الخميس، 16 أغسطس، 2012

التمساحية بين ثورتين





تقول سجلات الحكم المحلي إن التمساحية هي قرية مصرية تتبع مركز القوصية التابع لمحافظة أسيوط‮ ‬،‮ ‬وإن عدد سكانها حوالي خمسة عشر ألف نسمة‮ . ‬
هذه هي كل المعلومات التي‮ ‬يتيحها الحكم المحلي الذي لا شأن له بالمشاعر ولا بالجذور ولا بحكايات الجدات والأمهات‮ . ‬
سألت أمي التي هي أصدق إنباء من المحليات‮ ‬عن التمساحية‮ ‬فكان من ضمن‮ ‬ما قالته‮:" ‬التمساحية قديمة وهي عامرة من قبل عمران‮ ‬الكون وكانت تعرف باسم حوش الكفار‮ ‬،‮ ‬وذلك لأن الفراعنة كانوا‮ ‬يتخذون منها زرائب لبهائمهم‮ ".‬
أمي لا علاقة لها بالمصريات‮ ‬،‮ ‬وحتماً‮ ‬ورثت هذا الذي قالته عن أمها التي ورثته عن أمها وصولا لأمٍ‮ ‬أولي الله أعلم بها‮ .‬
قد تشم من كلام أمي رائحة‮ " ‬الوهابية‮ " ‬أو الغض من قيمة الفراعنة‮ .‬الموضوع ليس كما تظن‮ ‬،‮ ‬فجملة‮ " ‬حوش الكفار‮ " ‬هي جملة موروثة لا أكثر ولا أقل‮ ‬
إذن كانت التمساحية موجودة من قبل الكون‮ ( ‬حسب تأكيدات أمي‮ )‬
وكان تعليمها‮ ‬يعتمد علي كتاب شيخ‮ ‬يدعي العدوي‮ (‬حفظ جيل ثورة‮ ‬1919‮ ‬من التمساحوية القرآن علي‮ ‬يديه‮ ‬،‮ ‬منهم أبي وجماعة من النصاري‮ ) ‬ثم علي المدرسة الابتدائية‮ ‬المكونة من حجرتين وطرقة ثم لا شيء آخر ثم جاءت دولة ثورة‮ ‬يوليو أو دولة جمال أبو عبد الناصر فحصل التمساحوية‮ ‬في العام الأول من عهد‮ ‬دولة الثورة‮ ‬علي فدادين الإصلاح الزراعي‮ ‬،‮ ‬أو بمعني أصح استردوا بعض أملاكهم التي اغتصبها منهم‮ ‬الحاكم‮ " ‬محمد علي‮ " ‬سفاح البانيا‮ (‬يصفونه بمؤسس مصر الحديثة‮ ) ‬وقام بتوزيعها علي حاشيته ورجال دولته‮ .

وبعد فدادين الإصلاح قامت ثورة‮ ‬يوليو باستئجار‮ ( ‬قيل لي إنه كان الاستيلاء‮ ) ‬علي بيت من بيوت بقايا الإقطاع وجعلت منه مدرسة من أربعة فصول أضيفت لفصليّ‮ ‬المدرسة القديمة فتلك ستة فصول كاملة‮ ‬،‮ ‬ومع المدرسة أقامت دولة ثورة‮ ‬يوليو نقطة شرطة‮ ‬ومستشفي و‮ " ‬وابور ميه‮ " ‬وبعد رحيل مؤسس الدولة جمال عبد الناصر تكرمت ثورة‮ ‬يوليو علي التمساحية بأعمدة الكهرباء وكان ذلك في مطلع العام‮ ‬1974‮ ‬

صبايا الحنفية
كان وابور الميه تتفرع منه أربع حنفيات عمومية‮ ‬،‮ ‬الأولي في بحري البلد والثانية في جنوبها والثالثة في شرقها والرابعة والأخيرة في‮ ‬غربها‮ ‬،‮ ‬كانت الحنفية الغربية قريبة من بيت أبي فكان من الطبيعي مشاركة أصحابي في اللعب حولها‮ ‬،‮ ‬كان اللعب خشنا بذيئا وكنت أقدس ذكري أبي‮ ( ‬ربما ليتمي المبكر‮ ) ‬فكنت أكتفي بمشاهدة الألعاب دون التورط في ممارستها لكي لا تصيب ذكري أبي شتيمة من هنا أو سباب من هناك‮ .‬
اللعبة الأشهر والأشد إثارة كانت‮ ‬تتحقق عندما‮ ‬يغافل الصبيان الصبايا اللاتي‮ ‬يملأن البلاليص من الحنفية ويقومون بعقد أطراف شال هذه بأطراف شال تلك‮ ‬،‮ ‬وعندما تهم الصبايا برفع البلاليص فوق رءوسهن‮ ‬يتعقد الأمر وتتشابك أطراف‮ " ‬الشيلان‮ " ‬وتقع البلاليص وتتكسر‮ ‬،‮ ‬ثم تنطلق الصبايا في وصلة سباب جارح‮ ‬يتناول حرمة الأعضاء الجنسية لعائلة الصبيان‮ ‬،‮ ‬وما إن تهدأ الشتائم حتي تنخرط الصبايا في نوبة بكاء تحمر لها وجوههن‮ ( ‬الحق كنت أترقب تلك اللحظة بنوع من الشبق الغامض‮ ) .‬
إذن الماء النظيف‮ ( ‬أو هكذا كنا نظن‮ ) ‬كان علي مرمي حجر من البيوت ولكن دون أن‮ ‬يدخلها إلا محمولا فوق رءوس الصبايا أو داخل قربة‮ ‬يحملها السقاء علي ظهره‮
 ‬

في ذات ضحي وفي تلك اللحظة التي كنت فيها أترقب الوجوه المحمرة من أثر البكاء رأيت كنزا‮ ‬يسبح في‮ ‬بركة ماء بجوار الحنفية‮ ‬،‮ ‬عشر قطع معدنية من النقود‮ ‬،‮ ‬هل هي من فئة الخمسة قروش أو العشرة ؟ هذا ما لا علم لي به‮ ‬،‮ ‬الذي أعلمه أننا كنا في صيف العام‮ ‬1974‮.‬

انقلبت إلي أمي مسرورا بكنزي فأسود وجهها وحاصرتني بأسئلة‮ ( ‬رأيتها سخيفة جدا‮ ) ‬عن ملابسات عثوري علي كنزي‮ ‬،‮ ‬ولما لم تجد لدي جواب شكت إلي ربها من ولد‮ ‬يدخل عليها بمال حرام‮ .‬
بعد حوالي نصف الساعة من حصولي علي الكنز وقفت علي بوابة البيت حوالي خمس نساء متشحات بالسواد والبكاء‮ ‬،‮ ‬قالت زعيمتهن لأمي بصوت‮ ‬يمزقه التوسل‮ :" ‬البنات قالت إن الأستاذ‮ ( ‬طفل في الثامنة أصبح أستاذا‮ ) ‬ربما‮ ‬يكون قد وجد الفلوس‮ " .‬
عدن جميعا للبكاء‮ ( ‬لكنه كان بكاء عرفان بالجميل هذه المرة‮ ) ‬عندما قدمت إليهن أمي كنزي الذي اصطادته من البركة التي بجوار الحنفية‮ . ‬علقت زعيمتهن شاكرة أصل أمي وفصلها وحسبها ونسبها ثم أقسمت أن ضياع الفلوس كان سيؤدي إلي طلاقها لأن ما ضاع كان هو كل المال الذي تركه لها زوجها الذي سافر ليعمل في الفاعل‮ ‬في مصر‮ .‬
لو قلنا إن كنزي كان من فئة العشرة قروش فهو ليس أكثر من جنيه واحد فقط لا‮ ‬غير،‮ ‬ومرحبا بثورة انحازت للفقراء الذين كانت بنت من بناتهم ستطلق لضياع جنيه منها‮.‬
انتباه عرب‮ .. ‬صفا أحرار 

البيت الذي كان ملكا لواحد من بقايا الإقطاع أصبح مدرسة ألتحقت بصفها الثالث الإبتدائي في شتاء العام‮ ‬1974،‮ ‬مدرسة بلا دورة مياه‮ ‬ولا فناء‮ ‬،‮ ‬فقط ممر‮ ‬يفصل بينها وبين نقطة الشرطة‮ ‬،‮ ‬نقف في الممر صباحا لتحية العلم‮ ‬،‮ ‬يصرخ الأستاذ‮ :" ‬مدرسة انتباه‮ " ‬نجيب صارخين‮ " ‬عرب‮ " ‬يصرخ‮ :" ‬مدرسة صفا‮ " ‬نجيب صارخين‮ " ‬أحرار‮ " ‬ثم نهتف‮ :" ‬تحيا الجمهورية العربية المتحدة‮ " . ‬ثم ندخل مثل كتاكيت مبتلة بعرق الخوف إلي فصول مقبضة كانت فيما مضي حجرات بيت إقطاعي‮ .‬

