الثلاثاء، 1 سبتمبر 2020

صرحة مالك بن نبي التي تاهت في وديان لبنان

 

ما وقع من بعض اللبنانيين في الأسبوعين الماضيين عندما نادوا بعودة الاحتلال الفرنسي لبلادهم لمدة عشر سنوات، يجب ألا يمر مرور الكرام، ويجب الخوف من تلك الدعوة، فمع كونها من مستصغر الشرر، لكن علينا ألا ننسى أن مستصغر الشرر تنطلق منه أعظم الحرائق التي لا تبقي ولا تذر.

لبنان الذي يبدو ككرة صوف تشابكت خيوطها ومن ثمّ تعقدت، يجب علينا احتضانه الآن وفورًا بدون الدخول في حسابات سياسية هي من أصلها معقدة والداخل فيها مفقود والخارج إن خرج مولود.

وبداية الاحتضان أن نعرف ماذا حدث؟.

الذي حدث في لبنان ويحدث في غيره من الدول والأمم حذر منه ونبه عليه قبل قرون مؤسس علم الاجتماع الشيخ الإمام عبد الرحمن بن خلدون.

قال ابن خلدون: "المغلوب مولعٌ أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيِّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده".

هذا التشخيص حادث ونشاهده بعيوننا تمام المشاهدة، فلماذا يقلد المغلوب المهزوم الغالب المنتصر؟.

يجيب ابن خلدون: "والسبب في ذلك أنَّ النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إمَّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أنَّ انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب". 

نعم نحن نشعر تجاه الغالب بأنه غلبنا ليس لعيوب فينا وليس لكسلنا وقلة عملنا، بل غلبنا لأنه هو كامل ولد منتصرًا، فهل هناك خداع للنفس وكذب على الذات أقبح من هذا؟

ثم نحن نقلد الغالب في توافه الأمور، نلبس مثله، نتكلم مثله نغني مثله نرقص مثله، وأبدًا لم نعمل كما يعمل ولم ننتج كما ينتج ولم نخترع كما يخترع، ولأن الأمر كما ترى يقودونا التقليد إلى الهاوية التي نقبع في قعرها.

بعد ابن خلدون بقرون جاء المفكر الجزائري العلامّة مالك بن نبي وكتب كتابه " شروط النهضة " وفي ذلك الكتاب.

تحدث الأستاذ مالك عن " القابلية للاستعمار " وهذه واحده من فكره اللامعة التي تعود جذورها لابن خلدون، وقد أحسن الكاتب الدكتور محمد عبدالرحمن عريف عندما شرح فكرة الأستاذ مالك فقال: " (المعامل الاستعماري) هو المصطلح الذي جاء به مالك بن نبي، يتدخل المستعمر من أجل خلق نموذج من الحياة والفكر والحركة، وبعد أن تتم السيطرة المعنوية والمادية يصبح الفرد الواقع تحت الاستعمار قابلًا بالحدود التي يرسمها له الاستعمار ويفكر داخلها، ولا يخرج عليها ويرسم شخصيته طبقاً لحدودها، بل ويدافع حتى لا تزول تلك الحدود التي أقنعه بها المستعمر، وحينها نكون هنا أمام فرد يعاني من "القابلية للاستعمار".

إن تحذير ابن نبي من الوقوع في فخ القابلية للاستعمار مضى عليه قرابة السبعين عامًا، وتشريح ابن خلدون للحالة كلها جرى قبل قرون، وعلى ذلك فلا حجة لأحد في الاستهانة بما تم في بيروت، هناك وجع وغضب ومرارة متراكمة تكاد تسد الحلوق والقلوب، ولكن دائمًا وأبدًا سيظل الحل لبنانيًا، ودائمًا وأبدًا سيظل الحل وطنيًا تطرحه حبات تراب البلد، غير ذلك من حلول هو خداع للنفس وكذب على الذات، لأن التسمك بقش الأكاذيب والأوهام لن يزيد  الطين إلا بلة، القابلون للاستعمار المرحبون به هم ويا للعجب أحفاد الذين حاربوا الاستعمار، وقدموا الشهداء على مذبح الوطن، لكن هول الصدمة وقتامة اللحظة يفقدان البعض صوابهم فيتخبطون كأن الشيطان يعتلي أكتافهم.

إن أمر السيادة غير قابل حتى للاستفتاء الشعبي، فالذي سيوافق اليوم على نزع سيادة بلاده هو ظالم لجيل قاوم ومات شهيدًا وظالم لجيل قادم لن يرضيه لحظة أن يجد بلاده تحت حكم أجنبي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة صوت الأمة