الخميس، 4 يناير 2018

لماذا قتل الإرهابيون الخلفاء الراشدين فى المساجد؟




أفزعت حادثة قتل المصلين بينهم أطفال بمسجد الروضة بسيناء المصريين، وقد بلغ الفزع غايته حتى تردى بعضهم فى كلام سخيف لن نعيده تنزيهًا لأرواح الشهداء واحترامًا لألم المصابين.
عندما يهدأ المصريون وهذا قادم بعون الله ولطفه، سيضعون تلك الحادثة الشنيعة فى حق موضعها، فما تلك الحادثة إلا حلقة من سلسلة سوء تريد إذلال الأمة وكسر قلبها، وما السؤال عن دين مقترفى تلك الحادثة سوى كلام مبعثر فى الهواء، الدين عند هؤلاء المجرمين ما هو إلا قتل ثم قتل ثم قتل وهم يقتلون تحت ألف عباءة وعباءة، فلماذا نشغل أنفسنا بالسؤال عن دينهم ومدى تمكن المشاعر الإنسانية من قلوبهم؟
لقد سبق هؤلاء أبو لؤلؤة المعروف بالمجوسى، الذى قتل أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب فى الشهر الحرام وبداخل مسجد الرسول وفى صلاة الفجر!
يعنى قام بانتهاك الحرمات جميعها، ولأن المسلمين أيامها كانوا نبهاء لم يشغلهم دين أبى لؤلؤة، لقد شغلهم أمر دولتهم فلم تمر سوى أيام قلائل حتى اختاروا ذا النورين عثمان بن عفان أميرًا للمؤمنين لكى تظل دولتهم مصونة مهابة .

حكم الفاروق عمر بعد موت الصديق أبى بكر، وكلنا يعرف الفاروق وعدله وكلنا نباهى به ونفاخر، وعن نفسى وقد أطلت النظر فى كتب التراجم لم أر أحدًا من الصحابة أو التابعين يقول كلمة سوء عن الفاروق عمر، فلماذا يقتل رجل العدل والحزم؟
فى اليوم السادس والعشرين أو السابع والعشرين على اختلاف الروايات ذهب عمر كعادته إلى المسجد النبوى ليؤم الناس فى صلاة الفجر، كان من عادات عمر أن يمر بين الصفوف قائلًا للمصلين: استووا.
استوت الصفوف وكَبّر عمر تكبيرة الإحرام وبدأ يتلو الفاتحة، فى الصف الأول كان يقف عبدالله بن العباس، وفى الصف الثانى كان يقف عمرو بن ميمون.
عمرو بن ميمون هذا من أكابر التابعين ومشايخهم أدرك الجاهلية والنبوة وأسلم ولكنه لم ير النبى لذلك لم يعده العلماء من الصحابة وإنما من المخضرمين من كبار التابعين.

يروى ابن ميمون تفاصيل الحادثة فيقول: إنى لقائم فى الصف ما بينى وبين عمر بن الخطاب إلا عبدالله بن عباس، فما هو إلا أن كبَّر (أى عمر) فسمعته يقول: قتلنى -أو أكلني- الكلب، حين طعنه، فطار العلج (الرجل الشديد الغليظ من الكفار) بسكين ذات طرفين، لا يمرُّ على أحد يمينًا ولا شمالًا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه بُرْنسًا، فلما ظنّ العلج أنه مأخوذ نحر نفسه.
علينا أن نذّكر أن الفاروق قتل فى أواخر ذى الحجة، يعنى فى شهر من الأشهر الحرم، وقتل وهو إمام للمسجد النبوى، وقتل وهو يصلى الفجر بالمسلمين وبينهم كبار صحابة الرسول، فكيف دخل عليه القاتل إذا كان القاتل كافرًا؟

