الأربعاء، 27 سبتمبر 2023

طيروا لتنهضوا


الوقائع التي تجري على الأرض تقول: إن أيامنا هذه التي نعيشها تشبه حالة الشاعر الذي قال :

" إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه

ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه".

ولكن مَنْ قال إن اليوم يحكم الغد وإن الحاضر يصادر المستقبل؟

إن نظرة سريعة على شعوب ودول لم تكن ثم ها هي كائنة كفيلة بفتح أبواب الأمل ومن ثمّ العمل، بل إن إلقاء نظرة على تاريخنا القريب يكفي لكيلا نقع في شرك الاستغراق في انتظار عطايا ومنح الغد دون أن نعمل يومنا كله، وهذا الاستغراق حذرت منه جريدتنا هذه (جريدة المقال) في كلمة جليلة نقلتها عن الراحل الكريم الشيخ محمد الغزالي الذي قال:" أتدري كيف يُسرق عمر المرء منه؟

يذهل عن يومه في ارتقاب غده، ولا يزال كذلك حتى ينقضي أجله، ويده صفر من أي خير ".

في تاريخنا رجال لم يذهلوا عن يومهم، سأقرأ معكم ملخصًا بسيطًا لسيرة أحدهم وهو عباس بن فرناس الذي ظُلم كظلم الحسن والحسين، حتى أنني وقعت على دراسات تبحث في موته وتسأل هل مات شهيدًا أم منتحرًا؟

ولد عباس في العام 810 من الميلاد لأسرة من الأمازيغ، ونحن لم نعرف هل هم من أمازيغ ليبيا أم تونس أم الجزائر أم المغرب، فكل تلك الدول بها جماعات كبيرة من الأمازيغ، ما يهمنا هنا هو أن عباس قد عاش طفولته وشبابه في قرطبة وكانت عاصمة العلوم في ذلك الوقت، ظهرت بواد عبقريته منذ طفولته وقد ساعدته الأجواء المحيطة به على النبوغ، وذلك لأن التعليم في قرطبة كان متاحًا للجميع وكاد يكون فرض عين على كل أولاد وبنات قرطبة.

نبغ عباس في المجالين، الأدبي والعلمي، فهو شاعر وعروضي ونحوي، ومعدود من بين أبرز علماء الأندلس في هذه المجالات الثلاثة، ثم هو طبيب وصيدلي وفيزيائي.

بدأ سلسلة اختراعاته في صدر شبابه فاخترع الساعة المائية والنظارة الطبية، وقام باختراع آلة تقطع الكريستال، ولم تكن هناك بلد تستطيع تقطيع الكريستال سوى مصر، فعمل هو على تيسير ذلك لأهل دولته ومن ثمّ عرفت أوربا المجاورة للأندلس هذه الآلة واستوردتها لتوفر على نفسها مشقة الذهاب إلى مصر.

ثم اختراع عباس القلم الحبر الذي نستخدمه إلى يومنا هذا، كما اخترع آلة اسمها " ذات الحلق " وهي آلةٌ معروفة لدى علماء الفلك وتمثل نموذجاً للقبة السماوية فتتوسطها الأرض في مركزها ومن حولها حلقات تمثل معالم مهمّة في الفلك كمسار الشمس وخطوط الطول ودوائر العرض.

وكان عباس يصنع كل تلك المخترعات في معمله الخاص الذي أقامه بداخل بيته، وكانت العامة والخاصة يأتون إلى بيته لمشاهدة تجاربه وهو يجريها أمامهم، وتلك المشاهدة المجانية ستكون كلمة السر في مأساة حياته، كما سيأتي بعد قليل.

لم يقنع عباس بكل تلك المخترعات وما أعظمها، لقد فكر في شيء كان خارقًا لسقف العقل، فكر في الطيران.

