الاثنين، 12 فبراير 2018

مريم تتجلى دائمًا



منذ أن خلق الله الخلق وإلى أن يرث الأرض ومَن عليها، لم ولن تمر أنثى بأحداث كالتى مرت بها السيدة الصدِّيقة مريم العذراء.
فى البدء كانت السيدة مريم هى نجمة الحفلة وبطلة المشهد، لقد اهتم بها القرآن الكريم وذكرها قبل أن تولد، نحن نعرف أنها ابنة العبد الصالح عمران، وهو أحد صالحى زمانه وكان من علماء بنى إسرائيل وينتهى نسبه إلى خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وقد قرأنا أن أمها كانت طيبة صالحة كأبيها، وقالوا: إن امرأة عمران كانت عاقرًا، وذات صباح كانت جالسة تحت شجرة، فرأت حنان طير يُطعم فِراخه، فَتَحركت بداخلها مشاعر الأمومة فناجت ربها داعية: يا رب إنّ لك عليّ نذرًا، شُكرًا لك، إنْ رَزَقتنى ولدًا أنْ أَتَصدق بِه على بيت المقدس لِيَخدمه.
ذلك النذر مذكور فى القرآن الكريم فاستجاب الله لها، فحملت، وساعة الولادة تبين لها أن المولود أنثى وليس ذكرًا، فكأن ذلك قد غمّها، لأن خدمة بيت المقدس كانت مقصورة على الذكور.
ولكن شاء الله أن يودع فى المولودة مريم، قدرات وصفات تجعلها أهلًا لخدمة بيت المقدس، فنمت الطفلة مريم فى كنف زوج خالتها، وهو نبى الله زكريا، عليه السلام، فكان بيتُها المسجد، وكان الطعام يَأتيها من الغيب بإذن الله.
وكل تلك المرحلة مذكورة فى القرآن، حتى جاء أمر الله بأنْ بشَّرها بغلام، فتعجّبت إذ كيف يكون لها ولد وهى لم تتزوج.
هل وقع لأنثى قبلها مثل هذا؟
لم يقع ولن يقع، وذلك لأن حياة هذه السيدة الجليلة عليها السلام هى معجزة إلهية ستمهد لمعجزة أكبر وأخطر وهى ميلاد سيدنا المسيح عليه السلام.
كيف كانت مشاعر مريم لحظتها؟
القرآن ينص على أنها تمنّت الموت،  لكى تفر من عار الحمل من غير زواج، وهى الصوّامة القوّامة التى لم يمسسها بشر، ولكن كان لا بد من أن تمضى مشيئته تعالى حتى ختام القصة، لقد جاءها المَخاض.
أى اختبار هو هذا الاختبار، بل أى بلاء هو هذا البلاء، خادمة بيت المقدس الصدِّيقة تحبل فيعلو بطنها شأن الحبالى، ثم يأتيها المخاض ثم تلد، ثم هى عذراء طاهرة من نسل طاهر لا يعرف الفاحشة.
ولدت الفتاة المسكينة الوحيدة دون مساعدة من أم أو خالة، لقد جاءت بالنور عيسى عليه السلام.
قالوا لقد حملته وصعدت به جبلًا بجوار القدس وسكنت قمته تأكل من نبات الأرض وتشرب من ماء المطر.
ثم كان لا بد للخبر من أن ينتشر ويذيع، لقد عرف الجميع خبر ولادة مريم.
لقد حانت لحظة المواجهة بين مريم وبين الجميع، خاصة الذين فى قلوبهم مرض أولئك الذين خاضوا فى عِرضها الطاهر.
القرآن ذكر تلك المواجهة بأوضح بيان: "فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ".
كل ما مرت به مريم كان تمهيدًا لذلك المشهد المعجز، رضيع يتحدث بفصاحة ويقيم الدليل الأكيد على طُهر أمه ونقاء عِرضها.
بعد ذلك المشهد يختفى ذكر السيدة الجليلة، القرآن يتابع حياة سيدنا المسيح حتى مشهد رفعه، ولكنه سكت عن متابعة حياة أمه السيدة مريم.