هناك رأيان فى أبى لؤلؤة، رأى لأهل السنة والجماعة الذين يرون أن أبا لؤلؤة كان كافرًا، ورأى لجماعة معتبرة من الشيعة الذين يقولون: كان أبو لؤلؤة "فيروز" من المسلمين المخلصين كما صرّح به علماؤنا الأبرار.
قال الميرزا عبدالله الأفندى فى "رياض العلماء": "أبو لؤلؤة فيروز الملقّب ببابا شجاع الدين النهاوندى الأصل والمولد، المدنى قاتل ابن الخطّاب".
ثمّ قال: "اعلم أنّ فيروز هذا قد كان من أكابر المسلمين والمجاهدين بل من خلّص أتباع أمير المؤمنين عليه السّلام (يعنى عليًا عليه السلام) وكان أخاً لذكوان وهو أبو "أبى الزناد عبدالله بن ذكوان" عالم أهل المدينة بالحساب والفرائض، والنحو والشعر، والحديث والفقه".
ثم هناك مزار أو نُصّب تذكارى مقام لأبى لؤلؤة فى مدينة إيرانية ظل يستقبل الزوار لقرون حتى تم إغلاقه فى العام 2007 بعد جهود بذلها الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين.
بعيدًا عن حفاوة شيعة إيران على وجه التحديد بأبى لؤلؤة، فالرجل كان مسلمًا أو على الأقل أظهر الإسلام بلسانه، أما ما فى قلبه فيعلمه الله.

المدينة وقبلها مكة محرمتان على غير المسلمين، هذه واحدة، الثانية أن الرجل دخل المسجد النبوى وهو أشد بقاع المدينة حرمةً، وما كان المسلمون سيسمحون له بالدخول لو علموا كفره، الثالثة أن عمر بن الخطاب نفسه كان لا يسمح بوجود الأرقاء غير المسلمين بالمدينة أو مكة، فإذا أسلم الرقيق دخلهما وإلا بقى خارجهما فى أى مدينة يختار.
يبقى السؤال قائمًا، لماذا انتهك أبو لؤلؤة كل حرمة وقتل الفاروق؟
يقولون إن أبا لؤلؤة كان عبدًا للمغيرة بن شعبة، وكان المغيرة يطلب منه أن يدفع له درهمين يوميًا.
هنا نقف ونسأل هل الدرهمان من حق المغيرة؟
لو كان أبو لؤلؤة عبدًا مملوكًا فكله لا الدراهم فقط ملك المغيرة، فما معنى النص على دفع الدرهمين؟
ولو كان مكاتبًا، والمكاتب هو الذى يتفق مع سيده على أن يحصل على صك الحرية إذا دفع له كذا، مائة دينار مثلًا.
لا أعرف لماذا تضطرب الروايات فى تحديد الوضع الاجتماعى لأبى لؤلؤة، وذلك التحديد مهم لأن للرقيق المملوك أحكاما وللمكاتب أحكاما غيرها وللموالى أحكاما.

ما علينا، ونعود لسياق الحادثة، قالوا: إن أبا لؤلؤة قد شكا المغيرة لعمر، فأجزل له عمر العطاء حتى يخفف عنه عبء الدرهمين، فبلغ عطاؤه من بيت المال مائة درهم شهريًا.
طبعًا اللئيم لا يغيره المعروف، ولكن على الأقل يحجم لؤمه شيئًا ما، فلو كانت الرواية صحيحة، وهى صحيحة من ناحية السند، فإنها ناقصة مبتورة.
لنا أن نقول إن كل ذلك كان ولكن الحقيقة هناك فى مكان آخر، الحقيقة أو القريب منها أن أبا لؤلؤة ليس كافرًا مظهرًا الكفر، وهو من المتحمسين لقومه الباكين على المجد الذى أضاعه فتح عمر لفارس، كأن الرجل واحد من المغالين فى الشعوبية التى ترى العرب أحط وأقل من أن يحكموا فارس العظيمة ويجلس الواحد منهم متربعًا فى إيوان كسرى.

أنا الآن وبعد تلك القرون أرى القصة قصة عنصرية وليست شيئًا آخر، أبو لؤلؤة عنصرى هُزم قومه ولكنه لم يستسلم للأمر الواقع فقتل هازم قومه انتقامًا لمجد غابر.
إذن مات أعدل حكام المسلمين بعد رسول الله، يقول الواقدى: طعن عمر يوم الأربعاء لأربع ليالٍ بقيت من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم، سنة أربع وعشرين، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وواحد وعشرين يوما، وبويع لعثمان يوم الاثنين، لثلاث مضين من المحرم.
استشهاد الفاروق كان أول قتل فى المسجد فى تاريخ الإسلام، وبعده سيتواصل القتل لأسباب شتى.

