الاثنين، 27 مارس، 2017

شائعة الـ 600 مليار دولار بين المتآمرين والساخرين والمصدقين



البيان الرسمى تحدث عن 300 ألف جنيه بجبل الحلال فنفخ فيها الإخوان وجعلوها 600 مليار دولار.
 
متى ندرك أن للحرب النفسية تأثير القنابل والصواريخ ؟






تقول الطرفة المصرية إن ولدًا رأى أباه منكبًا على كتابة ما فسأله متعجبًا : ماذا تفعل ؟.
فرد الأب: أكتب خطابًا لعمك.
فقال الابن: لكنك لا تعرف الكتابة.
فقال الأب: اطمئن، فعمك لا يعرف القراءة.
تلك الطرفة التى تسخر من مزاعم الجهلاء أراد بعضهم فرضها علينا بوصفها حقيقة ثابتة، السخفاء أرادوا التلاعب بالعقل المصرى كأنه لم يعرف فى حياته القراءة والكتابة، وأصل القصة أن بيانًا رسميًا صدر يوم السادس والعشرين من فبراير الماضى تحدث عن المعارك الضارية التى يخوضها الجيش ضد عصابات الإرهاب فى جبل الحلال بسيناء، وجاء فى سياق البيان أن قوات الجيش قد عثرت على ثلاثمائة ألف جنيه كانت بحوزة الإرهابيين.

البيان الرسمى كان واضحًا جدًا ولا لبس فيه، والرقم المالى الذى ذكره هو رقم معقول جدًا بل وعادى تمامًا، فلو أن الإرهابيين كانوا ثلاثين فالواحد منهم لديه عشرة آلاف فقط لا غير، يعنى أقل من سبعمائة دولار.

ومع هذا الوضوح الذى تحلى به البيان الرسمى ومع معقولية الرقم الذى ذكره فقد حدث ما يشيب له الغراب.
فجأة وبدون مقدمات قفز الرقم فى الفراغ وعندما عاد إلى الأرض وجدناه قد تضخم وتعاظم وتكاثر ليصبح ستمائة مليار دولار.

بهذا التضخيم بدأت لعبة قصف عقول المصريين والتلاعب بها، بدأ الهجوم من جماعة الإخوان، وهم كما خبرناهم يكذبون كما يتنفسون، لكنهم هذه المرة تصرفوا بذكاء أو قل خبث يحسدون عليه.
ظهر خبثهم بثلاثة وجوه، الأول: تثبيت الرقم الخرافى وترويجه كأن البيان الرسمى قد نص عليه.
الثانى: السخرية منه ومن مطلقيه مع الإشارة العابرة إلى أن الجهات الرسمية هى التى أطلقت الرقم.
الثالث: تأليب الشعب على الدولة وتحريض الجماهير بزعم أن الدولة سوف تأكل المال بمفردها وستحرم منه الشعب.

هذا الخبث بدأه "محمد الجوادى" بتغريده بثها على حسابه الشخصى بموقع تويتر، وظاهر التغريدة هو السخرية من الرقم والقول بأن المال مطبوع فى شارع "محمد على" وفى ذلك إشارة سخيفة إلى العوالم والقائمات على أمور الزفة.
أما الهدف الذى أراد الجوادى تسجيله فهو تثبيت الرقم ووصم البيان الرسمى به، وكأن البيان قد تباه أو أكد عليه.

بعد الجوادى بدأت قناة الجزيرة فى ممارسة سخافاتها بأن تعاملت مع الستمائة مليار دولار المزعومة وكأنها حقيقة، فقامت باستكتاب مصرى يدعى "عبد العزيز مجاهد" الذى راح يبكى على تلاعب الدولة المصرية بعقول بنيها.
إنه الخبث ذاته الذى يريد به صاحبه التأكيد على دورٍ للدولة فى هذه الملهاة، وهو يعلم أن الدولة بريئة من هذا العبث براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

وبعد تسجيل الأهداف الخفية جاء دور تسجيل الأهداف العلنية، وهذا ما تورطت فيه مواقع عديدة نذكر منها مواقع "الحق والضلال" و"123 نيوز" و"عرب ميرو" و"الأهرام الكندى" وكل هؤلاء روجوا لأكذوبة العثور على ستمائة مليار دولار فى جبل الحلال.

ذلك القصف المرّكز المتعمد للمصريين ومشاعرهم جعل الناس ينقسموا فى تناولهم للأمر إلى أربع فرق.
فريق عاقل لم يتورط فى القصة كلها لأنه أدرك خبث معناها، وفريق يهوى جلد ظهره وتعذيب ذاته فراح يسخر ثم يسخر ثم يسخر، وكأن الأمر يستوجب السخرية وكأن الأمر شائعة لها ظل من الحقيقة، لم يدرك هذا الفريق الساخر أن سخريته تسخف وتقلل من حجم المواجهة التى يخوض الجيش غمارها دفاعًا عن الأرض والهوية، لقد فقدت سخريتهم بريقها خاصة والجيش لم يتورط ولو بكلمة واحدة فى هذه الشائعة العبثية، التى هى والهراء سواء.
وفريق متآمر بتكوينه ومعتقده يقوده الإخوان ومعهم كل الذين يقولون إن علم الوطن ليس أكثر من قطعة قماش ملونة.
ثم وللأسف ظهر فريق مسكين أراد أن يكحلها فأعماها، وأعنى به الفريق الذى صدّق فرّوج، وقد حلقت بهم الأوهام والآمال الخادعات فقاموا بقسمة الستمائة مليار دولار على التسعين مليون مصرى!!
بل أوغل بعضهم فى صحراء السراب وراح يتفنن فى كيفية إنفاق المال.

والآن لا يهمنا الفريق الأول فقد أنجاه عقله ولا يهمنا فريق المتآمرين فهؤلاء لن يعرفوا استقامة المنهج ولا طهارة الهدف، يهمنا باقى الفرق التى تورطت بحسن نية أو بضيق صدر من عبث يحيط بنا، فعلى هؤلاء أن يعلموا أن الحرب النفسية لها على القلوب والعقول وقع حروب الصواريخ والطائرات والدبابات، فعل كلمة يلقى بها أحدهم تكون سببًا لأن تهوى أمة إلى الحضيض.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة السبت 11 مارس 2017

الخميس، 23 مارس، 2017

كلهم أبرياء.. فمَنْ قتل المتظاهرين!