المصادر غير الإسلامية تقول: لقد عاشت السيدةُ مريم مع ولدها عليهما السلام فى الجبل بعيدَين عن أعين الناس، يَتَعبدان ويَقومانِ فى الليل ويَصومان فى النهار، يعتمِدان فى غذائهما على نباتات الأرض ومياه المطر، وفى أحد الأيام نَزَل عيسى من الجبل لجمعِ بعض النباتات ليأكلَ مع والدته، فى هذه الأثناء نَزَل مَلَكٌ على السيدة مريم وهى تُصلّى فى مِحرابها، فخافت ووقعت مغشيًا عليها، وبعد أنْ أفاقت قالت للمَلَك: مَن أنت يرحمك الله؟.
قال لها: أنا مَلَك الموت. فقالت له: جِئت زائرًا أم قابضًا.
قال: بل قابضًا.
فقالت: يا ملَك الموت لا تَتَعجّل حتى يعود قُرَّةُ عينى، وريحانة قلبى، وفلذة كبدى عيسى.
فقال لها: ما أَمرنى الله تعالى بذلك، وأنا عبدٌ مأمور من الله.
فقالت: يا ملَك الموت قد سلَّمتُ أمرى لله تعالى ورضيتُ بقضائه.
وفى اليوم الثانى دخَلَ عيسى عليه السلام إلى أمّه فوجدها نائمة، فلم يوقظها من نومها رحمةً بها، وقام إلى صلاته حتى ثُلُث الّليل فعاد إلى أمه ووقف عند رأسها فقلب يدها وهو يقول لها: السلام عليكِ يا أمّاه قد انتصف الليل وأفطر الصائمون وقام العابدون إلى عبادة الجبار، فلم يسمع منها أيَّ رد، فظن أنّها تَعِبة وتُريد النوم، وعاد إليها مرةً ثالثة، وهو يحاول إيقاظها حتى سمع صَوتًا من السماء يُخبِره بأنَّ روح أمِّه قد عَرَجت إلى السماء، فوقع عليه السلام مغشيًا عليه، وحزن كثيرًا حتى سمع صوتًا يقول له: يا روح الله أتريدُ أحسن منى مُؤنِسًا؟ فقال: أعوذُ بعِزة ربى ورأفتِهِ فإنى رضيت بحكم ربى. فَنَزل سيدنا عيسى إلى إحدى قرى بنى إسرائيل ينادى: يا بنى إسرائيل أنا روح الله عيسى ابن مريم، إنّ أمى قد ماتت فأعينونى على غسلها ودفنها؟ فرد عليه أهل القرية بأن هذا الجبل مليٌء بالأفاعى ولم يسلكه أحد منذ سنين، فعاد سيدنا عيسى وفى طريق عودته لَقى رجلين فقال لهما: إنَّ أمى ماتت غريبةً بهذا الجبل، فأعينونى على دفنها، فرد الرجلان بأنَّ جبريل قد أرسلهما لذلك، فحفرا القبر، ونزلت الحور العين فغسَّلْنَها، ودفنها عليها رضوان الله ورحمته.
تلك الرواية ليس ثمة إجماع مسيحى عليها، فالذى عند المسيحيين بخصوص حياة السيدة مريم عليها السلام أنها عاشت حتى رأت ابنها على الصليب، فقد جاء فى إنجيل يوحنا "فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِى كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لأُمِّهِ: يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ".
ولأن السيدة الجليلة امرأة من النساء، أى بشر من البشر فأين قبرها؟.
هناك روايات متعددة ولكن ليست معتمدة كنسيًا، فالكنيسة الأرثوذكسية ترى أن ما حدث للعذراء هو ما يعرفه المسلمون بالرفع أو الإسراء، واسمه عند المسيحيين هو "الانتقال".
الكنيسة الأرثوذكسيّة، أقرّت بأنّ انتقال السيّدة العذراء قد تمّ فعلًا، ولكنّه بعد مدّة قصيرةٍ جدًا من وفاتها، وإنّ العذراء عندما وافتها المنيّة كانت فى منطقة بستان الزيتون فى أرض "أورشليم" والتى هى مدينة القدس فى فلسطين، وقد كان شاهدًا على وفاتها بعض من تلاميذ السيّد المسيح، والذين كانوا إلى جوارها، وكانوا ما يزالون هم على قيد الحياة، ويقولون بأنّ جسد العذراء مريم قد بُعِثَت فيه الرّوح مجددًا، وذلك بعد ثلاثة أيام من وفاتها، لتنتقل بعد ذلك بروحها وجسدها وبشكلٍ مباشر إلى السّماء، وقد ارتفعت على مرأى من الناس والتلاميذ.
فى كل الأحوال ستظل السيدة العذراء وسيظل ابنها سيدنا المسيح يمثلان معجزة من معجزاته تعالى، فلهما المجد وعليهما السلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بجريدة "صوت الأمة" يناير 2018

الخميس، 1 فبراير 2018

عندما احتفل الحاخام ترامب بعيد الحانوكا





يقف مثقف عربى مرتبكًا فى حضرة مسئول عربى، ويسأله وهو يقدم كلمة ويؤخر الثانية: "هل ترى سيادتكم أن لقضية القدس أبعادًا دينية؟".
تتصلب عروق رقبة المسئول العربى غضبًا ويتكلم من بين أسنانه قائلًا: "ما هذا الكلام؟ نحن أمام صراع سياسى، أو معركة سببها النزاع على ملكية قطعة من الأرض، إدخال الدين فى هذه القضية سيزيدها فسادًا على فسادها، أرجوك لا تطرح هذا السؤال مرة ثانية، وحاذر أن تلعب بورقة الدين".
يواصل المسئول العربى الرطانة الأعجمية.
تبدو على وجه المثقف العربى علامات عدم الفهم، فيستدير معطيًا ظهره للمسئول وينصرف عنه، كأنه "حنظلة" الفلسطينى فى رسومات ناجى العلى والذى دائمًا ما كان يعطى للعالم كله ظهره بعد أن فقد التواصل مع ظلمات هذا الكون التعس.
يدخل "التاريخ" ذاته إلى المشهد، ونراه وقد قعد مسترخيًا على حجر مصرى أقدم من التاريخ ذاته، وراح يقرأ من كتاب بين يديه بصوت مسموع: "يقول اليهود إن عيد الحانوكا هو عيد من أعيادهم الثانوية، ليست له مكانة عيد الغفران، ولكنه يظل مهمًا لديهم".
الحانوكا كلمة عبرية تعنى التدشين، وهى مناسبة يتم فيها تشجيع ومكافأة الأطفال لدراسة التوراة. ونتيجة لذلك، يعطى الآباء أبناءهم أموالا وهدايا خلال العيد.
ـ لا تزال الكاميرا على "التاريخ" وهو يغلق الكتاب وتشرد نظراته وهو يخاطب مجهولًا لا يظهر فى الكادر قائلًا: "طالب أنت بتدريس القرآن وانظر ماذا سيحدث لك".
ـ الكاميرا على يد "التاريخ" وهى تعيد فتح الكتاب ليواصل القراءة بصوت مسموع: والتدشين المقصود هو التذكير بتدشين الهيكل المقدس الثانى فى أورشليم فى القرن الثانى قبل الميلاد، وللحانوكا اسم شائع وهو "عيد الأنوار"، وسيأتى الكشف عن سر التسمية، فى الفصول القادمة من كتابنا، وفى ذلك العيد يتواصل احتفال اليهود لثمانية أيام، وأيام العيد ليست محددة بدقة، فهى أحيانًا تبدأ فى الأسبوع الأخير من نوفمبر، وأحيانًا تكون فى الأسبوع الأخير من ديسمبر.
فى اللحظة ذاتها التى كان فيها المسئول العربى يرطن مستهجنًا وجود أبعاد دينية (إسلامية ومسيحية) لقضية القدس، كان الرئيس الأمريكى ترامب المسيحى يقولها بجماع قلبه: القدس يهودية هكذا كانت وهكذا ستبقى!
لم يهتم ترامب بتبيض وجه المسئول العربى، فترامب من المؤمنين بأن "من يهن يسهل الهوان عليه، ما لجرحٍ بميت إيلام"، ترك ترامب المسئول العربى ضائقًا بسؤال مواطنه، وكتب على الموقع الرسمى للبيت الأبيض رسالة يقول نصها: "نفتخر فى هذا العيد أننا ندعم الشعب اليهودى الذى يلمع بين الدول، كما نؤيد شعب إسرائيل والدولة اليهودية التى لها فى حد ذاتها تاريخ رائع فى التغلب على الظروف غير المواتية، وآمل أن يحظى من يحتفل بهذا العيد فى الولايات المتحدة، وفى إسرائيل وحول العالم، بإجازة ممتعة".
عندما كان المثقف العربى صاحب السؤال جالسًا على رصيف مقهاه ينفخ غضبه مع دخان الشيشة سائلًا نفسه: "كيف لا يكون للإسلام والمسيحية دخل بالقدس؟!".
فى اللحظة ذاتها كان ترامب قد حشد كل أفراد أسرته، بداية من زوجته الشابة الجميلة، ونهاية بأحفاده الأطفال الأبرياء، ووقف خطيبًا يحتفل بعيد الحانوكا اليهودى.
قال ترامب فى خطبة احتفاله "حانوكا لليهود فى جميع أنحاء العالم، عندما يجتمعون حول المينورا المضاءة ويحتفلون بعجائب الماضى والأمل فى المستقبل. ميلانيا (زوجته) وأنا نتمنى لجميع إخوتنا اليهود الاحتفال بهذه العطلة الهامة لمدة 8 ليال كاملة بالسعادة والصحة. قصة معجزة حانوكا بدأت منذ أكثر من 2000 سنة، عندما كانت ممارسة الشعائر اليهودية يعاقب عليها بالموت. وقد انتفضت فرقة صغيرة من الوطنيين اليهود واستعادت الهوية اليهودية عن طريق هزيمة جيش عظيم، وفى محاولة سعيهم لإعادة تشييد معبدهم المقدس، لم يجد الأبطال اليهود غير  قليل من الزيت لإضاءة مصباح المعبد لليلة واحدة، ولكن وقعت معجزة، عندما استمر الزيت بنعمة من الله فى الإضاءة لمدة ثمانية أيام".
ثم شرح ترامب وكأنه حاخام فقيه فى الشريعة اليهودية أن من معانى الحانوكا الإضاءة الساطعة، حيث أن المصباح قد ظل مضيئًا لثمانية أيام رغم قلة زيته، ثم واصل ترامب خطبته فتحدث عن معجزة إسرائيل (يقصد نبى الله يعقوب عليه السلام ) وقال إن إسرائيل وأحفاد إبراهيم وإسحاق قد تحملوا بشجاعة نادرة محنًا كثيرة مرت بهم ثم انتصروا على كل اضطهاد غير مبرر تعرضوا له.
وقبل أن ينهى ترامب خطبته أكد على أهمية الحانوكا هذا العام تحديدًا لأن العيد جاء بعد قراره بتهويد القدس.
الكاميرا تنتقل إلى المثقف العربى وهو يضرب كفًا بكف وهو يقول: "حقًا القدس ليس لها أبعاد دينية، والدليل هو خطبة ترامب الدينية!". 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "صوت الأمة" ديسمبر 2017

الاثنين، 22 يناير 2018

هناك فرق بين "الفن" و"المليَطة" ..





أعلم أنهم يصدّعون رأسك بـ"الواقعية" و"الضرورة الدرامية" وبقية قائمة الشعارات التى إن ذهبتَ تبحث عن جذرها فلن تجد سوى السراب الذى يحسبه الظمآن ماءً.
أعلم أنهم يتلاعبون بمشاعرنا نحن المشاهدين المساكين، ولكن يحدث أحيانًا أن يشهد شاهد منهم، فيكشف المستور.
قبل سنوات أجرت مجلة "صباح الخير" حوارًا مع النجمة رغدة عن مشاركتها فى فيلم "أبو الدهب" الذى لعبت بطولته مع الراحل أحمد زكى، أثناء الحوار كشفت رغدة عن سراب الشعارات.
قالت: فى يوم من أيام التصوير، كان مشهدى سيصور زيارتى للقصر الفخم الذى يمتلكه بطل الفيلم أحمد زكى، لكى أقدم لزوجته صورًا للفساتين التى سأصممها لها بوصفى خيّاطة محترفة، أثناء مرورى بحديقة القصر وجدت بشكير السباحة والبُرنس والمايوه وأريكة من تلك التى يستلقى عليها الذين أنهكتهم السباحة.سألت فريق العمل: لماذا هذه الأشياء هنا؟
قالوا: هى لك.
قلت: لى أنا، لماذا؟! المشهد ليست به سباحة.
قالوا: المنتج قال يجب أن تلبسى المايوه.
راحت رغدة تقنعهم أن المنطق يقول إن الهانم زوجة البطل لن يمكن أن تسمح لخياطتها بالسباحة فى حمام سباحتها.
قالوا: المنتج يريدك بالمايوه.
قالت: لن ألبس المايوه ولن تبيعوا لى ضروريات الدراما.
رغدة رفضت ولكن العالمية سلمى حايك وافقت!
أنقل عن "نيويورك تايمز"، قالت "حايك" إن منتج هوليوود الأشهر هارفى واينستين قال لها ذات مرة: "سأقتلك! لا تظنى أننى لا أستطيع فعل ذلك".
وأضافت سلمى فى تصريحاتها لـ"نيويورك تايمز"، التى تحدثت فيها عن علاقاتها بـ"هارفى" توصلت إلى اتفاق مع"واينستين" بشأن حقوق الفيلم التى كان سيعرض خلال عام 2002، أنها اضطرت مرارًا لرفض إيحاءات جنسية من هارفى.
وكتبت:
- لم أسمح له بالاستحمام معى.
- لم أدعه يشاهدنى أثناء الاستحمام.
- لم أسمح له بتدليكى.
- لم أسمح لصديق له بتدليكى وهو عارٍ.
- لم أسمح له بممارسة الجنس الفموى معى.
- رفضت الظهور عارية مع امرأة أخرى.
واتهمت حايك منتج هوليوود بتهديدها بإلغاء الفيلم ما لم تؤدِ دورًا جنسيا مع ممثلة أخرى.
وأضافت وهى تسرد اضطرابها أثناء تصوير المشهد الذى قالت إنه كان غير مبرر: "اضطررت لتناول المهدئات، التى أوقفت فى النهاية البكاء لكنها تسببت فى حدة التقيؤ".
هل رأيت كم هى متعبة ومرهقة تلك الضرورة الدرامية؟
إنها تجعل الممثلة تصل لحد التقيؤ.
هذا عن الدراما عندما تكون صورًا متحركة، فماذا عنها عندما تقدم الرسالة والمضمون والمحتوى؟!
هل تؤمن أن للدراما رسالة؟
أنا أؤمن أن للدراما رسالة ومن منطلق إيمانى هذا أدافع عنها، مزيلًا عن جسدها الطيب قاذورات يلقيها البعض على الجسد الطيب الذى لا يريد بنا سوى الخير.
بدعوى الواقعية، وبزعم الاشتباك مع اليومى والمألوف يقدم بعضهم نفايات يعج بها محيطه هو بوصفها الفن الذى لا فن قبله ولا فن بعده.
مخرجة سينمائية شهيرة عاتبوها على استغراقها فى تقديم الجنس المجانى عبر أفلامها فقالت علانية: "هذا هو الواقع وبنات مصر يخضعن لطبيب ترقيع غشاء البكارة قبل زفافهن"!
الدخول فى نقاش مع تلك الشهيرة سيزيد الأمر سوءًا، فهى تحكم بما ترى وخصمها سيحكم بما يرى، ولا توافق بين المشاهدات ولن يكون.
