الخميس، 29 سبتمبر 2022

من أوراق مشرفة تعليم


 

تلتقطني سيارة العمل من أمام بيتي في السابعة صباحًا، ثم تعيدني في الثالثة عصرًا، ما بين الوقتين هو يوم عملي. بدأت غربتي في اليوم الأول لعملي بالمدرسة الخاصة، هذه ليست مدرسة أنا الآن في فندق سبع نجوم، كل شيء لامع نظيف مرتب، لكنه بارد، لا دفء لا حميمية، لا وجود لأي صورة ذهنية تظهر على سطح ذاكرتك عندما تسمع كلمة مدرسة.


أين رائحة الطباشير؟ أين السبورة؟ أين التختة؟ أين أبلة الناظرة؟ أين السيد المربي الفاضل ناظر المدرسة؟ أنا الآن في مدرسة افتراضية مثلها مثل الفيس بوك، حيث كل شيء على خلاف حقيقته.


المدرس أو الإداري المصري اسمه "مستر"، المدرسة أو الإدارية  المتزوجة اسمها "مسز"، والآنسة اسمها "مس". قالت لي رئيستي: راتبك سيكون ألف وخمسمائة جنيه مصري ثم لا حقوق لك فوقها.


الورقة الثانية

كان بدء عملي في شهر أغسطس الحارق، دخلت المدرسة فرأيت حديقتها قد أصبحت "بلاج" نعم بلاج بلباس بحر يرتديه أطفال، أصغرهم في عامه الثالث وأكبرهم في عامه الثامن. تركت البلاج وتفرغت لتأمل الأمهات اللاتي يقذفن بأولادهن إلى حديقة المدرسة، الأم منهن صحت لتوها من نوم مغشوش، ترتدي شيئًا لا أعرف له اسمًا، وفوق هذا الذي لا أعرفه ترتدي ما يشبه "الروب"، ما تلبسه يظهر مساحات شاسعة من جسدها، تهبط الأم من سيارتها الفاخرة متأففة، هي لم تشبع من نومها بعد، بين أصابع يدها اليسرى سيجارة، وتقبض بيمناها على "مج" نسكافيه، حتمًا هو بدون سكر، للحفاظ على وزنها المثالي، لا تمنح طفلها حضنًا ولا حتى قبلة في الهواء، تتركه لنا وتغادر.


قالت لي رئيستي: هذا ليس "بلاج"، هذا معسكر صيفي summer camp، إدارة المدرسة تحصل على ألف وثمانمائة جنيه أسبوعيًا من ولي أمر الطفل المشارك في المعسكر.




سألت نفسي: ما الذي سيتعلمه الصغار مقابل كل هذا المال؟ حصلت بنفسي على الإجابة: هم هنا لكي تتخلص منهم أمهاتهم المتأففات المدخنات، يغرق أحدهم صاحبه  بفقاعات الصابون، ثم تأتي معلمة مهيبة لكي تقص عليهم بالإنجليزية قصة عن الديناصور الذي يطير ويساعد الفراشة في النجاة من اللهب. كنت أشعر بغربة شجرة صفصاف وجدت نفسها في بهو فندق أوربي.


في اليوم الثالث للمعسكر، قذف صبي صاحبه بزجاجة ماء، طلبت منه بوصفي المشرفة الاعتذار لصاحبه، رفض بعناد بغل استرالي، شكوته للرئيسة، تحدثت إليه الرئيسة طويلًا إلا أن الصبي ابن السنوات الأربع صرخ في وجوهنا جميعًا:"لن أعتذر، وسأقول لمامي، وهى تستطيع ضربكم جميعًا بالجزمة"! إنها نظرية "بفلوسي يا كلاب".


في اليوم التالي لتلك الواقعة شكوت الصبي لأمه المتأففة فقالت: "نعم هو عصبي بعض الشيء لأن أباه مسافر دائمًا". الأم تدفع شهريًا سبعة آلاف ومائتي جنيه لكي يهددنا ابنها بضربنا بالحذاء.