                                     



# مَنْ الذى وجه ضربة طيران صاعقة لقوات العدو فى معركة رمضان الخالدة؟
- الرئيس مبارك.

 # مَنْ الذى أدخل مترو الأنفاق إلى مصر؟
- سيادة رئيس الجمهورية الأسبق السيد حسنى مبارك. 

# مَنْ الذى جاء بخدمة الاتصالات المتقدمة من إنترنت وهواتف محمولة إلى البلاد؟
- إنه سيادة الرئيس مبارك.

# مَنْ الذى أنشأ الجسور والطرق العملاقة؟
- هو الرئيس مبارك.

# مَنْ الذى توسع فى بناء المدن الجديدة وفى تعميرها؟
- لا أحد سوى الرئيس مبارك.

# هل رأيت بعينيك سيادة الرئيس مبارك وهو يقود طائرة ويصب قنابلها على رأس العدو؟ هل رأيته وهو يحمل معولًا ويحفر الأنفاق؟ هل وقعت عيناك عليه وهو يهندس الجسور ويعبّد الطرق ويبنى المدن؟
- طبعًا الإجابة هى لا، فليس من مهام منصبه أن يحفر بيده ويحارب بمسدسه الشخصى.

# إذن كيف جاز لك أن تنسب إليه جلائل الأعمال السابق ذكرها؟
- هذا طبيعى جدًا، فسيادته كان القائد الآمر الناهى، وكل الأعمال العظيمة التى ذكرتها ما كان لها أن تكون لو لم يأمر سيادته بتنفيذها.

# يعنى كان مسئولًا عن تنفيذ كل عمل خطير؟
- نعم والتاريخ شهد له بذلك، ونحن الذين عاصرنا حكمه نشهد له بذلك.

#  حسنٌ، هل ترى أن قتل الشباب من الأعمال الخطيرة؟
- نعم، بل كل قتل هو عمل خطير.
- جيد جدًا، وأنا أوافقك تمامًا فى أن كل قتل هو عمل خطير، وأزيد فأقول إنه عمل يحتاج لشدة خطورته لآمر ومنفذ وشبكة حماية، وجماعات تغطية.
-  وأنا أيضًا أوافقك فى كل ما ذهبت إليه.

# مّنْ كان على رأس البلاد عندما قُتل شباب ثورة يناير؟
- الحقيقة..
 - أرجوك لا تبدأ معى بهذه الكلمة، فقد خبرتها كثيرًا وتأكد لى أن ما سيأتى بعدها سيكون مخالفًا لها.
- أقصد يعنى أن موضوع الثورة هو موضوع ملتبس.
- يا سيدى أنا لا أريد رأيك فى الثورة، أنا أسألك عن حوادث قتل جرت عمدًا مع سبق الإصرار والترصد.
- ها، لقد فهمتك الآن أن تريد جرجرتى لصفك لكى أتهم الرئيس بقتل المتظاهرين، الرئيس مبارك لم يقتل المتظاهرين والقضاء قال كلمته وحصل القائد على براءة عليها توقيع القاضى، ثم هل رأيته أنت بعينيك وهو يهبط إلى ميدان التحرير حاملًا مدفعه الرشاش حاصدًا أرواح الشاب؟ أجب! هل شاهدته؟
- لا لم أشاهده ولم يقل واحد منا إن مبارك قد قتل بيديه.

# إذن كيف تجيز لنفسك أن تتهمه بما لم يفعله بيديه؟
- كما جاز لك أنتَ أن تنسب إليه حفر أنفاق المترو مع أن يديه أنعم من أن تحمل حجرًا فضلًا عن أن تحفر نفقًا، أنتَ ولستُ أنا مَنْ وصفه بالقائد الآمر الناهى.
- توقف ثانية واحدة لو سمحت عن طرح أسئلتك المراوغة، هل لديك ورقة أو تسجيلًا يحمل أمر مبارك بقتل المتظاهرين، حتى نتهمه بالمشاركة فى القتل؟
- لا ليس لدى دليل، فلستُ جهة تحقيق أو تحرى، أنا مواطن رأى بعينيه الرصاص وهو يذبح جماعات فوق الحصر من الشباب.
 هكذا أنت تلف وتدور لتلفق تهمة للرجل الذى حصل على براءة من القضاء.
#  ألستَ القائل بأن القائد مسئول؟
- كنت أقصد المسئولية عن الأعمال الشريفة، القتل يا سيدى فعل فردى، قتيل وقاتل، فما دخل مبارك فى الأمر؟
- يا أخى لماذا لا توافقنى على أنه مسئول ولو مسئولية سياسية إذا عز علينا إثبات مسئوليته الجنائية؟

- هل أوافقك وأجلب للرجل الطيب مصيبة برَّأه القضاء منها؟
- يا سيدى براءة القضاء كانت لنقص الأدلة وليس لعدم وقوع الفعل. 
هذا الكلام لا يدخل فى ذمتى بمليم، برأه القضاء، يعنى برأه القضاء ولا كلام آخر.
الجميع أبرياء فمن الذى قتل الشباب؟
 إذا كان الموضوع يهمك لهذه الدرجة فابحث عن القاتل.
 ليست بيدى سلطة البحث.
 إذن انس الأمر.

# هل تعلم أن القتل لعنة تطوق عنق القاتل وشركائه؟
- نعم، سمعتهم يقولون ذلك.

# هل تعلم أن الدم لا يذهب هدرًا؟
- نعم، سمعتهم يتحدثون عن أرواح القتلى إذ تصبح أشباحًا تطارد قاتليهم.

# هل تعلم أن السكوت عن القتل، قتل؟
- يقولون ذلك أيضًا.

#  هل تعلم أن هذا البلد لن يهنأ له عيش ما لم تتم محاكمة القتلة؟
- ليس هناك قتلة وليس هناك مجرمون، وكل الذين اتهمتموهم بأنهم قتلة حصلوا على براءة القضاء.

أقسم بالله، عندما تغلى دماء الشهداء صارخة بالقصاص سأتهمك بأنك شاركت ببرودك وسكوتك فى قتلهم.
دعنى أضحك قبل أن أرد عليك قائلًا، فيما لو فار الدم سأتهمك بأنك مجنون .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة السبت 11 مارس 2017

الخميس، 16 مارس، 2017

أستاذ مرسي عطا الله .."صح" النوم




حمدي عبد الرحيم
شريف علي


للكاتب الروائي مجيد طوبيا رواية قديمة عنوانها "دوائر عدم الإمكان" ذكرني بها الكاتب الكبير مرسى عطا الله عندما سقط في فخ دوائر عدم "الإتقان" وآية ذلك أن الكاتب الكبير، جعل عموده  "كل يوم" الذي نشرته جريدة العرب الأولى الأهرام العريقة، يوم الثلاثاء 21 فبراير 2017 عن حوار أجرته المجلة الفرنسية الشهيرة "جون أفريك" مع الرئيس السيسي.

المدهش أن الأستاذ عطا الله وقد عمل لسنوات في الديسك المركزي للجريدة الكبرى، كما تولي رئاسة تحرير العديد من الإصدرات إضافة إلى توليه رئاسة مجلس إدارة الأهرام لم ينبه قارئه لمعلومة رآها هو هامشية بينما هي غاية في الأهمية والخطورة، نعم المجلة الشهيرة حاورت الرئيس السيسي وجعلت صورته على غلافها، ولكن هذا حدث ونشر في فبراير من  العام 2016 أي من عام مضى، ويومها تناولت كل وسائل الإعلام المصرية بل والعربية الحوار بالنقاش والتحليل خاصة وقد قال الرئيس فيه: "إن مصر تحدد مصير العالم"..

