الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

قيام وانهيار دولة التلاوة


شاعت أجهزة التسجيل فى النصف الأول من سبعينيات القرن الماضى، وشأن أى تطور كانت هناك ضحايا لهذا الشيوع، وكان على رأس قائمة الضحايا «فن تلاوة» القرآن الكريم، فبعد أن كانت شهرة قارئ القرآن مرهونة بإجازة الإذاعة له، أصبح متاحًا لأى كان أن يملأ شريط كاست بأى تلاوة كانت، دون رقيب ولا حسيب.تلك السنوات كانت بداية انهيار دولة التلاوة المصرية بمدرستها الرائدة التى أسسها بالعرق والعلم جماعة من أفذاذ القراء الذين وهبهم الله حلاوة الصوت، ورهافة الحس، ثم فرغوا هم أنفسهم لصيانة مواهبهم الإلهية، وتعلموا كل قواعد التلاوة، والتزموا بها فى صرامة قل نظيرها، حتى أصبحت المدرسة المصرية فى التلاوة صرحًا لا يطاوله صرح.فى الفترة التى أشرت إليها هبت علينا أصوات تتاجر بالتلاوة، ولكى تكسب أرضًا جديدة وتربح أنصارًا، فقد عمد هؤلاء إلى التفنن فى التلاوة، معتمدين على أشذ القراءات، والعجيب فى تلك الأيام، أن انهيار دولة التلاوة قد تزامن مع صعود نجم الجماعات المسلحة، التى كان الإعلام يطلق عليها الجماعات الإسلامية.تلك الجماعات لم تكن تترك شيئًا إلا وحرمته على المصريين، ولكن الغريب، بل قل المريب أنها وقفت صامتة وهى ترى شواذ القراء يتلاعبون بالتلاوة الكريمة. أيامها لم يكن يواجه طوفان التلاعب بالتلاوة إلا عصبة من الأزهريين.ثم مرت السنون، وفشت ظاهرة المتلاعبين حتى سادت، فلم نعد نسمع لغيرهم إلا فى القليل النادر، ولأن الحديد لا يفله غير الحديد، فقد تصدى لهؤلاء نفر من العارفين بالقراءات الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعى التى جعلها المتلاعبون منصة ينطلقون منها.قد يأتى اليوم الذى يذكر فيه التاريخ جهود الكاتب الصحفى هيثم أبو زيد، الذى حمل منفردًا عبء التصدى لهؤلاء.ولمن لا يعرف الأستاذ هيثم، فهو قد حفظ القرآن، وجوده وبدأ دراسة القراءات وهو دون العشرين من عمره، ولم يكف عن دراستها إلى يومنا هذا. التحق بمعهد القراءات عام 1998، ونال شهادة عالية القراءات عام 2003 من معهد قراءات المنصورة، حفظ الشاطبية فى القراءات السبع، وقرأ تقريبا كل شروحها، كما اهتم بتاريخ التلاوة وأعلام القراء، وانغمس فى هذا الأمر منذ عام 1988.. أى من 30 عاما كاملة، والأستاذ هيثم مهتم أيضا بالغناء الكلاسيكى والموسيقى الشرقية، ودرس مقامات النغم، والتحق لفترة ببيت العود فى القاهرة، وتعلم العزف على آلة العود.وقد سألت الأستاذ هيثم عن المؤيدين لحملته الداعية لانقاذ دولة التلاوة، فقال لى: يقف معى بكل قوة فى هذه الحملة أستاذ كبير، وعالم جليل، هو الشيخ محمد على بحرى، الموسيقى الحلبى، الذى هو ودون مبالغة موسوعة تمشى على الأرض، وأخبر الناس على وجه البسيطة بالموشحات ومقاماتها وإيقاعاتها، وهو مرجع كبير ومهم يعرفه المختصون فى العالم.. وقد تعرض حسابه على الفيسبوك للإغلاق ربما عشر مرات من قبل المنزعجين من الحملة.وأيضا يساندنا الأستاذ الشاعر الناقد عبدالرحمن الطويل، وقد كتب دراسة فى هذا الباب، أزعم أنها غير مسبوقة، وهى فى غاية الدقة والقوة والإحكام.وأضاف الأستاذ هيثم: بدأت الحملة يوم 15 أكتوبر.. أى من نحو شهر.. بمقال بعنوان «كلمات.. فى وصف تلاوة ابن الشحات».. وفوجئت بردود فعل واسعة جدا.. وحقق المقال عشرات الآلاف من القراءات.. وتلقيت نحو 1000 طلب صداقة.. وألف رسالة.. واتصل بى عشرات القراء مساندين ومباركين.
فقام المتلاعبون بالتلاوة، وأغلقوا حسابى على فيسبوك.. واستعدته.. وأرسلوا رسائل شتائم بشعة.. ثم وصل الأمر لتهديدات بالتليفون، ومن المهم أن أقول لك إننى لا أستهدف المتلاعبين بهذه الحملة، فلا رجاء لى فيهم، إننى أستهدف توعية المستمعين، بعدما رأيت كثيرا من أصدقائى ينخدعون بالعناوين الكاذبة والألقاب المزورة.الكرة الآن فى ملعب نقابة محفظى القرآن الكريم، ومشيخة عموم المقارئ المصرية، ولجنة مراجعة المصحف الشريف بمجمع البحوث الإسلامية، فهذه الجهات وغيرها يجب أن تساند حملة انقاذ دولة التلاوة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة السبت 17 نوفمبر 2018