الورقة الثالثة

كنت حريصة على معرفة مصاريف المدرسة التي هي فندق. مصاريف  KG، ستكون مصيبة لو قلت الحضانة أو الروضة، ستة وسبعين ألف جنيه يضاف إليها عشرة آلاف للباص وسبعة آلاف لوجبة الغداء. هذه خمسة وتسعون ألف جنيه مصاريف طفل دون الخامسة من عمره. مصاريف الابتدائي مثلها، ومصاريف الإعدادي تصل إلى مائة وسبعة آلاف جنيه. هل قلت لكم أن راتبي هو ألف وخمسمائة جنيه؟




الورقة الرابعة

كنت أنتظر على أحر من الجمر بدء العام الدراسي لكي أتخلص من عبء الإشراف على المعسكر الصيفي. مع نسمات سبتمبر اللطيفة بدأ العام الدراسي الذي لا يستمر لأكثر من ثمانية شهور من العام. ليس في كل هذا العالم ما هو أبهج من الأطفال، حتى هذا الذي هددنا بحذاء أمه، هو أيضًا مبهج.


جاء صناع البهجة، ولكن كيف ترتدي ناهدة الصدر من طالبات الإعدادي "شورت" يكاد يحترق من فرط سخونته، فوق الشورت قميص قصير وضيق، ما علينا، لست مشرفة على لباس الطالبات.


المعلمات يلبسن ملابس تصلح للسهرة، أليست هناك ملابس للعمل وأخرى للسهرات ؟ من الواضح أن ذلك الفرق هو في عقلي أنا فقط.


وقفت مع المشرفات في طابور أول يوم دراسي. كل شيء نظيف لامع منظم ولكنه بارد. كل ما أعرفه عن طابور الصباح لا وجود له هنا، لا كلمة صباح، ولا دعاء بالتوفيق، ولا أغنية وطنية تثير الحماس، الشيء الوحيد الذي سجل حضوره كان الحديث بالإنجليزية.


قلت في نفسي: حتمًا لن تفوتهم تحية العلم، ففي النهاية هذه مدرسة مصرية مقامة على أرض مصر، فليس أقل من "تحيا جمهورية مصر العربية" نرددها ثلاث مرات. نعم أنا قديمة عتيقة، لكن ما الحداثة في تجاهل تحية العلم؟.


موسيقى غربية صاخبة أعادتني إلى أرض الواقع، طابور أول يوم مدرسي تزفه موسيقى صاخبة بينما علم ناحل يرفرف في حزن فوق سطح المدرسة.


الورقة الأخيرة

غادرت طابور الصباح، صعدت السلم إلى سطح المدرسة، وقفت انتباه أمام سارية العلم، ضربت الأرض بقدمي اليمنى، قدمت لعلمي "تعظيم سلام"، سلّطت عيني عليه وهتفت: "تحيا جمهورية مصر العربية"، ثم مسحت دموعي.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر فى موقع "أصوات أونلاين"

الخميس، 22 سبتمبر 2022

هل أتاك حديث العفاريت؟



قبل سنوات بعيدة ظهر الفنان العربي الكبير محمد عبده على الناس بأغنيته الشهيرة "الأماكن"، كانت الأغنية رغم حزن لحنها وكلماتها تُغنى من المحيط إلى الخليج في كل المناسبات، حتى لو كانت المناسبة مناسبة زفاف!

وكان عبده على شهرته الفائقة نادر الظهور في اللقاءات التلفزيونية، وذات مساء صرح الإعلامي الكبير محمود سعد بأن عبده سيكون ضيفه في حلقة خاصة، للحديث عن مجمل أعماله عامة وعن أغنية الأماكن بصفة خاصة.

