الخميس، 24 نوفمبر 2022

نزار قباني.. حبيب الحب وعدو المرأة




تقول البيانات الرسمية: إن نزار قباني هو ابن صانع الحلوى توفيق قباني الذى يقول عنه بعضهم إنه ابن لرائد المسرح العربى أبو خليل القباني.

بعض المصادر تقول: إن خليل القباني هو عم والد نزار لا والده.

وتشير بعض الكتابات إلى أن نسب نزار يصعد حتى الإمام الحسين بن عليّ.

تؤكد البيانات الرسمية أن نزارًا قد ولد بدمشق فى 21 مارس من العام 1932 ودفن بها فى 30 أبريل 1998.

تضيف البيانات أن نزارًا قد درس الحقوق ثم عمل بوزارة الخارجية السورية التى عينته دبلوماسيًا فى أكثر من عاصمة، منها القاهرة وأنقرة ولندن وبكين ومدريد، ثم قدم استقالته وهو فى الأربعين من عمره متفرغًا لشعره.

سنترك حديث البيانات الرسمية الذى لا يسمن ولا يغنى من جوع مع شاعر وصف نفسه بأنه "الكبريت والنار"، ونذهب إلى الشاعر نزار، تاركين الرجل الرسمي صاحب المناصب الخطيرة.

أقدم بين يديّ كلامي كلمة نسبوها للعقاد: "لقد دخل نزار مخدع المرأة ثم لم يغادره".

إن صحت نسبة الكلمة للأستاذ العقاد فهل هي الحكم الصحيح على إنتاج نزار قبانى؟

الغالبية تقول: إن نزارًا هو شاعر المرأة، وما تقوله الغالبية يساند ما نسبوه للعقاد.

ولكن هل نزار حقًا هو شاعر المرأة ؟

هل تبنى نزار قضايا المرأة ؟

هل دافع عنها ؟

ما هي صورة المرأة فى شعر نزار؟

بل ماذا أراد نزار من المرأة وكيف حلم بها؟

المرأة هي موضوع الحب البشرى، والرجل الذى لم يذق حب امرأة ولو مرة فى عمره يصبح ناقصًا نقصانًا يهدم كيانه ويشوه تكوينه، ثم إن ذلك الرجل عندما يسمو إلى مقام الحب (هم يقولون سقط فى الحب.. بئس ما قالوا) يكسو المحبوبة بصفات الجمال.

فهل كان هذا شأن نزار مع المرأة التى لا يقوم ديوانه إلا عليها؟




الناقد السوري "خالد حسن" سيضعنا على أعتاب إجابات الأسئلة.

كتب خالد عن نزار كتابًا تحت عنوان "نزار قبانى قنديل أخضر على باب دمشق".

فى ذلك الكتاب شهادة مهمة جدًا للشاعر الكبير الأستاذ محمود درويش قال فيها: "علمني نزار أنّ الشعر ليس له هيبة، يمكن أن تشتغل قصيدة من بنطال، ومفرداته ليست مستعصية، وأن ما نعيشه يمكن أن نحكيه ببساطة تامة".

تلك الشهادة تقول: إن نزارًا كان أستاذًا لدرويش الذى ستجد بصمة نزار واضحة على شعره فى بداياته، ثم تلك الشهادة عندما تمد خيطها لمنتهاه، ستجد أن التلميذ القديم قد وضع يده ببيت واحدة من أبياته على مكمن الجرح النزارى وذلك عندما قال:

وأحب الحبَ 

 إذ يبتعد الحبُ .. أحب الزنبقة

نعم الشعر لدرويش ولكن الجرح لنزار، الذى أفنى حياته باحثًا عن الحب، وليس عن المرأة، غافلًا عن أن الحب البشرى لا يقوم إلا بين رجل وامرأة.

هل بدأت الإجابة عن أسئلتي التى صدرت بها كلمتي؟

لا يمكن لمنصف قراءة علاقة نزار بالمرأة بعيدًا عن أحداث حياة نزار الخاصة.

