وعلى هذا ستكون المسافة 5 ساعات لو ركبت القطار المجرى وستكون 6 ساعات لو ركبت السيارة البيجو وستصل المسافة إلى سبع ساعات لو تناولت الغذاء في كافيتريا "الفشن"!!

ستظن أني أستخف وأهزل في مقام الجد ويشهد الله أن الأمر بخلاف ما تظن ألا يذكرك نقدي الخاص بالمسافة بين القوتين بكلام ناقد مشهور تنشر له إحدى مجلاتنا مقالاً من ثلاث صفحات يحدثنا فيه عن العملية الإبداعية عند الشاعرة الفلانية التي تتكون من ص2 + س3 * 3 = 9

والآن نصل إلي مسك الختام حيث نحظي بالتطلع إلى بهاء القصيدة العلامة "الآثار التي تنحفر" تقول الشاعرة "أثقب الوباء كي أنقله إلى الضوء".

قيل لي إن الشاعرة تحمل دائمًا "شنيور" وكلما رأت وباء ثقبته وتواصل الشاعرة "وأنصت للألم بقوة احتمال" والله يشهد أن هذه هي الجملة الوحيدة التي وجدتها بالديوان وتحمل شيئاً من رائحة الشعر ولكن الشاعرة تعود مسرعة إلى قواعدها الحداثية السيريالية الانشطارية فتقول "لم يعد بيني وبينه ثقب" من هو يا سيدتي هذا الذي لم يعد بينك وبينه ثقب هل هو الألم أم الوباء أم أن الموضوع ثقب وخلاص أم أنك تكتبين القصيدة الغربالية المليئة بالخروم – عفوًا الثقوب!!

وعلى هذا الدرب تمضي الشاعرة في كل قصائدها فلا نعلم عن أي شيء تتحدث ولا نعلم هل هذا الكلام الذي تقوله مكتوب بالعربية أم هو ضربات فرشاه في يد رسام مخمور؟ ولكن الذي تأكدنا منه أن الأمر يستحق "نوبة صحيان" من نقادنا الحقيقيين لكي يواجهوا هذا النثر الشعري الذي عما قريب سيرمي بكل الدواوين الشعرية الشريفة في المستنقعات، ويا سيدي القارئ لا تأخذ علىّ وصفي للسيدة ميسون بأنها شاعرة ووصفى لكلامها بأنه شعر فهذه الأوصاف خطها قلمي لكي أتفاخر بأنني أعرف شيئاً عن فن ‍"المجاز"!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 24 سبتمبر 1997

الأربعاء، 10 سبتمبر، 1997

آه يا براح عمال بيضيق





كانت حبيباتنا قد هجرننا إلى الأبد وكانت صواريخ المؤمن بوش قد أحرقت عيون أطفال العراق في ملجأ العامرية وكانت وقدات الظهيرة قد سجلت انتصارًا حاسمًا على نسمات العصارى. كنا نتخبط مثل شاربي الخمور المغشوشة، أمعاؤنا تدفع إلى حلوقنا بسائل أصفر لزج شديد المرارة. 

أيامها ابتهلنا إلي خالق الكون أن يهبنا إجابة عن السؤال ( ما الذي كان ثم انتهى؟) 

سريعًا منحنا الله صوت كوثر مصطفى الصارخ بكل ما في قلوبنا من مواجع 

:"ساح يا بداح يا سؤال جراح 

ما الذي كان ومعادش وراح 

قمري انطفا، انكفي واختفى 

نهري ما بلش حتى الريق 

وآه يا براح عمّال بيضيق 

صبح وزيه الصبح التاني 

ليل ملضوم في الليل التاني 

وأنا مش رايح أنا مش جاي 

أنا مش واقف حتى مكاني. 