انتظر محبو عبده الحلقة على أحر من الجمر، وعند بثها تحلق المحبون حولها، للحق كان محمد عبده متألقًا وهو يسرد ذكريات طفولته القاسية وأول شبابه، وتذكر كيف أنه كان يعيش مع السيدة والدته في بيت من غرفة واحدة لا وجود فيها للكهرباء أو للمياه النقية، ليلتها كسب محمد عبده محبين جددًا، ثم فجأة وبدون أي مناسبة قال:"رأيت العفريت يقفز أمامي و..".

قاطعه محمود سعد لكي يغير مجرى الحديث، ولكن الرجل أصر على سرد قصته مع العفاريت!

كان الإحراج باديًا على وجه الإعلامي الكبير وهو يحاول لملمة الموضوع وستر القصة التي يورط فيها الفنان نفسه لوجه العفاريت!

فشل سعد في إسكات عبده الذي حكي كثيرًا عن العفريت الذي كان يظهر في ظلام الصحراء!

أظن أن تلك الحلقة من البرنامج الخاص، كانت تدشينًا قاسيًا لظاهرة العفاريت في الإعلام العربي، بعدها أصبح المتحدث عن العفاريت لا يعاني من أدنى درجات الحرج أو غياب المصداقية عن كلامه فيروح الواحد منهم يفسر حياته بل وحياتنا بتفسيرين، إما تدخل العفاريت وإما عيون الحساد!

أذكر أن فنانة شابة كانت تعد بالكثير في مجال التمثيل، أساءت اختيار أدوراها فبدأ نجمها يرتعش تلك الرعشة التي تنذر بظلام قادم، أيامها قالت النجمة الشابة: إن فلانة النجمة الكبيرة قد سلطت عليها عفريتًا يجعل دورتها الشهرية متى بدأت لا تتوقف إلا بعد تدخل طبي!

كانت الشابة تبث هذا التفسير في كل مكان تذهب إليه، فوسوس لها بعض أولاد الحلال، بأن تحرر محضرًا ضد النجمة الكبيرة، وكادت الشابة تفعل لولا تدخل منتج كبير محترم، كشف للشابة عن الأسباب الحقيقة لتراجع مستواها وحذرها من هذا الكلام الذي يشبه الفضيحة، لم تذهب النجمة الشابة إلى قسم البوليس ولكن ظلت تدور في فلك ذلك التفسير المضلل حتى كادت تتوارى عن الأنظار!

هذا العبث تواصل وتوغل وسيطر وهيمن على عقول وقلوب كثيرين، وأنت وأنا نعرف ذلك الرجل الذي لا يتورع عن حشر العفاريت في كل جملة يقولها، فإن ربح فلأنه جاء بمن يبطل سحر العفاريت، وإن خسر فإن خصمه قد جاء بمن فعّل سحر العفاريت بحيث لم يتمكن من إبطالها!

وقبل أيام ظهرت نجمة شابة محبوبة ولطيفة لتحكي عن العفاريت التي كانت تقيم معها في مسكنها، فهي أي العفاريت تفتح خزينة الملابس وتشعل التلفزيون، والحمد لله أنها لم تنسب للعفاريت تقشير البطاطس وغسل أطباق الطعام.

كانت النجمة تحكي وبيسر وسهولة ويقين، وكان النجم الذي يستضيفها يصغي بأدب جم، وكأن كلامها حقيقة لا تقبل الشك ولا المراجعة.



كل ما سبق يؤكد أن السكوت عن مواجهة هذا الكلام خطير جدًا، لأن السكوت يعني الرضا والقبول أو على الأقل ترك الباب مفتوحًا لمحاولة التصديق، إن شيوع هذا التفسير سيؤدي إلى ضرب قيم عظمى في مقتل، مثل قيمة العمل والجد والنشاط والسعي المخلص لبناء مجتمع يعرف التعقل في تناول أمور حياته.