في الفصل سأحب القصة وكتاب القراءة‮ ( ‬حيث سوسن ونصر‮ ‬يدخلان الفصل‮ ) ‬والتاريخ‮ ( ‬حيث معركة مجدو‮ ) ‬وسأكره ما حييت البسط والمقام وكافة دروس الحساب‮ . ‬
الخطأ الأول معناه الضرب بالمسطرة علي باطن الكف‮ ‬،‮ ‬الخطأ الثاني الضرب بذات المسطرة علي أطراف الأصابع‮ ‬،‮ ‬الخطأ الثالث‮ ‬يؤدي إلي الضرب بالمسطرة علي ظهر الكف‮ ‬،‮ ‬ضرب وتحفيظ وانتباه عرب وصفا أحرار ثم فليسقط العلم والطرق التربوية‮ .‬
هل أنت الدكتور ؟
المستشفي أجمل أبنية التمساحية‮ ‬،‮ ‬تكفي حديقته التي تظللها أشجار الكافور والبونسيانا‮ ( ‬دع عنك‮ ‬اللون الرمادي لحوائطها‮ ) . ‬دكتور المستشفي من الوجه البحري‮ ‬غالبا‮ ‬،‮ ‬أبيض البشرة نظيفها وسيمها‮ ‬،‮ ‬يسكن في‮ ‬استراحة تقع في الطابق الثاني من المستشفي الذي أقامته دولة ثورة‮ ‬يوليو في العام‮ ‬1965‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يهبط الطبيب من عليائه لمعاينة مرضاه إلا في الحادية عشرة صباحا‮ ‬،‮ ‬ولذا أصبحنا نتندر علي من‮ ‬يصحو متأخرا ونصفه بأنه‮ ‬يعيش في دور دكتور المستشفي‮ .‬
ماذا كان‮ ‬يقدم المستشفي لمرضاه ؟‮ ‬
كشف طبي متعجل وحبة إسبرين وشاش وقطن ثم الشفاء من رب الصحة والعافية‮ .‬
بعد قليل من تأسيسه ترهل الجهاز الإداري للمستشفي وأصبح‮ ‬يضم موظفا لكل مريض‮ ‬،‮ ‬وذلك تنفيذا لسياسة تعيين كل من حصل علي شهادة مدرسية في الجهاز الحكومي‮ ‬،‮ ‬وعليه أصبح زيد وعبيد ونطاط الحيط موظفا‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يذهب إلي المستشفي إلا لتقاضي راتبه والشفاء من رب الصحة والعافية‮ ‬،‮ ‬وهو ما حدث مع المدرسة‮ ‬،‮ ‬ترهل جهازها الإداري واختفي التعليم حتي ذلك الذي كان‮ ‬يتم عبر ضرب ظهر اليد بالمسطرة‮ .‬
الخواجة ميشو
التمساحية التي لم تسجل حادث ثأر واحد في تاريخها‮ ‬،‮ ‬التمساحية التي عرفت تعليم البنات مبكرا جدا وحصلت احدي بناتها علي بكالريوس هندسة كهرباء في حوالي العام‮ ‬1950‮ ‬،‮ ‬التمساحية التي تضم حوالي عشر مكتبات خاصة‮ ( ‬بعضها‮ ‬يحتوي علي آلاف الكتب النادرة‮ ) ‬التمساحية التي تعرف التنظيمات الشيوعية ويتم القبض علي أحد شبانها بتهمة الانضمام لحدتو في العام‮ ‬1954‮( ‬المقبوض عليه قال لي إن أبي كان صاحب اشتراك في جريدة للحزب الشيوعي في العام‮ ‬1948‮ ) ‬كان لابد من أن تعرف نعمة ضوء الكهرباء في مطلع العام‮ ‬1974‮ ‬أي بعد مضي اثنتين وعشرين سنة علي قيام دولة ثورة‮ ‬يوليو‮ .‬
جاء رجل أحمر أشقر مترامي الأطراف قالوا لنا إن اسمه الخواجه ميشو وقالوا لنا إنه من اليونان‮ . ‬
الآن أظن أن الخواجه لم‮ ‬يكن اسمه ميشو ولم‮ ‬يكن‮ ‬يونانيا‮ ‬،‮ ‬اغلب ظني أنه من مواطني الاتحاد السوفيتي الذي كنا من أصدقائه في ذلك الوقت‮ ‬،‮ ‬بل ربما كان الرجل من مسلمي الجمهوريات السوفيتية‮ ‬،‮ ‬وعلي ذلك‮ ‬يكون الجهاز الإداري لدولة ثورة‮ ‬يوليو قد كتم نسب الرجل لكي لا تنفر الناس منه بزعم أن كل روسي هو كافر‮ ‬يؤمن بالشيوعية الجنسية‮ !!.‬
الرجل الأشقر مترامي الأطراف كان‮ ‬يرشف شاينا الصعيدي ويطوح رأسه منتشيا صائحا‮ :" ‬الله‮ .. ‬شاي صعيدي تمام‮ " . ‬كان الرجل‮ ‬يأكل ما نقدمه إليه حتي لو كان الكشك أوالبتاو أو الجبنة القديمة‮ .‬
كنا نحن الصبيان نتبعه أينما سار ونحن نصيح خلفه‮ :" ‬نور النور‮ ‬يا عبصبور‮ "‬
ما علاقة عبد الصبور هذا بالخواجة ميشو ؟ الله أعلم‮ .‬
لم‮ ‬ينفر الرجل منا بل أعجبه تظاهرنا‮ ‬وفي مطلع ليلة جمعنا حوله وسألنا بعربيته الأعجمية‮ :" ‬هل تريدون العمل أم الهتاف فقط ؟‮" .‬
قلنا بحماس‮ :" ‬نريد الاثنين معا‮ ‬،‮ ‬نعمل ونهتف نور النور‮ ‬يا عبصبور‮ ".‬

ضحك وقسمنا إلي مجموعات‮ ‬،‮ ‬مجموعة تحمل علب الطلاء وثانية تقوم بطلاء الأعمدة وثالثة تجلب الأسلاك ورابعة‮ ‬تمسك بالسلم الخشبي حتي تصعد المجموعة الخمسة وتضع الأسلاك فوق الأعمدة‮ ‬،‮ ‬وسادسة تضع اللمبات وسابعة تساعد العمال في حفر مواقع الأعمدة‮ ‬،‮ ‬نعمل بجد وحماس ونهتف‮ :" ‬نور النور‮ ‬يا عبصبور‮ " .‬

كان الخواجه الأشقر‮ ‬يرطن مع اخوتي بلغة‮ ‬غريبة بما‮ ‬يعني إننا نحن الصبيان نعمل بجد‮ ‬يؤهلنا لقيادة دولة‮ .‬

ثم في ليلة تاريخية سبحت التمساحية في نور نظيف رائق‮ ‬،‮ ‬كادت الفرحة تذهب بعقولنا‮ ( ‬مذاق فرحة النور النظيف الرائق لم تغادرني حتي اللحظة‮ ) ‬بكي الخواجه لفرحتنا ولهتفاتنا بحياته وحياة عبصبور‮ ‬،‮ ‬خطب الرجل خطبة قصيرة قال فيها‮ :" ‬أنتم شجعان وتستحقون ما هو أكثر‮ " .‬
تسابقت بيوت التمساحية في إدخال النور النظيف الرائق إلي‮ ‬غرفها التي عانت طويلا من كأبة ضوء اللمبة الفلاحي‮ ‬،‮ ‬من لم‮ ‬يستطع دفع تكاليف مد التيار لمنزله راح‮ ‬يسرقه من الأعمدة العمومية‮ ‬،‮ ‬كنا نقسم أنفسنا مجموعات تراقب الطريق العام لكي نسارع بإبلاغ‮ ‬أهالينا بحضور بوكس الحكومة الذي‮ ‬يطارد سارقي الكهرباء‮ .‬

علق أحد بقايا الإقطاع علي إضاءة التمساحية قائلا‮ :" ‬كنا بنشوف زبالتها بالنهار بس دلوقت هنشوفها بالنهار والليل‮ " ‬هذا التعليق المتغطرس لم‮ ‬يفلح في إطفاء فرحتنا بالنور‮ ‬،‮ ‬ولكن كان لدولة ثورة‮ ‬يوليو طريقة أخري في إطفاء فرحتنا‮ ‬،‮ ‬لقد راحت تقطع عنا التيار‮ ‬،‮ ‬يظل التيار مقطوعا باليوم واليومين بل بالإسبوع فنعود لزمن الأشباح خائبي الأمل‮ .‬

بل سلطت علينا الدولة رجال إعلامها فراحوا‮ ‬يعايروننا بأننا أصبحنا كسالي بعد إدخال الكهرباء إلينا فقد طمعنا في اقتناء الثلاجة والمروحة والتسجيل والغسالة بل والتليفزيون‮ .‬
زمن البيتزا
ثم أظل التمساحية زمن النت والسايبر والموبايل‮ ‬والرسيفر والقنوات التركية المشفرة بل والبيتزا‮ ( ‬انظر بريبة لامرأة تشرب نسكافية بلاك علي ريق النوم ولرجل‮ ‬يأكل البيتزا‮ ) ‬وجاءت ثورة‮ ‬يناير‮ ‬2011‮ ‬فجلس حكماء البلد‮ ‬يفكرون في ماضيها‮ .‬
اعترف الحكماء بأفضال ثورة‮ ‬يوليو التي جلبت لهم المدرسة وماء الشرب والكهرباء ونقطة الشرطة‮ ‬،‮ ‬ولكنهم توقفوا طويلا أمام خراب كل تلك المنظومة‮ ‬،‮ ‬فتململ حكيم وأنشد للأبنودي‮ :" ‬اشكيك لرب العرش والأكوان‮ ‬يا عبد الناصر‮ / ‬انت السبب‮ / ‬عالجتني في الجلد‮ / ‬وتركت العصب‮ " .‬

