الاثنين، 16 أكتوبر، 2017

يا عايقة يا أم المناديل .. يا عايقة شعرك طويل


                                 


( 1 )

سألتُ صديقة من الكاتبات: "كيف ترين الصعايدة؟".
تنهدتْ بأسى صادق قبل أن تجيب: "رجال غربة".
صدقتْ والله صديقتي، نعم كأن الغربة هي قدر الصعيدي، يتغرب حتى لو كان في وطنه، في زمن مضى كان الصعيدي الأسيوطي يحلف بغربته إن أقام أيامًا في  محافظة المنيا رغم أنها تجاور بلده.
كلنا نعرف ملحمة الأبنودي عن السد العالي "جوابات الأسطى حراجي" حراجي من قرية بقنا، ثم عندما سافر إلى أسوان التي لا تبعد كثيرًا عن بلدته بكى غربته دمًا لا دموعًا.
ملمح الغربة هذا أو التغريب القسرى بفعل السعي خلف رزق العيال ، كان العيد الكبير هو الفرصة الوحيدة المتاحة لكسره.

( 2 )

قبل أربعين عامًا من عامنا هذا ـ وهو الزمن الذي سأنطلق منه ـ لم نكن نحن الصعايدة نعرف شيئًا عن مباهج عيد المدن، كانت لنا مسراتنا الخاصة، هي فقيرة نعم، وارتجالية بل وعشوائية، ولكنها تبقي مسراتنا الخصوصية التي تمنحنا تميزًا ما أو اختلافًا ما عن الآخرين.
أولى المسرات كانت انتظار العائدين على محطة القطار في الليلة التي تسبق ليلة الوقفة، لابد وأن يعود الغريب قبل الوقفة ليصوم معنا صيام عرفة، الذين يعودون صباح العيد أو بعده هؤلاء انخلعوا منا فنحن لا ننتظرهم وعندما نقابلهم نصافحهم في برود، لأننا نعلم أنهم عادوا مجبرين اتقاءً للقيل والقال، نحن نحب العائد  الذي يسوقه الشوق.
 يعود المتغرب أبًا كان أو عمًا أو خالًا أو شقيقًا أو صديقًا، فتدق طبول العيد في قلوبنا.
كنت أرى النسوة المتشحات بالسواد دائمًا، وكأنهن في جنازة الدهر نفسه، يتخلين عن خجلهن الفطري ويخلعن عنهن وقارهن الأبدي الأزلي وتمسك الواحدة منهن برأس العائد وتأخذه في صدرها وتوسعه تقبيلًا، ثم تشمه، ثم تعود وتتأمله كأنها تراه لأول مرة، ثم تتمتم: "الحمد لله رجع كامل".
الآن أظن أن المرأة الحاضنة كانت تبحث عن نقصان ما يُصاب به قلب المغترب، ثم تحمد الله لأنها وجدت قلب رجلها كاملًا مكتملًا.

 ( 3 )

فرحتنا بالعائد المكتمل تنسينا النوم، ثم كيف سننام قبل السحور؟
 غدًا يوم صيام مقدس لدينا كصيام رمضان، بل بعضهم يحرص على صيام عرفة أشد من حرصه على صيام رمضان.
ضحى عرفة نبدأ حملة تنظيف الشوارع، هي ترابية نعم ولكن لأبد وأن تقابل العيد بنظافتها، ثم نرشها بالماء النظيف، ونسرف في رشها، الكلام الذي يحاصر أيامنا هذه عن الفقر المائي وسد النهضة الأثيوبي وإلى آخر هذا الهراء، لم نكن نسمع به ولم يكن في مقدورنا تخيله، نحن نتعامل مع النيل بوصفه جدنا الصعيدي القديم الكريم المعطاء، نحن نتفضل على سكان المدن والبحاروة بما يفيض من خيرات جدنا، النيل نيلنا نحن أولًا، ونحن أحفاده المهذبين، نحترمه ونخشى غضبته ونهاب هيئته، بل نشعر بالحرج عندما لا نلقبه بالبحر، لقد عرفنا إنه نهر من مدارس الحكومة، ونحن لا نصدق الحكومة ولا مدارسها.
بعد الانتهاء من تنظيف الشوارع ورشها نصلي الظهر في مساجدنا البسيطة، كنا نتسابق للتقرب من سيدنا الشيخ إمام المسجد فقد يختارنا للمهمة السحرية التي تضمن لنا الحسنات المخلوطة بفرحة غامضة كأنها اللذة التي نسمع بها ولكن لا نعرف ما هي على وجه التحقيق.
سيدنا الشيخ يعرف كيف يتلاعب بمشاعرنا ويعرف أن حرصنا على الصلاة ليس بدافع التقوى في المقام الأول، يطيل سيدنا الصلاة وكذا ختامها ثم ينظر إلينا مبتسمًا: "يا اللا خدوها".
المشار إليها هي حُصُر المسجد، لم نكن نعرف السجاد ولا الموكيت ولا الحُصر البلاستيكية، كانت حُصُر مساجدنا من سيقان البردي أو من نبات الحلفا، دائمًا ما كانت مبتلة بماء الوضوء المتساقط من الجباة الساجدة، لحُصُر المساجد رائحة خاصة لا تشبهها رائحة، رائحة تجمع بين إتقان  يد الفنان الذي نسجها وبين ماء الوضوء وبين ذرات تراب تتخلل نسيجها وبين رائحة بخور قديم سكنها ثم لم يغادرها.
نجمع الحُصُر وننطلق إلى الترعة، لا تحدثني عن البلهارسيا، وصدقني لو قلت لك إن مياه ترعنا كانت أنظف وأنقى من الماء الذي نشربه الآن من الصنابير المزودة بالفلاتر.
نغسل حُصُر المسجد قربى لله عز وجل ونسبح ونرش الماء على بعضنا البعض قربى لأجسادنا التى لم تكن قد عرفت شيئًا عن مباهج المصايف.
لو كان طقس غسل الحُصُر يجري صيفًا، فسنظل في الماء حتى تجف الحصر، لكن لو كان الزمن شتاءً فسنبادر بالخروج من الماء فور انتهاء الغسيل، وسنظل نرتجف من البرد إلى أن يقوم ولد فلتان منا بإخراج علبة كبريت، وجود علبة كبريت مع أحدنا علامة تشير إلى أنه مدخن أو لص يسرق كبريت البيت ليوهمنا بأنه قد أصبح رجلًا لا يخشى من تهمة التدخين.
يلوح الفلتان بعلبة كبريته فنفهم الإشارة، نسارع بجمع الحطب، وعندما ننتهي من الجمع يكون أحدنا بكل يسر وسهولة قد اصطاد قرموطًا أو اثنين، لتبدأ حفلة شواء ارتجالية في الخلاء، صاحبكم الذي هو أنا لن يأكل ثانية سمكًا له طيب مذاق سمك الحصر، فهكذا كنا نسميه.
عندما نعود بالحصر النظيفة اللامعة يكون الرجال قد نظفوا المسجد وجعلوه لامعًا، نفرش المسجد بالحصر النظيفة فتلفنا رائحة النظافة، نعم للنظافة رائحة، وكنا نسميها نفحة عرفة.