العصافير الضعيفة تطير وكذا تطير النسور القوية فلماذا لا يطير هو، وهو الإنسان المكرم من لدن الرب الخالق؟

بعقله الفذ وهمته العالية راقب عباس حركة الطيور وقام بحساب الارتفاعات والسرعات، يعني الأمر لم يكن مقامرة من مقامر ولا مغامرة من مجنون، لقد كان أمرًا علميًا يقوم به عالم فذ أراد أن يثبت كرامة الإنسان على سائر المخلوقات، وأراد أن يهب للإنسانية تحقيقًا لحلم كان من المستحيلات.

بعد إتمامه للحسابات النظيرة جاء عباس بقطع من الحرير وثبّت بها أجنحة من الريش وصاح في أهل مدينته المعروف لديهم حق المعرفة:" انتظروني يوم كذا أسفل مبني كذا في منطقة الرصافة، فسأطير من أعلى المبني ".

سرت صيحته في المدينة سريان النار في الهشيم، واجتمع الخلق أسفل المبني في اليوم الموعد، وحقًا طار عباس في لحظة تاريخية غير مسبوقة، لحظة سيكون لها ما بعدها، لحظة ستوضع في ميزان حسناته لأنها اللحظة التي ستهدي البشرية إلى مركبات الفضاء.

هل طار عباس حقًا؟

نعم وكرامة عين، لقد فعلها وطار مسافة غير قصيرة، وقد شاهده من أكرمه حظه وحضر الواقعة، لقد شاهدوه طائرًا محلقًا كصقر رشيقًا وهادئًا كفراشة، ثم سقط على ظهره، وما كان سقوطه إلا لأنه لم يلتفت لأهمية وجود ذيل في حركة الطيران.

هل مات فور سقوطه كما يشنعون عليه؟

لا، لقد عالج ظهره وعاش سنوات عديدة بعدها ولم يمت إلا على فراش نومه وقد تجاوز السبعين من عمره.

هل لا تزال تذكر الفرجة المجانية التي كان يتيحها عباس لأهل مدينته؟

العامة منهم والغوغاء من بينهم قالوا: هذا ساحر أفاك.

إنهم يرونه وهو يخلط مادة بمادة فيحصل على مادة ثالثة، وتلك كانت جريمته عندهم وذنبه الذي لا يغتفر.

رموه بالكفر والسحر والزندقة وشكوه إلى قاضي القضاة الذي لحسن الحظ كان رجلًا عاقلًا فدعا إلى محاكمة علانية في المسجد الكبير لعباس الذي سجل حضوره للمحاكمة وليس معه من شهود أو أنصار.

عباس الآن هو عدو الشعب والرب تكالب عليه الجهلاء وكادوا يفتكون به، إلا أن قاضي القضاة حال بينهم وبينه وسألهم عن تفاصيل شكواهم فوجد أن شكواهم هراء في هراء فأتاح لعباس فرصة الدفاع عن نفسه فسأل عباس الحضور:" هل الماء شيء والدقيق شيء آخر؟”.

قالوا:" نعم هما مختلفان ".

قال عباس:" هل لو وضعت الماء فوق الدقيق سأحصل على شيء مختلف؟".

ردوا " نعم، ستحصل على العجين ".

عاد وسألهم:" هل لو وضعت العجين في التنور سأحصل على الخبز ".

ردوا:" نعم، ستكون قد صنعت خبزًا ".

قال:" إذًا أين السحر فيما أفعل وأين الكفر في صناعتي، إنني أضع كل شيء وفق مقدار معين فأحصل على ما يفيدكم ويعينكم على الحياة ".

فسكتوا جميعًا وحصل عباس على براءة من السحر والكفر والزندقة.

هل تفتت يقينه في خدمة شعبه وعلمه؟

هل جلس يبكي جحود أمته؟

هل وقف على أطلال ذاته المجروحة ودينه الملطخ بالشائعات الكذوب؟

لم يحدث شيء من هذا، ظل عباس يعمل حتى لقي ربه غير ذاهل عن يومه وغير منتظر لعطايا ومنح الغد المجانية.