بعد رحيل الفاروق جاء ذو النورين عثمان بن عفان، الذى قتل وهو يقرأ القرآن فى مصلاه، أى فى غرفة من بيته خصصها للصلاة، فكأنه قتل فى المسجد أيضًا، ثم حكم من بعده الإمام على بن أبى طالب.

لا كثير كلام عن الإمام فهو فتى الفتيان وفارس الإسلام وفيلسوفه، ثم هو أخو النبى ولا فخر فوق هذا، فعندما آخى الرسول بين المهاجرين ترك عليًا دون أن يحدد له أخًا، ثم آخى الرسول بين المهاجرين والأنصار وترك عليًا الذى سأله: لماذا تركتنى بدون أخ؟
فقال له الرسول الأكرم: أنت أخى فى الدنيا والآخرة.
مناقب السيد الإمام لن يحيط بها وصف فنتركها لخالقه يرفع بها له درجاته.
حكم على واضطربت عليه بعض الولايات مثل ولاية الشام التى كان على رأسها معاوية بن أبى سفيان، ورأى الخوارج الذين كانوا يكفرون كل الناس سواهم أن الفتنة سببها ثلاثة رجال هم عليّ ومعاوية وعمرو بن العاص فتعاهدوا على قتلهم جميعًا.
أنقل باختصار عن الطبرى: اجتمع ثَلَاثَةً مِنِ الْخَوَارِجِ; وَهُمْ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُلْجَمٍ الْحِمْيَرِيُّ، وَالْبُرَكُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ التَّمِيمِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ.
فَقَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ: أَنَا أَكْفِيكُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ، وَقَالَ الْبُرَكُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ: أَنَا أَكْفِيكُمْ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ: أَنَا أَكْفِيكُمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَأَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ فَسَمُّوهَا.
فَأَمَّا ابْنُ مُلْجَمٍ فَسَارَ إِلَى الْكُوفَةِ فَدَخَلَهَا، ثمّ ضمّ إليه رجلا يُقَالُ لَهُ: وَرْدَانُ، وَاسْتَمَالَ رَجُلًا آخَرَ يُقَالُ لَهُ: شَبِيبُ بْنُ بَجَرَةَ الْأَشْجَعِيُّ الْحَرُورِيُّ.
فَجَاءَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ وَهُمْ مُشْتَمِلُونَ عَلَى سُيُوفِهِمْ، فَجَلَسُوا مُقَابِلَ السُّدَّةِ الَّتِى يَخْرُجُ مِنْهَا عَلِيّ، فَلَمَّا خَرَجَ جَعَلَ يُنْهِضُ النَّاسَ مِنَ النَّوْمِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، فَثَارَ إِلَيْهِ شَبِيبٌ بِالسَّيْفِ، فَضَرَبَهُ فَوَقَعَ فِى الطَّاقِ (يعنى فى الخشبة التى تثبت الباب للحائط)، فَضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ بِالسَّيْفِ عَلَى قَرْنِهِ، فَسَالَ دَمُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ.
وَحُمِلَ عَلِيٌّ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَحُمِلَ إِلَيْهِ ابْنُ مُلْجَمٍ، فَأُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ مَكْتُوفٌ، قَبَّحَهُ اللَّه ُ، فَقَالَ لَهُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّه، أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: شَحَذْتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ شَرّ خَلْقِهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ: لَا أُرَاكَ إِلَّا مَقْتُولًا بِهِ، وَلَا أُرَاكَ إِلَّا مِنْ شَرِّ خَلْقِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ، وَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا أَعْلَمُ كَيْفَ أَصْنَعُ بِهِ.
استشهد الإمام على فى ليلة الجمعة قبل الأخيرة من رمضان عام أربعين من الهجرة، كان قتله بداخل المسجد الجامع بالكوفة وكان سيؤم الناس فى صلاة الفجر، كأن حادثة مقتل الفاروق هى بعينها حادثة مقتل الإمام، القاتل أهدر كل الحرمات لسبب سياسى واضح، هو من الخوارج وعلى قاتل الخوارج وهزمهم والرجل يريد الثأر من الجميع لا من على وحده.
العجيب أن شاعرًا مطبوعًا مثل عمران بن حطان قال يمدح ضربة ابن ملجم لعلى ويمدح ابن ملجم نفسه:
"يا ضربةً من تقيٍ ما أراد بها / إلا ليبلغ من ذى العرش رضوانا
إنى لأذكره يوما فأحسبه / أوفى البرية عند الله ميزانا."
أما ما هو أعجب من شعر عمران فهو عمران نفسه لأنه كان من أئمة التابعين وكان يروى الحديث عن السيدة عائشة، وله حديثان فى صحيح البخارى ولكنه كان خارجيًا متعصبًا لا يرى الإسلام إلا فى الخوارج!