فهل لم يقرأ الأستاذ عطا كل ما نشرته وسائل الإعلام من عام مضى؟

تقرأ ما كتبه الكاتب الكبير الداعي دائمًا وأبدًا للمهنية والتأكد من صحة المعلومات وثبوتها فلا تجد ولو أدني إشارة إلى أن الحوار قديم، بل على العكس ستجد كلامًا يؤكد أن الحوار طازج، لم تمر على نشره سوى ساعات، وعلامة ذلك أن الأستاذ عطا الله قد استشهد بزياة الرئيس إلى كينيا التي جرت قبل أيام معدودة  وجعلها في صلب عموده الذي تناول فيه الرؤية الفرنسية للرئيس.

كان يجدر بالأستاذ أن يؤكد المرة تلو المرة أن الحوار الذي انفردت به المجلة الفرنسية قديم، وساعتها من حقه أن يدير حوله نقاشًا أو يستشهد به لأي غرض كان وفي سياق بحثنا عن حقيقة ما نشرته المجلة من مواد ننشر للقارئ صورا لسبعة أعداد من المجلة.

1- صورة الغلاف للرئيس التشادى أدرسي ديبى وحوار بعنوان "حوار الحقيقة"، وعناوين فرعية على الغلاف وهى "الجزائر وماذا تريد القبائل" و"ملف التعدين: الصين تحفر أوردتها"
صادر بتاريخ 29 يناير – 4 فبراير 2017

2- صورة الملك محمد السادس عاهل المغرب وعنوان رئيسى "المغرب – الأتحاد الأفريقي: أسرار العودة"  وعنوان فرعى عن الجزائر بعنوان "عندما تجسست وكالة المخابرات المركزية الأمريكية على المرادية" والمقصود قصر المرادية وهو قصر الرئاسة.
صادر بتاريخ 5-11 فبراير 2017

3- صورة إيتيان تشيسكيدى السياسى الكونغولى وزعيم حزب أتحاد الديمقراطية والتطور الأجتماعى وهو حزب المعارضة الرئيسى فى جمهورية الكونغو الديمقراطية، وذلك بمناسبة وفاته فى الأول من فبراير.
صادر بتاريخ 5-11 فبراير 2017

4 - صورة لإيسياكا واتاو قائد الحرس الجمهورى الجديد فى ساحل العاج وكان فى السابق من قادة المتمردين بين عامى 2002 و2011 وعنوان فرعى "ليبيا: لغز خليفه حفتر"
صادر بتاريخ 12-18 فبراير 2017

5 - صورة نعش إيتيان تشيسكيدى زعيم حزب المعارضة الرئيسى فى جمهورية المونغو الديمقراطية وعنوان فرعى عن الأفارقة الذين عملوا لصالح مرشحى الرئاسة الفرنسية.
صادر بتاريخ 19-25 فبراير
6 - إصدار خاص عن أفريقيا عام 2017 وعنوان الغلاف الفرعى "كل المفاتيح لفهم الثورات والتطورات فى القارة" وأخر بعنوان "شمال أفريقيا: خمس سنوات بعد الثورات.
إصدار خاص رقم 45 - 2017
7 - صورة الغلاف للرئيس عبد الفتاح السيسى والعنوان "مصير العالم يتحدد فى مصر" – لقاء مع الرئيس عبد الفتاح السيسى" والعنوان لجملة قالها الرئيس السيسى فى الحوار ولهذا وضعتها المجلة بين علامتى تنصيص على الغلاف.
صادر بتاريخ 14-20 فبراير 2016


____________________________________
نشر بجريدة "صوت الأمة" فى  27- 2 - 2017

الاثنين، 13 مارس، 2017

صدّق أو لا تصدق .. نحن أحسن من المانيا




لن نختلف حول كوننا نعيش الآن ظروفًا صعبة على كافة الأصعدة ، ولكن هل صعوبة ظروفنا حالة استثنائية لم تمر بها بلد من قبل؟

ثم نستسلم للصعوبات ونفقد أمل تجاوزها ونركن لراحة اليأس والرضا بالقنوط والتلذذ بالعديمة؟

أسئلة يجب أن يطرحها كل منا على نفسه، وبناء على الإجابات يقوم الواحد منا بتحدد توجهه العام في الحياة كلها.

بدايةً ظروفنا الصعبة ليست استثنائية، بل تكاد لا توجد دولة على ظهر الكوكب لم تمر بظروف أشد وأقسى، فالفارق هو في التوجه وفي القبض على الأمل البنَاء الذي يعني مزيدًا من المقاومة والمزيد من العمل.

نحن الآن، وفي عامنا هذا أحسن ألف مرة على الأقل من ألمانيا عشية نهاية الحرب العالمية الثانية.

يقول التاريخ: إن ألمانيا التي كانت قوة عظمى بين الحربين الأولى والثانية قد انهارت فى العام 1945 واحتلت قوات الحلفاء المنتصرة العاصمة برلين، وجرى  تدمير غالبية المدن الالمانية  وبعثرة الجيش وتفكيكه، ثم قام المنتصرون بتقسيم الدولة الواحدة الموحدة إلى دولتين «ألمانيا الاتحادية» و«ألمانيا الديمقراطية»، وبعد التقسيم قاموا بتجزئة البلاد، وضموا جزءا من أراضيها إلى بولندا والاتحاد السوفيتي وفرنسا، وقد وصلت الخسائر الألمانية البشرية إلى أرقام مفزعة لم تذقها الإنسانية من قبل، تشريد نحو 12 مليون ألمانى، إضافة إلى 8 ملايين أسير فى معتقلات قوات الحلفاء، والعجيب فى هذا السياق أن الاتحاد السوفيتي قد احتفظ بأسراه الألمان حتى بعد مرور أحد عشر عاما على نهاية الحرب.

 أما عن النكبة الألمانية على الصعيد الاقتصادي فقد تم تدمير السكك الحديدية والطرق، وتفكيك المصانع، بل لقد أوغل المنتصرون فى عقاب الألمان، وقاموا بتفكيك القضاء نفسه من خلال إقالات فورية لقضاة عهد هتلر، وجرى إغلاق المدارس ودور النشر بزعم تطهير العقلية الألمانية من رجس النازية.

بل قام الحلفاء بـ "حرث" شوارع المدن الألمانية لتعويق المواصلات، لأن المواصلات في زعمهم قد تنقل الفكر النازي بين المدن والقرى !!

إذن نحن أمام حالة مستعصية على الشفاء، بل أمام حالة لا تستطيع المشي على قدميها لخمسة أمتار، ولكن الألمان فعلوها وغادروا انهيارهم ولم يستسلموا للهزيمة التي كانت مذلة، وأخرجت الأمة الالمانية قائدها «لودفيج إرهارد»، الذي أعاد بناء الأمة تحت عنوان عريض هو "تمويل ديون الحرب وإعادة هيكلتها"،  ذلك العنوان سيعمل تحته الألمان  من خلال ترسيخ فكرة «السوق الاجتماعية» التى تقوم على حرية السوق مع الاهتمام الفعلي والجاد بالعدالة الاجتماعية.

