الثلاثاء، 24 مايو 2022

الموسيقى بين الرافعي ووديان الملاح

 

كتبَ مصطفى صادق الرافعي:

"اسلمي يا مصـرُ إنـنـي الـفِـدا         ذي يــدي إن مــدَّتِ الــدنـيـا يـدا

أبـــدًا لـــن تــسـتــكـيـنــي أبـــدًا         إنــنـي أرجـــو مــع الـــيــوم غـــدا

ومعي قلبـي وعزمـي للجـهاد        ولـقـلـبي أنـتِ بـعـدَ الـدين ديــن

لـــكِ يـــــا مـصـــرُ الــســــلامـــة        وســــــــلامًــــــــا يـــــــــــا بــــــــلاد

إنْ رمـــى الـــدهـــرُ ســـهـــامَــه        أتَّـــــقــــيـــــــهـــــــــا بـــــــفـــــــؤادي"

ولحَنَ الموسيقار صفر علي، ليصلنا نحن الناشئة النشيد المصفى الذي أولعنا بترديده ونحن نسبغ على أنفسنا هيئة الأبطال الذين ستتلقى قلوبهم السهام حماية لأمهم العظمى الجليلة.

تلك كانت بداية معرفتي بأديب وشاعر وناقد العربية الكبير الرافعي، وقد أحببته من يوم معرفتي، ثم قرأت أمهات كتبه وعرفت قصاصات من سيرته، فما زادتني معرفتي بكتبه وأشعاره إلا حبًا مع حب نشأ منذ الطفولة الباكرة.

ومع تلك المحبة لم أكن أنظر إليه نظرتي إلى أصحاب المعجزات، ولم أكن أشفق عليه، بل كنت أحيانًا أضيق ببعض تصرفاته، لأنه كان يرمي بقلبه في ميادين هو ليس من أهلها، ثم قرأت رواية النبيذة لأديبة العراق الأستاذة إنعام كجه جي في عامي الماضي، وكان قد مر على رحيل صادق الرافعي أربعة وثمانون عامًا، فإذ بالرواية العجيبة تبعث الرافعي في قلبي من جديد وتجبرني على العطف عليه والبكاء من أجله ورفعه إلى مقام ومكانة أهل الإعجاز والمعجزات.

رواية الأستاذة إنعام ليست عن شيء سوى الموسيقى، وحياة الرافعي لم تكن سوى قطعة مؤلمة من موسيقى صامتة.

قرأت الرواية وأنا أتألم لمصير بطلتها وديان الملاح، فعدت إلى قراءة كتاب " حياة الرافعي " لتلميذه وصاحبه وكاتب سيرته الأستاذ محمد سعيد العريان، فعرفت أي رجل كان مصطفى صادق الرافعي.

قال العريان: "في السنة التي نال فيها الرافعي الشهادة الابتدائية، وهي كل ما نال من الشهادات الدراسية، أصابه مرض مُشفٍ أثبتَه في فراشه أشهرًا، وأحسبه كان التيفويد فما نجا منه إلا وقد ترك في أعصابه أثرًا كان حبسةً في صوته ووقرًا في أذنيه من بعدُ. وأحس الرافعي آثار هذا الداء تُوقر أذنيه، فأهمه ذلك همًّا كبيرًا، ومضى يلتمس العلاج لنفسه في كل مستشفى وعند كل طبيب، ولكن العلة كانت في أعصابه فما أجدى العلاج عليه شيئًا، وأخذت الأصوات تتضاءل في مسمعيه عامًا بعد عام كأنها صادرة من مكان بعيد، أو كأنَّ متحدثًا يتحدَّث وهو منطلق يعدو.. فإنَّ صوته ليتضاءل شيئًا بعد شيء، حتى فقدت إحدى أذنيه السمع ثم تبعتها الأخرى، فما أتمَّ الثلاثين حتى صار أصمَّ لا يسمع شيئًا مما حواليه، وانقطع عن دنيا الناس".

لا حول ولا قوة إلا بالله، هل الشعر شيء غير الموسيقى؟ هل شاعر لا يسمع الموسيقى؟ كيف يضبط شاعر موسيقى شعره وهو أصم لا يسمع قصف المدافع؟

كانت وديان الملاح بطلة النبيذة عازفة كمان بارعة، كانت تحنو على الكمان كما تحنو أم على وحيدها، كانت قادرة على التقاط أدق النغمات.

كانت وديان مثل الرافعي كريمة بيت من بيوتات حاضرة الدنيا بغداد، وكان أهلها كرماء يحبونها ويحبون ما تفعل، وكان الرافعي ابن وحفيد لعلماء أجلاء يتولون أرفع مناصب القضاء في مصر، وكانوا يحبونه ويريدونه متفرغًا للعلم، ولكنه القهر يا صاحبي سيدمر حياة الاثنين، الرافعي ووديان.

تخلف الطب في زمن الرافعي (مات في العام 1937) كان هو القهر الذي أفقد الشاعر سمعه.

قهر وديان كان قهرًا معاصرًا، أجبرها ابن طاغية القوم على حضور حفلة من حفلاته، يضيق ابن الطاغية الملقب بالأستاذ بوديان، فينتقم منها شر انتقام، يأتي بسماعات ويجبرها على وضعها على أذنيها، يعلو صوت الموسيقى فجأة ويخفت فجأة ثم يعود ليعلو، يظل ابن الطاغية يصب عذاب الموسيقى في أذني وديان حتى ينفجر مركز السمع، فتصبح صماء.

موسيقية صماء، كيف يكون هذا؟

تقول الأستاذة إنعام على لسان وديان: "كاملة. بحواسي الخمس. هكذا ولدتني أمي. أبصر وأسمع وألمس وأتذوق وأشم، لكن الأستاذ أحب أن يسلبني إحداها. هكذا، بقرار منه، أو برعونة، فقدت سمعي. أصبحت على حافة الصمم. أستعين بلوزتين إلكترونيتين أدسهما في كل أذن، تكبران لي صوت التلفزيون ورنين الجرس وأحاديث من حولي. أسمع أبواق السيارات ويفوتني حفيف الشجر ونقيق الضفادع وهسهسة النار وهمسة أشتاق إليها. أري الموج يتكسر على جرف النهر ولا تصلني طبطبة الموجة على الموجة. ترفرف أجنحة الحمام، خرساء، فوق رأسي. وغطاء إبريق الشاي يطفو فوق فورة الماء بسكون. لا نحاس يقرقع. لا منبه يوقظني. صار على أن أسمع العالم بعيني، بالأنامل. أتذوق الأحاديث وأنا ألملمها بأهدابي عن شفاه المتكلمين".

حظ الرافعي كان أسوأ من حظ وديان، يقول الأستاذ العريان: “وامتدَّ الداء إلى صدره فعقد عقدة في حبال الصوت كادت تذهب بقدرته على الكلام، ولكن القدر أشفق عليه أن يفقد السمع والكلام في وقت معًا، فوقف الداء عند ذلك، ولكن ظلت في حلقه حبسة تجعل في صوته رنينًا أشبه بصراخ الطفل، فيه عذوبة الضحكة المحبوسة استحيت أن تكون قهقهة ".

حظ وديان كان أحسن قليلًا من حظ الرافعي فقد تمكنت من الفرار من جحيم الأستاذ إلى باريس، نعم لم يعد لها سمعها الذي سلبه الأستاذ ونعم لم تعد لها موسيقاها ولكن على الأقل تمكنت من أن تتنفس بعيدًا عن تلوث كوني صنعه الأستاذ بقمعه وجبروته وتسلطه.

كان حقًا عليّ أن أشفق على الرافعي وأنزله منزلته بين أصحاب الإعجاز والإنجاز، أصم لا يسمع قصف المدافع يكتب للوطن وعن الوطن خير الشعر ويكتب عن الحسناوات خير الغزل، أصم لا تحتفظ ذاكرة أذنيه سوى بتكبيرات العيد، ولذا كان يتمني لو عاد له سمعه فيسمعها ثانية حية حارة تعيده إلى براءة طفولته.

وبعدً فسأظل أشكر الأستاذة إنعام التي عرفتني بروايتها الفاتنة بوجه الإعجاز والإنجاز في حياة أديب العربية الكبير مصطفى صادق الرافعي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة صوت الأمة/ السبت / 21 مايو 2020

الجمعة، 20 مايو 2022

بطانة النجوم وأكاذيبهم


لأمر لا يعلمه إلا علام الغيوب، يبتلي النجوم أنفسهم ببطانة، تفسد ما بينهم وبين الناس، بل أحيانًا تفسد تلك البطانة ما بين النجم وبين ذاته وخاصة أهله، وهذا معروف مشهور نشاهده بعين اليقين لا بعين الظن والتخمين.

في كتابها" إبراهيم ناجى.. زيارة حميمة تأخرت كثيرًا "توقفت مؤلفته وحفيدة الشاعر الكبير إبراهيم ناجي الدكتورة سامية محرز طويلًا عند واحد من بطانة ناجي، وهو الشاعر الشهير صالح جودت.

الأستاذ صالح جودت "12 ديسمبر 1912 - 22 يونيو 1976" لم يكن ينقصه شيء لينصف أستاذه وصاحبه إبراهيم ناجي.

كان صالح صحفيًا وكاتبًا وشاعرًا، وغنت له أم كلثوم فحاز المجد من أطرافه، ولكن الدودة في أصل الشجرة، كما قال الراحل الكريم صلاح عبد الصبور. ولكي تكون على بينة من أمر الأستاذ صالح جودة، فسأضع بين يديك ما سبق لي كتابته عنه مستندًا إلى كتاب "الأرشيف السري للثقافة المصرية" للدكتور غالي شكري.

كتبتُ: "كان النشاط الفني للفنانة مديحة يسرى، قد تقلّص، فرأت أن تؤسس شركة للتسجيلات الفنية تحت اسم «شركة الموارد الثقافية والفنية»، شركاؤها كانوا من الكويت، ولذا فإن المقر الرئيسي للشركة كان فى الكويت. ذات يوم هاتفها رجل من جهاز أمنى مصري طالبًا منها الاتصال بالشاعر الأستاذ صالح جودت. هنا انتبه: صالح جودت ليس عابرًا فى كلام عابر، إنه شاعر غنت قصائده أم كلثوم، وتغنى هو بكل الحكام من فاروق إلى السادات!

أحسنت ثورة يوليو لجودت، فكان صحفيًّا لامعًا ورئيس تحرير وشاعرًا بالعامية والفصحى، هل سمعت أغنية وردة العذبة «روحي وروحك حبايب من قبل دا العالم والله»، إنها من تأليفه ومن ألحان فريد الأطرش، اختصارًا لم تؤذِ يوليو جودت أدنى أذى، ولكن ما فى القلب يظل فى القلب وقلب جودت كان ممتلئًا حتى حافته بكراهية يوليو، فما إن مات عبد الناصر حتى اندفع جودت يهجو كل فعلٍ يوليوىّ حتى لو كان فى عظمة بناء السد العالي، جودت كان يخمّر لفتنة أهلية عندما كتب معادلته الشهيرة التى تقول: "الماركسيون ملحدون، والمصريون متدينون، إذن الماركسيون ليسوا مصريين".

نعود إلى سياقنا فنرى أن مديحة يسرى قد اتصلت بصالح جودت كما أمرها رجل الأمن، فرد عليها جودت قائلًا: «لقد ألّفت كتابًا عن الرئيس الراحل، وبيقولوا ممكن تنشريه وتسجّليه كمان بصوتي، ماتفكريش فى الفلوس من ناحيتي".

كانت الدهشة ستشق مديحة إلى نصفَين، صالح جودت عدو يوليو ومفجرها كتب كتابًا فى مدح عبد الناصر، بل سيسجله بصوته على أشرطة كاسيت!

جودت الحريص على حقوقه المادية لا يهتم بالفلوس!      

الذي اتصل بمديحة كان بطبيعة الحال قد رتّب الأمر مع جودت، وجاء له بحقوقه، اثنا عشر ألف جنيه مصري. "انتبه نحن فى مطلع السبعينيات عندما كان الدينار الكويتي بجنيهَين".

فى نوفمبر 1970، ظهرت نسخة الكتاب الجودتى ومعها شريطا كاسيت سجل عليهما صالح جودت كتابه المادح فى حياة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر البطل المغوار القائد الضرورة و.........

وكما تم التأليف والتسجيل بسرعة، جرى إخفاء جثث النسخ والأشرطة".

انتهى ما كتبت ونعود للدكتور سامية محرز التي نبشت تاريخ جدها، لكي تتعرف هي على نفسها وعلى جذورها الضاربة في عمق التربة المصرية والعربية.

كتاب الدكتورة سامية أخطر وأهم وأعمق وأثرى من أن يكون كتاب تعديد لمناقب ناجي، إنه كتاب يبحث عن جذور ناجي، متى جرى غرسها وكيف شبت حتى أصبحت الحديقة الغناء التي نعرقها باسم إبراهيم ناجي.

ولأن الدكتورة سامية كانت تبحث عن الحقائق في بهاء اكتمالها لا عن أنصافها ولا أرباعها، فقد قرأت ما كتبه الأستاذ صالح جودت عن أستاذه الذي هو جدها.

بجملة واحدة منصفة فإن معظم ما لحق ناجي من شائعات وأكاذيب يعد صالح جودت هو المصدر الأول له.

نستمع للدكتورة سامية تقول للأهرام: "مع تطور المادة التى صارت بين يدي وجدت أشياء تجعلني أتشكك، مثل رواية الملهمة الأولى التى يؤكد جودت أنه يعرفها بشكل شخصي وأنها عنايات محمود الطوير، فى حين أن الصدفة جعلتني التقى حسين عمر حفيد علية الطوير الملهمة الحقيقية لناجى، ليحكي لي بشكل قاطع كذب رواية جودت ويوصلني بأميرة ابنة علية التى تكشف لي القصة وتؤكد أن اسم صالح جودت لم يتردد يوما فى بيتهم".

هل كف الأستاذ صالح يده عن تراث وميراث ناجي بعد تلك الواقعة؟

الحقيقة تقول: لا.

تواصل الدكتورة سامية:" الله أعلم صالح جودت فعل هذا لماذا، لكن التركيبة كلها غريبة جدا، فمثلا يستهل جودت كتابه عن ناجى بمقدمة لعباس العقاد الذي كان قد هاجم ناجى فى حياته مع طه حسين ويتهمه فيها افتراء بسرقة أبيات من شعره ثم ينتقص من مكانته الأدبية واصفا إياه بشاعر الرقة العاطفية ومصنفا ديوانه الشعرى بديوان الشاعر الظريف ثم يضفي بعض الشكوك على شعر ناجى مؤكدا أن بعض القصائد التى نُسبت إليه هي فى الواقع قصائد لصالح جودت نفسه".

هذا بعض ما فعله صالح جودت بأستاذه بعد رحيله بسنوات، ولولا بحث الدكتورة سامية لظل كتاب صالح جودت هو المصدر المعتمد لكل باحث في حياة ناجي وشعره.

فمتى يتخلص النجوم من سموم بطانتهم؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة صوت الأمة السبت 26 فبراير 2022م