شقيقة نزار السيدة وصال قتلت نفسها لأن أهلها زوجوها رغم أنفها، وقعت تلك الحادثة المحرقة ونزار فى بدايات تكوينه، سيقول نزار عن جنازة أخته: إن جنازتها كانت جنازة شهيدة، كانت مثل جنازة رابعة العدوية!

قالوا: إن نزارًا لم يفطم إلا فى سن السابعة!

وقالوا: إن أمه كانت شديدة العطف عليه فكانت تطعمه بيديها حتى بلغ الثالثة عشرة من عمره!

هل قصة الرضاعة حتى السابعة من العمر تصلح تفسيرًا لكل تلك النهود التى تملأ ديوان نزار؟

ثم جاء الشعر (والشعر قدر من أقدار الله متى جاء فلا راد له).

لقد ترك نزار الرسم الذى برع فيه، ثم ترك عزف العود الذى تعلمه فى طفولته، لقد ترك كل شيء وطارد سحب الشعر، فلعل سحابة تمطر عليه قصيدة.




فى الثامنة عشرة من عمره قال نزار الشعر، وفى الثانية والعشرين نشر أولى مجموعات ديوانه الضخم جدًا، مجموعته الشعرية الأولى حملت عنوان "قالت لي السمراء".

لقد نشرها على حسابه الخاص، وصنفها النقاد بوصفها مجموعة إباحية.

فى بداية شدو أي شاعر يقع فريسة حيرة اختيار الموضوع، تلك الحيرة أفلت نزار منها، فموضوعه قائم فى أصل خلقته، موضوعه هو المرأة التى رضع من صدرها حتى بلغ السابعة.

ترى ماذا قالت السمراء لنزار قبانى؟

لا تندهش عندما أقول لك: إنها لم تقل شيئًا.

نزار لم يترك لها فرصة الكلام، سمراء نزار ليس لها وجود، لقد خلقها هو خلقًا، ولأنه الخالق فهو المتكلم، سمراء نزار لن تجدها لا فى قاعة الدرس ولا فى المصنع ولا فى المشغل ولا فى الحقل ولا فى الشارع، إنها سمراء الغواية التى خلقها نزار، ثم راح على امتداد ست وثلاثين مجموعة شعرية يقطع ألسنة السمراء والشقراء والبيضاء والسوداء، ويتحدث هو، وهو فقط.

منذ البداية أفصح نزار عن موقفه وعن رؤيته للمرأة المتهم بالدفاع عنها، وتلك تهمة يجب نفيها وشرف يجب ألا يلصقه أحد بنزار.

قال نزار: 

لم يبق نهدٌ أبيضٌ أو أسودٌ

إلا زرعت بأرضه راياتي

لم تبق زاوية بجسم جميلة

إلا ومرت فوقها عرباتي

فصًّلتُ من جلدِ النساء عباءةً

وبنيت أهراما من الحلمات..

وكتبت شعراً لا يشابه سحره

إلا كلام الله فى التوراة .

هل نحن أمام سلخانة أم قصيدة ؟.. هل نزار شاعر أم جزار؟

ثم ما الذى جاء بالتوراة فى هذا السياق؟

إنها القافية وليس أكثر، فالتوراة التى بين أيدينا مترجمة، وقد حرص مترجموها لحاجة فى نفوسهم على أن يجعلوها غاية فى الركاكة فلا سحر ولا بيان.

ما سبق لا يقوله محام عن المرأة، يقوله عدوها فقط.

ثم يقول نزار: 

وغدًا سيذوى النهد والشفتان منكِ

فأقدمي وتفكري بمصير نهدكِ بعد موت الموسمِ.

ثم يذل أحداهن ويفضحها قائلًا

"أتهددين بحبك الثاني.. وزند غير زندي؟

إني لأعرف، يا رخيصةُ، أننى ما عدتُ وحدي

هذا الذى يسعى إليكِ الآن لا أرضاه عبدي

فليمضغ النهدَ الذى خلَّفتُه أنقاض نهدِ

يكفيه ذلًا أنه قد جاء ماء البئر بعدي"

القصة إذن قصة أكل ومضغ وفضلات وبئر لا ترد دلوًا !