عشقنا هذا النزيف الشعري وأصبح شفرة نفك بها مواجعنا وظننا أن كوثر ستحلق عاليًا وبعيداً معتمدة على أجنحة موهبتها ولكن خاب ظننا كما تخيب عادة رؤى العشاق. كتبت كوثر كثيرًا ولكن لم يساندها أحد ولم يبشر بها أحد. وعندما جاءت فرصة العمل مع يوسف شاهين فى فيلم المصير كتبت كوثر رائعتها ( لسه الأغاني ممكنة ) التي أشاد بها كل من شاهد الفيلم ولكن دون أي إشارة إلي اسم مؤلفة الأغنية ( هل يرجع ذلك إلي أن كوثر تكتب فقط ؟ ) 

مؤخرًا علمت أنهم في باريس أسسوا جمعية تحمل اسم لسه الأغاني ممكنة، وأنا واثق أنهم لن يشيروا إلى اسم كوثر مصطفى. هنعمل إيه في قلة الحظ؟ 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور 10 سبتمبر 1997 

الأربعاء، 3 سبتمبر، 1997

إحياء كليلة ودمنة






أنا صحفي وأعمل الآن مشرفاَ على القسم الثقافي بجريدة "الدستور" وستطق في دماغي قريبًا فكرة مجنونة فبعد أيام قلائل سأذهب إلى مكتب مسئول ثقافي كبير وبعد السلامات والتحيات سأقول له بكل ثقة يا عم يا مسئول يا كبير: من سنتين كنت مثلي على باب الله فكيف أصبحت مليونيرًا؟ وقبل أن يجيب المسئول سأقول له لو سمحت ممكن أطلع على تقرير ذمتك المالية؟ 

أعرف ما سيرد به على أسئلتي سيادة المسئول فهو حتمًا سيخلع "القديمة" – آسف أقصد الجديدة، فهؤلاء لا يلبسون أحذية قديمة – والباقي أنتم تعرفونه – طيب ماذا أفعل أنا في هذه الحالة خصوصًا وأنا متأكد أن سيادة المسئول موغل في اللصوصية. 

طبعًا لن أكتب حرفًا ضده لأني لا أمتلك ولن أمتلك مستندًا ضده. هل الحل أن أموت بحسرتي وأرى اللص وأخرس ولا أستطيع الإشارة مجرد الإشارة إليه؟ 

بعد طول معاناة فتح الله علىّ بحل عظيم وهو "إحياء" "كليلة ودمنة" نكتب كلنا بالشفرة والسيم والشعب المصري حدق وسيفهم وننجو من الحبس لأننا لن نمتلك مستنداً. 

وأولى حلقات كليلة ودمنة تقول: "غضبت الغزالة البيضاء من الأسد الكبير لأنه لم يشملها برعايته فذهبت إلى الثعلب الصغير حارس الكنز الذي داعب شعرها ووعدها بحدائق غناء ترعى فيها وتمرح وقريباً سوف تشاهدون الغزالة وقد زينت صورها صفحات الجرائد"!! 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 3 سبتمبر 1997 


الأربعاء، 27 أغسطس، 1997

محمد عفيفي مطر


 


عندما يقررون محاصرة أديب ما تكون خطوتهم الأولى هي الكتابة عنه بشكل تلفيقي وهذا ما فعلوه بمعلمة شريرة مع شاعرنا محمد عفيفي مطر، فدائمًا ما كانوا يكتبون عنه بوصفه أحد روافد أدونيس، فعلوا هذا وهم يدركون فداحة الحصار الذي سيضرب على شاعر هو بالكاد رافد أدونيسى واستمرت هذه الصفة ملتصقة بالرجل حتى فعلت فعلها في نفوس من يؤمنون بأن أدونيس هذا ما هو إلا ممثل عظيم لدور الأب الروحي لعصابات تخريب الشعر العربي.

وقد ظل الاتهام الأدونيسي قائمًا عندى حتى أجرى الصديق أسامة سلامة حوارًا مع عفيفي نشرته مجلة الكفاح العربي وقال فيه عفيفي :"أنا شاعر سهل لحد الابتذال" تأملت الجملة جيدًا وسعيت لقراءة شعره بعيداً عن الشائعة الأدونيسية فوجدته سهلاً فعلاً ولكن ليس إلى حد الابتذال وإنما إلى حد السهل الممتنع .