الآن ألمانيا هي  رابع أقوى اقتصاد على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة والصين واليابان بناتج محلى يبلغ   3.518 تريليون دولار، وذلك وفق ما بيانات تعود إلى العام 2011.

هل ما حققه الألمان هو معجزة غير قابلة للتحقق مرة أخرى؟

وغير ألمانيا هناك الدول المهزومة في ذات الحرب، إيطاليا واليابان وتركيا، وكلها نهضت بعد هزائم مدوية وأصبحت الآن ملء السمع والبصر، ونحن لم نُهزم كما هزموا، وجيشنا واحد موحد، وأرضنا ليست محتلة، ومواردنا تبحث عن مًنْ يستثمرها استثمارًا جادًا وحقيقيًا، ولا نعاني ـ بحمد الله ـ من أي صراع طائفي أو عرقي، ولغتنا واحدة وكذا عاداتنا وثقافتنا، وأمتنا يمثل الشباب عنصرها الأكبر، وفي المجمل نحن  لا نحتاج سوى لقطيعة مع الماضي القريب البائس، لا نحتاج سوى لجملة واحدة هي "نقطة ومن أول السطر".

تلك النقطة الحاسمة ستجعلنا نبدأ التدوين على صفحة نظيفة أو على الأقل على سطر جديد غير ملوث بمخلفات عهود سابقة لم تفعل بنا سوى الخراب ولا تترك لنا سوى مرارة الفساد الممنهج، ولقد فعلتها دولة مثل البرازيل التي كانت تعيش لقرون تحت وطأة ظروف، تبدو ظروفنا قياسًا عليها نوعًا من الترف، البرازيل بلد عملاق تبلغ مساحته فوق الثمانية ملايين كيلو متر مربع، وبه أكثر من ألف نهر، والأنهر تفيض وتدمر الزراعات والمباني وتخلف الأوبئة والأمراض، وفوق تلك الأرض الشاسعة يعيش أكثر من مائتي مليون مواطن، وتلك الملايين لا يجمعها جامع من كثرة  تعدد الأعراق  والشرائع والديانات.

وقد بلغت ديونها الخارجية قبل حكم "لولا دا سيلفا" أكثر من مائتين وخمسين مليار دولار !!.

ديوننا نحن الخارجية هي لا شيء مقارنة بديون البرازيل، مجمل معيشتنا الآن هو أحسن ألف مرة من مجمل معيشة البرازيل قبل نهضتها، المعجزة لم تهبط من السماء على رأس البرازيل ، لقد نبتت من جوف أرضها، وما كانت المعجزة سوى في تبني سياسة واضحة وحاسمة ضد الفساد بكافة صوره، إضافة إلى التوسع في استغلال كافة الموارد وتسويقها للخارج، مع دعم حقيقي ومؤثر للتعليم ، بهذه العوامل الثلاثة أصبحت البرازيل دائنة بعد أن كانت غارقة في ديون لا تعد ولا تحصى.

متى نؤمن أن زمن المعجزات انتهى ثم لن يعود؟

ومتى ندرك أن السوبر مان لم يًخلق أصلًا؟

إما عمل جماعي جاد ومنظم وإما الطوفان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بجريدة "صوت الأمة"  فى 27 - 2 - 2017

الاثنين، 27 فبراير، 2017

أرض المعرض.. نعم للاستثمار.. لا للسمسرة



 
عندما فكر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فى إنشاء استاد القاهرة الدولى، قامت الدنيا ولم تقعد، لأن مخطط الرئيس كان يهدف إلى إنشاء مجمع رياضى لا مجرد ملعب كرة قدم، على أن يكون المجمع مطبقًا للمواصفات العالمية.

كانت حجة المعارضين للتصور الرئاسى تستند إلى أن ضاحية "مدينة نصر" وهى المكان الذى جرى تخصيصه لإقامة المشروع لم يكن أحد يسمع بها، فلم تكن فى ذلك الزمان سوى بقعة صحراوية قاحلة، ثم أن الرئيس طلب أن يكون ملعب الكرة مجهزًا لاستضافة مائة وعشرين ألف متفرج، يومها قالوا: إن الرقم ضخم جدا ولن نجده فى أى مباراة أيا كانت أهميتها.

أصر «ناصر» على المضى قدما فى المشروع، والذى بعد افتتاحه بأيام استضاف مباراة جمعت بين ريال مدريد ومنتخب من الأهلى والزمالك، ويومها ضاق الاستاد بأكثر من مائة وعشرين ألف متفرج.

إذن لكل جديد معارض، ومعارضته لا تستوجب تخوينه ولا تجاهلا لرأيه، وإنما تحتم مناقشته والاستماع لحججه وتفنيدها إن كانت ضعيفة متهافتة أو الأخذ بها إن كانت منطقية ومتماسكة، وتهدف الصالح العام للوطن.

أكتب هذه السطور بعد أن طفحت على السطح مشكلة أرض المعارض، وبعضنا يقصر أمرها على كونها معرضا للكتاب وهذا غير صحيح، لأن الأرض تحتضن نشاطات شتى، المشكلة فجّرها تصريح من السيد وزير الثقافة حلمى النمنم قال فيه: إن أرض المعارض ستنتقل إلى التجمع الخامس.

التصريح كان طائرا ومتعجلا شأن معظم التصريحات الحكومية، مما فتح الباب على مصراعيه لكل كلام جاد أو هازل، حتى أن كثيرين شنوا حملة مضحكة ضد نقل المعارض من مدينة نصر لأى مكان آخر، بزعم أن الحكومة ستبيع الأرض للمستثمرين، من باب السمسرة وليس من باب الاستثمار.

الحملة تعاملت بخفة مع أمر خطير، وللأسف فإن التصريح الطائر الذى لم يقدم التفسير والتبرير للنقل كان سببا مباشرة فى الهجوم على مشروع ما زال مجرد فكرة.

فإذا كنا نبحث عن كلمة عادلة ومنصفة فتعالوا نقرر إن المعرض بصفته الحالية وبهيئته التى هو عليها لم يعد يجذب سوى المزيد من اللعنات، حتى أصبحت تسميته الشعبية هى "معرض القاهرة للعذاب أو التراب أو الهباب".

المعرض المقام فى مكان استراتيجى وتخدمه محطة مترو غاية فى الحداثة، وتصله كافة الخدمات، يراكم كل عام فشلا بعد فشل، فلا هو ناجح فى الحصول على رضا زواره ولا هو ناجح فى الحصول على تأييد ناشريه المحليين أو الدوليين، الكل يشكو من المعرض الذى لم يحدث نفسه بل ترك أمره كله للفوضى والدمامة، وأصبح الوصول إليه عملا من أعمال تعذيب الذات وجلد الظهر، وتجاهل القائمون عليه أهميته الكبرى لكل قطاعات واسعة من الشعب سواء فى مصر أو فى الأقطار الشقيقة، وتناسوا أن المعرض هو أداة من أدوات القوة الناعمة التى يجب ألا نفرط فيها.