أين المرأة التى يقولون إن نزارًا هو شاعرها؟

هل هي تلك السحاقية ؟

مطرٌ.. مطرٌ.. وصديقتُها

معها، ولتشرينَ نواحُ

والبابُ تئنُّ مفاصلُهُ

ويعربدُ فيه المفتاحُ

شيءٌ بينهما.. يعرفُهُ

اثنانِ، أنا والمصباحُ

الذئبةُ تُرضع ذئبتها

ويدٌ تحتاجُ وتحتاجٌ

ودثارٌ فرَّ.. فواحدةٌ

تُدنيه. وأخرى ترتاحُ

وحوارُ نهودٍ أربعةٍ

تتهامسُ، والهمس مباحُ

ويكسَّرُ نهدٌ واقعهُ

ويثورُ، فللجرحِ جراحُ

أشذوذٌ.. أختاهُ إذا ما

لثم التفّاح التفاح

نحنُ امرأتان.. لنا قِممٌ

ولنا أنواءٌ.. ورياحُ

فإن لم تكن السحاقية فهل هي التى قال لها:

مغامرة النهد.. ردِّى الغطاء

على الصدر والحلمة الآكلة

كفاك فحيحاً بصدر السرير

كما تنفخ الحيَّة الصائلة

لقد غمر الفجر نهديك ضوءاً

فعودي إلى أمِّكِ الغافلة

ستمضى الشهور.. وينمو الجنين

ويفضحكِ الطفل والقابلة

القابلة هي "الداية" 

والرجل بعد أن فعل فعلته قال لها: "عودي لأمك".

ولو نما الجنين سيقسم بالله مثل كل نذل: "ليس ابني".

هل ترى فى هذا الشعر دفاعًا عن المرأة ؟

بل هل ترى غير امرأة الفاحشة عارية النهد والفخذين، التى تتكاثر على بئرها الدلاء؟

ليت شاعرنا لم يقع على موضوعه فى بدء أمره، لو وقع نزار فى الحيرة لكثرت موضوعاته، فقد وهبه الله بساطة ساحرة، إنه كما قال درويش يستطيع كتابة قصيدة من بنطال، ولكن الموضوع الجاهز المعلب طمس شاعرية نزار فقل معجمه حتى أصبح ضئيلًا ضآلة مفزعة، ليس فى معجمه سوى النهد والفخذ وهسهسة القرط وضوء الكتفين، وفحيح السرير، هي مئة كلمة لا تزيد دار فى فلكها نزار منذ مجموعته الأولى :قالت لي السمراء" 1944، وإلى مجموعته الأخيرة "أبجدية الياسمين" 1998.

ليت نزارًا عرف مأساته، لقد كان الحب هو مأساته وجرحه النازف أبدًا، لقد أحب نزار الحب، أما المرأة التى هي موضوع الحب فقد مر بك كيف تكلم عنها نزار.

رحمه الله كان شاعرًا يحترم الحب ولكنه لم يحترم المرأة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صوت الأمة 12 سبتمبر 2018

الخميس، 10 نوفمبر 2022

عشيق الليدي تشاترلي وأبناء الزبالين المصريين



لماذا وقفت إنجلترا قلعة الحريات وأم الديمقراطيات ضد رواية، مجرد رواية تحمل عنوان "عشيق الليدي تشاترلي"؟

أغلب ما وصلنا من أراء القراء والقضاة والنقاد يؤكد لنا بوضوح أن الغالبية الكاسحة من الشعب الإنجليزي المتمرس منذ قرون علي الممارسات الديمقراطية كان يرفض نشر الرواية، بل لا يسمح بوجود نسخها على أرفف مكتباته العامة.