الأسبوع قبل الماضي أصدرت مشكورة الهيئة العامة لقصور الثقافة ديوان الأرض والدم لعفيفي مطر تقرأ الديوان فتجده هذه السهولة الممتنعة وتجد حوارًا محمومًا ومشتبكًا يقوم به الفلاح عفيفي مطر مع أمه الأرض وابنها البكر النيل ولن تجد غير هذا.. وهل هناك أجمل وأعظم من هذا؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 27 أغسطس 1997

الأربعاء، 6 أغسطس، 1997

مريد البرغوثي







الشعر حين يتخلى عن صخب الموسيقى، والقصة عندما تسرق من الشعر إيجازه، والرواية عندما تومض وتلمح ولا تصرح هذا هو كتاب ( رأيت رام الله)  للشاعر النبيل مريد البرغوثي.

تقرأ الكتاب فلا تجد في يديك يقيناً نقديًا  يرشدك إلى جنس الكتاب لأن شاعرنا النبيل استطاع أن يحقق ببراعة ما يمكن تسميته بالكتابة النحلة ،  حيث امتص رحيق الشعر والقصة والرواية والسيرة الذاتية وأدب الرحلات ولكنه لحظة التدفق خرج علينا بكتاب كأنه أول الكتابة وفاتحة القول

ضم الكتاب تسعة فصول هي إلى الدفقات  الشعرية أقرب منها لفصول كتاب نثري، ولكن هناك ثمة خيطًا دقيقًا يلضم  حبات العقد وذلكم  هو العبث.
 الكتاب من أوله إلي آخره يرصد عبثًا أسود  يهيمن على الحياة الفلسطينية بأكملها وإلا ما معنى أن يتصل منيف البرغوثي شقيق مريد من قطر ليبلغ مريد المقيم بأمريكا إن فهيم ابن خالهما عطا قد استشهد في بيروت وعلى مريد أن يبلغ ذلك للخال عطا المقيم في الكويت ولجدة فهيم المقيمة في نابلس ولعمة فهيم المقيمة في الأردن!!

أليس هذا هو العبث بعينه ثم هناك مشهد أكثر عبثية يحكي عن تميم ابن الشاعر مريد البرغوثي الذي ولد في مستشفي على نيل القاهرة من أب فلسطيني يحمل جواز سفر أردني وأم مصرية والولد تميم لم يشاهد من فلسطين إلا غيابها الكامل وعندما أتم شهوره الخمسة الأولى كان أبوه ممنوعًا من دخول القاهرة وعندما أخذته أمه الدكتورة رضوى عاشور ليرى أباه راح يناديه عمو فلما قال له الأب أنا مش عمو يا تميم أنا بابا فصار يناديه يا عمو بابا!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 6 أغسطس 1997

الخميس، 24 يوليو، 1997

النبيل مصطفى نبيل




-   دع عنك السماسرة الغارقين في نعيم "الجاز" ولا تشغل أنفك بالبحث عن مصدر رائحة ما تفرزها أقلامهم ولا تقلق عينيك بمتابعة قفزاتهم من "سنط" اليسار إلى "تفاح" اليمين ثم غوصهم في مستنقعات الرمادية حيث كل شيء مثل أي شيء. ولا يحزنك تقلب أمثال السيد "عبده" الذي كان يومًا شاعرًا يحشد الوطن نحو الأنبل والأجمل فأصبح اليوم يؤدي ببراعة أدوار الندابة والمشهلاتي والعالمة في سرادقات عزاء وأفراح عرب الجاز.

-  أغمض عينيك لكيلا تؤذي قلبك بمشاهد عري هؤلاء ثم افتحهما على مشهد "جانبي" نظيف لرجل "رئيسي" اسمه مصطفي نبيل لا تظهر صورته في التليفزيون إلا نادرًا ولا يدور على الصحف موزعًا أحاديثه وتصريحاته، وهو عندما تولى رئاسة تحرير أكبر وأعرق وأعظم مجلاتنا الثقافية لم يغتصب لنفسه وأنصاره وأقاربه صفحاتها بل حرص دائمًا على التوارى فلا يظهر اسمه إلا على "ترويسة" المجلة والمقال الذي يكتبه تاركًا الفرصة لأقلام النبلاء الكبار من أمثال صلاح عيسى وبهاء طاهر وصافي ناز كاظم وجلال أمين وعبدالعظيم أنيس ومصطفى سويف وغيرهم.