مقتل الكبيرين الفاروق والإمام فى المسجد لم يحط من قدر الإسلام ولم يهدم مكانة المساجد بيوت الله فى أرضه، هذا القتل كشف عن نفسية المجرمين.
المجرم من هؤلاء، أو الإرهابى بلغة عصرنا، لا يقيم وزنًا لحرمة من الحرمات، هو ليس إنسانًا طبيعيًا يشعر بما يشعر به الأسوياء من البشر، هو باحث عن القتل لألف سبب وسبب.
فمن العيب أن ننصرف عن مواجهة هؤلاء لنبحث فى دينهم وهل هو متين أم لين، ما لنا نحن ودينهم فليكن كما يكون.
ثم من العيب أن نتركهم يفلتون بجرائمهم ثم نجلس نحن نتباحث فى أفكارهم.
كل قاتل لديه فكرة ما، فلا قتل يتم فى المطلق ولا قتل يتم بدون غطاء.
أنا وأنت رأينا الأمريكان يدفنون أسراهم من العراقيين أحياءً، هل لا تزال ذاكرتك تحتفظ بتلك المشاهد؟
هل وراء هذا القتل الخسيس فكرة؟
نعم فكرة الأمريكان أو الغطاء الذى يبررون به القتل كان نشر الديمقراطية فى العراق، أنت سمعتهم يقولون هذا كما سمعتهم أنا.
ثم أنا وأنت رأيناهم يبولون على الأفغان قبل قتلهم ويبولون على جثثهم بعد قتلهم، وكانت الفكرة / الغطاء هى القضاء على تنظيم القاعدة وتخليص أفغانستان من حكم طالبان.
إذًا القاتل المجرم لن يعدم وسيلة يتوسل بها لكى يقتل، سيبحث لنفسه لكى لا ينهار عن غطاء، أهل الضحية أو القتيل سيكونون فى خانة الغفلة التى تقترب من التواطؤ إن هم تركوا سبل مواجهة القاتل وراحوا يبحثون فى أفكاره أو دينه.
لقد رأينا كيف قتل مجرمان اثنين من كبار صحابة رسول الله، وقد جرى قتل الشيخين العظيمين الجليلين فى المسجد، فلم يهدم قتلهما، على أهمية شأنهما، الدولة، بل مضت الدولة فى طريقها إلى الأمام وحلقت فى أعالى جبال العزة والكرامة والتحقق.
الساعة ساعة جد لا ساعة تقليد للبيزنطيين الذين عندما حاصرهم

السلطان العثمانى محمد الفاتح، وكان مصير إمبراطوريتهم كلها على المحك، جلس شيوخ المدينة فى حلقات نقاش حامية بل وحادة، يتباحثون فى أمور فقهية ولاهوتية مثل تحديد جنس الملائكة، هل هم ذكور أم إناث؟ وحجم إبليس هل هو كبير بحيث لا يسعه أى مكان، أم صغير بحيث يمكنه العبور من ثقب إبرة؟
ظل النقاش قائمًا محتدمًا إلى أن دخل محمد الفاتح إلى قلب العاصمة وأزال إمبراطورية الرومان من على ظهر الأرض.
فليصدق المصريون وليؤمنوا بكل قلوبهم بأنهم يعيشون تحت وطأة أشرس حرب، حربهم مع الإرهاب، وتلك الحرب لا نصر فيها سوى بالدم والدموع والحديد والعقل.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "صوت الأمة" 2017



الخميس، 28 ديسمبر 2017

صفية ابنة زعيم اليهود التى تزوجها النبى




إذا جاء ذكر (قبول الآخر) يقول أحدهم متفاخرًا: نعم لقد تزوج رسولنا بيهودية ومسيحية وتركهما على ديانتهما!