هامش

 هو أبو القاسم عباس بن فرناس بن ورداس التاكرتي، طبيب فيزيائي وأديب وفنان اشتهر في القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي. ولد في برارة، ثم انتقل إلى قرطبة ودرس فيها شتى العلوم حتى لقب "بحكيم الأندلس"

ولد في العام 810 وتوفي في العام 887م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة المقال 2016

 

 

 

  


الخميس، 14 سبتمبر 2023

ابن سينا .. في مرآة يوسف زيدان


 

كان من حسن حظنا أن شخصية الشيخ الرئيس ابن سينا، قد لفتت أنظار الروائيين فتناولها ثلاثة منهم في فترة وجيزة ، كتب عنها الروائي الفرنسي جلبيرت سينويه، روايته المترجمة إلى العربية " ابن سينا والطريق إلى أصفهان ".

وكتب عنها الروائي العربي المصري  محمد العدوي روايته " الرئيس".

وأخيرًا كتب عنها الروائي المصري  يوسف زيدان روايته " فردقان.. اعتقال الشيخ الرئيس " التي نشرتها دار الشروق .

والروايات الثلاث ، لاسيما رواية ، زيدان تطرح سؤالًا مهمًا عن حدود المسرح  الذي سيعرض عليه الروائي ، كاتب الرواية التاريخية فنون إبداعه .

قارئ الروايات الثلاث التي تناولت شخصية ابن سينا سيخرج بنتيجة تكاد تكون نهائية ، وهى أن التاريخ تاريخ والرواية رواية.

وفي تفصيل هذه النتيجة كتب الأستاذ الدكتور قاسم عبده قاسم بحثًا طيبًا بعنوان " الرواية التاريخية .. زمن الازدهار " جاء فيه :" التداخل بين الأدب والتاريخ على صفحات الرواية التاريخية يستوجب المصالحة بين "الصدق الفني" و"الصدق التاريخي"، وكلما نجحت هذه المصالحة زاد نجاح الرواية التاريخية. وهذا هو الفضل المشكور للرواية التاريخية، كما جسدته الروايات التاريخية الحقيقية، وكما تجسده ظاهرة ازدهار الرواية التاريخية العربية الآن. فالرواية التاريخية تقدم التاريخ من خلال صورة فنية كلية تبث روحًا في الجسد الذي يصوره التاريخ جامدًا باردًا بفضل العناصر الفنية المتنوعة التي يستخدمها الروائي، ومن خلال السرد والحوار وغيرها من الأدوات الروائية. وهو ما يختلف عن الصرامة التي تتسم بها الدراسة التاريخية الأكاديمية. وإذا كانت وظيفة المؤرخ قد تحولت من "رواية ما حدث" إلى محاولة فهم السبب وراء ما حدث ومحاولة الإجابة عن السؤال الذي يقول لماذا حدث ما حدث؟ فإن الروائي لم يكن مضطرًا إلى التفسير أو الإجابة عن أي أسئلة ".

انتهى كلام الدكتور قاسم ، فهل حقًا أن الروائي ليس مضطرًا لتقديم تفسير أو إجابة عن أسئلة؟.

نبوغ مبكر

ضربة البداية التي نفذها الروائي يوسف زيدان كانت موفقة ، فهو اختار ذروة من ذرى الدراما لينطلق منها إلى تفصيل روايته عن ابن سينا.

فتح زيدان الستار على ابن سينا الذي كان في تمام فتوته وشبابه وعلو مقامه ومكانته وهو يسير في ركب فقير ذاهبًا إلى قلعة فردقان ليبقى بها معتقلًا لزمن قادم لا يعرفه !

" جاء راكبًا بغلةً هرمةً، تنوء بحمله هو والمخلاة التي خلفه.. جاء مفكوك العمامة، مكشوفَ الرأس، كسيرَ النفس، كسيفَ النظرات، خجلًا من هيئته، ومن السلسلة الصدئة المقيدة لقدميه وكفيه "

بداية مؤلمة ما في ذلك شك ، ولكنها جهزت مسرح العمليات لزيدان لكي يقدم ويؤخر كما شاء له فنه الروائي ، فهو يتنقل برشاقة بين الأزمنة والأمكنة التي تقلب بينها ابن سينا .