يفعل هذا في صمت لأنه يدرك جيدًا أن الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض ويظل مصطفى نبيل متواريًا لأنه يثق في قدرات شعبنا على "الفرز" و"التصنيف" وهو يؤمن أن الوطن سيضمن له مكانًا بين صفوف النبلاء.

-  إن أمثال مصطفى نبيل أولى وأجدر بالالتفات إليهم ومتابعة ما يصنعون ويكتبون لأنهم فى كافة أحوالهم يحرصون على نظافة أسمائهم وطهارة أقلامهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ            
نشرت بجريدة الدستور ــ 23 يوليو 1997


الأربعاء، 9 يوليو، 1997

عماد أبو صالح



كنتُ أريد كتابة وصف تفصيلي لدم عماد أبو صالح الأخضر البكر الذي وزعه بالعدل على قصائد ديوانه الأخير "عجوز تؤلمه الضحكات" ولكن صديقنا الكبير طلعت الشايب – سامحه الله – كتب عن الديوان كتابة جعلت الكلمات تقف في حلق قلمي. كتب الشايب "الكتابة عن الشعر الحقيقي تفسده وتسىء إليه وهي ترجمة بائسة لحالة لا تترجم هل أتاك حديث الذي ذبح عصفورًا ليبحث بداخله عن الموسيقى"؟

ولأن الحال هكذا فقد رأيت أن أترك  عماد يتكلم بشعره عن شعره:"كلما اقترب يهربن منه وينظرن – بتقزز – إلي لعابه المندلق على ملابسه الممزقة مع أنه لا يفكر في إيذاء أحد مطلقًا يريد – فقط – أن يشرح لهن أنه كان عاشقًا قديمًا وفمه تهدل – هكذا – من كثرة القبلات" . ويقول عماد : "ظل مسجونًا إلي أن أضاء بياض شعره ظلام زنزانته وحينما أخرجوه أخيرًا نسى – حتي – عن أي شيء كان يناضل أصلاً ولكنه – الحمد لله – صارت له مهنة يعيش منها يتنقل – كل مساء – في الحدائق ويعزف للأطفال فاصلاً موسيقيًا بصرير "مفاصله".

ولأن عماد أبو صالح طيب وشهم فسوف يترك لي باقي المساحة لأطرح سؤالين:
1- ما دور كل هذه السلاسل وعماد أبو صالح وغيره من الشعراء الحقيقيين ينشرون شعرهم علي نفقتهم الخاصة؟
2- هل قرأ الدكتور صلاح فضل ديوان عماد؟
__________________________
 نشرت بجريدة الدستور ــ 9 يوليو 1997



الأربعاء، 2 يوليو، 1997

لا تقرأ


حرصى على لقمة العيش يجعلني أدعوك إلى ارتكاب فعل القراءة ولكن حرصي على العشرة والعيش والملح الذين بيننا يحتم عليّ أن أستحلفك بالله ألا تقرأ كتابًا بعينه اسمه (الشباب المصري المعاصر وأزمة القيم)  وذلك للأسباب الآتية:
1-       مؤلفة الكتاب أستاذة جامعية اسمها نادية رضوان ليست من ضيوف التليفزيون كما أنها تكتب كلامًا مفهومًا وهذا سيحرمك من متعة التفاخر بقراءة الغامضين المشاهير.
2-       غلاف الكتاب لا يحمل صورة ليلى علوى أو عمرو دياب أو حتى إبراهيم حسن بوصفه شابًا مصريًا يعاني من أزمة قيمية حادة.
3-       الكتاب عبارة عن دراسة لحياة عشرة من الشباب وهؤلاء الشباب ينقسمون إلى فئتين.. فئة "هم" وفئة "نحن".. واحدة من فئة "هم" شكت للمؤلفة من ضيق مساحة شقة أسرتها "الشقة تحتوى علي 8 غرف نوم + 3 مطابخ + روف + حمام سباحة"!! واحدة أخرى من نفس الفئة مشكلتها في الحياة هي السيارة، قالت: "زهقت من عربيتي المرسيدس باقلها عندي سنة.. علشان كدا بابا جاب لي السنة دي عربية BMW وجاب لأخويا واحدة زيها بس لون تاني.
4-       طبعًا هذه الشهادات هترفع ضغطك وربما تطب ساكت لو قرأت باقي شهادات الفئة "نحن" واحد من الفئة "نحن" بيزغرد لأنه اشتغل مبلط قشاني رغم أنه خريج علوم متفوق!!
5-       أظن معي حق في دعوتك لعدم قراءة هذا الكتاب!!
_________________________
نشرت بجريدة الدستور ــ 2 يوليو 1997