( 4 )

نحن في يقظة من ليلة أمس ويجب أن ننام ولو قليلًا ولكن هل ننام ونترك الاستماع للراديو الذي ينقل على الهواء مباشرة شعيرة الوقوف بعرفات ؟.
نتحلق حول  الراديو، لم نكن قد عرفنا التليفزيون، نظل نسمع ونكبّر خلف المذيع لكي نحظى بثواب التكبير، في خلفية قلب كل واحد منا لحظة ستأتي عندما يقول المذيع: "أيها السادة، يسعد اتحاد الإذاعات العربية أن يكون معنا أخونا المذيع المصري الأستاذ ".
لا نسمع باقي الجملة، نصرخ في فرح مجنون: مصر، مصر، تحيا مصر.
مع المذيع المصري نترك التكبير والتسبيح ونصفق عقب كل جملة يقولها ونعاود الصراخ: مصر، تحيا مصر.
نعم نحن نحب مصر، ذلك الحب المتوحش المجنون، إنها مصر الكبيرة البعيدة، مصر التي وراء خيالنا وفوقه، مصر الحلوة المضاءة بالكهرباء، ثم مصر هذه قريبتنا قرابة الدم، كأنها العمة أو الخالة، من أجلها يستشهد أجمل شباب بلدنا، ويوم دفنهم لا نحزن ولا نرتدي السواد، بل نقول: عيالنا رجالة وخدوا بتارنا.
في الرابعة عصرًا ينتهي البث المشترك بين دول اتحاد الإذاعات العربية، نقسم جميعًا بأن مذيعنا كان الأجمل والأفصح.
لو سألت أحدنا: ماذا قال المذيع؟. فلن يرد بجملة مفهومة، الموضوع وما فيه أننا نؤمن أن مصر هي أعظم وأجمل شيء في الكون، وعلى ذلك يكون المذيع المصري هو أعظم وأجمل مذيع في الكون.
هل ننام لو قليلًا الآن والساعة تقترب من الخامسة من عصر يوم عرفة؟
هل يعقل أن ننام ولا نشارك في زفة العايقة؟


  

( 5 )

أيامها كان المضحون قلة، وقد شكت الناس لشيخ المسجد فقال لهم: الأضحية على الأغنياء فقط، وأنتم لو سبحتم الله ألف مرة فكأنكم ضحيتم.
كانت الناس تسبح الله يوم عرفة وتكبره وتحمده آلاف المرات فتطمئن قلوبهم لعدم تقصيرهم في العبادة.
العايقة هي البقرة التي يأتي بها الجزار من بلد بعيدة، يغسل جلدها حتى يلمع، ثم يأتي بالمناديل المشغولة بالترتر والخرز ويزينها بها ثم يقف بها في قلب شارع من الشوارع ويصيح صيحة واحدة: يا عيال.
تصلنا الصيحة فنأتيه من كل فج عميق، يرى الجزار حشودنا فيبتسم في رضا ويصيح: يا عايقة.
نرد على صياحه: يا أم المنديل.
يلين صوته ويسيل نعومة ويشير إلى بقرته: يا عايقة.
فنرد: شعرك طويل.
نظل نزف العايقة من شارع إلى شارع ومن درب إلى درب حتى لا يبقى بيت بالبلد لم يشاهد العايقة ويدعو بأن يكون لحمها حلالًا طيبًا.
نعود من فرح زفاف العايقة مع أذان المغرب، نفطر مع أسرنا، وتؤنبنا أمهاتنا على اتساخ ملابسنا من جراء الجري في تراب الشوارع خلف العايقة، لا نلتفت لتأنيب أمهاتنا لأننا نعرف أن ثمة ملابس نظيفة سنصلي بها العيد.
لابد وأن نصلي العيد بملابس نظيفة، لم نكن نشترط أن تكون جديدة، لم نكن نرهق آباءنا بمسألة شراء الملابس، وكنا إذا عرفنا أن فلانًا منا قد أرهق أباه، نسلقه بألسنة حداد، ونشنع عليه بأنه: "عيل طري وناقص يندغ / يمضغ لبان".
نقترب من أربعين ساعة بلا نوم، إذًا سننام قليلًا لنحلم بفيلم عبد الحليم الذي شاهدناه مئة مرة ولكن لا نمل من مشاهدته.
نصحو قرب الفجر فنغتسل، ثم نطير إلى المساجد لكي نلحق أصوات التكبير، عدم المشاركة في التكبيرات عار، وقد أفتى بعضنا بأن عدم التكبير يبطل صوم يوم أمس كما يبطل ثواب غسل الحصر وتنظيف الشوارع.
نكبر ونشعر  بأننا أصبحنا رجالًا وننتظر على أحر من الجمر الصلاة على النبي: " اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وعلى أصحاب سيدنا محمد وعلى أنصار سيدنا مع وعلى أزواج سيدنا محمد وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا".
لم نكن نعرف ما الجهاد ولا الجماعة الإسلامية، ولم نكن نعرف ما الإخوان، ولم نكن قد سمعنا بلفظ سلفيين، لم يكن أحد يعكر علينا يومنا ويقول: "لا تسيدوا النبي".
سيدنا محمد كان عندنا مثل سيدنا بحر النيل، أنهما شأن صعيدي خاص،  ليس من حق الأغراب الخوض فيه.
نغادر المسجد فنجد البنات يملأن الشوارع وقد كشفن عن شعورهن السوداء الطويلة اللامعة، وهذا حدث جلل، نعاكسهن بأن نقارن بين شعورهن: "فلانة شعرها أجمل من شعر فلانة" تضحك البنات من قلوبهن ويتسابقن في إظهار جمال شعورهن، وتمضي المعاكسة في لطف دون أن تخدش أي معنى نحترمه ونقدره بفطرتنا.

( 6 )

الآن حانت ساعة الحقيقة، إنها ساعة العيدية، نعرف مقدمًا مَنْ من أقربنا سيهبنا كم.
مفاجآت العيدية كانت تأتي دائمًا من النساء، هل تعرف خالتك فلانة؟
 نعم هذه القريبة من بعيد فهي خالة أم زوجة عمك، هذه المرأة تستطيع في يسر وسهولة منحك ربع جنيه بأكمله، هي فقيرة نعم، ولكن  لحظة العيدية ترفرف فوق رأسها أجنة ملائكة الجود والكرم.
هل تعرف أنت هؤلاء الرجال الصعايدة الذين يلبدون لبعضهم في الدرة، هؤلاء الذين تقف الصقور على شواربهم ، هؤلاء جميعًا كان يقصدهم أمل دنقل عندما قال: "ربما أحمس ربّته امرأة" أنا أحذف ربما المتشككة هذه، أحمس ربّته امرأة صعيدية وهابّة معطاءة منّاحة ودود ولود تعلمك الرجولة على أصولها، وتقف حامية لظهرك في أيام قسوة الحياة، تلمك في حضنها بل في قلبها ولا تبعثرك، تشبعها نظرة رضا وتطير من الفرح لو حصلت على لمسة حانية.
نحمد الله أن تكرم علينا وخلق العمات والخالات والأمهات والقريبات لو من بعيد، ونطير بمفاجآت العيدية إلى السينما حيث ينتظرنا عبد الحليم حافظ.
العيد كان عيدنا كلنا، لم نكن نعرف الفرق بين المسلم والمسيحي، فنحن معًا دائمًا، ولذا كان من الطبيعي بل من الواجب أن يقودنا في الطريق إلى السينما الكبار من المسيحيين، والكبير عندنا هو من بلغ اثنتي عشرة سنة.
الطريق إلى السينما ترابي ولا سيارات بل ولا حتى دواب في معظم الأحيان، يمضى الطريق سهلًا كأنه أصبح أقصر.
هو ذاته فيلم العيد وكل عيد "أبي فوق الشجرة".
الصعايدة ينظرون لعبد الحليم نظرتهم لابنهم الذي اختطفهم منهم البحاروة وأهل البندر، عبد الحليم صعيدي بعوده النحيل الناشف مثل حطب القطن، بسمرته الرائقة مثل سمرة طمي بحر النيل، بحزن عينيه، بيتمه، بمرضه الذي ندعو الله أن يشفيه منه، عبد الحليم ليس رجلًا طريًا بُقُصة يندغ اللبان، عبد الحليم جمل محامل أضناه العشق والمرض.
من باب التسخين نبدأ في عد القبلات التي بين عبد الحليم ونادية لطفي، ثم نزهد في القبلات التي لا نعرفها هكذا، نحن نعرف "الحَبّة" المخطوفة في ستر  حقول القصب والذرة، نحن لا نعرف القبلات السهلة المتاحة.
نحن الآن ننتظر لحظتنا أو بالأحرى لحظة عبد الحليم التي لو كان قد عرفها لاعتزل الحياة مكتفيًا بها.
سيقترب عبد الحليم من ميرفت أمين ويغني لها
الهوى هوايا
ابنيلك قصر عالي
واخطف نجم الليالي
وأشغلك عقد غالي
يضوي أحلى الصبايا
أنا الهوى هوايا هوايا
الآن حانت لحظتنا نشارك عبد الحليم في الغناء، نردد بخفوت
الهوى هوايا
يبقى القمر قاربنا
والليل بحر مهاودنا
والنسمة اللي تاخدنا
ترجع شايلة  الحكاية
الهوى هوايا
ثم يعلو صوتنا ويختفي صوت عبد الحليم، أصوات صعيدية عفية وقادرة ومتشوقة للحياة، نغادر السينما ونحن نغنى غناءً كأنه الهتاف لبعيد نحلم بأن يقترب يومًا 
الهوى هوايا
ادخل كتب الحكاوي
واروي سنينك غناوي
واعمل طبيب مداوي
وأشيل حبي دوايا
أنا الهوى هوايا هوايا
نعود إلى أمهاتنا وننام حالمين بأن نشارك في زفة العايقة في السنة المقبلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور في جريدة "المقال" الخميس 15 سبتمبر 2016

الخميس، 12 أكتوبر، 2017

آدم .. رجل وحيد فى مواجهة الحياة






مَنْ منا إذا سمع اسم أبينا آدم عَقّب قائلًا: صلى الله عليه وسلم؟ مّنْ منا إذ ذكرت أمنا حواء تمتم قائلًا: عليها السلام؟..
أليس تجاهل السلام على هذين الأبوين الكريمين يعد من العقوق؟! بل الأمر يتجاوز العقوق ليذهب إلى سوء الأدب مع هذين الأبوين الكريمين الجليلين، ألا تسمع أحدهم وهو يصب اللعنات على حواء وبناتها؟! ثم ألم يأتك صوت الجهول وهو يتحدث عن الأب الكريم الجليل آدم عليه الصلاة والسلام حديثه عن جليسه فى المقهى؟! لماذا خف عند أكثرنا وزن هذين الكريمين؟!
 
ربما تكون الألفة هى السبب، فكل ألفة تهدر شيئًا من المهابة، وربما تكون السنوات بل القرون المتطاولة هي السبب، فتباعد الزمان يفعل فعله فى النفوس.
 
على كل حال، يجب أن نعيد النظر فى قلوبنا لكى ننزل أبانا آدم صلى الله وعليه وسلم وأمنا حواء- عليها الرضوان والسلام- منزلة تليق بهما.


عندما نتحدث عن الأب آدم عليه السلام فنحن نتحدث عن البدايات المتعلقة بالبشر، البدايات الحاكمة لكل سلوك ولكل سبيل ، شاء ربنا عز وجل أن يخلق الأرض فخلقها ، ثم شاء أن يعمرها لا بالوحوش ولا بالملائكة ولا بالجن، لقد شاءت إرادته أن يعمرها بالإنسان، مخلوق اسمه الإنسان، سيخلقه الله من مادة هي بين المواد في المرتبة الدنيا، سيخلقه من التراب ، ليصبح سيد الكائنات، ثم سيسخر له الله كل ما يصلح شأنه ، وسيجعله يغلب الأرض بجبالها وبحورها وسهولها وصخورها ووديانها ، ثم سيجعله يرقى إلى السماء حتى يصل إلى القمر، ثم سيجعله يكتشف الكواكب المجهولة والقارات المنسية، فأي معجزة تلك؟ وأي نعمة أنعم الله بها على الإنسان.

الإنسان الأول الذي علمه الله كل شيء كان أبونا آدم عليه السلام، ولكي نستشعر النعمة التي أنعم بها الله عليه، نقرأ قول الحق عز وجل وهو يوبخ ويبكت إبليس اللعين:"يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ".

آدم خلقه الله بيديه المباركتين وقد نص سبحانه على مراحل وترتيب عملية الخلق، وقد أحسن العلامة الأستاذ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله عندما قال: "أعلم أن الله جل وعلا أوضح في كتابه أطوار هذا الطين الذي خلق منه آدم، فبين أنه أولاً تراب، بقوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ثم أشار إلى أن ذلك التراب بُلَّ فصار طيناً يعلق بالأيدي (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍوبيَّن أن ذلك الطين أسودَّ، وأنه متغير بقوله: (حَمَأٍ مَسْنُونٍ). وبيَّن أيضاً أنه يبس حتى صار صلصالاً، أي: تسمع له صلصلة من يبسه (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ).

وجاء في الحديث الشريف الذي رواه الترمذي وصححه الألباني:"إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمْ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَبَيْنَ ذَلِكَ".

ثم كانت النفخة الإلهية فكان آدم ولم يكن قبله إنسان، ودع عنك ما قاله الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه "أبي آدم" من وجود بشر قبل آدم ، فما ذهب إليه الدكتور شاهين غفر الله له يعارض منطق آيات كثيرة تحدثت عن فرادة أبينا آدم، ويعارض أحاديث شريفة هي في أعلى درجات الصحة تقطع بأن آدم هو أب البشر ولا أب له ولا أم.

وقد شاهدت قبل سنوات مناظرة تليفزيونية بين الدكتور زغلول النجار والدكتور شاهين، وفيها فنّد النجار منطق شاهين حتى أنه سأله سؤالا مباشرًا: "ألم تقل لتلاميذك إن آدم كان له بابا وماما مثلكم؟فلم يرد الدكتور شاهين وتهرب من الإجابة.

إذن الكلام عن أولية آدم مقطوع به، أما غيره من كلام عن السلالة الأولى التي تطورت فأصبحت بشرًا فلا شأن لنا به ولا بقائليه ولا بمصدقيه.

خلق الله أبانا آدم عليه الصلاة والسلام فأصبح الرجل الأول الوحيد الفرد الذي بلا أهل ولا ولد، المتصدي بمفرده لكل صعوبات الحياة.



ضع في قلبك دائمًا أن آدم مخلوق للأرض وليس للجنة، ومهمته أثقل من أي مهمة، مهمته هي خلافة الله في الأرض، مهمته كانت حمل الأمانة التي أبت أن تحملها الجبال والسموات والأرض لقد خافت تلك الكائنات العملاقة العظيمة من حمل الأمانة وأشفقن على أنفسهن منها، ولكن قدر آدم كان أن يحمل هو الأمانة.

وتحمله للأمانة يؤكد بأنه كان نبيًا ورسولًا "فعن أَبُي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَ رَجُلا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَبِيًّا كَانَ آدَمُ؟ قَالَ: نَعَمْ، مُعَلَّمٌ مُكَلَّمٌ، قَالَ: كَمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ؟ قَالَ: عَشْرُ قُرُونٍ، قَالَ: كَمْ بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: عَشْرُ قُرُونٍ ، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، كَمْ كَانَتِ الرُّسُلُ؟ قَالَ: ثَلاثَ مِائَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ جَمًّا غَفِيرًا" أخرجه ابن حبان وصححه الألباني.

هذا عن كونه عليه السلام نبيًا أما عن كونه رسولًا فقد قال جمهور العلماء: "إن آدم وشيث عليهما السلام، كانا نبيين مرسلين قبل نوح عليه السلام إلا أن آدم أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفاراً بل أمرهم بتعليم الإيمان وطاعة الله، وأما شيث فكان خلفا له فيهم بعده، بخلاف نوح فإنه مرسل إلى كفار أهل الأرض".

وبعد آدم كانت الأم العظيمة الجليلة حواء عليها السلام، وتلك البعدية ليست مقدرة بزمن فلا يليق بنا الخوض في تحديد الفترة الفاصلة بين خلقه عليه السلام وخلقها عليها السلام، ولكن عملية خلق أمنا حواء جاء فيها كلام كثير يمكن اختصاره إلى ثلاثة أقوال.

ـ القول الأول ما قاله جمهور العلماء ومن بينهم الشيخ الشعراوي رحمه الله. وملخصه أن أمنا حواء قد خلقها الله من ذات الطينة التي خلق منها أبانا آدم، وفي هذا السياق قال الشيخ الشعراوي في كتابه "قصص الأنبياء" كلامًا غاية في اللطف والدقة عن سبب "التنافس" الذي بين الرجل والمرأة، فكلاهما من أصل واحد فلا يسمح أحدهما للآخر أن يستطيل عليه بشيء ولا أن يمن عليه بمنة.

ـ القول الثاني يقول به بنو إسرائيل وبعض علماء الإسلام، وهو أن الله خلق حواء من ضلع آدم يعني من جسد آدم.
لبني إسرائيل أن يقولوا كما شاءوا، فلسنا في سياق مناقشتهم، أما علماء الإسلام فقد اعتمدوا في كلامهم على حديث شريف تعسفوا في التعامل معه، الحديث رواه الإمام البخاري ونصه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْء فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ".
كل علماء الحديث أصحاب البصيرة بهذا العلم الصعب المتين قالوا: إن معنى الحديث قائم على المجاز وليس الحقيقة، فالرسول الكريم كأنه يقول استوصوا بالنساء لأنهن مخلوقات مختلفات عن الرجل فكأنهن خلق من ضلع، الكلام هنا مجازي وليس حقيقي، وليس به أدني درجة من درجات التهوين من شأن المرأة بل العكس هو الصحيح ، فالمنطوق النبوي الشريف يوصي بالنساء ويؤكد أنهن مختلفات على الرجال ويجب على الرجل أن يعامل المرأة لا كما يعامل أخاه الرجل.

ـ ثم تبقي منطقة ملتبسة في النشأة الأولى، وهى الخاصة بالجنة التي عاش فيها الأبوان الكريمان.
بعضهم يقول: هي جنة الخلد التي وعد الله بها عباده المتقين، والكثرة من العلماء تقول: بل هي جنة أرضية، وقد أحسن الأستاذ أبو سعيد الغامدي عندما اختصر لنا أهم ما قاله الإمام ابن القيم في كتابه "مفتاح دار السعادة"، ولدواعي المساحة سأقوم باختصار للاختصار، ومن شاء الاستزادة فعليه بالرجوع إلى كتاب الإمام ابن القيم.
يقول الإمام ابن القيم
:

1
ـ الجنة التي تدخل بعد القيامة هي من حيز الآخرة وفي اليوم الأخر تدخل ولم يأت بعد.

2 ـ  
وصف الله عز وجل الجنة في كتابه بصفات لم تكن موجودة في جنة آدم، من تلك الصفات، وصفه لها بأنها دار المقامة ولم يقم آدم فيها.
3
ـ ووصفها بأنها جنة الخلد ولم يخلد آدم فيها.
4
ـ ووصفها بأنها دار جزاء ولم يقل إنها دار ابتلاء وقد ابتلى آدم فيها بالمعصية والفتنة.
5 ـ ووصفها بأنها ليس فيها حزن وأن الداخلين إليها يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وقد حزن فيها آدم.
6
ـ ووجدناه سماها دار السلام ولم يسلم فيها آدم من الآفات التي تكون في الدنيا.
7 ـ وسماها دار القرار ولم يستقر فيها آدم.
8
ـ وقال فيمن يدخلها وما هم منها بمخرجين وقد اخرج منها آدم بمعصيته.
9
ـ وقال لا يمسهم فيها نصب وقد ند آدم فيها هاربا فارا عند إصابته المعصية وطفق يخصف ورق الجنة على نفسه وهذا النصب بعينه الذي نفاه الله عنها.
10
ـ وأخبر انه لا يسمع فيها لغو ولا تأثيم وقد أثم فيها آدم واسمع فيها ما هو اكبر من اللغو وهو انه أمر فيها بمعصية ربه وأخبر أنه لا يسمع فيها لغو ولا كذب وقد اسمعه فيها إبليس الكذب وغره وقاسمه عليه أيضا بعد أن اسمعه إياه.
11
ـ وقد شرب آدم من شرابها الذي سماه في كتابه شرابا طهورا أي مطهرا من جميع الآفات المذمومة وآدم لم يطهر من تلك الآفات.
12
ـ وسماها الله تعالى مقعد صدق وقد كذب إبليس فيها آدم ومقعد الصدق لا كذب فيه.

وعلى ما سبق فجمهور العلماء يؤكدون أن جنة آدم عليه السلام ليست جنة الخلد.

ثم تأتي مرحلة الذرية البشرية، وفيها قتل أحد ابني آدم شقيقه، وأنت إذا نظرت إلى حجم ونوعية الابتلاء الذي تعرض له الأب الكريم آدم عليه السلام ستحمد الله على أنك لم تكن آدم
.

نحن أمام الرجل الأول بكل ما تعنيه الأولية من متاعب، ثم هذا الرجل الأول يتعامل مع المرأة الأولى، ثم يتربص به إبليس اللعين ويكاد يفسد عليه حياته، ثم يمن الله عليه بالذرية، ثم يأتي اثنان من أولاده فيقتل أحدهما الآخر.


أي قلب يتحمل كل هذا الابتلاء؟


اقرأ معي الآيات الكريمة التي تقص قصة ابني آدم: "وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِن الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَاف اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِين".

ستشعر بحرارة المأساة، شقيقان يقتل أحدهما الآخر ظلمًا وعدوانًا، والشقيقان هما ابنان لنبي مرسل، فلو لم يكن سيدنا آدم مرسلًا فمن أين عرف ابنه الصالح كلمات مثل (يتقبل الله من المتقين، أخاف الله رب العالمين، أصحاب الجنة، أصحاب النار، جزاء الظالمين؟) هذه كلمات تعلمها من رسول أُرسل إليه فدعاه الرسول فصدقه وآمن به وبرسالته.

هذا أولًا، أما ثانيًا فالآيات الكريمة تؤكد بوضوح أن المتحاربين هما من صلب آدم وليس من ذريته، فلو كانا من ذريته لكانا قد شاهدا مرارًا وتكرارًا عملية الدفن، ولكن كونهما من صلبه عليه السلام يفسر كيف لم يعرف القاتل كيف يدفن شقيقه القتيل، وعلى ذلك فقد تعجبت وأنا أسمع الشيخ الأستاذ خالد الجندي وهو يحاول إثبات أن ابني آدم الوارد ذكرهما في القرآن ليس من صلبه وإنما هما من ذريته.

لا يتبقى من المساحة سوى أن نرفع العقوق عن قلوبنا ونقول: اللهم صل وسلم وبارك على أبينا آدم وعلى زوجه أمنا حواء وعلى ذريتهما من الرسل والأنبياء والصالحين والعلماء والشهداء وسلم تسليمًا كثيرًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "صوت الأمة" أغسطس 2017







الاثنين، 9 أكتوبر، 2017

عذاب فيللينى مدمر كطوفان.. عابر كدخان سيجارة


                             



عندما نشر وحيد الطويلة روايته "باب الليل" قال أحدهم في نوبة حماس: "لقد وصل الطويلة".
ضحكت في كمي من تلك الكلمة، وقلت لنفسي: إن الطويلة سيمضى إلى الأمام محاولا حفر اسمه في سجل الروائيين الجادين.
لم يخب رهاني على الطويلة وأنا أقرأ له روايته الأحدث "حذاء فيلليني".
ضربة البداية التى نفذها كانت أكثر من رائعة لقد ضمنت له التقدم بهدف مباغت يربك حسابات المنافس.
نحن أمام حفل لحزب عربى حاكم، الحفل مخصص لمقاومة أعداء الأمة وسحقهم بقنانى مسكر « العرق» وبالخطب الرنانة وبأوراق بحثية تشبه إلى حد كبير اختراعات عقيد ليبيا فى كتابه الأخضر الشهير.
طبعًا ثمة نساء فى الحفل سيبرز دورهن بعد قليل، الحفل يقوده الرجل المسئول الذى يستولى على كل أوكسجين القاعة وينفث ثانى أوكسيد الكربون، وعلى الحضور جميعًا استنشاق ثانى أوكسيده!
حضور المسئول يرعب الجميع حتى أنهم يخافون من تحريك أصابع أقدامهم بداخل أحذيتهم.
كل الحاضرين وعلى رأسهم بطل الرواية "مطاع" الذى سيصبح مطيعًا يتحرقون لنسيان اللحظة بالقفز فى قلب لحظة سكر فاجر، ولكن من يجرؤ على طلب الإذن ببدء حفلة الشراب؟!
طلب الحضور من مطيع بوصفه المعالج النفسى الشهير والكبير أن يطلب الإذن، فطلبه، فسمح المسئول فشرب الجميع حتى وصلوا إلى ما بعد السكر، هنا يبرز دور نساء الحفل، فكل واحدة سحبت واحدًا إلى مخدعها، الأمر ليس أمر فاحشة مجانية، إنهم الآن يتخلصون من رعبهم بالسكر والمضاجعة، إنهم يسعون وراء إثبات بقائهم على قيد الحياة ولو فى حالة سكر بين ومضاجعة فاحشة.
«الطويلة» يعرف أن قص القصة يحتاج لتحديد مكانها وزمانها، المكان هو سوريا حتى ولم يذكر الروائى ذلك صراحة فى سرده، هناك قرائن تحدد المكان، بداية من الاستشهاد بصوت صباح فخرى ونهاية بالذكر العابر لسجن «المزة» ومذبحة حماة، أما الزمان فهو عصرنا هذا الذى يبدأ من أفلام فيللينى وينتهى بمؤخرة كيم كاردشيان.

لقد حيرنى "الطويلة" وهو ينسب روايته إلى حذاء فيللينى، واشتدت حيرتى عندما رأيته يكاد يسرف فى ذكر فللينى نفسه والاستشهاد بمشاهد من أفلامه، لم يكسر دائرة حيرتى ما جاء فى سرد «الطويلة» حول أن البطل معرف باسم فيللينى بين أهل مدينته.
الأصل عندى أن "الطويلة" عربى الثقافة وعروبى الانتماء، وقد أجاد عرض ثقافته العربية على مدار صفحات الرواية، فهو يشير إلى مقولة منسوبة إلى عائشة بنت طلحة: "إن الخيل لا تشرب إلا بالصفير"، ويضع المقولة فى موضعها الحق فى بناء الرواية دون إقحام أو استعراض، ثم هو قارئ جيد جدًا لمظفر النواب، حتى أنه يشير إلى النهد الذى كرأس القط، وهى صورة من صور مظفر الفاتنة، فلماذا فيللينى بتغريبه وبغربته عن بناء روائى عربى؟!
عودة إلى زمن الرواية أرى أن "الطويلة" قد أفلح عندما جعل بطله يتقلب بين أزمنته هو الخاصة التى تبدأ من لحظة أن أجبر على التخلى عن اسمه، لقد كان اسمه مطاعًا فأصبح مطيعًا!
ما الذى جعل من مطاع مطيعًا؟
إنها مجرد غلطة!
وبداية القصة أن ضابطًا شك فى سلوك زوجته فأرسل خلفها مخبره السرى الذى عاد ليقول له: إنها تصعد إلى بناية بها طبيب نفسى، المشكلة أن البناية بها أكثر من طبيب نفسى، ولكن لأن بعضهم كُتب عليه الشقاء فقد وقع مطاع تحديدًا بين أنيابهم، رغم أنه لم يلمس يد زوجة الضابط بل لم يكن يعرف بوجودها على ظهر الأرض.
تم القبض على مطاع، وراح الضابط ينكل به حتى جعله مسخًا تحت مختلف أنواع التعذيب، وأمره بالتخلى عن اسمه، وقد فعلها مطاع ليصبح المطيع فى كل شىء ولأى شىء.
لو لم يكن بالرواية سوى حرارة تلك الصفحات الخاصة بتعذيب مطيع لكانت رواية طيبة.
حفلات التعذيب هى النواة الصلبة للرواية، وفى سردها سيبرز وعى الروائى وحيد الطويلة، هو يعرف يقينًا ما التعذيب وما هى آثاره وهو يعرف أنه يؤذن فى مالطة، فتلك البقعة من العالم المسماة بالوطن العربى هى بقعة التعذيب بامتياز، لا يلحق بها سوى ما كان يعرف بجمهوريات الموز فى أمريكا اللاتينية.
قضية التعذيب هى فى حقيقتها مدمرة كأنها الطوفان ولكنها عند الجموع العربية عابرة كدخان سيجارة، مَنْ الذى يهتم بالتعذيب فى الوطن العربى؟!