الاثنين، 12 نوفمبر 2018

للأسف نادي الأهلي أصبح مصريًا !


أعترف بأنني زملكاوي ، من ألف الزمالك إلى كافه ، ولكن زملكاويتي التي ورثتها عن أسرتي وورثتها لأولادي ولو أمتد بي العمر سأورثها لأحفادي ، لم ولن تفرض عليّ انكار  ضخامة كيان الفريق المنافس وهو النادي الأهلي .
الأهلي من حيث التاريخ هو الأعرق ومن حيث البطولات خزانته ممتلئة ، أما من حيث مهارة لاعبيه فحدث ولا حرج ، من حيث حنكة إدارته فلا إدارة كإدارة الأهلي انضباطًا وتفرغًا وموهبة .
ولكن حدث أن فقد الأهلي في موسمنا هذا شرط تميزه  وهو الإدارة .
 جاءت إدارته بمدرب أسباني لفريق كرة القدم ( وهو عنوان النادي وصانع أمجاده ) ذلك المدرب كان أبلد مدرب مر في تاريخ الفريق العريق ، لم يكن به من ميزه سوي جاكت بذلته القصير !!
المدرب المغمور غير الموهوب جعل الفريق ينزف نقاطًا كثيرة ، في الوقت الذي كان منافسه الزمالك يربح نقاطًا كثيرة ، وهو ما أدي في النهاية إلي انفراد الزمالك بالصدارة .
منذ بدايته القديمة كان الإعلام الأهلاوي ـ فيما يخص الأهلي علي الأقل ـ يحق الحق ويبطل الباطل ، أذكر أن الأهلي كان سيئًا جدًا في بداية الألفية حتى أنه خسر من فريق أفريقي في القاهرة برباعية ، يومها خرج الإعلام الأهلاوي ممثلًا في مجلة النادي بعنوان علي صدر الصفحة الأولي يقول : إن هؤلاء اللاعبين عار علي الفانلة الحمراء وليسوا جديرين بها !!
تلك المعالجة المحقة والصادمة جعلت الفريق يعيد حساباته ويأتي بالساحر  جوزيه ومعه كتيبة من أمهر لاعبي مصر ، وبهما معًا جوزيه والمهرة فاز الأهلي بكل البطولات وتقدم مستواه حتى بات قريبًا من مستوى الفرق الأوربية .
الآن سقط الأهلي في فخ  الحالة المصرية ، وهو فخ التبرير ونفي التهمة عن الذات والتقليل من الآخرين ونسب نجاحهم إلي عوامل خارجة عن إرادتهم .
للأسف ألتحق الأهلي بالنوادي المصرية وأصبح مصريًا يرى القذى الذي في عين الآخر ولا يرى الخشبة التي في عينه هو !!
مجلة النادي العريق بلغت سن الرشد من زمن بعيد بل هي الآن في سن الحكمة بعد أن تجاوز عمرها الأربعين عامًا ومع ذلك قدمت المعالجة الأسوأ والتي تنذر ببعثرة الفريق .قدمت معالجة مراهقة ورخيصة مثل فرش الملاية لنساء الحارات .
قالت المجلة في عناوين عددها الأخير إن فقدان الأهلي للدوري ما هو إلا زكاة عن الفريق !!