نظر الحكماء إلي التعليم كله فوجدوه خربا‮ ‬يدفعون دماء قلوبهم لقاء دروس خصوصية لا تسمن ولا تغني من جوع‮ ‬،‮ ‬ونظروا إلي وابور الميه فوجدوا مياهه عكرة ملوثة‮ ( ‬بعد أن عرفوا الفلاتر‮ ) ‬ونظروا إلي المستشفي فوجدوه نظيفا لامعا بدون طب ولا علاج بل ولا مرضي ونظروا إلي نقطة الشرطة فقالوا لا حاجة لنا بها فعلي الدكك الخشبية نحل أعوص مشاكلنا بعد نقاش قد‮ ‬يكون حادا تهدئه رشفات شاي ثقيل‮ .‬

جاءت الثورة ولما كان‮ ‬يوم هتفنا فيه الشعب‮ ‬يريد اسقاط النظام وهتف واحد منا‮ :" ‬بني سويف تريد اسقاط النظام‮ " ‬هتفت أنا‮ :" ‬التمساحية تريد إسقاط النظام‮ ".‬
سألني أكثر من واحد عن هذه التمساحية التي تريد اسقاط النظام فقصصت عليهم ما شاء لي الله أن أقص من أخبار بلدي الحبيب‮ .‬

كنت كاذبا فلم تكن التمساحية كل التمساحية تريد اسقاط النظام‮ ‬،‮ ‬جاءت الثورة فكشفت الغطاء عن فريق لا‮ ‬يهمه شيء ولا‮ ‬يهتم لشيء شعاره في الحياة‮ :" ‬قالوا هيسخطوك‮ ‬يا قرد قال‮ ‬يعني هيخلوني‮ ‬غزال‮ " ‬وفريق‮ ‬يتوق لزمن خطابات عبد الناصر شعاره في الحياة‮ :" ‬مش عايزين لا أكل ولا شرب إحنا عايزين كرامة‮ .. ‬كرامة وبس‮ " ‬وفريق بكي بدم القلب علي نذالة الشعب بحق بطل الضربة الجوية‮.‬

الفريق الثالث لا‮ ‬يزال‮ ‬يبكي ولا‮ ‬يزال‮ ‬يحلم بعودة بطل الضربة الجوية بل لا‮ ‬يزال‮ ‬يعمل علي عودته وإن طال السفر وبعدت الطريق‮ .‬
هل تتمكن التمساحية من اسقاط النظام ؟
‮ ‬إنا لمنتظرون‮ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
نشرت بجريد أخبار الأدب يوم الأحد الموافق 12 أغسطس‬ 

الاثنين، 18 يونيو، 2012


يوسف بن يعقوب عليه السلام .. وأحمد بن شفيق عليه الذهاب للنائب العام



قص علينا القرآن الكريم تفاصيل حياة نبى الله يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم صلوات ربى عليهم جميعا ، وقد عرفنا من القص القرآنى أن نبى الله يوسف عليه السلام قد جرى سجنه على خلفيات تهمة لفقتها له امرأة العزيز ، وكان واضحاً لكل دوائر الحكم أن التهمة باطلة من كافة الوجوه وأن يوسف برئ من مراودة امرأة العزيز ، ولكن رغم البراءة الواضحة وضوح شمس الظهيرة فقد جرى سجن يوسف " بضع سنين " . قال مجاهد وقتادة : البضع من ثلاث إلى تسع سنوات . وقال وهب بن منبه : سبع سنولت . وقال : ابن عباس : اثنتا عشرة سنة .

عموما لا تقل المدة التى سجن فيها يوسف عن ثلاث سنوات .

وما كان سجن يوسف إلا لقمع أحاديث سيدات " النخبة " اللاتى قلن :" امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه " هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لكى ترضى سيدة القصر عن قضاة زمانها ، وما كانت لترضى بأقل من سجن البرئ الطاهر يوسف بن يعقوب . ثم حدث أن احتاجت السلطة إلى عبقرية يوسف لكى ينقذ مصر من المجاعة ، وأيامها كانت مصر امبراطورية والذى ينقذها كأنه انقذ العالم كله .

جرت المخاطبات الرسمية وشبه الرسمية لكى يتم الإفراج عن يوسف عليه السلام لكى يتسلم مهمته بوصفه رجل دولة من طراز فريد .

هنا قف أمام مرآتك وتخيل نفسك مسجوناً فى قضية ملفقة وفجاة تجرى أمام عينيك مراسيم الإفراج عنك لكى تصبح وزيراً لمالية إمبراطورية .

لا تثريب عليك إن فرحتَ بالحرية والمنصب .

لكن معدن الطهر الذى يتجلى فى شخص يوسف عليه السلام جعله يعطى للأحرار جميعاً درساً عز نظيره .

يوسف الذى يعلم أنه برئ ، يوسف الذى يعلم أن أهل الحكم جميعاً يعلمون أنه برئ ، رفض الإفراج عنه قبل إعادة التحقيقات فى قضية " المراودة "، فقد قال يوسف لرجل المراسيم الملكية :" ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ". تمت الاستجابة لمطلب يوسف ، وأعيد فتح التحقيقات فى القضية ، وجمع الملك النسوة اللاتى قطعن أيديهن وسألهن سؤالاً مباشراً :" ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ".

أجابت النسوة : "قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ " .

هنا اسقط فى يد امرأة العزيز بطلة القصة فقالت :" الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ".

ترى هل كان هذا المطلب مزايدة من يوسف عليه السلام ؟.

الحق أن الإجابة هى " لا " القاطعة الحاسمة . يوسف عليه السلام كان يدرك خطورة المهمة التى سيقوم بها فى زمن المجاعة ولذلك أراد ببصيرة مضيئة أن يتولى الوزراة وهو طاهر الساحة من أى اتهام حتى ولو كان باطلاً ، كان يبحث عن ثقة العامة والخاصة لأنه كان يعرف خطورة السياسات التى سينتهجها للخروج بمصر من المجاعة .

باقى القصة أشهر من أن نشير إليه فقد فاز يوسف بكل ثقة الشعب واستطاع بعبقريته الاقتصادية انقاذ مصر ومن ثم العالم من مجاعة مهلكة .

والآن ما هو وجه الشبه بين يوسف بن يعقوب وأحمد بن شفيق ؟

الرجلان على بُعد ما بينهما عرضا نفسيهما على الشعب بوصفهما رجال دولة .

وقد رأينا مسلك الأول تجاه الشعب فماذا عن الثانى ؟

السيد شفيق تحاصره البلاغات المقدمة ضده للنائب العام ، حقا لا أعرف عدد البلاغات بدقة ولكن الشائع أنها حوالى أربعة وعشرون بلاغا .

لم يتحرك بلاغ واحد يقضى بالبراءة أو الإدانة ، إذن فساحة الرجل ليست ناصعة أو على الأقل هى واقعة فى المنطقة الرمادية ، فلا هو برئ ولا هو مدان .

فإن كانت كل البلاغات كيديه ( وهذا وارد ) فعليه أن يسارع بتقليد يوسف عليه السلام ويطالب بإبراء ساحته قبل أن يصبح رجل دولة .

فإن حصل على البراءة من كل البلاغات ، تبقى قضية واحدة ، كنت وآلاف شاهدين عليها ، وتلك هى قضية موقعة " الجحش " المعروفة إعلاميا بموقعة الجمل ، والجمل برئ من خطايا الجحوش أبناء الحمار الأكبر .

السيد شفيق كان رئيساً لوزراء مصر وكان يستطيع إيقاف المذبحة بمكالمة هاتفية لجموع بلطجية مبارك الذين قتلوا أشجع شباب مصر ، فإن لم يكن ذلك باستطاعته فقد كان عليه أن يصارح الناس بعجزه ويعلن إستقالة مسببه لكى يكون بريئاً من دم الشباب ، ولكن لأنه لم يقدم على هذه أو تلك فالرجل مدان إما بالمشاركة أو التواطؤ وسيظل دم الشباب يطارده ثم لن يعرف للنجاة طريقا وإن غداً لناظره قريب .