فإذا كان تطوير المعرض وتحديثه والنهوض به فى مكانه الحالى مستحيلا لأسباب فنية أو اقتصادية فإن نقله لمكان آخر أصبح أمرا مُلحا لا يمكن تأجيله، مع ضمان أن تقدم الدولة دراسة أو حتى بيانا وافيا يشرح الوضع ويفسره، ولكن تجاهل المعارضين وعدم دعم المؤيدين بالمعلومات الموثقة لن يقودونا إلا لمزيد من التخبط نحن فى غنى عنه.

فى هذا السياق أثمّن رحلة قام بها الزميل الصحفى "سامح فايز"، والتى انطلق فيها من مسكنه فى نهايات شاعر فيصل إلى المكان الذى قيل إن الحكومة ستنقل إليه المعرض، وهو خلف مسجد المشير بالتجمع، قال "فايز" فى مقال نشره على صفحته بالفيس بوك: إن الرحلة قد استغرقت ساعتين ونصف الساعة، وقد دفع أربعة عشر جنيها للميكروباصات التى استقلها لكى تحمله إلى المكان الجديد، وعندما وصل إلى نقطة من الطريق الدائرى، سار على قدميه قرابة الألفى متر، وذلك لعدم وصول السيارات إلى تلك البقعة الصحراوية التى لا توجد بها خدمات من أى نوع، حتى أن الذين تصادف وجودهم فى المكان أو على مقربة منه نفوا أن يكونوا قد سمعوا بأمر المعرض أساسا!

ما قاله "فايز" يلزم الحكومة بأن تسارع بوضع النقاط على الحروف وأن تجيب عن أسئلة مهمة، أبسطها وأولها: هل هناك استحالة فى تطوير الأرض الحالية؟
فلو كانت الإجابة بنعم، فهل هناك ميزانية لإنشاء معرض جديد يكون لائقا بمصر ومكانتها؟

ثم ما هو مصير الأرض التى عليها المعرض الآن، هل ستخصص لكى تكون حديقة دولية كما يروج البعض، أم ستجرى إقامة فنادق عالمية عليها، أم ستكون نهبا للسماسرة من كل لون وفئة؟
ننتظر إجابة تقطع قول كل خطيب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نُشر بجريدة صوت الأمة
السبت 18 فبراير 2017

الخميس، 23 فبراير، 2017

نخشى على " جماعة " الأزهر من مصير جماعة الإخوان




* ازدواجية المسار بين السياسة والدعوة تجعل المؤسسة لا تنهض بأعباء هذه ولا تلك
* إنكار ممارسة المشايخ للسياسة يجعل من أي نقاش محض هراء
* متى يتكرم أصحاب الفضيلة ويضعون الأبعاد الاجتماعية في حساباتهم
* ليس صحيحًا أن هناك مذهبًا واحدًا وقولًا فصلًا في القضايا الفقهية
* من تنصيب المراهق فاروق بن فؤاد على عرش مصر إلى العلاقة بين المالك والمستأجر .. ابحث عن دور الأزهر

 
مذ كان الأزهر ، الجامع والجامعة ، وهو لاعب رئيسي على الساحة لا نقول المصرية ولا العربية بل الإسلامية على اتساعها، إنكار حقيقة كتلك سيجعل أي نقاش مع الأزهر وحوله محض هراء.
الدور الذي يلعبه الأزهر يتجاوز واجباته بوصفه مؤسسة دينية، الأزهر موجود وفاعل على كافة الأصعدة، السياسية والثقافية والتعليمة والدينية والاجتماعية، ونظرًا لتشعب المهام وخطورتها، يصبح النقاش مع الأزهر الآن وفي ظروفنا الحالية فرض عين على كل مهتم بالشأن العام.
فهل الأزهر المؤسسة وأصحاب الفضيلة قادتهم لديهم وقت للنقاش وسعة صدر للمجادلة ؟.  
لو كان لي حق الإجابة فسأقول: لا .
ولا هذه لا تعني التسليم بالسكوت أو التهرب من أعباء المواجهة، بل تعني المزيد من الإصرار على تصحيح المسار ووضع كل النقاط فوق كل الحروف، والحديث من فوق المنضدة لا من أسفلها.
يعاني الأزهر من ازدواجية، أخشى أن تقوده للهلاك، كما قادت ازدواجية جماعة الإخوان، الجماعة إلى مصيرها الذي نعرفه.

واصل التشابه بين الحالتين هو أن كلاهما يراوغ في تحمّل مسئولياته، وكلاهما زعم لنفسه دورًا على صعيد الدعوة فقط، ولكن عندما يطمئن الواحد منهم إلى هدوء السطح يرفع رأسه ثم يتوغل في كل المساحات بعيدًا عن مجال الدعوة، أقول يتوغل وكنت أقصد يتغول، ثم عندما يواجه بمعارضة أو نقاش جاد حاد يتهرب من مسئوليته ويقول: إنه دعويّ فقط ولا دخل له بالعمل العام !
هذه الازدواجية بل العجيبة من عجائب الدنيا هي التي تجعلنا نعيش ما نعيشه من حالة سيولة أو ميوعة في تحديد المواقف.
فكما أن الجماعة التي أصبحت هباءً منثورًا، كان لها دور سياسي حصدت به رئاسة الجمهورية، وكانت صفقاتها السياسية أشهر من أن نعيد التذكير بها فللأزهر دور سياسي يتعاظم يومًا بعد يوم، والعجيب أن أصحاب الفضيلة من قادة الأزهر ينكرون هذا الدور عندما يتحين ساعة الحساب.
مَنْ الذي جاء بمراهق يدعى فاروق بن فؤاد ليجلس ملكًا على عرش مصر وهو ابن السادسة عشرة من عمره ؟.
إنه بكل بساطة وكما سجلت دواوين التاريخ، الأزهر بقيادة شيخه العالم الجليل مصطفى المراغي.
مراهق يحكم مصر والسودان برعاية أزهرية بل بفتوى أزهرية، فقد كان الواجب ألا يحكم فاروق حتى يبلغ السن القانونية وهي ثمانية عشرة سنة، ولكن فضيلة الشيخ المراغي، وفق ترتيبات خاصة جرت بينه وبين على باشا ماهر رئيس الديوان الملكي في ذلك الوقت أفتى بأن يجرى حساب عمر المراهق فاروق الأول ابن فؤاد الأول وفقًا للتقويم الهجري وليس الميلادي الذي تتعامل به مصر منذ سنوات بعيدة ، وبحسابات معقدة تم احتساب عمر فاروق لكي يكون في السن القانونية !
وضعت علامة تعجب واحدة والحقيقة هي لا تكفي ولكنها شروط المساحة الصحفية، أليست تلك الواقعة، واقعة سياسية من ألفها إلى يائها ؟.
وكان المراغي نفسه قد اختلف مع فؤاد الأول وعلى خلفية الاختلاف أو الصراع الذي نشأ بين الرجلين قدم المراغي استقالته في سابقة فريدة من نوعها، وليتها تكررت لنزع رداء الكهنوت عن أصحاب الفضيلة من مشايخنا، فليس في الإسلام كهنوت كما يقولون ليل نهار.
المراغي كان يريد إدارة شئون الأزهر وبعثاته مطلق اليدين ولكن فؤاد تربص به وضيّق عليه حتى استقال، ولكن خروج المراغي من المشيخة لم يمنعه من لعب دور سياسي لصالح أحزاب الأقلية التي لم تكن معبرة عن آمال وطموحات المصريين، فوقتها كان حزب الأمة هو حزب الوفد فقط، ولكن الأزهر كان له رأي آخر، فعندما تصادم النحاس باشا رئيس حزب الأمة وقائده مع الملك، خرجت الجماهير إلى الشوارع تهتف: "الشعب مع النحاس" فقاد الإخوان بتنسيق مع الأزهر مظاهرات مضادة كان شعارها: "الله مع الملك" ! 