الثلاثاء، 1 يوليو، 1997

الأب المسكين شكري عياد




من الذي يجب عليه أن يترفق بالآخر أنا أم شكري عياد؟من الذي يجب عليه أن "يطبطب" على كتف الآخر ويقول له شد حيلك أنا أم هو؟الدكتور شكري عياد بجلال أعوامه السبعين عكس الآية وعاد يحبو ويتعثر وجعلني أحرص عليه وأترفق به مثلما يفعل أي أب مع ابنه.

شكري عياد يا قراء العربية يقيم منذ عشرة أسابيع مهرجاناً للكتابة الصافية الطفولية يفتش فيها بحب وبدقة داخل دهاليز نفسه لا داخل دهاليز تاريخه وفارق شاسع بين الحالتين، تقرأ كتابة شكري عياد فلا تجد رطانة ولا خفة بل تجد عرق الصانع وهو يجاهد ليصوغ بانطلاقات عبقريته درة فريدة صنعت لتبقى.

منذ بداية شروعه في الكتابة عن نفسه وشكري عياد يدرك أن المشي على صراط الاعتراف مؤلم ولا يستطيعه إلا أصحاب النفوس النبيلة الصافية التي ترغب في تمام التواصل مع الآخرين، وهو كلما تقدم خطوة في الكتابة كلما تجمع على جبينه عرق مصارعته لرغبات التجمل والتزييف والتزوير التي تسيطر على أجواء كتابة الكثيرين عن أنفسهم، أدرك أنني يوماً ما سأنسى معظم ما كتبه شكري عياد عن نفسه ولكني دائمًا سأتذكر حرقته وتوجعه وهو يكتب عن قصة حبه الوحيدة التي عاشها لمدة خمس دقائق عندما كان في الثامنة من عمره مع ابنة الجيران التي كانت في العاشرة والتي منحته لخمس دقائق فرصة الدخول إلى فراديس الحب.. لن أنسى هذا التوجع أبداً كما لن أنسي مشاعر الشفقة التي تدفقت منى لتغمر هذا الأب الجليل المسكين الذي لم يجرب الحب إلا خمس دقائق بينما أنا غرقت فيه لمدة ثلاثين دقيقة كاملة!!__________________________________ 
نشرت بجريدة الدستور ــ 30 يونيه 1997

الأربعاء، 25 يونيو، 1997

ديوان حلمي سالم "سراب التريكو" سراب فعلاً





في صيف بخيل وحارق مثل صيفنا هذا كنت وصديقي أكرم القصاص نسكن شقة لا يدخلها شيء من هواء الله ولا نوره، كنا نعيش أيامًا ملغزة استعنت عليها بقراءة كتاب – يسمونه ديوان "البائية والحائي" لحلمي سالم وهذا من باب "وداوني بالتي كانت هي الداء" كنت صباح كل يوم أقرأ بصوت جهوري قطعة بعينها من الكتاب عنوانها "الملموس بسيدة" يقول فيها حلمي سالم: "الرجل الفرحان يحب السيدة الموهومة وطفقت ألوك الإعراب التفصيلي، الرجل: مبتدأ مرفوع بالضمة، والضمة ظاهرة فنقول الرجلُ، الفرحانُ: صفة للمبتدأ، وتتبع وضع الموصوف فترفع بالضمة، والضمة ظاهرة فنقول الفرحانُ" وقبل أن أكمل إنشاد هذا الشعر الذي يستطيع أي تلميذ متهم بالحصول على الابتدائية الإتيان بأحسن منه، يصحو صديقي من نومه ويقسم بالله العظيم أنه سيقتلني بسكين المطبخ الصدئة إن عدت لإنشاد مثل هذا الكلام.. استمر الوضع هكذا عشرة أيام كاملة ولما جاء صباح اليوم الحادي عشر قال لي أكرم : "لقد توصلت إلي حل عظيم ينهي ما بيننا من مشاكل.. اسمع يا صديقي إن القتل فعل كلاسيكي ولذا لن أقتلك وسأقوم بشنق الديوان ". 