هذا كلام يغيظ لأنه حديث إفك من رأسه إلى قدميه فلم يتزوج رسولنا لا بمسيحية ولا بيهودية، الحق أنه تزوج من امرأة كانت يهودية ولم يعقد عليها إلا بعد أن أسلمت، أما المسيحية ونعنى بها السيدة مارية أم ابنه إبراهيم فلم تكن زوجة، كانت أم ولد وهى مرتبة دون الزوجة وفوق الجارية، وهى أيضًا أسلمت، وعندما ماتت حشد لها الفاروق عمر المسلمين حشدًا للصلاة عليها.

نعود إلى السيدة صفية وهى أم المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب يعلو نسبها حتى يصل إلى رسول الله هارون بن عمران، فكأنها إحدى بنات هارون، وموسى الكليم عمها.
أبوها هو حيى بن أخطب ملك من ملوك اليهود، ومن أكابر علمائهم، وكذا كان عمها أبو ياسر بن أخطب، تروى السيدة صفية عن نفسها بلسانها فتقول: "لم يكن أحد من ولد أبى وعمِّى أحبَّ إليهما منِّى، لم ألقهما فى ولد لهما قطُّ أهشّ إليهما إلاَّ أخذانى دونه، فلمَّا قدم رسول الله قُباء غدا إليه أبى وعمِّى أبو ياسر بن أخطب مغلِّسين فوالله ما جاءانا إلاَّ مع مغيب الشمس، فجاءانا فاترين، كسلانين، ساقطين، يمشيان الهوينى، فهششتُ إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما نظر إليَّ واحدٌ منهما، فسمعت عمِّى أبا ياسر يقول لأبى: أهو هو؟ قال: نعم، والله! قال: تعرفه بنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ؟ قال: نعم والله. قال: فماذا فى نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بَقِيتُ."
هذه الرواية ثمينة جدًا لأنها تكشف عن تاريخ عداوة حيى بن أخطب للرسول.
ويذكر الزهرى رواية تزيد الأمر وضوحًا فيقول: "إن أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسول الله المدينة ذهب إليه وسمع منه وحادَثه، ثم رجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أطيعوني؛ فإن الله قد جاءكم بالذى كنتم تنتظرون، فاتبعوه ولا تخالفوه".
فانطلق أخوه حيى بن أخطب وهو يومئذٍ سيِّد اليهود، فجلس إلى رسول الله وسمع منه، ثم رجع إلى قومه، وكان فيهم مطاعًا، فقال: أتيتُ من عند رجلٍ والله لا أزال له عدوًّا أبدًا.
فقال له أخوه أبو ياسر: يابن أمِّ، أطعنى فى هذا الأمر واعصنى فيما شئتَ بعده، لا تهلك.
قال: "لا والله لا أطيعك أبدًا ."

ثم مرت الأيام وعداء حيى للرسول يتزايد حتى كان يوم معركة بنى قريظة، لقد هٌزم اليهود ولم تغن عنهم أسلحتهم ولا حصونهم، وجاء حيى مهزومًا ليقتل شأنه شأن مجرمى الحرب، فالرجل لم يكن يترك مناسبة إلا وحارب فيها الرسول وكان يؤلب عليه كل القبائل عربيةً كانت أم يهودية.
جاء إلى ساحة القصاص وقد مزق جبته بيديه لكى لا ينتفع بها غيره، ثم نظر إلى الرسول وقال: أما والله ما لمت نفسى فى عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس، فقال‏: ‏ أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر ملحمة كتبها الله على بنى إسرائيل.
 ثم جلس فضُربت عنقه.‏
 