ثم لو قفزنا متخطين حاجز السنوات سنجد الأزهر يواصل لعب دوره المتعدد ذي الوجه الألفي، ففي كل زاوية  ستجد الأزهر وأنت لن تفتقده تحت كل حجر على طول البلاد وعرضها.
فهو مثلًا الذي بارك اتفاقيات كامب ديفيد ويومها أصبحت آية سورة الأنفال: "وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚإِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" أشهر آيات القرآن، من كثرة ما جرى ترديدها بمناسبة وبغير مناسبة، فهل اتفاقيات كامب ديفيد اتفاقيات دينية أم سياسية ؟.

ثم نصل لأزمة عاصفة شهدتها سنوات حكم مبارك، وكانت خاصة بالعلاقة بين المالك والمستأجر، فقد رأي كثيرون أن القانون الذي يريده مبارك سيعصف بأغلبية المصريين وهم في عمومهم من الفقراء، وتطور الأمر حتى تظاهر كثيرون ضد القانون ونزلوا إلى الشوارع، فما كان من الأزهر إلا أن أقر القانون ودعم مبارك وقال إنه موافق للشريعة، وذلك بغض النظر عن الآثار الاجتماعية المترتبة على تطبيقه، والتي لو كان الأزهر دعويًا فقط لكان قد التفت إليها ووضعها في حساباته.

إن المشكلة الأساسية التي تنشأ عنها الأزمات مع الأزهر لها وجهان.
الوجه الأول: هو عدم اعتراف الأزهر المؤسسة والمشايخ بحقيقة دورهم، بل تفضيلهم لعدم تحديد دورهم إنهم يؤدون كل الأدوار كل الوقت فلا نعرف أمام مَنْ نقف، هل أمام الشيخ الداعية أم الشيخ السياسي أم أمام الشيخ المفكر أم أمام الشيخ المصلح، فتتشعب بنا الطرق ونضل السبيل.
الوجه الثاني: هو أن الأزهر أقول يكاد يتعمد الخلط بين الفقهي والديني.
هناك فقه وهناك دين، والفقه هو عمل الرجال وثمرة عرق جباههم ونتاج سهرهم وبحوثهم، وهذا لنا أن نأخذ منه ونرد عليه.

أما الدين فهو النص القرآني ثم المقطوع بصحته من السنة، فليس لنا أن نتقدم عليه أو نتأخر عنه، وحتى مع النصوص هناك مجالات لتتعامل معها، فالقرآن ثابت راسخ محفوظ يؤخذ بنصه ولكن تفسيره وتأويله هو عمل الرجال، فلو قرأت مثلًا تفسير الشيخ الإمام محمد عبده لأشهر سور القرآن أعني الفاتحة ، ستجده يقول كلامًا مختلفًا بل مناقضًا لمدارس تفسير أخرى، وهنا نجد الفسحة في أن نأخذ من هذا أو من ذاك.
المثال السابق على بساطته يشمل المنهج الأزهري في التعامل مع المشكلات الفقهية، فالواضح لنا وبحكم تجربة السنين أن الأزهر يلجأ في معظم الأحيان إلى الترويج لرأي واحد بوصفه الرأي الواحد الأحد الذي لا يشاركه أو يناظره رأي آخر.
والحقيقة غير ذلك بالمرة، فلا توجد قضية فقهية لا تتعدد الآراء حولها ، وقد يصل التعدد إلى درجة التناقض  أحيانًا بداية من فقه الصلاة ونهاية بأي قضية تختارها وتقف أمامها باحثًا، ولكن هذا ليس معمولًا به في الأزهر في معظم القضايا، حتى أن أحدهم قال كلامًا خطيرًا عن تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم للإبكار على الثيبات، مستشهدًا بحديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه: سألني الرسول: "هل تزوجت بكرا أم ثيبا ؟"، فقلت: "تزوجت ثيبا".
 فقال الرسول: "هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك".
المتحدث في الناس قال هذا الكلام بوصفه الكلام الوحيد في القضية، وتجاهل حقيقة كون كل أزواج الرسول عليهن الرضوان كن ثيبات فيما عدا السيدة عائشة !
وتجاهل باقي الحديث الذي يشرح فيه جابر للرسول لماذا تزوج بثيب، قال جابر: "قلت يا رسول الله: توفي والدي أو استشهد، ولي أخوات صغار، فكرهت أن أتزوج مثلهن فلا تؤدبهن، ولا تقوم عليهن، فتزوجت ثيبا لتقوم عليهن وتؤدبهن".
فانتهى الحديث بمباركة الرسول للزواج.
ذلك المثل في إيراد أنصاف الحقائق وأرباعها أحيانًا واعتماد سياسية الرأي الواحد والقول الفصل هو ما أدي بنا إلى ما نحن عليه من ضيق أفق والحجِر على المتسع من ديننا.