الاثنين، 28 مايو، 2012

صور من جب النسيان (الجزء الثالث)



الصورة الرابعة عشرة


كل يوم يتحدث شقيقاى،  بهجات ومندى عن ضرورة " فرز الورق " ثم لا يصنعان شيئا ، أعرف الآن أن المهمة كانت ثقيلة ولذا كانا يتهربان منها بحجج شتى ، حتى جاء صباح يوم صيفى قال فيه أخى بهجات لأمى:" نظفى لنا السطح فاليوم سنفرز الورق ".
أمى السيدة الأمية التى لا تعرف القراءة والكتابة ، تجيد بفطرة صافية قراءة إشارات العيون وارتعاشات القلوب وتردد النبرة حتى لو أرادها صاحبها أن تظهر واثقة . بهمة ونشاط واتقان نظفت أمى السطح وضربت حوله سوراً من قماش يحجبنا عن عيون الجيران ، ثم أعدت طعاما طيبا ، ربما لتخفف على أخوىّ وطاة " فرز الورق ".
سرتْ بيننا جميعا روح الإقدام على مغامرة ( سنفرز الورق ) .
بعد صلاة العصر كان السطح نظيفاً ومرشوشاً . بدأ أخواى الصعود بكراتين كبيرة جداً ووضعها فوق السطح . أمرنا أخى بهجات بتلاوة سورة الفاتحة قبل أن يبدأ فى فتح الكراتين .
بدأ العمل هكذا ، بهجات ومندى يفتحان الكراتين بوجهين محتقنين وبأصابع مرتجفة . ما الذى وجداه فى الكراتين ؟ جرائد ومجلات وكتب وورق متفرق قديم .
كانا كلما وجدا ورقاً طالعاه بعناية وتبادلا نظرات ذات معنى ، ثم بعناية يضعان الأوراق المتفرقة فى حقيبة جلدية جديدة كأنهما اشترياها خصيصاً لهذه المناسبة .
الجرائد والمجلات والكتب ، يقدمانها لأختى سامية التى تمسح ما علق بها من تراب ثم تقدمها لأخى حمزة الذى يعيد وضعها بدقة فى الكراتين .
أمى لا تكف عن تقديم الشاى وشرائح البطيخ لإخوتى ، أنا مشغول بمتابعة عملية الفرز ويكاد قلبى يقفز فرحاً  كلما أخرج أخواى مجلة ذات غلاف ملون  .
فجأة صاح أخى بهجات بسعادة غامرة  وهو يستخرج دفترأ كبيرأ :" الحمد لله ، لقد وجدته ، إنه كامل ".


مد مندى يده ليأخذ الدفتر ، لكن بهجات زجره بنظرة ووضع الدفتر تحت فخذيه ( بعد تلك الصورة بسنوات سأسرق الدفتر من خزينة أخى بهجات لأقرأ مذكرات أبى التى أوصى بعدم قراءتها إلا بعد رحيل كل أبطالها ).  بعد العثور على الدفتر عرف الهدوء طريقه لوجهيهما . بعد قليل انتبه  مندى لشيء غائب عندما قال لبهجات :" لقد عثرنا على معظم الأشياء ولكن أين اللوحة ؟" ضربتهما حُمَى البحث والتفتيش ، حتى عثر أخى مندى على اللوحة المقصودة .  إنها صورة رجل أسمر لطيف السمرة يبدو وسيماً وأنيقاً ومبتسماً ، يرتدى جلباباً صوفياً أسود ويعتم بعمامة بيضاء كبيرة .تبادلوا الإمساك باللوحة ، لم أكن معنياً بها لأنها ليست ملونة ، ارتاحت اللوحة بين يدىّ أمى التى نظرت لها طويلا ثم قبلتها ، تقبيل أمى لهذه اللوحة جعلنى أسألها : " صورة مين دى ؟ " .


أرتبكت قليلا ثم تضاحكت وأعطت اللوحة لبهجات ثم قالت مبتسمة وهى تضم رأسى لصدرها : " دى صورة راجل كان ضيف عندنا وبعدين راح لأهله " .
بعد سنوات ستدور بيننا نحن أولاد عبد الرحيم مناقشات ساخنة جدا وحادة حول الذى من حقه الاحتفاظ بصورة أبينا المرسومة بالقلم الفحم ، بداية سيفرض عزت الأمر الواقع ويحتفظ بالصورة فى صالون بيته ، بعدها سيتنازل عنها فى نوبة كرم ويضعها على جدران " المقعد " وهو بناء على المشاع يخصنا جميعا .

الصورة الخامسة عشرة

كنت قد عرفت أن أبى قد مات ، وكنت قد خاصمت العيال الذين يغنون :" ودا قصر مين العالى ؟ دا قصر أبويا الغالى " ومع ذلك تشوشت بدون سبب معروف . بدأت أؤمن أن أخى بهجات هو أبى الذى أنجبنى ولذا رحت انتسب إليه ، فإن سألنى سائل :" ابن من أنت ؟" فإننى أجيبه بتلقائية :" ابن بهجات عبد الرحيم ".
عيال الشارع تعاملوا معى بوصفى أبلهاً يظن أن شقيقه هو والده ، بادلتهم السخرية من جهلهم لأنه يظنون أن أبى هو شقيقى .
عشت هكذا عمراً طويلاً حتى جاءت  ظهيرة يوم قائظ أرسلتنى فيه أمى إلى البقالة لشراء عسل ، كانت قد أعطتنى النقود وكوبا زجاجيا كبيرا ( اذكر أن لونه كان أزرق ) . أثناء عودتى إلى البيت ، انشقت الأرض عن ولد كبير ، ربما كان بينى وبينه عشر سنوات ، كان الولد كأنه الشيطان ، أمسكنى من كتفىّ وهزنى هزا شديا وسألنى بصوت كله قسوة :" إنت يا واد .. واد مين إنت ؟".
بخوف  أجبته  بما أعرفه عن نسبى :" واد بهجات عبد الرحيم ".
رفعنى عن الأرض كأننى ريشة وألصق ظهرى بحائط وصرخ فى وجهى :" إنت بهيم ، بهجات دا أخوك ، أبوك مات ، أبوك مات ، عارف يعنى إيه مات ؟ يعنى مات".تركنى أسقط على وجهى وغادرنى وأنا أعوى :" أبويا مات ، أبويا مات ".
قذفت الكوب الزجاجى فتحطم واختلط العسل بتراب الشارع ، وعدت إلى البيت وانا أصرخ من بين دموعى :" أبويا  مات  يعنى بهجات مات ".
أجتمعت علىّ أمى وجدتى وأختى سامية وحاولن تهدئتى ولكن محاولتهن فشلت .
فجأة دخل أخى عزت عائدا من الجيش وعلى كتفه مدفع رشاش .
لم يجد الاستقبال اللائق بعودته ، لانشغال السيدات بى ، بكلمة عرف الأمر من أمى، رفعنى ووضعنى فوق كتفيه ، وهم بالخروج ، تعلقت السيدات الثلاث بساقيه لكى لا يخرج ،  ولكنه كان من القوة بحيث طرحهن جميعا .
فى الشارع سألنى بهدوء :" عارف الواد اللى قال لك كدا ؟"
أجبته :" أعرف شكله ". قال سنبحث عنه حتى نجده وساعتها ستحصل على حقك منه .بعد بحث لم يستغرق كثيرا أشرت إلى الولد  الذى كان يجلس مع أقاربه على مقهى صغير. أنزلنى عزت من فوق كتفيه ، وألقى سلاما فاترا على الجالسين ، ردوا مندهشين من فتور سلامه ، تناول مدفعه الرشاش وباعد بين ساقيه ثم قال :" أبنكم عاير أخويا بموت أبوه ، ودا ما يصحش ، وزى ما ابنكم خلى أخويا يبكى ، أخويا هيبكيه قدامكم ووالله العظيم اللى هيتحرك منكم لأكون  مفرغ فيه الستة وتلاتين طلقه ". أكبر أعمام الولد كان حكيماً ، أدرك أن عزت مصاب بجنون الغضب وسينفذ ما هدد به ، قام الرجل ومسح على شعرى وقبل جبينى وأعطانى كرباجاً مصنوعاً من ليف النخل يستخدم فى سوق البهائم ثم قال :" الحق حبيب الرحمن ، وزى ما بكاك بكيه ، السوط فى يدك أهو وشرّح بيه ضهره ".
على كثرة ما تشاجرت لم أضرب أحدا مثلما ضربت هذا الولد ، لقد كان يصرخ من ضربات السوط التى انهلتُ بها على جسده ، مع بكائه كففت عن ضربه ، رفعنى عزت ووضعنى على كتفيه وعاد بى إلى البيت .

الصورة السادسة عشرة

استدعانى بهجات إلى غرفته ، كان يجلس إلى مكتبه ، على عينيه نظارة طبية أنيقه وبين يديه كتابا ليس ملونا ، كلماته عجيبه ، سألته عن الكتاب فابتسم قائلا :" دى رواية قصة مدينتين لراجل خواجه اسمه تشارلز ديكنز ".
قام وجلب لى مقعدا وأجلسنى أمامه ثم أغلق الكتاب بعد أن وضع ريشة بين صفحاته ، مسح نظارته ثم تبسم فى وجهى وقال :" أمك قالت لى على اللى حصل مع الواد البغل ، شوف يا عمى الأستاذ ، الواد بغل ولكن ما غلطش ، أبوك هو أبويا ، إحنا الاتنين أخوات ، أبوك مات فعلا ، بص كلنا هنموت ، فاهمنى إزاى ، أخوك عزت مجنون ، أصله النهار كله يحارب ، كان ممكن يقتل علشان خاطرك ، يرضيك أخوك يتسجن ؟ عارف أنا رحت لعم الواد وشكرته واعتذرت له ، لولا عم الواد كان ممكن تبقى فيه عركة كبيرة ، عايزك تبقى كويس وماتضايقش من أى حد يقولك أبوك مات ، بص لو عايزنى أكون أبوك فأنا من اللحظة دى هكون أبوك ولاخر يوم فى عمرى ، مبسوط كدا ، لما تكبر وتتجوز تقول لعيالك الراجل أبو نضارة دا هو أبويا ، خليك كويس وماتبكيش أمك ، عارف لو جدك عبد الجابر عرف هيعمل مشكلة ربنا أعلم بيها ، جدك ساكت لكنه مجنون زى عزت بالظبط ، لما بيغضب مبيعرفش هو بيعمل ايه ، بكرة  هاخدك أسيوط معايا وهشتريلك كورة وصور لعبد الناصر واللى تشاور عليه هشتريهولك ".
من يومها وإلى اليوم أصبح بهجات أبا لى ، وجداً لأولادى ، لم أشعر بعدها باليتم إلا فى تلك الساعات التى قرأت فيها مذكرات أبى ، كنت أتمنى أن أعيش مع صاحب المذكرات وأحاوره وأعرف يقيناً أى رجل كان .