قبل عام وقف النائب طارق متولي، نائب السويس وعضو لجنة الصناعة بالبرلمان تحت قبة البرلمان وقال كلامًا في غاية الخطورة ولكن لم يلتفت إليه أحد، قال النائب: إن المركز القومي للبحوث قد أشار في دراسة من دراساته إلى أن عدد الذين يقومون بأعمال ما يسمى السحر والشعوذة يتجاوز الخمسمائة ألف نصاب، وأن المصريين ينفقون سنويًا فوق الخمسة وعشرين مليار جنيه على هذه الخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وختم النائب كلامه بقوله: إن القانون المصري لا يجرم أعمال السحر والشعوذة إلا بضمها لجرائم النصب والاحتيال، وأن أقسى عقوبة توقع على المشعوذ النصاب هي حبسه لثلاث سنوات فقط.

أعلم علم اليقين أن هذه الأمراض موجودة في أي تجمع بشري، ولكن الحديث يجب ان يكون عن النسبة والتناسب وعن حال المجتمعات، فهناك مترفون لا يشغلهم كثيرًا إهدار كل هذه المليارات على صناعة الخرافة، ولكن نحن بلد يحتاج لكل جنيه لكي يبدأ في النهوض، فكيف نسمح لصناعة الخرافة بالسيادة وباستنزاف الموارد المالية الشحيحة أصلًا؟.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صوت الأمة 12 سبتمبر 2020

 

الخميس، 15 سبتمبر 2022

قل الإنجاز الكوري ولا تقل المعجزة الكورية

 


المعجزة لغة: هي الأمر  النادر الذي يعجز البشر أن يأتوا بمثله، والتاء في معجزة ليست للتأنيث، وإنما هي للمبالغة.

والمعجزة اصطلاحًا: أمر خارق للعادة يظهره الله على يد مدعى النبوة تصديقا له فى دعواه مقرونة بالتحدي مع عدم المعارضة. 

فهل ـ وفق هذين التعريفين اللغوي والاصطلاحي ـ تعد النهضة التي نهضتها كوريا الجنوبية معجزة؟

ولكي نجيب لابد أولًا أن نذكر شيئًا عن ماضي  كوريا.

كانت كوريا الجنوبية قد خرجت من قبضة الاحتلال الياباني لتدخل في حرب شعواء مع شقيقتها كوريا الشمالية، بلغ عدد ضحايا تلك الحرب المجنونة ما يزيد على الأربعة ملايين ضحية، غير ملايين المصابين بعاهات مقعدة.

بلد بهذه الحالة لا يمكن أن تأمل في اقتصادها أدنى درجات الأمل، ففي مطلع الستينيات وبعد سنوات من انتهاء الحرب كان الدخل السنوي للكوري الجنوبي ليس أكثر من 82 دولارا.

لك أن تعلم أن الجنيه المصري في تلك الأيام كان يساوي دولارين ونصف الدولار !!

وهذا يعني أن دخل الكوري الشهري كان أقل من جنيهين مصريين!

هذا التردي جعل عباقرة الاقتصاد خاصة الأمريكان منهم يقسمون على أن: " كوريا هوة بلا قرار".

 يعني لا يمكن إصلاح أحوالها.

الأمة الكورية الجنوبية كان لها رأي آخر، وهذا ما يقصه بالتفصيل كتاب "السامريون الأشرار" لمؤلفه الكوري "هاـ جوون تشانج"، وقد ترجمه إلى العربية المترجم الأستاذ أحمد الشافعي ونشرته دار نشر "الكتب خان.

العنوان مأخوذ من قصة إنجيلية يقول ملخصها: إن يهوديًا كان مسافرًا على طريق موحش، وقع في يد قطاع الطرق الذين سلبوه ما يملك وضربوه حتى تركوه بين الحياة والموت.

بالصدفة مر كاهن فخاف من تقديم المساعدة للمضروب الذي ينزف، ثم مر رجل دين من شريعة النازف، فتركه  لنزيفه، ثم مر سامري، وكان بين السامريين واليهود ما صنع الحداد، لكن السامري الصالح  داوى جراح اليهودي، وأخذه إلى فندق وأسكنه في مكان مريح.