تري  لماذا كل هذا العداء؟


الطبعة السرية

قبل الغوص في عالم الرواية نقول إن مؤلفها هو الروائي  البريطاني ديفيد هربرت لورانس، ولد  في العام 1885 ومات في العام 1930، رحلة حياة تعد قصيرة، أنجز خلالها حوالي خمسمائة قصيدة وعشر روايات، ترجم معظمها إلي العربية، وسنعتمد في تناولنا لرواية "عشيق الليدي تشاترلي" على الترجمة التي قام بها الدكتور "أمين العيوطي" وصدرت  عن روايات الهلال في العام 1989.

كتب لورانس روايته الأشهر في العام 1926، وقد كتبها أربع مرات حتى استقر على المخطوطة الجديرة بالنشر من وجهة نظره، ولأنه كان يعلم من تجارب سابقة أن بريطانيا العظمى لن تسمح له بنشر روايته من أراضيها فقد نشر الرواية لأول مرة لأول مرة في عام 1928، إذ تم طبع الطبعة الأولى في سرية تامة بمدينة فلورنسا الإيطالية، وذلك بفضل شجاعة  الناشر الإيطالي "بينو أوريولي". 

ما الذي تحمله الرواية حتى تقابل بكل هذا العنف؟

هل تصدقني لو قلت لك: لا شيء!

ثم هل تصدقني لو قلت لك: إنها إحدى أخطر روايات القرن الماضي وقد مثلت للإنجليز تحديدًا ما يمثله برميل بارود وضع بجوار نار مشتعلة.




أحداث  الرواية

ضربة البداية تقول: "إن عصرنا عصر مأساوي في جوهره، ولكننا نرفض أن نجعل منه مأساة".

 كان هذا هو حال كونستانس تشاترلي، زوجة كليفورد تشاترلي، الذي تزوجته في العام 1917، وبعد إجازة شهر العسل عاد ليشارك في الحرب العالمية الأولي، وفي الحرب أصيب إصابة جعلته عاجز الجسد والروح والقلب.

عجز الروح والقلب لا شفاء منه حتى لو أكثر كليفورد ـ وهو القارئ النهم المثقفـ  من قراءة أمهات كتب الشعر خاصة والأدب عامة، واستغرق في الاستماع إلى روائع الموسيقي الكلاسيكية، وأحاط قصره بغابة مترامية الأطراف.

زوجته الشابة التي لم تسعد جسديًا معه سوي في شهر العسل، كانت تداوي عجز قلبه وروحه بأن تشاركه في كل شيء، من الموسيقي وحتى النقاش حول محاورات أفلاطون.

أما عجز جسد الزوج فقد وجدت له حلًا بعلاقة جسدية مع "باركين" حارس الغابة، وقد أثمرت علاقتها بالحارس جنينًا يرقد في بطنها.

كليفورد كان يؤمن تمام الإيمان أن زوجته كونستانس لن تظل راهبة حتى مماتها، ولذا فقد أنتهز جلسة مصارحة من جلساتهما وألقى بكرة اللهب في حجرها، عندما قال لها: إن رغبتها في الأمومة حق لا يساويه حق، ولكن بشرط ألا يعلم شخصية الأب وأن ينسب الولد إليه هو لكي يكون وريث آل كليفورد.

هذا العرض الجارح لم يباغت كونستانس التي لم تكن قد أقامت علاقتها بعد مع حارس الغابة، تلك العلاقة التي لن تكون استجابة لعرض الزوج ولكن لسبب آخر تماما، سنعرف بعد قليل إنه وأسباب دفينة أخري وقفت في حلق الإنجليز فناصبوا الرواية عداءً  تاريخيًا.




الرواية في المحكمة

في العام 1960 وبمناسبة مرور ثلاثين عامًا علي وفاة مؤلف الرواية لورانس غامرت بل قامرت دار "دار بنجوين" وقامت بالنشر العلني للرواية، مستغلة تغييرات جدت على قانون المطبوعات البريطاني .

ما إن ظهرت الرواية في السوق الأدبي البريطاني حتى هبت النيابة البريطانية وقامت برفع  دعوى قضائية  لمصادرة الرواية!