لا أحد يطالب ـ لا قدر الله ـ بهد الأزهر، أو بالتضييق عليه أو بتجاهله، كل ما نسعى إليه هو نقاش جاد لتصويب المسار، ننطلق فيه من كون الأزهر رقمًا صعبًا في حياتنا ولاعبًا لا يمكن بحال التقليل من قدره.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نُشر بجريدة صوت الأمة
السبت 11 فبراير 2017
 

الاثنين، 20 فبراير، 2017

أمراء "قلة الأدب"



* الكتابة بطريقة "أى هبل فى الجبل وأى حاجة فى رغيف"

* رواية "عمرو خالد" دشنت لمرحلة.. المهم هو الإعلانات

* من منبر حسان بن ثابت إلى ديوان "خمسة خصوصى" يا قلب أحزن

* جماهير زاب ثروت تحتل شارعًا بالمعرض وهو يواصل شتم حبيبته

* "يوتيرن" زيزى وكريم يقودنا إلى الهاوية

* وليد ديدا ومريم الحب بالهاشتاج والقراء بالطن

 
جاء فى كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالى، قول منسوب لرسولنا الكريم، قال فيه: "لا تدع العربُ الشعرَ حتى تدع الإبل الحنين".
وسواء صح الحديث أم كان فى سنده كلام، فسيبقى متنه شاهدًا على تقدير العرب لفن الشعر، حتى قالوا: "الشعر ديوان العرب".
ويكفى أن الرسول قد جعل لحسان بن ثابت، منبرًا فى المسجد النبوى، يقوم عليه عندما ينشده شعره، وقد مر الفاروق عمر بحسان، وهو ينشد الشعر فى المسجد النبى، فظهر على وجه عمر ما يمكن وصفه بالامتعاض، فبادره حسان، قائلًا: "كنت أنشد فى المسجد وفيه مَنْ هو خير منك، يعنى الرسول"، فسكت عمر، وترك الشاعر يواصل إنشاده.
وولع العرب بالشعر خاصة وبالكلام الجيد الطيب عامة مشهور ولا يحتاج إلى إعادة تأكيد، ويكفى أنهم قد قعدوا قواعد الشعر، وضبطوا بحوره وأقاموا أوزانه فى عمل جاد جبار ما يزال يتواصل، ولم ينقطع يومًا منذ الخليل بن أحمد الفراهيدى وإلى يوم الناس هذا.
وعن الشعر  من حيث كونه كلامًا يجب ألا يهجم عليه جاهل به، يقول الشاعر المخضرم الحطيئة "وبعضهم ينسب الكلام للراجز رؤبة":
الشعر صعب وطويل سلمه
إذا ارتقى فيه الذى لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه
يريد أن يعربه فيعجمه

وحديثًا قال الأستاذ العقاد:
الشعر من نفس الرحمن مقتبس
والشاعر الفذ بين الناس رحمن

ولكن لأن النهر قد جرت به مياه كثيرة "أغلبها عكر للأسف" فقد تجرأ على كتابة الشعر خاصة والكتابة فى عمومها نفر لا تستقيم لهم جملة ولا يحسنون من الأمر شيئًا، حتى جاز لنا أن نصفهم بأمراء "قلة الأدب".
والوصف مع قسوته يليق بهم، لأنهم تحدثوا فى غير فنهم، فجاءوا بالأعاجيب التى هى فى حقيقتها كوارث، كأنها القنابل الخبيثة التى تنفجر فى قلب الذائقة، فتمسخها وتفسدها، والأمر كما أراه أخطر من السكوت عليه، والتعامل معه وفق مقولة "دعه يعمل دعه يمر"، لأن ما سنعرض له بعد قليل لا يهدم ديوان العرب فحسب، بل يهدم الكلام كله من حيث هو كلام مستقيم، يعطى فى النهاية جملة مفهومة محددة.
إن الجرأة على الكتابة التى تلامس حدود الوقاحة، قديمة جدًا، وكانت مذ كان الناس، ولكن فى أزمنة بعيدة، كان المجترئ واحد ضئيل كأنه الذبابة تحط على النخلة، فلا تشعر بها النخلة متى طارت ومتى حطت، فقد كان أمر الأدب والكتابة عامة بيد جماعة من العمالقة لا يُسمع لسواهم، أما فى زماننا هذا، فقد تكاثر الواحد الضئيل، وصار جمهرة غفيرة، ثم تكالبت الظروف على النخيل، فإذا هو قزم أو كالقزم، لا يأبه أحد به، إن ترك هؤلاء وشأنهم بزعم أن الأسواق تقبل الغث والثمين، قول باطل من كل وجه، وخطير من كل وجه فليس بعد إفساد الذوق من جريمة.
ضربة البداية فى هذه المباراة التى هى كالدم الفاسد نفذها الأستاذ "عمرو خالد"، فقد استيقظ الناس من نومهم ليجدوا حملة إعلانية تسد عين الشمس، تعلوا الجسور والبنايات، تبشر برواية "رافى بركات"، ظلت الحملة قائمة لأسابيع تحت هذه اللافتة الغامضة "انتظروا رواية رافى بركات" أثمر الغموض ثمرته فراح الناس يتحدثون عن رواية لا يعرفون مَنْ كاتبها، ويتشوقون لمعرفته ومعرفة روايته، عندما ضمن المعلن رواج بضاعته قبل أن تنزل الأسواق، أفصح عنها، قائلًا: إنها رواية للأستاذ عمرو خالد!
نعرف عمرو خالد، بوصفه داعية، يقول كلامًا لطيفًا لا يغضب أحدًا وإن كان يرضى كثيرين من طبقة معينة، يريدون قشرة الدين لا جوهره، ويسعون إلى جعل دينهم كأنه وردة يزينون بها ستراتهم، ولكن أن يترك الأستاذ سبيلًا يعرفه وله به خبرة ويذهب لمجهول متشعب معقد، فهذا هو العجيب.
نجحت رواية عمرو على المستوى الجماهيرى، ودشنت لمرحلة جديدة، يقول فيها مَنْ شاء ما شاء، والمهم فى الأمر كله هو نجاح حملة الإعلانات!

وجود عمرو فى سوق الكتابة الأدبية بجماهيريته، ورواج اسمه أغرى كثيرين، ليقولوا كما قال، وكله عند العرب أدب أو صابون، فجاءنا من المجهول شاب يدعى "وليد ديدا"، وإن كنت تعرف تأصيلًا لاسم وليد، فلن تعرف شيئًا عن الديدا، الأستاذ وليد، تلقى تعليمًا يسمح له بارتكاب كافة وجميع الموبقات الإملائية والنحوية والصرفية والبلاغية، ولكن الكتابة مثل حمزة بن عبدالمطلب، عليه الرضوان، لا بواكى لها، وإن كانت فى حالات الأستاذ ديدا تجلب البواكى، التى هى جمع باكو، أى ألوف الجنيهات.
وللأستاذ ديدا قصة تروى، تقول خلاصتها: إنه أحب فتاة تدعى مريم، فراح يغازلها على الفيس بوك، تحت عنوان ثابت هو "تعرفى"، وعندما عرفت مريمه، تقدم لخطبتها، ولكن أهلها رفضوه لعدم التكافؤ على مستويات الوضع الاجتماعى والتعليمى والثقافى والمادى، ولكن مريم وقد أصبحت شهيرة جدًا، تمسكت بديدا، الذى ظل لشهور يكتب خواطره عن قصة حبه، وينشرها على الفيس بوك، ثم رضخ أهل مريم وتزوجها ديدا، وتوج زواجه بأن هبط على أدمغتنا بكتاب اسماه "روبابيكيا" تلك الـ"روبابيكيا" ستبيع ثلاثين ألف نسخة، وسيقول ديدا إنها باعت خمس عشرة ألف نسخة لا ثلاثين، وسيتابعها على الفيس بوك 187 ألف متابع، وستفوز مريم بـ 142 ألف متابع، وسيحصد الناشر آلاف الجنيهات ثم لن تسقط على جثمان الأدب العربى فى مصر دمعة واحدة!
ومن أجواء ما جادت به قريحة الأستاذ ديدا، قوله:
ليه خلتينى أعيش أيام
حلمت فيها إن إحنا لبعض
ليه تعيشينى أحلى كلام
وتموتينى بنار البُعد
 وليس فى يدى والحال كما ترى سوى أن أقول "بس خلاص" كما قالها الأستاذ شعبان عبدالرحيم.