ألتزم زيدان بوقائع التاريخ كما حدثت ، فلم يخالف المروي عن ابن سينا الذي هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، ولد في قرية أفشنة ( الواقعة في أوزبكستان حالياً) في العام خمس وسبعين وثلاثمائة من الهجرة وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ، ولم يزد عمره عن ثلاث وخمسين سنة ، كتب خلالها ما يزيد على الأربعمئة كتاب!

أشار زيدان إلى النبوغ المبكر لابن سينا الذي كان والده من دعاة التشيع وكذا كان شقيقه ، ولكن ابن سينا لم يربط نفسه بمذهب بل كان يخاف المذهبية لأنها تثير التعصب وتجعل الأمة الواحدة فرقًا متناحرة .

تابع زيدان بصبر رحلة التعلم التي قطعها ابن سينا الذي حفظ القرآن الكريم كاملًا وهو ابن عشر سنوات ، ثم تبحر في علوم عصره حتى أصبح من شباب العلماء المعدودين وهو ابن ست عشرة سنة .

شهرة ابن سينا المبكرة في علوم الطب والفلسفة والفلك والمنطق والعربية والرياضيات لفتت إليه أنظار حكام عصره ، فقد كان طبيبًا خاصًا لأكثر من ملك وحاكم ، وعمل بالسياسة حتى تولى منصب الوزارة الذي هو بلغة عصرنا منصب رئيس الوزراء ومن هنا جاء لقب الرئيس ليلتصق به مدى حياته وبعد مماته .

عالم النساء

عندما كان ابن سينا معتقلًا لغضب حاكم عصره عليه ، وجدها زيدان فرصة سانحة لكي يخوض بنا في خفايا حياة بطل روايته ، وذلك الخوض يعيدنا إلى المربع الأول عن الفرق بين الرواية وبين التاريخ .

في التاريخ روى أبو عبيد عبد الواحد الجوزجاني التلميذ الوفي لابن سينا الذي عاش تحت ظله خمسًا وعشرين سنة ويكاد يكون صاحب الترجمة الأولى لابن سينا ، قال أبو عبيد عن أستاذه ابن سينا :" وكان الشيخ قويَّ القوى كلها، وكانت قوة المُجامعة من قواه الشهوانية أقوى وأغلب، وكان كثيرًا ما يشتغل به، فأثَّر في مزاجه ".

هذه الجملة معدودة الكلمات سيأخذها زيدان ليقيم عليها معمار روايته!

فهناك جيش من النساء كان يحيط ابن سينا نفسه به .

وقد توقف الناقد الأستاذ عبد اللطيف مجدوب عند هذا المحور من محاور الرواية فقال :" لقد أسهب يوسف زيدان في ذكر أسماء نسوة أذقن ابن سينا جرعة الحب والهوى، فهام بهن، وهن: ماهتاب، روان، سندس، عدا الجواري اللائي كن هدايا من الحكام والأمراء والوزراء الذين تم شفاؤهم من عللهم على يديه.

ونلاحظ أن الروائي زيدان أغرق في وصف سحنات العشيقات وهن يتوددن إليه إلى أن يأخذهن ابن سينا بين أحضانه، حتى إن إحداهن ولعلها روان حزن لفراقها على إثر غارة ليلية استهدفت منزله فعاثوا فيه فسادا واقتادوا عشيقته جارية لعرضها للبيع بسوق النخاسة، ومن ثم انقطعت أخبارها، أما مهتاب فكانت في نزاع مع ضياء الشمس لإشراقة وجهها وفتون جمالها الخارق. كانت ذات إلمام بعلوم الفلسفة والطب فأخذت تغترف منه المزيد وتعينه في التمريض، لكن خلال الساعات المتأخرة من الليل كان يهفو إليها وتأخذ الهمسات والآهات تدب بين أوصالهما بدلا من مفردات التعليم والتعلم.