وفعلاً أحضر حبلاً ولفه جيداً حول أعناق القصائد وظل يضغط بيديه على الديوان في غل وحقد حتي أخرج الديوان لسانه المبلل برغاوي الشعر، ومن يومها انقطعت كل صلة لي بأشعار حلمي سالم ورجعت سالمًا إلي الشعراء الجاهلين أمثال المتنبي ومحمود درويش وفؤاد حداد وأمل دنقل وصلاح جاهين وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي ومريد البرغوثي وغيرهم من الشعراء الغابرين، وظلت القطيعة قائمة حتى جاء يوم الخميس "الأسود" الموافق غرة صفر 1418هـ 6 يونيو 1997م وفيه اشتريت مجلة "المصور" لأجد في وجهي تماماً مقالاً كبيراً – سأعود إليه فيما بعد – للدكتور صلاح فضل عن ديوان شعري لحلمي سالم اسمه "سراب التريكو" أشعل مقال الدكتور فضل نيران جنوني فاشتريت الكتاب وأخذت أقرأه بعناية وتركيز ومحبة أسبوعًا بأكمله فماذا وجدت؟ 

شهد الله لم أجد إلا "سرابًا" يحتوي الكتاب – يسمونه ديوان – على أحد عشر لغزًا – يسمونها قصائد وتأمل معي عناوين بعض هذه الألغاز.. هناك لغز عنوانه "ليلة يضربون السقف من مسرة" ولغز ثان عنوانه "ليلة ينبغي أن ننسي كبار الحوادث" وثالث عنوانه "ليلة ليس كلبًا واحدًا" ولقد تألمت جداً لأن الأستاذ حلمي لم يكتب ليلة رابعة يكون عنوانها "ليلة أن كانت سوداء مثل ميدان الماظة الأصفر". هذا عن العناوين فماذا عن مضمونها؟ أول لغز بالكتاب يحمل عنوان "الشقيقة التي أراها" وهذا اللغز مقسم إلى أربع وعشرين "فزورة" – يسمونها مقاطع – يقول الأستاذ حلمي في فزورته الأولى من لغزه الأول: "حزن خفيف علي قصة الشعر وحنين إلى أن يراني من لم يكن يراني وأنا على باب "المواساة"، والشهادة لله الفزورة حلها سهل فالشاعر كان في مستشفي المواساة يعالج من صدمة حداثة – حمدًا لله على سلامته – أما الفزورة الثانية فتقول: "هو ضابط ولكنه يشبه المرسلين، بينما تشبهين غادة التي أنجبت منذ شهرين". 

ولقد فرحت جداً أن السيدة غادة ولدت وغالبًا أنجبت ولدًا سيموت يومًا مسمومًا بأشعار الأستاذ حلمي سالم أما الفزورة السابعة عشرة من اللغز الأول نفسه فتقول: 

"أن تلتقط المعني الذي يحتويه كي امرأة ملابسها التي لم تكوها بنفسها منذ عام ونصف، أن ترى فيّ الذي فيّ، ألم تقل للمريدين في الحضرة اكسروا النموذج؟ يا شقيقتي أمامنا عمل كثير، وعقد لابد من فكها بشويش" لا أباك الله يا أستاذ حلمي لقد ذكرتني كلمة "شويش" بالنكتة التي تقول إن رجلاً ضم زوجته إلى صدره بقوة فتدللت عليه زوجته قائلة: "والنبي بشويش" وفي الصباح كان ابنهما يسأل مدرسته "هو يا أبله فيه نبي اسمه بشويش". 