برجاء ملاحظة أن  هذا حدث في  بريطانيا ولندن وليس في أحراش أفريقيا.

عريضة الاتهام  التي قدمها ممثل  الادعاء  "جرفث جونس".

تضمنت التهم التالية.

1ـ الرواية منافية للذوق العام.

2 ـ تحض على الفسق والفجور.

3ـ ألفاظها عارية وتخدش الحياء العام.

أظنك سمعت هذه التهم موجهة لأكثر من كتاب في وطننا العزيز!

دار نشر بنجوين التي غامرت بنشر الرواية لم تكف مكتوفة الدين فقد أسندت إلي فريق دفاع مكوّن من ثلاثة محامين مهمة الدفاع عن الرواية.

ذهب الجميع (النيابة والدفاع) إلي قاعة المحكمة، تأكد المحامون من أن القضاة يقفون ضد الرواية فما وجدوا أمامهم سوى الذهاب إلى رأس الدمل لكي ينفتح الجرح كاملًا ويكف الجميع عن التحايل والتلاعب تحت ستار الدفاع عن الفضيلة.


الضرب تحت الحزام

نحن الآن أمام قضية رأي عام، وسيربحها الذي يربح الرأي العام، جلس أعداء الرواية مع بعضهم البعض واتفقوا علي فضح الروائي لا الرواية، ومتى فضحت الروائي كسدت روايته وانصرف الناس عنها.

فتشوا تاريخ دافيد هربرت لورانس وقالوا: إنه يكتب نفسه ويؤرخ لقصته ولا علاقة تربط بين روايته والمجتمع الإنجليزي الشريف العفيف!

الروائية البريطانية "دوريس ليسينغ" الحائزة على جائزة نوبل في الآداب، عاصرت الأمر كله وكتبت تقول: "إن لورانس كان زوجًا لسيدة ألمانية تدعى "فريدا" والزوجة كانت على علاقة مع إيطالي وكان لورنس على علم بهذه العلاقة ولم تكن هي باللباقة الكافية لتخفي أمرا كهذا كما لم تكن تراعي مشاعره في أي شيء وكانت تخبر أصدقائهما بأن لورنس كان يعاني من العجز الجنسي منذ عام 1926 وذلك نتيجة لإصابته بمرض "التدرن الرئوي".

ذلك المرض الذي  ينجم عنه أمران متناقضان، الأول هو تصعيد الرغبة الجنسية والتخيلات المرتبطة بها، والآخر العجز عن ممارسة الجنس!

 العلاقة بين لورنس وزوجته كانت موضع منازعات علنية ولم تكن هناك أسرار، فجميع الأصدقاء والمعجبين والزوار كان يتم إخبارهم بكل مراحل قصة الحب بينهما وتفاصيل ممارساتهما الخاصة، وكان لورنس يكتب عن كافة التفاصيل سواء عن طريق الشعر أو النثر، وكانت فريدا تشتكي لدى أخواتها وأصدقائها من عجزه الجنسي.




أولاد بلد

أصبح الموقف ملتهبًا جدًا بعد تسليط الضوء علي الحياة الشخصية للروائي بهدف صرف الأنظار عن حقيقة الموقف البريطاني من رواية بريطانية.

المحامون تأكدوا أن الاعتماد علي الأسانيد القانونية لن يفدهم بشيء، بل ربما خسروا القضية في جلستها الأولى.

بطريقة أولاد البلد الذين يمدون الخيط لمنتهاه، بنى فريق المحامين خطتهم على أساس الفصل التام بين حياة الروائي وروايته، ثم سألوا الحضور عن موقفهم من أعشاب حدائق لندن التي تشهد المطارحات الغرامية العارية والكاملة والمكشوفة؟

ثم تحدوهم أن يستخرجوا لهم من كلمات الرواية الألفاظ العارية المكشوفة التي يزعمون أنها تملأ صفحات الرواية.

ثم تحدوهم أن يجدوا الخط الفاصل والحاسم بين ما هو خادش للحياء العام وبين ما هو جرئ وحقيقي.