الاثنين، 21 مايو، 2012

صور من جب النسيان(الجزء الأول )




الصورة الأولى




الدفء أشهى فواكه ليالى شتاء صالة بيتنا . حول " القروانة " التى رصت فيها أمى بعناية حطب القطن نجتمع أمى وإخوتى حمزة وبهجات ومندى وسامية . جدتى لأبى لا تظهر فى الصورة ، وأنا احتمى بأخى بهجات بشكل ما ، ربما كنت جالساً على حجره أو متعلقاً بعنقه أو دافناً رأسى فى صدره ، جدى لأبى كان هناك فى طرف الصالة ، لا أدرى كم عمرى ، إن كانت الليلة من ليالى شتاء 1969 فأنا اقترب من الثالثة وإن كانت قبل ذلك فأنا فوق الثانية بشهور.


لماذا اخترت بهجات بالذات لكى احتمى به أليس فى ذلك إشارة لما هو قادم ؟.


فجأة دخل رجل .كان الرجل وسيماً أنيقاً مبتسماً، كان يرتدى جلباباً صوفياً أسود وعلى رأسه عمامة بيضاء ، أعطى لأمى علبة كاكاو ونظر لى وقال : أهلاً بالأستاذ .


الصورة الثانية



هل هذا بيت أم متاهة جحا ؟ الطفل الملول يتخبط بين الغرف الكثيرة المتشابكة ، ملعبه المفضل فى ساحة مقسمة ما بين غرفة الفرن وحوش البهائم وشونة للتبن وعشش للدجاج والأرانب ، هذا غير مكان خاص للمزيرة حيث نسقت أمى بدقتها المعتادة وضع الزير وبجانبه القدرة وبجانبها البلاص الذى تحفظ فيه أمى الماء الخاص بصنع الشاى ، بجانب " المزيرة " هناك فجوة مرعبة هى بير السلم الذى يقودك إلى السطح .


فى إحدى الحجرات كان الرجل الوسيم الأنيق المبتسم يرقد مريضا ( لا أذكر كيف عرفت أن هذا الوسيم هو أبى ؟) كانت أمى تجلس حزينة بجواره ، أنا كنت بجانبها . هل كان هذا مرض موت أبى ؟. أخرجتنى أمى إلى الغرفة المجاورة حيث ينام أخى بهجات وأخى مندى ، كانت إضاءة غرفتهما قوية بشكل أزعج عينىّ ، بكيتُ ابتعادى عن أمى ، كان أخواى يرتبان كتاباً ومجلات كثيرة أعطانى أخى بهجات نسخة من مجلة سيظل يحتفظ بها إلى أن أكبر وأعرف أنها مجلة الإخاء التى كانت تصدر بالعربية من إيران . اسكتت صورالمجلة الملونة بكائى ، كان هذا أول لقاء لى بالصور والكلام المطبوع ، على غلاف المجلة كانت صورة لإمرأة ترعى خرافاً بيضاء فى سهل أخضر .


الصورة الثالثة


صباح يوم من أيام شهر مارس من عام 1969 كان كثيرون داخل حجرة أبى ، أميز من بينهم أختى بهيجة وهى تخلع عن قدميها خلخالها وأمى ووجهها أحمر وأخى بهجات يحادث رجلاً بعصبية وأختى سامية تبكى وأخى حمزة يضرب رأسه بيديه وأنا اتطلع إلى الجميع فى حيرة . لا أحد ينظر لى أو يهتم بشأنى . أخيراً انتهبت أختى سامية لما أعانيه من حيرة ، فآخذتنى إلى السطح ، ونحن نصعد السلم وقعتُ فجرحت ركبتاى ، ثم نزلنا من على السطح .أحدهم أعطانى قرشاً .


الصورة الرابعة


أمى تركت غرفتها وأصبحت تنام فى غرفة جدتى . كنت أنام بينهما . صمت دائم نزل على جدى ، نادراً ما سمعته يتكلم ، أصحو من النوم على صوته وهو يردد " ياستار العيوب استرنا ، آلا بالتقوى تبلغ ما تريد وبالتقوى يلين لك الحديد ، ياصمد ياصمد " .


وأنام على صوته وهو يردد ذات الكلمات .


يلتهب جلد ظهرى فتضع جدتى يدها على ظهرى ثم تروح تمررها ببطء ولوقت طويل جداً حتى أنام ، فى الصباح أذهب إلى بيت جدى عبدالعزيز شقيق جدى عبدالجابر تلقانى زوجته ، هما لم ينجبا ، كانا يصبان الحنان علىّ صبا ، أعود إلى البيت تأخذنى أختى سامية إلى غابة النخل وتحكى لى قصصاً عن ولد مات أبوه فعوضه الله بحديقة كلها ورد .


حديقة الورد دمرها الأولاد جيرانى الذين كانوا يلعبون لعبة يغنون أثناءها أغنية يقول مطلعها :" ودا قصر مين العالى ؟. دا قصر أبويا الغالى " كانت هذه الأغنية جارحة لى بشكل ما ، وأى كلام أو إشارة إلى الأب كانت تربكنى وكأننى ارتكبت ذنباً أرجو ألا يعيرنى به أحد ، موت أبى جعلنى أشعر بنقصان ما ، نقصان يحول بينى وبين الاندماج مع العيال فى أغنيتهم .


أغانى العيال التى يدور معظمها عن " الأب " جعلتنى فى غاية الشراسة فقلت لهم آمراً :" لن أسمح لأحد بغناء أغنية عن الأب ". أمرى هذا جعلنى اتشاجر معهم كثيراً ،و لكى لا يفتقدوننى راحوا يحرفون أغنيتهم لكى تصفو نفسى :" ودا قصر مين العالى ؟. دا قصر أخويا الغالى ".


تعبت من التشاجر فانسحبت مبكراً جداً من تجمعاتهم هذا الإنسحاب ألقى العبء مكتملاً على أكتاف أمى وأختى سامية التى تركت المدرسة لكى تهتم بشئونى . أنام حتى الثامنة صباحاً إذا استيقظ لابد وأن تكون أمى على رأسى ليس غيرها أقبل منه كلمة أو ضمة ، تدللنى أمى كثيراً بل كثيراً جداً حتى أرضى قأقوم من تحت الغطاء ، تتلقفنى سامية فتغسل لى وجهى ويدىّ وقدمىّ ثم تمشط شعرى وتلبسنى جلباباً حريرياً أبيض ، تكون أمى – وليس غيرها – قد جهزت لى الإفطار ، سندوتش من البيض وآخر من الجبن وثالث من الزبد ، ثم هناك براد شاى وضعت فى " بزبوزه " قطعة من الورق لكى يحتفظ بحرارته لأطول فترة ممكنة ، أشرب كوباً كبيراً من الشاى ثم تشرب أمى وأختى ، إن كانت الأيام أيام صيف ذهبت إلى أخى بهجات إلى حيث يجلس مع الدكتور إبراهيم فى المستشفى ـ يلقانى باسماً ويقف للسلام على وكأنى رجل كبير كذا يفعل الدكتور إبراهيم والشيخ عبدالرؤوف موسى ، يتوجه لى أخى قائلاً :"لو أنت شاطر صحيح قول لعمك الشيخ والدكتور الاناشيد اللي أنت حافظها ".


انطلق في الانشاد:


"يا حمام يا يمام


روح قوام لجمال


بوس له خدوده


وقوله جنودك


اشتاقوا والله للقتال".