أما الثالثة فكانت سندس "المرأة الثرية الشهية الجامحة المتوهجة"، أرملة جليل الخنوفي والتي باحت له بأنها سقطت صريعة لعشقه والهيام به فتوسلت له أن يعالج شغفها وقلبها العليل"، بيد أن قصتها مع ابن سينا، وهو ابن الخامسة عشرة من عمره، انتهت بطريقة درامية.. حملته فيما بعد على أن يعاف النساء ومضاجعتهن وحتى الكلف بهن حينما أرسلت إليه كتابا "بألا يتأخر عن زيارتها ليلا"، إلا أن أم ابن سينا دعته ألا يثق بها وبغوايتها الشيطانية.. فتأخر عن الذهاب إليها لتبعث له بكتاب آخر دعته أن يفتح النافذة المقابلة لنافذة غرفتها مساء.. "فلما فعل ذهل ابن سينا وأصابه دوار ومغص عندما شاهد سندس وقد أمسك بها عبدان لها وهي عارية.. أحدهما من خلفها والآخر من أمامها ".

النساء الثلاث هن من مخترعات زيدان وليس لهن وجود حقيقي ، ولو تمهل زيدان وهو يسرف في ذكر تفاصيل علاقة ابن سينا بهن ، لسأل نفسه : هل ابن سينا كان جريئًا على الفاحشة كل هذه الجرأة ؟.

فاثنتان من الثلاث نساء كانت علاقة ابن سينا بهما خارج الشرع.

ثم ورط زيدان ابن سينا في العكوف على شرب النبيذ ، لقد شرب منه بحرًا على مدار صفحات الرواية ، وعندما ناقشته مهتاب حول حرمة السكر رد عليها بكلام لا يصدر عن فيلسوف وطبيب ، وذلك لأن حجته كانت ضعيفة وتحمل قدرًا من الإساءة لعلمه الغزير .

ثم توقف زيدان عند مسألة شائكة تحوم حولها الشكوك ، وهى مسألة انكار ابن سينا للبعث الجسماني .

زيدان قطع بإنكار ابن سينا للبعث الجسماني ، قطع وهو يعلم يقينًا بأن تلك المسألة محل أخذ ورد بين دارسي ابن سينا العارفين بتراثه ، فطائفة منهم نفت وقوع ابن سينا في هذه المسألة وطائفة ثانية قالت : إنه قالها ثم تراجع عنها ، وطائفة ثالثة قالت : كان لابن سينا منطقان ، واحد للعامة وآخر للخاصة ، فربما تكلم للخاصة في هذه المسألة ولكن في دروسه العامة لم يقل بغير الشائع بين جمهور المسلمين حول البعث الجسماني .

كما أغرق زيدان قارئه في تفاصيل فلسفة وأفكار الشيخ الرئيس بحيث جار على الشاعر الفذ الذي يسكن جوانح ابن سينا ، فليته ألقى نظرة واسعة تشمل الشاعر الذي قال عن نفسه:

" لما عظمت فليس مصر واسعي

لما غلا ثمني عدمت المشتري ".

وبعدُ فقد حققت الرواية النجاح الجماهيري الذي يليق بكاتبها وبالمكتوبة عنه ، حتى أن دار الشروق ناشرتها قامت بطباعتها غير مرة في فترة وجيزة جدًا ، ولكن الرواية تستحق ما هو أكبر وأهم من النجاح الجماهيري وأعني ذلك الاشتباك الجاد مع ما طرحته من أفكار ورؤى في غاية الثراء ، حتى لو اختلفنا مع بعضها .

ـــــــــــــــــــــــ

نشر بموقع أصوات الاثنين 25 مايو 2020

 

 


الخميس، 7 سبتمبر 2023

أكاذيب من قلب الكارثة

 


سيظل يوم الجمعة الخامس عشر من شهر مارس من عامنا هذا 2019 يومًا فارقًا في تاريخ الإرهاب العالمي ، ففي ظهيرة ذلك اليوم قام مجرم ينتمي لدولة استراليا بمهاجمة مسجدين من مساجد دولة نيوزلندا فقتل خمسين وأصاب عشرين .