إنهم أربعة نفر، حقوقى ممول يريد تسديد خانات المصاريف بزعم مقاومة التعذيب أو إعادة تأهيل المعذَبين، أو حقوقى غير ممول يريد نصف الحقيقة لأن الحقيقة الكاملة ستنسف مشروعه، ثم شخص المعُذَب، وهو أحرص الأربعة على عدم مواجهة تعذيبه لأنه إن واجهه سيكون أمامه خيار من ثلاثة، إما الانتقام أو الانتحار أو الجنون، ولأن كل خيار أسوأ من أخيه فهو سيختار خيارًا رابعًا، سيختار السقوط فى هاوية النسيان.
رابع الأربعة هو شخص المعِذِب وهو أحسنهم حالًا لأنه سيدافع عن وجهة نظره دفاع القطة عن بنيها، غير هؤلاء لا يهتم أحد بالتعذيب، بل لا يريد أحد فتح جرح هذا العار القومى الذى يلطخ الجميع.
هنا يبرع "الطويلة" فى تقمص شخصية القائم بالتعذيب ويقدم فصلًا يناطح ما كتبه شيوخ الرواية عن طواغيت التعذيب، طاغية التعذيب لا يرى ولو لثانية أنه يعذب الناس، إنه يحميهم، يحميه حتى من أحلامهم ويحرسهم من كوابيسهم، يحميهم حتى أنه يقتلهم ليخلصهم من عبء الأحلام والأشواق والأمانى، ذلك الطاغية الجبار أذل زوجته عشرين عامًا لم يأتها ولو مرة من حيث أمره الله، الزوجة كانت فرسًا عربية أصيلة فأصبحت بغلة أو كلبة، إنه لم يمتهن أنوثتها أو جسدها لقد مسخ روحها.
الاثنان، مطيع والزوجة، عذبهما الرجل نفسه، وجع مطيع مختلف لأنه لا يعرف له اسمًا ولا هيئة، فقط يعرف صوته، وقد عاش دهورًا على أمل أن يعرف شخص الذى عذبه، فقط مجرد معرفة.
جبار  السموات والأرض القاصم لظهر كل طاغية سيجعل الضابط يخرج إلى المعاش، تخيل معى ضابطًا ينازع الله ملكه قد فقد السلطة!
مع فقده للسلطة فقد كل شىء، لقد فقد آلته الجهنمية التى عذب بها زوجته لسنوات، أصبح مجرد رجل يعيش مع قطعة جلد ميتة، هو الآن مع زوجته فى عيادة المعالج النفسى مطيع الذى كان فيما سلف مطاعًا، لقد جاءت به زوجته لتتشفى فيه، لتفضحه، لتبحث عن طريقة جهنمية لقتله، ستفكر فى إغواء المعالج لكى يخلصها منه، ولكن المعالج وقد ضاع فى الإغواء عمره كله، فمن أول لفظ لفظه صاحب الجلدة الميتة عرفه، إنه الضابط الذى عذبه، فلا صوت يشبه صوته ولا نبرة كنبرته.
ليت "الطويلة" واصل تلك المواجهة، لا أعرف سببًا لكى يقطعها ويعود لماضى المعالج ويسود صفحات قطعت جمال السرد بقص قصة المعالج وأبيه مع جارتهما، أرى تلك الصفحات مثل حاجز أعاق التدفق الفاتن.

المعالج الآن على المحك، بيده أن ينتقم أو يعفو، إن انتقم أصبح جلادًا وإن عفا وسما عادت له إنسانيته واسترد الاسم والعنوان والهيئة التى خلقها الله عليها.
فى تلك الصفحات من الرواية يعود "الطويلة" لتألقه حاشدًا كل أسلحته الثقافية والمعرفية ليدلل على صحة الخيار الثانى، ألا تسمح لجلادك بأن يمسخ روحك فتصبح جلادا مثله.
ختامًا لم يصل "الطويلة" بعد، ومن الأفضل له ولنا أن يواصل السعى وراء حلم حفر الاسم فى سجلات الروائيين الجادين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "صوت الأمة" السبت 7 أكتوبر 2017