يصفقون لي بحماس 0ثم اتركهم متجهاً إلى جنينة المستشفى لا أكف عن الكلام مع الأشجار وكنت مؤمنا أن شجرة الكافور الضخمة هي أم الاشجار وأن شجرة الصفصاف هي أختهم الكبرى أما شجرة الليمون فهى زميلتى التى سأذهب معها إلى المدرسة . أتكلم مع الأشجار حتى يؤذن الظهر ؛فينزل أخى و الشيخ عبد الرؤوف من مسكن الدكتور للصلاة


أذهب معهما ؛هما يصليان مع المصلين ؛ و أتفرغ أنا لملء أنفى برائحة حصر الجامع المبللة بماء الوضوء


هذا إذا كان الوقت صيفا ؛أما فى الشتاء فأذهب إلى أخى فى المدرسة أجد الفصل مزدحما بالعيال الكبار و لكن أخى يختار لى مكانا بجوار ولد هادئ اسمه عبدالتواب ، المدرسة لم تكن سوى بيت قديم من حجرتين كبيرتين ، الأولى يجلس فيها عيال السنة الأولى الإبتدائية ويعلمهم أخى ، يعلمهم كل شئ حساب وقراءة وعلوم وقرآن ، والحجرة الثانية لعيال السنة الثانية ويعلمهم الأستاذ جمال مصطفى ثم هناك غرفة صغيرة هى مخزن المدرسة فيها الطباشير والكتب وصور كثيرة للرئيس جمال عبدالناصر ، فى نهاية كل فصل هناك قصارى زرع فيها نعناع وفول أخضر وريحان ، صاحبت أنا زرع الفول خصوصاً زهرته البيضاء التى تتوسطها نجمة سوداء ، أمى عندها جلباب أبيض تتوسطه زهور سوداء ، إذن زهر الفول قريب لى ، اشم رائحته فتقتحم أنفى رائحة شعر أمى بعد أن تغسله بالماء الساخن . أقطف زهرة وأقذف بها إلى فمى أظل استحليها حتى تذوب مختلطة بريقى ، عندما تبدأ حصة القرآن أكون فى قمة سعادتى لأن اسمى واسم الولد عبدالتواب سيذكر بعد قليل " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين عندما ينطلق العيال كلمة " الحمد " ينظر لى عبدالتواب باسماً فها هو فى المصحف الشريف فـ " الحمد " هى حمدى ولكن العيال الملاعين لا ينطقونها بشكل جيد ، ليس مهماً المهم هو أن اسمى موجود فى المصحف ، بعد قليل سيأتى اسم الولد عبدالتواب " فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً " انظر إلى عبدالتواب فى حسد لأن العيال ينطقون اسمه بشكل صحيح فاسمه فى الشارع " تواب : وفى المصحف " تواباً " يعنى لم يختلف كثيراً ، دفعنى الغيظ من العيال الذين يخطئون فى نطق اسمى لأن اقترح على عبدالتواب أن يأخذ كلاً منا اسم الآخر فأصبح أنا عبدالتواب ويصبح هو حمدى ، ولكنه رفض وهو يقول لى " أبويا يضربنى ويقول لى سبت اسمك ليه ؟وبعدين أنت بعد شوية هترجع فى كلامك لأن اسمك واسم أبوك موجود فى المصحف ، شوف مش إحنا كل شوية نقول بسم الله الرحمن الرحيم أهم الرحيم دا اسم أبوك ".


كرهت الولد عبدالتواب لأننى كنت أظن أن الآباء فى أغانى العيال فقط فإذا به يقول لى أنهم فى المصحف أيضاً .

الصورة الخامسة


" ياحمدى أفندى الزرع بيفرح بأصحابه وعلشان كدا النهارده هاخدك معايا للغيط القبلى نطمن على القطن " هكذا حدثنى جدى ، وبالفعل لف منديلاً حول رأسى ووضعنى أمامه على الحمار وانطلقنا إلى الغيط ، بعد أن تجاوزنا بيوت البلد غرقت عيناى فى مياه ترعة البسيونية كانت المرة الأولى التى أرى فيها مياه كثيرة لهذا الحد ومن يومها ، وأنا كلما رأيت ماء فكرت فى شئ واحد وهو أن اندفع إلى قلبه وأدفن جسدى فيه ( هل سأموت غريقاُ ؟). على جانبى الترعة كانت تصطف أشجار الصفصاف وعلى قمتها مئات من " الزرازير " قال لى جدى قل " هوه هوه " بصوت عال فصرخت " هوه هوه " فطارت صفوف " الزراير " وراحت تحلق بأجسامها الصغيرة فى االسماء صانعة قوساً ملوناً يخطف الأبصار ، وكلما عادت " الزراير " إلى الأشجار عاودت الصراخ

" هوه هوه " فتعود لتحليق ثانية ، ثم طلب جدى منى السكوت لأن " الزراير " تعبت ولابد أن اتركها تستريح فاستجبت لطلبه وعادت عيناى مرة أخرى تغرقان فى مياه الترعة ، عندما وصلنا إلى الغيط قال لى جدى :" أدخل أملأ جيوبك بالقطن ولما نرجع البلد تروح تبيعه عند شوقى طه وتشترى لأمك حاجة حلوة ". بعد أن ملأت جيوبى بالقطن عدت إلى جدى الذى كان يصلى على رأس الغيط ، بعد أن ختم صلاته التفت لى قائلاً " براوة عليك " عفارم ياحمدى أفندى ، الراجل طالما طلع بره بيته لازم يرجع له وفى إيده حاجة ، أى حاجة إن شاء الله قالب طوب ، زلطة ، عودين حطب ، ليه ياحمدى أفندى أنا أقولك ليه ؟ لإن الراجل ربنا سبحانه وتعالى خلقه علشان يجيب حاجات البيت وأنت خلاص بقيت راجل دا حتى إحنا بنفكر نجوزك ".

ضحكت وضحك جدى معى ثم فجأة قطع ضحكه وقال لى " فاكر أبوك يا حمدى أفندى ؟ أبوك دا كان ولد بصحيح كان راجل بجد كان عارف كل حاجة أنا فاكر كان دايماً يقول لى يا أبويا بكره الإنجليز تطلع من مصر والحالة تبقى معدن ، أبوك دا كان حاجة حلوة قوى ، عارف يا حمدى أفندى أنا خلفت سبعتاشر راجل قبل أبوك وكلهم ماتوا ، عارف عمك عاشور مات وهو راجل كان عنده تمنتاشر سنة وكنت بجهز علشان أجوزه ولكن زيه زى إخواته على غفلة مات ، وبعدين أبوك اتولد فعوضنى عن اللى ماتوا ، بقولك كان حاجة حلوة قوى ، كبر واتعلم وأجوز وخلفكم سبعة فى عين العدو ، ولكنه وعلى غفلة عمل زى إخواته وسابنى ومات ، أبوك يا حمدى أفندى كسر ظهرى ، عمره مازعلنى ، عمل كدا ليه مش عارف ، آه يا موت أشوف فيك يوم ياموت ، بينى وبينك تار ليوم القيامة ، قلبى وربى عضبانين عليك ياموت ، يارب ورينى فى الموت يوم " .


من يومها لم يذكر جدى أبى ولو مرة واحدة لم يسألنى بعدها " فاكر أبوك ياحمدى أفندى " ولكنه وحتى مات كان يواجه الموت بعد كل صلاة ، كان إذا ختم صلاته ضم أصابع يده اليمنى وأفرد سبابته وحادث الموت وكأنه يقف أمامه كان يتوعده قائلاً " اسمع بهجات وأخواته ، أنا صابر عليك ولكن والبارئ فى سمائه ما هيحصل طيب لو قربت من بهجات وأخواته ، دول أمهم مسكينة وغلبانة أدينى بقولك أهو ، أوعى بهجات وأخواته " ثم يهدأ و ينعكس رأسه فى الأرض .


فى يوم من الأيام عبثت فى صندوق تحتفظ فيه أمى بورق كثير فتح فوجدت شيئاً غريباً رحت ألعب به ، وأتى جدى ، انتزع اللعبة ( لم تكن سوى صورة أشعة ) من يدى وصاح غاضباً " ليه كدا دى بتاعة الغالى " .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(الخميس القادم الجزء الثانى)

الثلاثاء، 20 مارس، 2012

حسام تمام الفارس يترجل





كنت وحسام تمام نجلس علي مقهي مغمور بوسط البلد في ليلة من ليالي عام 2005 قطع حديثنا رنين هاتفه المحمول، أنصت للمكالمة بكليته، بعد انتهائها كان فرحاً ذلك الفرح الذي يذهب بالوقار، وكنت في غاية الدهشة (أي مهاتفة تلك التي تجعل من حسام تمام طفلاً يلاكم الهواء) قبل أن أسأله قال :" الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والدكتور هشام الحمامي زارا الأستاذ نجيب محفوظ للتهنئة بعيد ميلاده، هذه الزيارة هي انتصار لنا، إنها نصر تاريخي " ـ

 ألن تكف عن مبالغاتك يا بن تمام؟ أي نصر ستجلبه الزيارة ؟ جماعة الإخوان التي يمثلها أبو الفتوح ليست متهمة في حادث طعن الأستاذ نجيب، حتي نقول إن الزيارة هي اعتراف بالذنب واستغفار عنه..إنها زيارة كغيرها يا صديق. التفت لي مبتسما ثم قال سأبسط أمامك قراءتي للزيارة وبعدها ستدرك كم هي مهمة، في البدء كانت جماعة الإخوان جماعة " مدنية ".. مدنية علي جميع الأصعدة . الصعيد الجغرافي بمعني أن كبار قادتها وكبار المنتمين إليها هم من أولاد "المدن" وعندما تكون ابن مدينة فهذا يحتم عليك قبول الآخر والتواصل معه، وعلي الصعيد الاجتماعي كانت الإخوان بيد جماعة من " الأفندية " الذين تلقوا تعليمهم في المدارس العامة، وحتي الأزهرية منهم كانوا علي اتصال بعلوم لا تدرس في الأزهر، وعلي الصعيد الثقافي كانت الجماعة تضم الطبيب والشيخ المعمم والمهندس وضابط الجيش والقاضي والمحامي والفقيه بل والفنانين.

