الأحد، 24 مارس 2019

ملاك من أفريقيا


كانت الشاشة مظلمة تمامًا ، ثم راح الظلام ينقشع ببطء، ومن قلب بقعة مضيئة، ظهرت السيدة السمراء قوية البنية ناصعة الأسنان، كان شعرها الأسود الخشن يغطى وجهها، ثم بيد مترددة  أزاحت خصلات الشعر ليظهر وجهها الذى يرتعش خوفًا أو عارًا أو ذلًا.
راحت تتحدث وهى تتحرك بخطوات عصبية مرتبكة فى وسط قاعة غارقة فى الصمت، ممتلئة بنساء من مختلف الأعمار والطبقات.
قالت السيدة المذعورة: كانوا يأتون بنا، كنا عشرات وأحيانًا مئات، وكانوا أقوياء جدًا، كانوا قد قتلوا قلوبهم وضمائرهم قبل أن يمسكوا بنا.
لقد كانوا يغتصبوننا بعنف وتوحش، ثم يهدءون قليلًا ليسألونا: هل أنتن متزوجات؟
تعيسة الحظ منا تلك التى تكون متزوجة، والأتعس تلك التى تكون متزوجة ولديها أولاد.
لقد كانوا يأتون بالأزواج والأولاد، ويأمرون الزوج باغتصاب زوجته أمام أعينهم وتحت عيون أولادهم، ثم يأمرون الأولاد باغتصاب أمهاتهم أمام الجميع، الولد الذى يرفض كانوا يطلقون النار على رأسه فورًا.
صمتت السيدة لثانيتين، ثم عادت لتنفجر وهى تضرب بطنها قائلة: ترى هل كان المشهد ينتهى بعد حفلة الاغتصاب تلك؟
لا، أحيانًا كانوا يغرسون حراب بنادقهم فى أعضائنا الخاصة، ويتركوننا للنزف حتى الموت أو للمذلة الأبدية، ما امرأة بدون أعضاء؟
أخيرًا عرفت السكينة طريقها لوجه السيدة قوية البنية، فلمع وجهها بشيء يشبه الانتصار!
دارت الكاميرا فى أرجاء القاعة ثم حطت على وجه رجل أسمر، كان الرجل الوحيد الجالس بين مئات النساء، كان وجهه بريئًا يدعو للشفقة كوجه طفل يعترف بذنبه.
فرك الرجل يديه ليبحث عن خيط الكلام، ثم قال مخاطبًا السيدة أولًا ثم العالم كله: الذى يتعرض لكارثة مثل التى تحدثت عنها لن يعرف الشفاء إلا إذا تخلص من عار الصمت، علينا أن نعترف بما حدث لنا، علينا أن نخرجه من قبره الذى أقمناه بداخل قلوبنا، ونكشفه للعالم كله، وبعد الاعتراف يأتى عقاب المجرم، وأنا أعدكم أن المجرمين لن يفلتوا، يومًا ما سننزل بهم العقاب الذى يستحقونه.
 عادت الشاشة للإظلام وتركتنى فى قبضة حيرة مظلمة، مَنْ هؤلاء؟ وما هذا الكابوس الذى أشاهده؟ إننى لا أعرف عنهم شيئًا.
عادة الشاشة للإضاءة ليقول صوت معلق: لقد رأيتم جانبًا من جلسة علاجية يقودها الطبيب الكونغولى، دينيس موكويغى.
ولد «موكويغى» فى الأول من  مارس عام  1955، كان أبوه راعيًا لكنيسة، يعالج أرواح المستضعفين، وكان موكويغى، يرى أن علاج والده ليس كافيًا، وفى يوم من الأيام قال لأبيه: يومًا ما سأتولى أنا علاج أجسادهم.
عاصر الطفل- ثم الشاب موكويغى- بلاده الكونغو الديمقراطية وهى تخرج من كارثة لتدخل فى غيرها، ولكن ذلك لم يثنه عن طلب العلم خاصة علوم الطب.
وعندما جرى على نطاق واسع استخدام سلاح الاغتصاب ضد نساء بلاده فى الحرب الأهلية التى شهدتها لسنوات، برز دوره، لقد أقام منشأة طبية لعلاج الناجين من العنف الجنسى.
يصمت المعلق ليفسح المجال لصوت الطبيب الذى يقول ونبرات صوته تقطر حزنًا: لقد عالجت طفلة ولدت على يدى فى مستشفاى هذا، كانت مغتصبة وهى فى الثانية من عمرها!
يعود صوت المعلق ليقول: لقد عالجت منشأة الطبيب أكثر من أربعين حالة، ثم تعرض الطبيب لست محاولات اغتيال، فهرب إلى أوروبا، ومكث بها سنة واحدة، إلا أنه عاد إلى بلاده ليجد آلاف السيدات اللاتى يرتدين الأبيض فى استقباله بالمطار!
يومها صاح الطبيب صيحته الخالدة: أين كان الرجال عندما جرى اغتصاب زوجاتهم وأمهاتهم وبناتهم؟!
حمل الطبيب قضية نساء بلاده على عاتقيه وطاف بها أرجاء العالم، وفجرها فى قلب قاعات الأمم المتحدة، لم يكن يترك فرصة إلا وانتهزها لكى يفضح الجريمة ويندد بالمجرمين، حتى أطلق عليه الإعلام العالمى لقب «ملاك بوكافو الحارس» وبوكافو هى اسم المنطقة التى يعمل بها.
قبل شهور من الآن أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية منح جائزة نوبل للسلام لدينيس موكويغى لجهوده فى مكافحة العنف الجنسى، لتبدأ حلقة جديدة فى حياة الملاك الحارس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة