الخميس، 17 أكتوبر 2019

موال موقف الحى السادس



قبل ربع قرن من الآن، كنت أسكن الحى السادس بمدينة السادس من أكتوبر، كان كل شيء جديدًا ونظيفًا ولامعًا، قال لى الصديق الذى أخشى فراسته: «بعد سنتين أو ثلاث سنوات، سيصبح هذا الحى عنوانًا للعشوائية!».
تركت الحى قبل أن يصبح عشوائيًا، لم أمر به قط على مدار السنوات الماضية، لم أكن أعرف كيف صار فقد تركته وهو مجموعة من العمارات الخاوية على عروشها، وثمة أشجار تبشر بظل ظليل، ثم لا شيء، فلم يكن طريق المحور قد ظهر بعد، وكانت الخدمات الحكومية تكاد تكون معدمة.
ثم جاء الأسبوع الماضى، وأجبرتنى ظروف قاهرة على التجول فى الحى السادس.
بداية إن كنت صاحب سيارة خاصة فأنصحك بعدم استخدامها، لأنك إن لم يزعق لك نبى لن تجد مكانًا أى مكان «لركن» سيارتك، ولو فعلتها فأنت ونصيبك فيما سيصيب السيارة من أضرار فادحة.
موقف أتوبيسات الحى السادس، هو أعجب موقف قد تراه فى حياتك، سيجعلك تتذكر الكلمة الخالدة التى أطلقها اللمبى فى وصف مصر عندما قال: «جمهورية مصر العالمية».
لن تشعر بعالمية مصر إلا فى موقف الحى السادس من مدينة السادس من أكتوبر.
أتوبيسات النقل العام التى تذهب إلى رمسيس والتحرير والمؤسسة وبلاد ما وراء الدائرى، تحترم وضعها الحكومى وتقف بعيدًا عن الموقف بمائة متر تحت ظلال شجرتين عظيمتين من أشجار البونسيانا، ما الذى جاء بالبونسيانا إلى هذا الهجير؟.
ثم يكتب عليك الله بلاء التوغل فى موقف الباصات.
تمهل يا صاحبى ولا تدع شيئًا يستولى على انتباهك، أنت الآن فى قلب مشهد عالمية مصر، ستجد «التوكتوك» اللعين والميكروباصات التى تعرفها وسيارات الأتوبيسات المتوسطة التى تقل بالقانون ثلاثين راكبًا، ولكنها بجشع السائق وغياب الرقابة وضخامة عدد البشرية تحمل مائة راكب، ثم ستجد كل أنواع المركبات التى تسير على أربعة إطارات أو ثمانية أو عشرين، بداية من سيارات النقل الصغيرة، ونهاية بالمقطورات العملاقة.
مَنْ صاحب هذا الموقف؟.
يا رجل وهل هذا سؤال، إنها البركة يا صاحبى.
جفف عرقك لكى لا يضبب نظارتك الشمسية أو الطبية، سترى جيدًا بقعة فى قلب الموقف مسيجة برائحة لا تطاق، إنها رائحة مخلفات خرفان العيد، نعم والله فى قلب الموقف ما يشبه الحظيرة لتربية الخرفان، وبالقرب منها ستجد الكرشة والفشة ولحم الرأس والمخاصى والكلاوى، وكل ما تهفو إليه نفسك، أنت لن تقدم على شراء هذه الأشياء، غيرك جاهز دائمًا، طبعًا لن تتحدث عن التراب والغبار وعادم السيارات وكل ملوثات البيئة التى تتوج أهرامات المعروضات من اللحوم.
هل تريد مانجو أو بطيخ أو أى نوع من الفاكهة؟.
ستجده فى الموقف.
هل تريد عصير قصب أو عصير برتقال أو أى عصير كان؟
الأمر يسير بعون الكريم، حتى الفطير المشلتت والجبن القديم والمش والبتاو الصعيدى.
بائعو الملابس موجودون أيضًا، والملابس كما تعلم على نوعين ، حريمى ورجالى، وهذان بدورهما على قسمين خارجى وداخلى، فلا تفزع عندما تجد سيدات وآنسات فضليات، يقمن باستعراض أشد القطع النسائية خصوصية جهارًا نهارًا بداية من متانة القطعة مرورًا بمقاييسها ونهاية بطرازها، وإذا كانت الملابس الخاصة جدًا موجودة، فمن الطبيعى وجود جميع أنواع الأحذية، من حفظ الله مقامك شبشب الحمام إلى الكوتشى الذى يلمع نوره .
كل ما تريده ستجده فى قلب الموقف، هل تريد إبرة خياطة أو ريموت للتليفزيون أو أمشطة شعر أو دبابيس أو علب تلميع الأحذية أو خلة للأسنان أو تريد شيئًا لا تعرف له اسمًا، ستجده بعون الله، فالبائعون خصص كل منهم لنفسه «فرشة» من الكرتون أو الصفيح أو القماش أو البطاطين وصنع محله الخاص المتنقل، ووضع بداخله أو على أطرافه ما يريده الزبون.
طبعًا الممنوعات من كذا وكذا موجودة وإن كانت على استحياء، فهى لها زبونها الذى سيعرف كيف يحصل عليها.
هل هناك كارتة أو أى تنظيم أو أى رقابة من أى جهة كانت؟.
يا رجل كف عن أسئلتك الوجودية، قلت لك سابقًا إنها البركة.
أرضية الموقف ترابية، عفوًا فالكذب على الله خيبة، هى ليست ترابية إنها تلال من التراب ومخلفات البناء والرمال المحملة بكذا وكذا من مخلفات الإنسان، فلا وجود لحمام أو أى ساتر يصلح لتلبية الطبيعة.
رأيت على أطراف الموقف مسجدًا يدل خارجه على عظمته، ولكنه يغلق أبوابه فور نهاية الصلاة، وقد قال لى من يبدو خادمًا للمسجد: «السواقين هيبهدلوه وهيعملوه لوكاندة».
يعنى لا أمل؟.
على العكس تمامًا، فالأمل فى إدارة الموقف وتحصيل منافع مادية واجتماعية، بل وإنسانية لا يزال قائمًا بقوة، فلو تكرمت أى جهة مسئولة وأعلنت إشرافها على الموقف وإدارته وفق نظام صارم مقابل تحصيل رسوم معقولة من أصحاب السيارات لكان فى ذلك الخير للجميع، ولكن من الذى يريد العمل الجاد المنظم المتعب ؟.
ــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة السبت، 13 يوليه 2019

السبت، 12 أكتوبر 2019


وما آفة الأخبار إلا رواتها
فى العام 359 من هجرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، ولد محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم، ونحن نعرفه باسم شهرته «الشريف  الرضي » وقد عرفناه لأن سجلات الشعر العربى قد حفظت قصائده التى يعد بعضها من عيون الشعر العربى.
يفصلنا عن زمن هذا الشاعر ما يزيد على الألف عام ، ولكنه ببصيرة الشعر المضيئة قال بيتًا، سار بين الناس كسريان النار فى الهشيم.
قال الشريف : «وهمْ نَقَلُوا عَنّى الذى لمْ أفُهْ بهِ / و ما آفة الأخبار إلا رواتها».
نحن الآن وفى زماننا هذا، وفى أيامنا تلك قد سقطنا جميعا فى قبضة هذا البيت.
أنت لم تقل شيئا عن أمر من الأمور ، ثم يأتى أحدهم ويقول على لسانك الذى لم تفه به، ثم بعد فلان يأتى فلان وعلان وزيد وعبيد فيروى كل واحد منهم الكلام كما يشاء هو وبصياغته هو وبالمعنى الذى يريده هو، فيصبح كلامًا من الكلام الذى يملأ الدنيا ويشغل الناس، فيضيع جسد الجريمة الحقيقية، ألا وهى أنك لم تتحدث أساسًا، بل ولم تفتح فمك.
ما سبق هو جزء الكارثة الظاهر، ولكن لأن الأمر أمر كارثة أخلاقية وشرعية واجتماعية، فهى مدفونة فى الأعماق السحيقة، ومواجهتها تحتاج إلى شجاعة ندر الذين يتحلون بها، وتحتاج إلى عزيمة من حديد.
القصة تبدأ على وجهين، الوجه الأول أن أكون صامتا لم أتحدث، فتأتى أنت وتقول على لسانى كلامًا، ثم ينتشر هذا الكلام ويسود بين الناس، وقد أدفع أنا الصامت، ثمنًا باهظًا يعرقل حياتى ويفسد حساباتى.
هذا الوجه على قبحه أهون من الوجه الثانى، وفيه أكون أنا قد كذبتُ، وتكون الطرق أمامك أنت ممهدة ومتعددة لتكذيبى وكشف حقيقتى أمام الناس، ولكنك لغرض فى نفسك ـ والغرض مرض ـ تترك كل الطرق وكل السبل وتختار أسوأها وأقبحها.
أنت الآن أمسكت بى وقبضت عليّ وأنا أكذب، وبين يديك كل الأدلة التى تستطيع بأبسطها وأهونها نسف كل أكاذيبى وفضحى أمام الناس والتشهير بى ومحو مصداقيتى، فتركل أنت هذه الفرصة السانحة وتهدر بيديك كل الأدلة وتحارب كذبى بأن تكذب عليّ !
ما هذا الخبل ؟
هل لاحظت أنك هكذا قد أصبحت مثلي، وقد تساوت الرؤوس فإن كنت أنا كذاب ، فأنت كذاب أيضًا فلا فضل لأحدنا على الآخر ؟
هل انتبهت إلى أنك قد فقدت مصداقيتك وأصبحت مثلى تماما لا يؤخذ بشهادتك ؟
لقد قلت لك من البداية إننى كذاب، أنا  رجل ماهر فى الكذب،  أعرف كيف أذهب إلى منابعه ، وأعرف كيف أجمّل وجهه القبيح بغلالة من الكلام الذى تفوح منه رائحة صدق مزور ومزيف، ومع أننى قد صارحتك بحقيقتى وبتمكنى من لعبة الأكاذيب، فأنت جئت إلى ملعبى وساحتى بقدميك وتريد أن تغلبنى وتقهرنى.
كيف هذا يا رجل ؟ أين عقلك ولن أتحدث عن أخلاقك؟!
يا سيدى أمامك كذاب أمسكت به وهو يكذب، بل قمت بتصوير جريمته بالصوت والصورة، لماذا تكذب عليه وتقول إنه لص ؟
تظن أن تضخيمك لجريمته سيوقع به ، لا يا صاحبى، أنت هكذا أفلته من عقاب مؤلم كان بانتظاره، سيفلت من جريمة الكذب وسيشهر بك لأنك كذبت عليه ورميته بجريمة هو لم يقترفها، وسيثبت أنه برىء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، ويظهرك أنت فى ثوب الكذاب.
ولتلك الكارثة وجه لا يلتفت له الطرفان، الكاذب والذى يكذب عليه، ذلكم الوجه أعنى به المحيطين بالطرفين والمستمعين لهما، الطرفان لهما جماهير، وتلك الجماهير من الطبيعى والبديهى أن تتحدث وتتحاور وتتناقش، وهى لن تفعل ذلك إلا إذا سمعت، وهى الآن تعيش تحت نيران اثنين، كلاهما يكذب، فماذا تصنع تلك الجماهير؟
ستقع فى الارتباك ثم فى الحيرة ثم فى الريبة، ثم ـ وهذا سيئ جدًا ـ ستكون مضطرة لنفض يديها من الأمر كله، وتترك فلانا يعارك فلانا ولا تتدخل لصالح أحدهما ولا تلعب دورها فى تقويم الأمور والانحياز إلى الحق والخير.
قصة الكذب معقدة جدا ومتشعبة غاية التشعب ، وقارب النجاة واحد لا يتعدد وسهل ميسور، ولا قارب سوى الصدق، فعليه وعليه وحده تقام الحضارات وتبنى المدن، ويعرف القاتل وجه قاتله، ولكن خلط كل الأوراق لن يقود إلا إلى الفوضى، والفوضى شر مطلق ووباء فتاك، عندما يهاجم فإنه يصيب الجميع ، ساكن القصر وساكن الكوخ ، ولا ينجو منه أحد.