إذا قتل والد صفية بأمر الرسول، وكانت السيدة صفية قد تزوجت من سلاَّم بن مشكم، وكان شاعرًا، ثم طلقها فتزوجها كنانة بن أبى الحُقَيْق وكان شاعرًا أيضًا وكان من زعماء اليهود.
 ثم مضت الأيام حتى جاءت معركة خيبر وكانت فى بداية العام السابع من الهجرة النبوية، وفى تلك المعركة قتل كنانة جنديًا مسلمًا هو محمود بن مسلمة، وقرب نهاية المعارك تم القبض على كنانة فقتله محمد بن مسلمة قصاصًا لأخيه.
على ذلك فقدت صفية وهى ما تزال شابة فى ريعان شبابها الأب والزوج ومعهما المكانة العائلية ومركز القيادة، فبهزيمة يهود خيبر لم تقم لليهود بعدها قائمة فى كل الجزيرة العربية .

الآن نحن أمام مشهد السبى وهو مشهد كان مألوفًا فى الحروب القديمة، صفية الأميرة ابنة الملوك وقعت فى السبى شأنها شأن غيرها، فجاء الصحابى دحية الكلبى إلى الرسول وقال له "أعطنى جارية".
فقال له الرسول: اذهب وخذ جارية.
فذهب دحية إلى حيث تقيم النساء اللاتى وقعن فى السبى وأخذ صفية.

أحد المسلمين النابهين لم يعجبه ما فعله دحية، لأن هذا المسلم النابه كان يعرف أن صفية هى ابنة الملك، وفوز دحية بها سيفتح بابًا من الصراع، فدحية وإن كان صحابيًا إلا أنه ليس من مشايخ الصحابة ثم أن صفية قد لا تنقاد إليه لأنها قد ترى نفسها فوقه وتراه دون منزلتها، ثم إن الجنود قد يقول أحدهم: لماذا يحصد دحية هذا الشرف دوننا وهو واحد منا وقد حاربنا مثلما حارب؟
ذلك المسلم النابه انطلق إلى الرسول وقال له: يا رسول الله، أعطيت دحية صفية بنت حيى سيدة قومها، وهى ما تصلح إلا لك.
تلك المحادثة القصيرة كانت أول سماع للرسول بصفية، فطلب الرسول صاحبه دحية وقال له: خذ جارية من السبى غيرها.
لقد أدرك الرسول أن بقاء صفية مع غيره سيفتح بابًا للفتنة، ولكن ما أصعب الموقف لقد علم الرسول أنه أمام ابنة الأكابر الذين قتلوا فى حروبهم معه.

ترى هل ستحب صفية الرسول وتقبل به وقد قتل جيشه أباها وزوجها وعامة أهلها؟
ذهب رسولنا الكريم إلى لقاء صفية وجهًا لوجه فقال لها: لم يزل أبوك من أشد يهود لى عداوة حتى قتله الله.
 فقالت: يا رسول الله، لا تزر وازرة وزر أخرى.
 فقال لها الرسول: اختارى، فإن اخترتِ الإسلام أمسكتُكِ لنفسى، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقى بقومك.
 فقالت: يا رسول الله لقد هويت الإسلام وصدقت بك قبل أن تدعونى، حيث صرت إلى رحلك وما لى فى اليهودية أرب، وما لى فيها والد ولا أخ، وخيَّرتنى الكفرَ والإسلامَ، فالله ورسوله أحب إلى من العتق وأن أرجع إلى قومى.
تلك كانت جلسة تصفية حساب وتطهير جراح غلق الدفاتر القديمة.