 سكت حسام برهة ثم أردف وعلي وجهه علامات الإصرار : أنا يا صديقي أستشعر كارثة " ترييف " الإخوان.. سأكتب عن هذه الظاهرة التي إن سادت فقل علي الجماعة السلام . الإخوان الآن تحاصرهم ظاهرتان.. الأولي هي ظاهرة " الترييف " الذي يجلب الانغلاق، والظاهرة الثانية هي وقوع قيادتها في قبضة " رجال الأعمال " الذين لا يعرفون من " العلم " سوي علم " الحساب " 1+1 =2 . نحن.. أعني " الجماعة الوطنية " نحتاج لتنظيم الإخوان ولقوة الإخوان، نحتاجهم معنا في قلب الميدان، عندما نقدّر نجيب محفوظ فلابد وأن يكون الإخوان معنا وعندما نحارب " توريث الحكم " فلابد وأن يكون الإخوان في صفنا.

هل فهمت الآن أسباب فرحي بزيارة أبو الفتوح وحمامي لنجيب محفوظ؟ أنا من البربة ينتمي حسام تمام لأسرة عريقة من أسر محافظة أسيوط، كان يضحك عندما يتذكر " البربة " قرية أسرته، يقول : البربة اسم فرعوني، بيت أبي مضي علي تشييده أكثر من ثلاثمائة سنة، بيتنا أعرق من أمريكا . لأمر ما هاجرت الأسرة إلي الإسكندرية . المناخان فعلاً فعلهما في شخصية حسام، ففي البيت السكندري الجديد لم يتخل الأب عن زيه وعاداته وتقاليده الصعيدية، وعلي بعد خطوات هناك عالم الكورنيش، حيث " الإسكندرية مارية وترابها زعفران "..

شهدت طفولة حسام تمزقاً بين العالمين.. عالم الصعيد بصرامته وعالم الإسكندرية بانفتاحه، كان يخجل عندما يحادث والده بلكنة غير لكنة الصعيد . ظل الأمر هكذا حتي وقعت " حادثة السمك ". يقول حسام :" لم يكن أبي يستعين في أي عمل من أعماله سوي بالرجال الصعايدة، كانوا في الغالب من الفقراء المتعففين، نهارهم عمل شاق وليلهم غناء، وآه من غناء الصعايدة، علي أيديهم عرفت ابن عروس ومواويل الربابة " وعديد" الموت، أصواتهم لها حلاوة قصب السكر الذي تلزمك أسنان قوية لكي تستمتع بها، مع هؤلاء كنت بحاجة إلي " حس " صعيدي حتي أتذوق حلاوة أغانيهم، ظهيرة أحد الأيام أعطتني جارتنا التي تكبرني سناً سمكا مشويا لهؤلاء العمال، قدمته إليهم وأنا في غاية السرور قائلا : أبلة مديحة أعدت لكم هذا الطعام . بعد أن ألتهموا السمك راحوا يتندرون علي كلمة " أبلة " . قال قائلهم:" حسام ولد الشيخ تمام عيجول آبلة.. اسمهما حرمة يا أبو خالو مش آبلة.. لازم تعاود معنا علي البلد نعدلولك لسانك وبعدين نرجعوك " يقول حسام : تلك الحادثة البسيطة بل التافهة أثرت في كل التأثير، لابد وأن أنتمي للعالمين معاً..

 الصعيد وكورنيش الإسكندرية.. من يومها لم أعد اخجل من لكنتي الجديدة بل رحت أفاخر بإسكندريتي الصعيدية أو بصعيديتي السكندرية . تلك المزاوجة عرفت طريقها لقلب حسام فأصبحت تمثل مفتاحا لشخصيته، فهو دارس للغة العربية لكنه متبحر في شئون الحركات الإسلامية، يحفظ القرآن ويرتله ترتيلا مثل الأزهرية ويذهب لحضور مؤتمر يقيمه عنصريو هولندا . حتي عندما عمل بالصحافة في جريدة "آفاق عربية " التي كانت لسان حال جماعة الإخوان لم يكن عضوا بالجماعة وكان حريصا علي كتابة الدراسات المتعمقة ونشرها بجريدة «القاهرة » وغيرها من الجرائد " المدنية " وهذا هو اللقب الذي كان يلقب به الجرائد التي ينشر بها . نريد عبد الناصر أبو حسين كانت مسرحية " الانتخابات " الرئاسية تعرض فصولها الأخيرة، يومها التقيت بحسام وقلت له : مبارك ينافس نفسه.. لابد من وجه جديد لامع وساطع.. حتي لو صنعنا انتخابات موازية لن يعترف العالم بها ولكننا من خلالها سنقدم وجها لامعا. قال : عندي الوجه الذي تحتاجه البلاد.. إنه عبد الناصر أبو حسين.. تعرفونه أنتم باسم جمال عبد الناصر . أدهشني كلامه فتجاهل دهشتي ومضي يقول : تقول في نفسك ما الذي جمع الشامي علي المغربي ؟ تقول في نفسك كيف لحسام تمام المصنف في " خانة " الإسلاميين النداء باسم جمال عبد الناصر الذي عذب الإخوان وأعدم بعضاً من قادتهم؟ اسمع يا صديقي : بلدنا مصر ليست كأي بلد.. إنها قوية جدا وعفية جدا وخصبة جدا، إنها حسب التعبير الصعيدي " فرس " ولكل فرس فارس، وفارس مصر لابد وأن يكون له حضور عبد الناصر وشجاعته، نريد عبد الناصر أبو حسين.. القوي الديمقراطي المدني الذي ينتصر للفقراء.. هل تعرف الفقراء ؟ لا تكذب وتقول إنك أحدهم.. لا.. الفقراء هناك حيث لا أمل.. كل معجزات هذا البلد صنعها الفقراء.. من بناء الأهرامات حتي عبور القناة.. هؤلاء ليسوا ملح الأرض فحسب.. إنهم الأرض ذاتها..

 ما الذي يباعد بيني وبين الانضمام " التنظيمي " لأي حركة إسلامية ؟ إنهم الفقراء.. لم أجد عند الإسلامين شيئا عن "العدالة الاجتماعية " إنهم مشغولون بأموال الزكاة والصدقة.. والموضوع عندي أعمق وأعقد وأشمل من أريحية المزكين وعطف المتصدقين.. إنني أنادي بقيام " دولة " الفقراء.. ويوم تقوم ستري مصر أجمل مما تحلم به. دائي الإقامة ودوائي السفر في جحيم أغسطس يسافر حسام إلي موريتانيا، وهناك ينام في خيمة، فرشة رمال ناعمة وكذا وسادته، يعيش علي التمر وحليب الابل . أسأله : ما الذي في موريتانيا حتي تغامر بالذهاب إليها تحت وطأة حر قاتل؟ يجيب: الإنسان يا صديقي.. ذهبت لأري الإنسان.. أن تحفر بئرا في موريتانيا فهذا حدث، وإن تدفق الماء من البئر فتلك ليلة القدر، الموريتانيون يموتون عطشا بينما غيرهم من عرب النفط يموتون بالشمبانيا، في موريتانيا كلنا معنا رجل أوروبي ليس له أدني علاقة بالإسلام.. حرم علي نفسه الاغتسال عندما رأي شدة احتياج الموريتانيين للماء.. بل صرخ فينا منددا بإسرافنا في ماء الوضوء . في موريتانيا انعقد مؤتمر الصوفيين في غرب أفريقيا.. مشهد غير العرب وهم يرتلون القرآن يأخذ بمجامع القلوب..

إنه الإنسان معجزة الخالق الكبري.. الإنسان عندما يعرف أن الكون أكبر منه وأنه لا يساوي شيئا إذا عاش منفردا مغلقا الأبواب علي نفسه.. في هذه الرحلة أرسل لي تعالي فكرة ستدر علي مصر مليارات الجنيهات.. فكرتي ببساطة تقوم علي إحياء " طريق الحج الأفريقي " تخيل ملايين الحجاج وهم يمرون بأرضنا التي هي محور هذا الطريق . ـ حسام أنت تحلم . ـ ليس أمامنا سوي الحلم.. يجب أن نرتب أحلامنا حتي إن وهبنا الله لحظة تنفيذها كنا جاهزين.. كل المصريين الذين ألتقيهم بالخارج لديهم أفكار خلاقة.. يوما ما ستغادر أفكارهم أدمغتهم وتعرف طريقها للوجود علي الأرض. يسافر حسام كثيرا تجده في موريتانيا غربا وفي البحرين شرقا.. يرسل لي صوره وهو يتأمل ثلج سويسرا ويكتب لي عن الإنجازالماليزي.. يقول دائما " لو لم يكتب أحمد عبد المعطي حجازي سوي (إن دائي الإقامة ودوائي السفر) لكفاه " العالم كبير جدا والإنسان ليس كتلة واحدة.. ومن كل إنسان ستتعلم شيئا جدا.. كنت في هولندا يوم الهجوم علي أمريكا.. كان المحاضر الهولندي الذي سيشاركني في الندوة التي دعيت إليها يتقافز من الفرح.. مؤكدا علي أن أمريكا هي راعية الإرهاب وها هي تتذوقه..