ثم قالت  إن ختام الدوري كان " التفويت " واضح طبعًا أن المجلة تشير  إلي مباراة الزمالك مع الإسماعيلي ،   التي أسفرت عن فوز الزمالك بثلاثية نظيفة قربته كثيرا من حسم اللقب .
ثم قالت المجلة إن مسابقة الدوري شهدت فوضي التحكيم وإرهاب اتحاد الكرة بالصوت العالي .
تلك كانت عناوين الصفحة الأولي ، باقي الصفحات كانت في سوء الصفحة الأولي بل اشد سوءًا .
فخ التبرير مريح جدًا لكنه علي المدى البعيد مهلك ،الأهلي الآن يحتاج إلي قسوة الناصح الأمين وليس إلي طبطبة المجامل ،  لو كانت المجلة منصفة كما كانت في السابق لقالت إن إدارة النادي قد أخطأت عندما تعاقدت مع الرجل صاحب الجاكت القصير .
وأخطأت عندما لم تسارع بإقالته بعد تكاثر أخطائه التي تحدث عنها الجميع .
لو كانت المجلة تريد استعادة الأهلي لمستواه المعروف لقالت إن إدارة الزمالك ( أنا لم أنتخب مرتضي منصور ولن أنتخبه أبدًا ) كانت بارعة في التعاقد مع مدرب له اسمه وشخصيته ومع لاعبين هم الآن الأبرز علي الساحة المصرية .
لماذا أفلت باسم مرسي وأيمن حنفي وعلي جبر ومحمد كوفي وأحمد الشناوي من الأهلي ؟
أليس في هذا رعونة من إدارة الأهلي ؟
هل حصد الزمالك كل نقاطه بضربات الجزاء ؟ وهل ضربات جزاء الزمالك كلها لم تكن مستحقه ؟
ثم أين كان إرهاب الحكام والزمالك يسجل هدفين في فريق إنبي ولا يحتسبهما الحكم ويخرج الزمالك خاسرًا اللقاء ؟؟؟؟
ثم أين هو الإرهاب والأهلي يرد الهدية بأن يخسر من فريق الاتحاد برباعية ؟.
ثم كيف كان الأهلي سينافس وهو يخسر خمسة لقاءات ويتعادل في ثمانية ؟.
كان المنتخب الوطني المصري بخير عندما كان الأهلي بخير ، وكان الأهلي بخير عندما كان يواجه نفسه بعيوبه ويقر بأن أول الشفاء هو الاعتراف بالمرض .
إدارة الأهلي بدأ التخبط يعرف طريقه إليها بعد أن كانت هي الأمهر في كل شيء ، في لقاء خاص جمعني وواحد من كبار مسئولي الأهلي قال لي :" طلب منا الزمالك أن نعلمه كيف يدير ، وكان ذلك علي عهد رئيسه نور الدالي ، فلم نتأخر وذهبنا إليه بمعارفنا ، ولكن الحمد لله ـ الكلام للمسئول ـ تكاتف أولاد الحلال ورموا بما قدمناه لهم في سلة المهملات ، فظل الأهلي يصعد والزمالك يتدهور ".
علي ما سبق فليس مطلوبًا من إعلام الأهلي أن يخترع العجلة ، كل المطلوب منه أن يعود مهنيًا ومنصفًا ناقدًا لا مجاملًا ، ساعتها لن يتحدث أحد هذا الحديث الرخيص عن التفويت والإرهاب وكأن إدارة الزمالك تنتمي إلي داعش !
ـــــــــــــــــــ 