صفية قبل إسلامها ولأنها ابنة علماء كانت تعرف يقينًا أن محمد بن عبدالله هو رسول الله حقًا فقد سمعت من أبيها وعمها تأكيدًا لصدق الرجل ثم هى قد رأت فى منامها شيئًا عجيبًا، فعن عبدالله بن عمر قال: رأى رسول الله بعينى صفية خضرة فقال: يا صفية ما هذه الخضرة؟ فقالت: كان رأسى فى حجر ابن أبى حقيق، وأنا نائمة فرأيتُ كأن قمراً وقع فى حجرى فأخبرته بذلك، فلطمنى وقال: تمنِّين ملِكَ يثرب؟
هل هناك قمر غير رسولنا الأعظم؟

بعد جلسة تصفية الحسابات، تحير الصحابة فى أمر صفية، هل ستصبح جارية للرسول أم إحدى أزواجه.
قالوا: إن ضرب عليها الحجاب فهو سيتزوجها.
ما توقعه الصحابة حدث، فقد ضرب الرسول الحجاب على السيدة صفية، وأرسلها إلى صحابية من السابقات وهى أم سليم، وأم سليم هذه هى أم الصحابى الجليل أنس بن مالك، ولكن قبل الاسترسال فى سرد القصة يجب علينا التوقف عند شبهة يقذف بها بعضهم سيرة رسولنا، وهى تلك الشبهة الخاصة بالعلاقة الحميمة التى تكون بين الرجل والمرأة.
رسولنا الكريم كأنه كان يعلم ما سيكون عليه اعوجاج قلوب بعضهم فقالها فى السبايا صريحة مدوية: "لا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً."
وهناك فى كل كتب الفقة باب ضخم جدًا لأحكام العدة الخاصة بالسبايا وإجابة عن كل سؤال قد يشغل بال البعض، ولكن كل الإجابات لا تخرج عن الأمر النبوى الشريف، وهو أن عدة الحامل من السبايا أن تضع حملها، وعدة غير الحامل أن تحيض حيضة، وهناك تفصيل فى حالة السبية البكر والسبية التى بلغت سن اليأس، فليرجع إليه من يشاء.

وقد بلغ تحريم وطء الحامل حد اللعنة، واللعنة متى نطق بها الرسول كانت كبيرة جدًا، فعن أبى الدرداء عن النبى صلى الله عليه وسلم: أنه -أى الرسول- أتى على امرأة مجح (أى حامل توشك أن تلد) على باب فسطاط فقال: لعله يريد أن يلم بها؟ يعنى يريد مالكها أن يجامعها
 قالوا: نعم.
 فقال الرسول: لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟.
الكلام واضح لا يحتاج شرحًا، وعلى الذين يخوضون فيه معرفة الفرق بين حديثهم عن الدواعش وعن سيد المخلوقات علوية كانت أم سفلية.
نحن نتحدث عن الرسول الذى بعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق ولم يبعثه ليكون جبارًا شقيًا.
إذن السيدة صفية فى عدتها عند أم سليم، وعندما انتهت العدة تزوجها الرسول وأقام لها وليمة عرس.

كانت السيدة صفية عليها الرضوان تتمتع بجمال باهر، ثم هناك أمهات المؤمنين عائشة ابنة الصديق وحفصة ابنة الفاروق وزينب بنت جحش وهى ابنة عمة النبى، والسيدة أم سلمة، والسيدة سودة بنت زعمة، وكل هؤلاء بنات سادة العرب، فكيف سيكون اللقاء مع ابنة سيد اليهود؟
نساء الأنصار والمهاجرين أدخلن أنفسهن فى الأمر، القصة تحولت بالمعنى الدارج إلى "فرجة" النساء جميعًا حريصات على معاينة ابنة ملك اليهود وكيف هى، ومع النساء كانت الصديقة عائشة، التى لبست نقابها وراحت تنظر من خلفه لجمال صفية، فدخلتها الغيرة فورًا.
الغيرة ستتحول إلى ملاسنة واضحة، السيدات زينب بنت جحش وعائشة وحفصة أصبحن يدًا واحدة فى مواجهة السيدة صفية.
روى الترمذى عن أنس قال: بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ بِنْتُ يَهُودِيٍّ!! فَبَكَتْ فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ وَهِيَ تَبْكِى فَقَالَ (مَا يُبْكِيكِ) فَقَالَتْ: قَالَتْ لِى حَفْصَةُ: إِنِّى بِنْتُ يَهُودِيٍّ. فَقَالَ النَّبِيُّ (إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ ؛ فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ) ثُمَّ قَالَ (اتَّقِى اللَّهَ يَا حَفْصَةُ).

ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يعد جبر الخواطر من أعظم العبادات فقد كان يضع ركبته الشريفة بجوار الجمل ثم تضع السيدة صفية قدمها فوق ركبته الشريفة لكى تستوى فوق جملها.
هل هناك ما هو أطيب وأرق من هذا؟
إنها أخلاق المبعوث رحمة للعالمين، هو يعرف طبيعة الغيرة لدى النساء حتى لو كن أمهات المؤمنين، وهو يعرف أن زوجه صفية تكاد تواجه منفردة ولا تملك إلا دموعها فيجعلها تصعد إلى جملها واضعة قدمها فوق ركبته الشريفة أمام الناس لكى يقول للجميع: إنها واحدة من أزواجى ولها الكرامة كاملة.
ولكن مساندة الرسول للسيدة صفية لم تذهب الغيرة من قلوب أزواجه عليهن جميعًا الرضوان، فقد حدث أن كان الرسول ومعه السيدتان صفية وزينب بنت جحش فى سفر، فاعتل (أى مرض) بعير السيدة صفية، وكانت السيدة زينب لديها إبل كثيرة، فطلب منها الرسول بعيرًا تقرضه لصفية فرفضت السيدة زينب وقالت: "أنا أفقر (أعير) يهوديتك؟".
فغضب الرسول من الكلمة حتى أنه هجر السيدة زينب قرابة الشهور الثلاثة.
من ناحيتها لم تتأثر السيدة صفية بتلك الملاسنات، لأنها كانت حكيمة عاقلة فعذرت نساء النبى وهن بنات سادة العرب ومن قريباته فى الغيرة عليه، ومضت حياتها معه على أحسن ما يكون حتى جاءت أيام مرضه الأخيرة فذهبت مع نسائه لعيادته حيث كان يرقد فى بيت عائشة، فنظرت إلى حبيبها الذى كان معها نعم الحبيب ونعم السند ونعم الزوج ونعم الرجل وفاضت عيناها وهى تراه يعانى أشد المرض ثم قالت وهى تبكى بدمع الوفاء والعرفان والمحبة: "إنى والله يا رسول الله! لوددت أن الذى بك بى".
كلمة السيدة صفية جعلت أزواجه عليهن الرضوان يغمزن بأبصارهن.
رسولنا الذى هو بالمؤمنين رؤوف رحيم رأى الغمزات، فقال لنسائه "مضمضنّ" أى اغسلن أفواهكن.
فقلن: من أى شىء؟
فقال الرسول: من تغامزكن، وإنها والله لصادقة.
هذا القسم النبوى الشريف يكفى السيدة صفية ثم يفيض على كل امرأة تعرف خلق الوفاء وآداب الحب الطاهر المنزه على المصالح الفانية.


نعم كانت أمنا أم المؤمنين السيدة صفية صادقة لقد بشرها الله فى منامها بالقمر، وها هو قمرها وقمر كل الأكوان قد أصبح زوجها وحبيبها، وها هو مريض فكيف لا تفديه بنفسها؟
ثم لحق رسولنا بالرفيق الأعلى، فبقيت صفية آية من آيات الصفاء والمحبة، سمعت مرة نفرًا من المسلمين يتلون القرآن فصاحت بهم: هذا هو القرآن فأين البكاء؟
نحن أمام سيدة من سيدات الخشوع، القرآن عندها يعنى تطهير العين بدموع الخشوع والخضوع لرب القرآن.

ثم تواصلت حياتها حتى كارثة الفتنة التى راح ضحيتها عثمان بن عفان، كانت تريد مساندته وفض المتظاهرين عنه ولكنها لم تستطع، فجعلت بين بيتها وبيته ممرًا ترسل من خلاله الماء والطعام للإمام الذى حاصرته نيران الفتنة.
وبعد عثمان جاء الإمام على فهدأت الحياة شيئًا ما، حتى استشهد الإمام على وجاء حكم معاوية وفيه ماتت ودفنت بالبقيع فى مدينة زوجها وحبيبها بعد أن سطرت أعظم آيات العرفان والمحبة، فعليها وعلى سيدات آل البيت الرضوان .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بجريدة "صوت الأمة" 2017