الحياة التى هى الأفعال اليومية تسبق الفن ولن يلحق بها، لأن الحياة هى التى تقدم المادة الخام التى سيعمل عليها الفنان، ولكن هل كل المادة الخام صالحة لأن تقدم للمشاهد؟
المادة الخام تقول إن الميت يجرى تغسيله، فهل تقبل بمشهد كهذا؟!
المادة الخام تقول إن الأزواج يفعلون كذا، فهل تقبل برؤية هذا الـ "كذا" مجسدًا على الشاشة؟!
المادة الخام تقول إن الإنسان يدخل الحمام لقضاء حاجته، فهل تقبل بمشاهدة الفضلات؟!
المادة الخام تقول إن بلدنا يعانى من كثرة حالات الطلاق، مع ما يعنيه الطلاق من خراب ودمار وفوضى، فهل نناقش القضية من أى زاوية كانت وليس شرطًا تقديم الحل؟ أم نتبنى صرعة جديدة دخلت حياتنا اسمها "سينجل مازر"؟!
انتبه! إنهم يتلاعبون بالألفاظ والمصطلحات، يقولون "سينجل مازر"، يقولون "المرأة العزباء"، يقولون مصطلحات شتى ليس من بينها المصطلح الحقيقى وهو "المرأة الزانية".
هذا التلاعب خطير غاية الخطورة، حتى أن كاتبة أحسبها عاقلة كتبت تدافع عن تقديم تلك النماذج ما ملخصه: كنا نتعاطف مع شادية وفاتن حمامة وبقية الممثلات عندما يحملن من سفاح، فماذا حدث لنا؟!
لقد دخل المصطلح المراوغ على عقل الكاتبة فحطم الصورة، نعم كانت الدراما القديمة تقدم هذه النماذج ولكن فى أى سياق؟
كان سياق خداع البطل للبطلة، وكان السياق افتراس البطل لجسد البطلة، ودائمًا كانت هناك حسرة الندم وحرقة المشاعر وحيرة المأزوم، وأبدًا لم تكن هناك تلك الدعوة العجيبة التى تجعل بطلة مسلسل تحاول الحمل من صديقها مشترطة عدم الزواج، لأنها تريد طفلًا لا طفلًا وزوجًا!
هل يوجد بمصر "سينجل مازر"؟
نعم، كما فى كل الدنيا وفى كل العصور، ولكن ما هى الرسالة التى يريدها الذى سيصور تلك النماذج؟
هل توجد بمصر بنات تدخن الحشيش؟
نعم كما فى كل الدنيا وفى كل العصور، ولكن تبنى مثل تلك الحالات هو قصف نيرانى يمهد لما هو قادم؟
هل أسئلتى هذه تعنى أننى وفريقى نريد دراما على مقياس المخرج الراحل محمد كريم الذى كان يغسل الجاموسة التى ستعبر خلف البطل، وكان يكنس التراب الذى بجوار شجرة الصفصاف التى تقف تحتها البطلة؟
هل نريد وعظًا وإرشادًا وخطابًا فجًا؟
هل نريد مجتمعًا ملائكيًا ورديًا حالمًا هامسًا؟
إن افترضتم فينا هذه الخيالات فقد رميتمونا بدائكم وانسللتم.
نحن نريد الفن القوى العفى الذى يسكن القلوب ويعمل عمله فى العقول.
هل رأيتم سينما توفيق صالح؟
هل رأيتم سينما محمد خان؟
ألم يشتبكا - ما وسعهما الاشتباك - مع الواقع، هل أنكرنا عليهما اشتباكهما؟
بجملة واحدة: هناك فرق - كان وسيبقى- بين الفن"والمليطة"، فخذوا قراركم أى سبيل ستسلكون.
ختامًا.. سأذكركم بكلمة منسوبة لتشرشل قائد بريطانيا فى أوج مجدها، قال: "نحن على استعداد للتنازل عن كل ممتلكات بريطانيا العظمى فى كل مكان على الأرض ولكن لا نتنازل عن عمل من أعمال ابن بريطانيا شكسبير".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بجريدة "صوت الأمة" ديسمبر 2017