وأرجوك لا تظن سيدي القارئ إنني أهزل فى مقام الجد فلعلك ترى معي أن ما يكتبه حلمي سالم هو الهزل بعينه وإذا تناولنا لغزًا آخر عنوانه – وأرجوك ألا تضحك – "الكوع ونصف الفم" نجده مكونًا من خمس عشرة فزورة تقول الفزورة الأولى "على العكس سنذهب إلي قاعة العزف، وسنرقب المغنى الذي تجاوز السبعين، يدبك ويوزع الأعمار عليّ وعليك وعلى أبي وإذا فرت دموعنا وهو يقول دار يا دار يا دار، لن يكون ذلك لأننا محزونون بل لأننا لن ندرك مبكرًا أن مرضى القلب لا يستحقون منا إنهاك الصمامات" ويشهد الله أن هذه الفزورة ذات فائدة خاصة فهي تتكلم عن مرضى القلب وكأن كاتبها هو الدكتور حمدي السيد بنفسه ومن ناحية أخرى ترشدنا إلى مزاج حلمي سالم الموسيقي بدلالة الاستماع إلي وديع الصافي صاحب أغنية دار يا دار، بالله عليكم هل من يقول : "صحيح أن القبقاب كان هنا منذ دقائق، مركونًا على ملتقتي الأرض بالجدار، يعلق سكونه علي هواء شرق القاهرة سؤالاً ضعيفًا" هل من يقول هذا الكلام يستحق أن يطلق عليه لقب شاعر؟ 

هذا عن حلمى سالم وألغازه فماذا عن الدكتور صلاح فضل؟ 

كتب الدكتور مقاله بعد عامين كاملين من صدور الألغاز ولا أدري كيف سمح له ضميره النقدي بتجاهل كتاب مهم – كما سيزعم في مقاله – لمدة عامين كاملين؟! أم أن الدكتور يكتب مصادفة عما يقع تحت يديه مصادفة أيضاً؟! عمومًا مقال الدكتور صلاح عنوانه "الغزل الشعري الرفيع.. في سراب التريكو" وينقسم المقال العجيب إلي قسمين متنافرين تماماً، القسم الأول يرصد فيه الدكتور عيوب الشاعر فيقول بالنص "هناك عدة إشارات متجذرة في أسطورة النص تستعصي على الإفضاء بمكنونها دون معرفة بعالم الشاعر الشخصي فهي من بقايا المعني الذي مازال في بطن الشاعر لا يقبل الانتقال إلى بطن القارئ أو يصبح مصدرًا لعسر الهضم عنده" . هذا الكلام جميل ولكن لنا عليه ملاحظات فما الذي يجبرنا على قراءة شاعر معانيه متمسكة بأمعائه ولا تريد مغادرة بطنه؟؟ وإذا كان لابد من معرفة حياة الشاعر الشخصية حتي نفهم أشعاره فهل يقترح علينا الدكتور أن نتزوج حلمي سالم أو يتزوجنا حلمي سالم؟؟ 

وإذا كان انتقال المعنى من بطن الشاعر إلى بطن القارئ سيصيب القارئ بعسر الهضم فهل يقترح 

علينا الدكتور صلاح أن نتعاطى أشعار حلمي أمام الصيدليات لكي تأخذ بعدها "الفوار". 