 وفي صباح اليوم التالي أخرج قطعتين من الفضة وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له: "اعتني به وإذا صرفت عليه أكثر فأضفها على حسابي وعندما أعود سأدفع لك المبلغ".

السامريون الذين في الكتاب هم الأشرار الذين يقنعون النازف أنهم يقدمون له العلاج بينما هم يقطعون ما بقي له من شرايين.

السامريون هم رباعي مخرّب  مكوّن من الدول الكبري بقيادة أمريكا ومعها بريطانيا ثم صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.




هذا الرباعي القاتل وقف يتلمظ منتظرًا افتراس ما بقي من كوريا ولكن حاكم كوريا "بارك" كان لهم بالمرصاد.

بارك كان جنرالًا يراهن على أن الجذر الكوري ما يزال سليمًا عفيًا رغم آيات الفقر المدقع والخراب الذي عم كل شيء.

أيامها في العام 1961 كانت شركة سامسونج الكورية لا تعمل إلا في مجال تصدير السمك والفواكه، وكان الحديث عن أي تقدم تكنولوجي ضربًا من الخرافات أو المستحيل، ولكن الجنرال بارك فعلها وقرر.

1ـ  عدم استيراد أي شيء إلا المكونات الصناعية.

2ـ غلق البلد فى وجوه المستثمرين أو إجبارهم على الاستثمار وفق خريطة الاستثمار الكوري.

3ـ الفضح الاجتماعي الذي يقترب من حدود النبذ بل والتخوين لكل من يضبط مستوردًا أو مهربًا لأي بضاعة أجنبية، خاصة البضائع المترفة مثل السجائر.

4ـ فرض جمارك وضرائب جنونية بل تعجيزية على أي سلعة لا تستوردها الدولة.

5ـ غض الطرف عن القرصنة الكورية تجاه الآلات الحديثة التي بدأ الكوريون في فكها ثم إعادة تصنيعها ولو بطريقة بدائية.

6ـ غلق الأذان تمامًا في وجه نصائح الرباعي المخرّب، الذين كانوا يرون حتمية فتح الأسواق أمام التجارة الحرة وهو يعلمون يقنيًا أن أي سلعة كورية لن تصمد أمام سلعهم وستنهار ولن تقوى على تطوير نفسها ومن ثمّ دخول حلبة المنافسة.

إياك أخي القارئ الكريم أن تظن أن رجلًا مثل حسني مبارك عندما باع مصانعنا ومؤسساتنا كان يبيعها من تلقاء نفسه أو لأنه رجل شرير، لقد باعها تنفيذًا لنصائح الرباعي القاتل الذي وسوس له بأن لا نهضة لمصر سوى بالتخلي عن قطاعها العام وفتح أسواقها للتجارة الحرة.

وها قد باعت مصر مصانعها وفتحت أسواقها فأين اقتصادها؟

خطة الجنرال بارك لا تقدرها حق قدرها إلا بقراءة الكتاب من الغلاف إلى الغلاف، وذلك لأن مؤلفه وهو اقتصادي كوري كبير سرد وقائع النهضة الكورية من خلال سيرته الذاتية، كأنه جلال أمين في سفره الرائع "ماذا حدث للمصريين؟".

مؤلفنا يقول: إن الأمريكان والانجليز وصلوا إلى ما وصلوا إليه من خلال حماية صناعتهم وغلق أسواقهم، ولكن عندما وصلوا إلى القمة كسروا السلم لكي لا يصعد خلفهم أحد وراحوا يزينون للدول الفقيرة شريعة الاقتصاد الحر بوصفها الدين الجديد للإنسانية !!

مؤلفنا من واقع كونه رجل اقتصاد عالمي تصله أحدث التقارير وأخطرها يؤكد أن جيوشًا من الاقتصاديين والصحفيين والكُتّاب والإعلاميين، ليس لهم من شاغل سوى الترويج لدين الإنسانية الجديد!