النجاح الأسطورى للأستاذ ديدا جعل الأستاذة "زيزى" تشمر عن ساعد الجد وتدخل إلى السباق.
وتقول أسطورة الآنسة زيزى: إنها كانت تحب الأستاذ كريم وصنعت له "هاشتاج" بعنوان "كريم يارب"، طبعًا الله ليس كريمًا فحسب، فهو خالق الكرم، ولكن السيدة زيزى، تقصد الدعاء بمعنى "هب لى الأستاذ كريم يا الله". فاز الهاشتاج بمتابعة 72 ألف مواطن مصرى صالح، ثم أعطى الرب الخالق كريمًا لزيزى، فتوجا قصتهما بكتاب اكتسح معرض القاهرة الدولى للكتاب، وحمل عنوان "يوتيرن"، وذلك الـ"يوتيرن" هو شىء من الأشياء التى لا تعرف لها رأسًا من قدمين، فلا هو شعر ولا هو رواية، ولا يمكن تصنيفه وفق المتعارف عليه من التصنيفات، ولكنه وسبحان العاطى الوهاب، كسّر الدنيا، كأنه فيلم للسبكى، ولأن الكتاب إنتاج مشترك بين زيزى وكريمها، فقد وضعا صورتيهما على غلافه، وقالت عنه زيزى: "إن هذه الرواية هى أول ابن لنا، وهى نتاج حبنا".
أسمعك تقول: إن التأليف المشترك لا غبار عليه فقد فعلها من قبل توفيق الحكيم وطه حسين، عندما كتبا "القصر المسحور" ودرويش ومعين بسيسو عندما كتبا "رسالة إلى جندى إسرائيلى"، والعقاد والمازنى وشكرى عندما كتبوا "الديوان"، وعبدالعظيم أنيس ومحمود أمين العالم كتبا "فى الثقافة المصرية".
يا صديقى أنت هكذا من الذين يحسبون كل بيضاء شحمة وكل سوداء فحمة، أين الثرى الذى هو حالة زيزى وكريم، من الثريا التى هى الذين ذكرتهم؟

هل ما زلت تذكر الأستاذ ديدا؟
إنه لم يدارى سوءة كتابته لقد عاد يضرب من جديد بكتاب اسماه "نجاتيف".
طبعًا عشرات الألوف الذين تسابقوا لاقتناء الكتاب يقولون إنه شعر.
وسأضع هنا شيئًا من شعر السيد ديدا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
يقول ديدا مخاطبًا ذاته الشاعرة بقلق وجودى: 
فاكر أول لايك عملته ليها
كان وقتها إحساسك إيه؟
لما كنت بتراهن نفسك
إنك هتعلقها بيك
وللأمانة فقد كتب "لايك" بالنطق الإنجليزى وبالحرف اللاتينى، ولكنى مصاب الآن بكسل وجودى يجعلنى أعجز عن تحويل مفاتيح الكيبورد، فلعل الأستاذ ديدا يغفر لى تحريفى لشعره العظيم.

ولأن الضجيج يغرى كل ذى صوت بالغناء، فقد عض الأستاذ "زاب ثروت" على فرصة الضجيج بنواجذه.
الأستاذ زاب يقولون إنه من خريجى كلية الهندسة، ويقولون إنه من مغنى الراب المشاهير ويصفونه بالكاتب الشاعر، وقد رأيت أنا العبدلله حفل توقيعه لكتابه فى معرض الكتاب وكيف سدت جماهيره شارعًا بأكمله. فقلت: "ها قد عدنا يا صلاح الدين".
ومن روائع الأستاذ زاب فى كتابه "حبيبتى" قوله: 
حبيبتى
كان نفسى أوى أشرب بيبسى، بس أنا عاملة دايت، دى أول مرة مشربش بيبسى، من يوم ما قابلتك، يوم ما قابلتك عند الكشك اللى جمب الجامعة.... آه الجامعة، كنت لابس سويتشيرت أسود على بنطلون أسود وكوتشى أسود... ثوانى بابا ينادى... خرا عليك وعلى حبك، قالت هذه الكلمة بكل كبرياء وعزة نفس، وألقت مشاعرها وراء ظهرها وكملت حياتها.
وغفر الله للفنانة ليلى نظمى التى غنت قديمًا: "ما أشربش الشاى، أشرب أزوره أنا"

نحن الآن فى "منحدر الصعود" هل ما تزال تذكر تلك الجملة العجيبة؟
قادنا المنحدر إلى أرض الأستاذ "على حسن"، الذى رمانا بديوان "خمسة خصوصى"، والأستاذ على عجيب فهم يقولون إنه طالب طب، ومع ذلك لا يخشى على قرائه من التسمم، قسّم الدكتور على كتابه إلى جزء بعنوان "بناتى، وجزء  عمومى!!" الجزء البناتى حشد فيه أسماء الفتيات اللاتى طالبنه بأن يذكرهن فى شعره، يا نهار أبيض يا رجال كأن عمر بن أبى ربيعه يغادر قبره، الجميلات يعرضن أنفسهن على الشاعر لكى يشبب بهن فيشيع جمالهن بين قبائل بولاق والوراق وبلاد ما وراء الدائرى وبلاد ما تحت المحور ونزلة السمان.
الدكتور على إن كان طبيبًا حقًا يكتب بطريقة "أى هبل فى الجبل" و"أى حاجة فى رغيف"، فهو جاء بكل الأسماء من هبة وإلى آية، فهبة يا هبة أنت الحياة الطيبة، وآية يا آية عنيكى حكاية، وعلى ذلك يجوز لى أنا الناثر المسكين أن أقول: "سعدية يا سعدية أنتِ أحلى من الطعمية"
أما الجزء العمومى فمنه قوله:
هاتى صباعك
جنب صوابعى
وعديته هيطلعو ستة
دا إنتى صوابعك
حلوة وطعمة
صباعك دا ولا صباع كفتة

مصمصة الشفاه تجاه هؤلاء التتار الجدد أو الجراد الجدد ليست كافية، وضع فى حساباتك أن المصادرة مثل ابن نوح كلاهما عمل غير صالح، الجنون لا يصادر، الجنون يواجه بالعقل أو بجلسات الكهرباء، فانظر ماذا ترى؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بجريدة صوت الأمة
السبت 18 فبراير 2017