وفي نقده لإحدي القصائد "الألغاز" يقول: 

" هناك إضمار و إطمار وتعمية للمدلول تستعصي علي الفهم" 

العجيب بل والمريب أن الدكتور صلاح سرعان ما يستغفر عن كل مأخذه ويعلن "بالفم المليان" :" إما أن نرتقي إلي مستواه – مستوى حلمي سالم – مخلفين وراءنا ركام العادات التعبيرية والصيغ الجاهزة وأوضاع اللغة المتخثرة ببلاغتها القديمة ونعتزم اعتباره شعرًا من نوع مخالف لما درجنا عليه ونصبح بحكم هذه النية في موقف يسمح لنا باستجلاء خوافيه وذبذباته المرتعشة، وإما ننصرف عنه لنلهو بما تعودنا أن نستلذه من أناشيد عذبة مكرورة، مضيعين علي أنفسنا فرصة حقيقية لتنويع أنغامنا وأوضاعنا.هذا التحدي – تحدي حلمي سالم – للذائعة التقليدية خليق بأن يدخل في أنسجة وخلايا الفن المعاصر برهافته وحدته وانكساراته وقدرته على توظيف مبتكرات الإنسان التصويرية وإنجازاته المعرفية " . 

انتهى كلام الدكتور صلاح فضل وله أقول "حيلك علينا والنبي يا دكتور" أو حنانيك يا سيدي هل من أجل حلمي سالم الذي قلت أنت عنه في الجزء الأول من مقالك العجيب أن معانيه مبهمة وتستعصى علي الفهم تدعونا لركل البلاغة القديمة؟ ثم ما هي البلاغة القديمة التي سنركلها، أغلب الظن أنك تدعونا لركل بلاغة المتنبي وبشار ومحمود درويش وأمل دنقل، وهل شعر حلمي سالم هو الذي سيدخلنا في خلايا الفن المعاصر؟ 

أي جزء من مقالك نصدق سيدي الدكتور؟ هل نصدق الجزء الأول الممتلئ بعيوب الشاعر أم نصدق الجزء الثاني الذي تبشرنا فيه بدخولنا خلايا الفن المعاصر على يد "طلاسم حلمي سالم". 

سيدي القارئ هل من حقي الآن أن أتهم حلمي سالم بالتخريب وأتهم صلاح فضل بالتنظير لهذا التخريب والتبشير به؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
نشرت بجريدة الدستور ــ 25 يونيو 1997 

الخميس، 19 يونيو، 1997

بحر القطار والعنكبوت والسلاطة




كل الذين أقابلهم من الكتاب يوجهون لى سؤالاً واحداً لا يتغير وهو "لماذا لا تخصص مساحة لنشر القصائد والقصص"؟
ولكل أساتذتي أقول:لقد وصلتني بالفعل مئات القصائد ولم أنشرها ولن أنشرها إذ إن نشر قصيدة واحدة منها يكفي لكي يدخلني الله نار جهنم للأبد.
لماذا؟
القصائد التي وصلتني يا سادة مكتوبة من ثلاثة أبحر لم يسمع بها الأوائل أو الأواخر وهذه البحور هي أولاً بحر القطار وهو أكثر البحور انتشارًا ومثاله قول القائل: "قد أقبل القطار تلوح منه النار، يركبه الشطار، ليقابلوا الوزير، على باب الغفير" إلى آخر هذا الكلام البارد الركيك الذي يسير ذليلاً بجوار "حائط الفن"الملتهب بالمغامرة والاكتشاف والمفارقة والمغايرة المجنونة ويأتي بحر"العنكبوت" في المرتبة الثانية وهو البحر الذي منه "دم الوردة ينشق عن حصانين، ويقتلنى الخريف، عنكبوت البنفسج طالع من أخضر برتقالي حزين هو الآن يركض نحو صفاء متخثر مثل مترو الأنفاق".

هل أنشر مثل هذا الكلام وأدخل النار أم أحاول القبض على قائله وأقوده إلى "السرايا الصفرا"؟

أما البحر الثالث فقد بحثت كثيرًا عن اسم له حتي دلني أحد الأصدقاء على اسمه وهو "بحر السلاطة" حيث كل شيء في كل شىء في أي شىء وحيث يكون الشاعر في المنطقة الفاصلة بين "هنا وهناك وهذا وهذه وأنا وهو".
وما قلته عن القصائد هو ذاته ما يجب أن أقوله عن القصص، ولذا أوجه دعوة حارة لكل كتاب مصر الجادين "الحقوني بشعر وقصة بعيداً عن بحر القطار والعنكبوت والسلاطة.

__________________________
نشرت بجريدة الدستور ــ 18 يونيه 1997