جريدة التحرير / يوليو 2015


الخميس، 1 نوفمبر 2018

حصان عربي

هناك رجل عصيّ على التعريف، وخارج على كل تصنيف، فهو ليس مصريًّا ولا عربيًّا ولا أفريقيًّا ولا آسيويًّا ولا مُسلمًا ولا مسيحيًّا ولا يهوديًّا، هو لا يتبع شريعة ولا ينتسب لعِرق ولا ينتمي لدولة، رجل كل شأنه عجيب، وأعجب ما في شخصية ذلك الرجل معرفته الأكيدة باللغة العربية، وإدمانه مشاهدة تليفزيونات العرب.
طبعًا لو سألته لماذا العربية وتليفزيوناتها؟ لن يجيبك سوى بمطّ شفتيه في حركة تُعني: أنا هكذا.
صباح الثلاثاء الماضي فعل الرجل ما يفعله كل يوم، لقد جلس أمام طاولة طعام بسيطة يتناول إفطاره البسيط، وهو إفطار عجيب مثله لا تعرف من أي المطابخ جاء. أضاء بلمسة شاشة التليفزيون ليعرف كيف هو العالم في هذا الصباح؟! 
تنقّل بين القنوات، حتى استقرّ على قناة عربية أطلّ منها مارك لوكوك، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية.
كان السيد لوكوك تبدو على وجهه علامات الامتعاض وهو يخطب فى الجالسين بقاعة كبرى من قاعات الأمم المتحدة. قال السيد لوكوك: "إن نصف سكان دولة اليمن، البالغ عددهم نحو 14 مليون شخص، قد يجدون أنفسهم قريبًا على حافة المجاعة".
الرجل العجيب يعرف اليمن جيّدًا، ويعرف حضارته التي كانت، وسعادته التي بادت، لم يشرُد الرجل العجيب خلف معارفه العجيبة، وانتبه جيّدًا لخطاب السيد لوكوك الذي واصل قائلًا: "يُوجد الآن خطر واضح من مجاعة وشيكة واسعة النطاق تُفرض على اليمن، أكبر بكثير من أي شيء شاهده أي عامل في هذا المجال طوال حياته العملية".
كان الرجل العجيب قد انتهى من تناول إفطاره العجيب، فأشعل سيجارة الصباح ورشف رشفة من كوب قهوته، ثم قال لنفسه: «ما لي وهؤلاء؟ لماذا أنا مشغول بأُناس لا تربطني بهم رابطة؟ الحقيقة أنا لا أنتمي لأيّ بقعة في هذا العالم، فلماذا أُطارد أخبار اليمن؟ ولماذا أُعكِّر صفاء صباحي بأخبار هؤلاء الجوعى؟».
انتهى من حديثه لنفسه، ثم ذهب إلى قناة ثانية مُمنّيًا نفسه بأخبار طيّبة عن يمنه السعيد، رأى نائب المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة يتحدّث، العجيب أن نائب المندوب لم يُنكر حرفًا من كلام السيد لوكوك، بل زاد عليه وقال: "إن الأحوال في بلادي لا تُوصف بأقل من الكارثة، ولكن ماذا نصنع مع الحوثيين الذين يُعطّلون تدفق المساعدات، في سعيهم الخبيث للسيطرة على مفاصل الدولة؟".
ذهب الرجل العجيب إلى قناة تُغطّي أنشطة الحوثيين، فسمع قياديًّا حوثيًّا يقول: "نحن نموت جوعًا، ولكن ماذا نصنع مع حُكّام بلادنا الذين يريدون فرض المجاعة علينا، ويقصفون بيوتنا ومصانعنا ويجرفون مزارعنا؟".
ذهب الرجل العجيب إلى قناة تُغطّي أنشطة جامعة الدول العربية، فلم يجد سوى صورة لقاعة فاخرة خاوية على عروشها.
ذهب الرجل لقناة تبثّ من صنعاء، فوجدها تبث أغنية راقصة يقول مطلعها: «صبّوا هالقهوة وصبّوها وزيدوها هِيل/ واسقوها للنشامى ع ظهور الخيل».
أغلق الرجل التليفزيون وغادر مقعده، ذهب لشُرفته ليرى شمس الله، تشوّشت أفكاره، فرأى سور الشرفة وقد أصبح حصانًا عربيًّا أصيلًا، قفز قفزة رائعة ليمتطى ظهر حصانه، فهوى من شُرفة الطابق السادس ساقطًا إلى الأرض. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة 27 أكتوبر 2018