وقف بارك أمام شعبه وتعهد لهم بأنه في العام 1981 سيصبح دخل الفرد ألف دولار.

هل تذكر أننا بدأنا الكلام بـ 82 دولارًا ؟

لقد فعلها بارك ووصل الدخل إلى 1647 دولارًا قبل الميعاد بثلاث سنوات.

أين المعجزة في ذلك؟

ليس ثمة معجزات، قل هو الإنجاز وليس الإعجاز.





أراد بارك أن يحكم إلى الأبد خاصة بعد النجاح الأسطوري الذي حققه ولكن رئيس مخابراته تولى اغتياله، لتدخل البلاد في دوامة من الصراعات حول الديمقراطية دفع تكاليفها طلاب الجامعة الذين كانوا يتظاهرون بيد ويعملون بالثانية.

سامسونج تركت زفارة السمك ودخلت عالم الالكترونيات، وكان هذا من ضروب الخيال، فحتى العام 1977 لم تكن سامسونج قد قامت بتصنيع تليفزيون ملون واحد، لكن بعدها بأقل من عشر سنوات أصبحت سامسونج أيقونة الالكترونيات على مستوى العالم.

يقول مؤلف الكتاب وهو من مواليد العام 1963 إنه عاش في حياته طفرة اقتصادية حققها البريطاني بعد مائتي عام من العمل وحققها الأمريكي بعد مائة وخمسين عامًا من العمل !!

وفي متن الكتاب وليس في هامشه يذكر المؤلف قصة شديدة الدلالة، عن دولة خرجت من الحرب العالمية الثانية وهي أشلاء دولة أو "أشباه دولة" كما وصف أحدهم دولته، الدولة المقصودة بدأت في تصنيع سيارة، وهي التي لا تستطيع ضمان قوت شعبها ولو لشهر واحد، الشعب والحكومة دعما صناعة السيارة الوطنية على مدار سنوات ثم في العام 1959 قررت تلك الدولة أن تغزو الأسواق الأمريكية بسيارتها، طبعًا كانت السيارة فضيحة وأقرب إلى العربة الكارو المصرية، الأمريكان أوسعوا السيارة سخرية وأعادوها إلى بلد منشأها.

بلد المنشأ حزن الحزن كله وانقسم الشعب إلى فريقين، الأغلبية تقول: مالنا والصناعة ولنوقف فورًا هذا الخيال المترف.

وأقلية بقيادة الحكومة تصمم على المضي في تصنيع السيارات وتطويرها.

برشاقة سيناريست مخضرم يكشف المؤلف عن أن الدولة المنهارة هي اليابان وأن السيارة هي تويوتا التي أصبحت منذ منتصف السبعينيات رمزًا للجودة والإبهار.

يسأل المؤلف كيف حققت اليابان إنجازها ؟

يجيب: بحماية صناعتها الوطنية وبالصبر على تطويرها وتحديثها وبطرد غيلان وضباع السوق، لقد طردت اليابان شركة جينرال موتورز لكي تحمى سيارتها التويوتا وتفسح لها مجالًا في السوق المحلي.

وبالعودة إلى كوريا نجد أن متوسط دخل الكوري حسب إحصائيات 2013  يبلغ 24000 دولار.

وبالنظر إلى مصرنا التي كانت تتفوق على كوريا بمئات الدرجات في كل شيء، نجدها قد ظلت تستمع لترهات الحكام ولتعليمات الرباعي المخرّب  حتى قال جهازها المركزي للتعبئة والإحصاء في العام الماضي إن متوسط الدخل السنوي للفرد على مستوى الجمهورية 7 آلاف جنيه، ويرتفع متوسط الدخل في الحضر إلى 8 آلاف جنيه، وفي المقابل ينخفض في الريف إلى 5.8 ألف جنيه.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة المقال