ذلك المجرم لم يترك الناس فريسة للحيرة والتخمين ، لأنه قبيل الإقدام على ارتكاب جريمته كان قد كتب بيانًا من اثنتين وسبعين صفحة شرح فيه أفكاره العنصرية المجرمة التي تلزمه بقتل المسلمين الغرباء الذين يغزون أرض أوربا !.

ولم يكتف المجرم بهذا البيان فقد كتب على سلاح الجريمة الآلي تواريخ ومناسبات معارك قديمة جدًا جرت بين المسلمين ومناطق من أوربا.

أما خطوته الثالثة في كشف أي غموض قد يحاول البعض إلقائه على جريمته فكانت بثه على الهواء مباشرة لوقائع جريمته ، عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك .

إذن لا حيرة ولا تخمين ولا غموض ، نحن أمام مجرم عنصري لديه بنك معلومات ولديه خطط تنفيذ ولديه يقين ثابت راسخ يفرض عليه التخلص من أكبر عدد ممكن من المسلمين .

الموقف من تلك الجريمة غير المسبوقة على مستوى التنفيذ أو عدد الضحايا  ، كان فارقًا أيضًا ، فقد كشفت المعالجة الابتدائية للجريمة عن وجود قسمين  من بني الإنسان .

القسم الأول تمثل في الإدانة العالمية السريعة والقوية والمباشرة للجريمة ، وقد ذهبت نيوزلندا وهى الدولة البسيطة الصغيرة لما هو أبعد من حدود الإدانة ، فقد رأينا رئيسة وزراء البلد البسيط وهى تضع على رأسها حجاب المسلمات وتزور بيوت الضحايا مقدمة التعازي لعائلاتهم ، ثم أخبرتنا وكالات الأنباء بما نصه : بدأ البرلمان النيوزيلندي، يوم  الثلاثاء التاسع عشر من مارس ، جلساته بتلاوة آيات من القرآن الكريم ، وذلك تكريماً لضحايا الحادث الإرهابي الذي استهدف المصلين في نيوزيلندا.

ووقف جميع أعضاء البرلمان أثناء قراءة القرآن داخل القاعة .

وتلى الإمام طاهر الحق الآيات التي تقول :" وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ  بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ  وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ". وقام بعدها الإمام طاهر نواز بترجمة الآيات إلى اللغة الإنجليزية ، وختم قراءته بالدعاء للضحايا بالرحمة والمغفرة ، وإلى عائلتهم بالصبر والسلوان، وكذلك المصابين بالشفاء العاجل، وأن يعم السلام نيوزيلندا والعالم، وسط هدوء والتزام الحاضرين بالقاعة الذين رددوا خلفه "آمين".

هذا كان مسلك القسم الأول ، وليس لأحد أن يحلم ( الآن ) بأكثر من المواساة التي قدمها هذا القسم .

أما القسم الثاني والأخير ، فصدق أو لا تصدق ، فهو قسم عربي مسلم .

بدأ تعاطي هذا القسم مع المذبحة فور وقوعها صانعًا مظلة عملاقة من الأكاذيب التي تبدو من فرط أحكامها وإتقانها حقائق لا تقبل الشك .

راح هذا القسم يقصف رئيسة الوزراء النيوزيلندية ويتهما بنفاق المسلمين لأنها غطت شعرها كما تفعل المسلمات .

وقد وصل القصف إلى مسامع الحكومة النيوزيلندية ، لأن أحد مسئولي الخارجية النيوزيلندية قال : ليس في مسلك رئيسة الوزراء أي نفاق ، لأنها كانت ذاهبة للعزاء ولم تكن ذاهبة إلى حفل رقص.