 عندما ظهرنا علي جمهور الندوة راح نفس المحاضر يشتم المسلمين ويدافع عن ديمقراطية الأمريكان.. بعد الندوة عاتبته فقال لي " سيد حسام..أنا خائف علي بلدي من الأمريكان وقليل من النفاق لن يضر ".. هذا المشهد هو عندي أفيد من قراءة عشرة كتب عظيمة.. من المهم أن تري الإنسان في جميع حالاته وتتفهم تقلباته..هل أصارحك بشيء ؟ أسافر لأقيم لنفسي الأدلة علي إمكانية نهوض أمتنا.. في كل رحلة أقارن بين أمتنا والبلد الذي أزوره.. مقارنة إن بدأت بنظافة الشوارع فإنها لا تتوقف عند حجم مبيعات الكتب.. أعود من رحلات المقارنة وأنا متأكد من أننا نمتلك كل أسباب التقدم والرقي.. لسنا أغبياء خلقة.. فقط ينقصنا " المايسترو" الذي يقود بحب وفهم فريق العازفين . القاعدة جنين ميت يقتل تنظيم القاعدة المسلمين الشيعة في العراق ويقتل المسلمين الذين يخالفونه الرأي في كل بلد ويهدد بتفجير كنائس مصر.. تتسلط القاعدة علي رأسي فأظل اقرأ عن تنظيمها الذي يقتل أحيانا للقتل.. ينقذني حسام من مخاوفي.. يقول بثقة العالم :" إن القاعدة وهم من الأوهام.. هذا تنظيم هو في الحقيقة ليس أكثر من جنين ميت.. لن ينجح في خلق حالة ثورية.. الثوري هو الذي يحب الحياة ويتواصل مع أعتي مخالفيه.. أما الذين يستسهلون الدم فسيغرقون فيه.. أين هو مشروع القاعدة للنهوض بالأمة ؟ هل قرأت لهم ولو ورقة اقتصادية واحدة ؟ هب أن القاعدة قد حكمت.. هل يستطيع قادتها ومنظروها استخراج حفنة نفط.. كان أبو بكر عالما وكذا كان عمر وعثمان وعلي والحسن والحسين أما هؤلاء فلا يعرفون سوي القنص.. قريبا سيتقلص هذا التنظيم الذي تخافه ثم ستبتلعه الأرض كأنه لم يكن.. الناس يا صديقي هي التي تعطي للتنظيمات وزنها.. أين الناس وأين تنظيم القاعدة ؟ إن كانت الناس هنا فتنظيم القاعدة هناك.. حتي الذين يتعاطفون مع أعمال هذا التنظيم هم من أصحاب المشاعر الثأرية.. والثأر لا ينبت سوي الدم والدم لا ينبت سوي الخراب.

 حاصر حصارك في صيف العام 2007كانت القاهرة قد أصبحت كابوساً يجثم علي قلبي، وجاء الفرج علي يد حسام تمام (نسافر معاً إلي المغرب لندير تحرير جريدة التجديد) في الرباط سأكتشف وجهاً جديداً لحسام تمام، إنه يعرف الرباط كما يعرف شوارع وسط القاهرة، إنه نجم كامل النجومية في مجتمع المثقفين المغاربة، يقودني إلي قصور بنيت منذ أكثر من ألف عام ويعرفني علي حضارة لا تزال تسري في عروق المغاربة، وفجأة وفي ليلة عاصفة يسقط أمامي ميتا، كان ينقح كتابه الذي حوي مذكرات الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، فجأة ترك الكتابة وسقط ميتاً، شلني الرعب، إلي أن أفاق من غيبوبته التي استمرت حوالي عشر دقائق، جاء الطبيب وقال :" نوبة عارضة " الآن يحدثني قلبي بأن تلك الليلة كانت جنين " الوحش " الذي سيلتهم صديقي .بعد عودتنا من رحلة المغرب بدأ يحدثني عن متاعب صحية تهاجمه فجأة، من أجل تقصي الحقائق عرض نفسه علي أطباء في سويسرا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، فقالوا جميعا ما قاله الطبيب المصري، إنه السرطان . سبق لهذا الوحش الغادر أن فتك بأكثر من واحد منا، ولكن أن يقترب من حسام تمام تحديداً فهذا هو العجب العجاب، حسام لم يكن مدخناً ولم يكن يسرف في مأكل أو مشرب، فكيف عرف السرطان طريقه إلي رجل في ريعان شبابه وتمام صحته؟ عندما استقر به المطاف في مستشفي زايد التخصصي طلب مني دواوين أحب الشعراء إلي قلبي، فأهديته نسخة من الأعمال الكاملة لمحمود درويش، هاتفني قائلاً :"شاعرك رسم لي خريطة طريق عندما قال (حاصر حصارك لا مفر) سأحاصر السرطان وسأغلبه وأرده عني مدحورا ". من يومها وحسام يقرأ ويكتب ويظهر علي شاشة التلفاز متحدثا عن أدق خصائص الحركات الإسلامية بل لا يفوته سؤالي عن متاعبي مع الضغط . البحر موعدنا يا حسام يا أبا خديجة، ظهر الأربعاء 26 أكتوبر هاتفني صديقنا سيد زايد ليخبرني برحيلك، دارت الأرض دورتها يا صديقي وآن لك أن تستريح .

 ظهر الخميس كنت أرافق جثمانك إلي الإسكندرية، مررت بالبحر فتمتمت بداخلي بقصيدة أبو سنة " البحر موعدنا وشاطئنا العواصف " كنت تحب سماعها مني . حسام يا حبيب يا طاهرعندما تجف دموعي سأخبر ابنتك خديجة.. أي أب كان أبوها. حسام.. يا أخي وصديقي.. عليك سلام الله إلي أن نلتقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثلاثاء، 3 يناير، 2012

خالتى سلمية لن تموت






ظهر الثلاثاء 25 يناير من العام 2010 كنت أحد الواقفين أمام مبنى نقابة الأطباء بشارع قصر العينى، كنت أهتف مع الهاتفين: «عيش حرية كرامة إنسانية.. خبز حرية عدالة اجتماعية»، كانت التظاهرة الأكثر تنظيما فى حياتى، كانت شرطة المخلوع وصبية العادلى تحيط بنا من كل جانب دون احتكاك يوتر الجو، فجأة استوقفت الشرطة سيدة من المتظاهرات بطريقة خشنة فصرخ أحدهم: «سلمية سلمية» قلت فى نفسى: «عن أى سلمية يتحدث هذا الصارخ وشرطة المخلوع تكاد تعتقل السيدة؟.


كذب الهاتفون ظنى عندما نزلوا بهتافهم» سلمية.. سلمية «على رأس الشرطة نزول الصاعقة، تملكتنى الدهشة عندما فعل الهتاف الجديد مفعوله وتراخت قبضة الشرطة وتركت السيدة تمر بسلام، ثم تكرر هذا الهتاف الساحر العجيب فى مناسبات شتى، وفى كل مرة كان يثمر بطريقة مدهشة. شكرا لهذا الشعب الأستاذ القائد المعلم، لقد ابتكر هتافا كأنه عصا موسى، ثم جرت فى النهر مياه كثيرة، وطارت أقنعة عن وجوه، وبدأ استهداف بصر الثورة من خلال قنص عيون الثوار، فصرخ أحدهم: «خالتى سلمية ماتت» فى إشارة إلى أن المظاهرات السلمية لم تعد تجدى. تلك المقولة اللعينة التقطتها سلطة العسكر الحاكمة فبدأت فى شيطنة الثورة والثوار، فكل سوء يصيب البلاد تقف الثورة وراءه وكل أذى يصيب البلاد هو من صنع الثوار، ثم خطت سلطة العسكر الخطوة الحاسمة والفاصلة عندما شاركت بقواتها فى قتل الثوار فى اعتصام مجلس الوزراء، هنا تعالى الهتاف بموت «خالتى سلمية» لم يدرك الثوار أن ثمة شياطين يخططون لموت «سلمية العظيمة الجميلة المقدسة» لم يدرك الثوار أن موت «سلمية» هو هدف كبير جدا يسعى خلفه شياطين الإنس، إنهم يريدوننا جماعة من الغاضبين المندفعين خلف الدم، إنهم يضربوننا بقسوة وعنف لكى تفلت أعصابنا فنقتل بأيدينا شعارنا المبتكر الذى كتب الله لنا النصر به، سيطاردوننا لكى نفر من الميدان، وفى حمى التدافع وارتباك الهروب سندهس عظام المسكينة الطاهرة «خالتى سلمية» سيلصقون بنا كل الاتهامات بداية من القوادة ونهاية بالخيانة العظمى، ستوجعنا الاتهامات الكذوب، سنرى أنفسنا محاصرين بين أنياب آلتهم الإعلامية الجهنمية وساقطين تحت وطاة أحذيتهم الغليظة، سيدفعوننا دفعا لكى نرد. بعد ردنا بلحظات سيعقدون واحدا من مؤتمراتهم الصحفية الكاذبة ويخاطبون الشعب ودموع التماسيح تملأ عيونهم: «لقد انتهى الشباب الطاهر.. شباب 25 يناير وهؤلاء الذين يستخدمون القوة فى مظاهراتهم ما هم إلا خونة» بعد تلك الكلمات الباكية سيقول الشعب كلمته: «اسحقوهم».
ما اتعسنا لو قتلنا «العظيمة المقدسة خالتى سلمية».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