وبعد قصف رئيسة الوزراء قصفوا البرلمان الذي سمح بتلاوة القرآن في قاعته الرئيسية ، بل وقصفوا الشيخ التي تلى الآيات الكريمة بزعم أنه من الخلايا الإرهابية النائمة التي  " يتمسكن أفرادها حتى يتمكنوا ! ".

ثم بعد هذين القصفين طوروا الهجوم لاكتساح العدو ، وما عدوهم إلا الضحايا !

راحوا ينشرون وبكثافة مروعة البيان الصادر قبل عام عن مؤشر الإرهاب العالمى لعام 2018 .

المعروف أن تقارير المؤشر يقوم بإعدادها  معهد الاقتصاد والسلام الدولى الذي يقع  مقره الرئيسى بمدينة سيدنى الاسترالية ، وله فروع فى كل من نيويورك ومكسيكو سيتى ولاهاى .

وجد القسم الذي نتحدث عنه بغيته في تقارير المؤشر التي رصدت مقتل ما يقرب من ١٩ ألف إنسان على يد جماعات مسلمة .

كما رصد المؤشر أن نصف الضحايا قد لقوا مصرعهم على أيدي أربع منظمات رئيسية وهى داعش وطالبان و الشباب الصومالية وبوكو حرام .

ورصد التقرير أن النصف الثاني من الضحايا قد قتل على أيدي جماعات أصغر حجما وأضعف تنظيما ، وأغلبها جماعات مبايعة لداعش أو لطالبان مثل جيش الإسلام في سوريا وأنصار بيت المقدس في مصر .

ما الرسالة التي يريدون بثها في عقول وقلوب الناس ؟.

إحداهن كانت صريحة وقالت تعقيبًا على مذبحة المسجدين :" هذه بضاعتنا قد ردت إلينا ! ".

هذه هى الرسالة ، القتل صناعة المسلمين ، والإرهاب بضاعتهم وليس من حقهم البكاء على أشلاء أولادهم ، بل ليس من حقهم مناشدة العالم بأن يتعاطف معهم ، بل ليس من حق العالم التعاطف مع المسلمين الذين يحترفون القتل ويجعلونه دينًا يتعبدون به .

سألت أحدهم عندما رأيت كثرة مرات نشره للتقرير على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك  : هل هذا التقرير منزل من السماء ولا يخضع لأي اعتبارات سياسية وثقافية ؟.

قال : لماذا تشك في تقرير دولي ؟

قلت : بل لماذا لا أشك ، وأنا أرى المؤسسات الدولية تفعل بالمستضعفين ما تفعل .

قال : لا تنكر أن المسلمين يقتلون .

قلت : يقتل المسلمون كما يقتل غيرهم ، وهذا ليس تبريرًا لأي تصرفات إرهابية ، ولكن هذا هو الواقع ، ثم داعش التي تحاولون أنتم أسلمتها لا تقتل إلا المسلمين ، ونادرًا ما قتلت غيرهم ، ثم أين المذابح التي ترتكبها إسرائيل بحق أهل فلسطين ؟.

قال : التقرير لا يتحدث عن الدول ، إنه مقصور على المنظمات فقط .

قلت : هل ما تفعله إسرائيل إرهاب أم لا .

قال : لا يمكن علميًا تسميه بالإرهاب ، تسميته العلمية هى " عنف دولة ".

قلت : يعني القتل يصبح مجرد عنف لو قامت به دولة ، أليست هذه هى القسمة الضيزى ؟.

قال : أتحدث عن تسميات علمية .

قلت : مَنْ الذي أخترع لنا داعش وغيرها ، مَنْ الذي دربهم وأمدهم بالسلاح ونشر عليهم حمايته ، حتى تمركزوا وقويت شكوتهم في أكثر من بلد عربي مسلم ؟.

قال منهيًا النقاش: أنت تجادل بالباطل لكي تحمي ظهر قومك

سكتُ لإيماني بأن الله يسمع ويرى ويعلم مَنْ منا الذي يجادل بالباطل لكي يحمي ظهر قومه.