هذه الأسئلة وغيرها لم تقابل سوى بالصمت من جانب الحضور، فهم يعادون الرواية لأسباب آخري غير التي يستترون خلفها، وتلك الأسباب لا يستطيعون البوح بها لأنها ستدمر معبد الزجاج كله.


لجنة الخبراء

بعد مرافعات الدفاع أصبحت الرواية قاب قوسين أو أدنى من الحصول علي شرعية الظهور العلني في مكتبات لندن، هنا رأت المحكمة أن تحيل الأمر برمته إلي لجنة خبراء.

ضمّت  لجنة الخبراء علماء وكتّاباً ومثقفين، وبعد الفحص والتدقيق قالت اللجنة إن: "الرواية ذات مستوى فني رفيع ولا يمكن اعتبارها إباحية بأي حال من الأحوال". 

هل حصحص الحق؟.. هل ستكتفي المحكمة برأي الخبراء؟.. أم أن المحكمة لا يزال في نفسها شيء تجاه الرواية؟

لقد أحالت الرواية مجددًا إلي رئيس الأساقفة "فير وولويج" لاستطلاع رأي قداسته .

الرجل كان عادلًا وقالها صريحة مدوية: "رواية عشيق الليدي تشاترلي ليست مخلّة بالآداب".

 العجيب في الأمر أن سيدة من أعضاء لجنة الخبراء قالت في شهادتها: "الرواية رفعت العلاقات الجنسية إلى مستوى التقديس"

وعندها ضجت قاعة المحكمة بتصفيق حاد.

 

المسكوت عنه

بشهادة السيدة عضو لجنة الخبراء تم الإفراج عن الرواية التي عرفت طريقها إلى كافة الأسواق العالمية، محققًا لكاتبها ولأدب بلاده مجدًا لا يزال يناطح الزمان.

والآن ما الذي أغضب الإنجليز من رواية ابنهم حتى طاردوها على مدار ثلاثين سنة؟

دعك من حجج الأخلاق، فالرواية وإن أرخت لخيانة زوجة فهي رواية أخلاقية بامتياز (العبرة دائمًا في التناول والمعالجة وما خلف السطور يا صاحبي).

الحرب العالمية الأولي (أو قل الحرب التي فرضتها أوروبا على العالم) هي السبب الأول في مطاردة رواية عشيق الليدي تشاترلي.

بريطانيا العظمي تعرف الجرائم التي ارتكبتها في تلك الحرب، كليفورد، أحد ضحايا تلك الحرب، لقد فقد ذكورته وقلبه وروحه، بل ورجولته بالمعني العام والنبيل للرجولة في تلك الحرب المجنونة، قذيفة واحدة حولته إلى حطام يخفي أحزانه تحت قناع من الغطرسة البغيضة.

بريطانيا لا تريد من يذكرها بـ "الأجساد المشوهة، المذابح التي جرت في الخنادق  والفقر والبؤس والفراغ الذي خلفته الحرب".

بريطانيا لا تريد أن يتحدث أحد عن الذين "عبروا" والذين "هبروا" الجنود الذين عادوا إلى الوطن عادوا محطمين، بينما الغنائم حصدها الذين لم يمس أحذيتهم غبار المعارك.

الرواية تدين كل ذلك، وتفضح بأدق وصف وأنصع بيان جنون الحرب وخبل قادتها  الذين لا يروي عطشهم سوي الدم، ما دام الدم هو دم الآخرين وليس دم أولادهم أو حتى أبناء طبقتهم.   

بريطانيا راعية الديمقراطية وناشرة التحضر تريد دفن عورتها تحت تراب النسيان ولذا لا تريد أن يكشف سترها أحد حتى لو كان هذا الأحد من أبنائها وحتى لو كانت آلة الكشف رواية.




أبناء الزبالين الإنجليز

قبل أسبوعين تجرأ وزير العدل المصري السابق وتكلم في المسكوت عنه، عندما أكد في مقابلة تليفزيونية، أن أولاد الزبالين لن يصبحوا قضاة، هاجت الدنيا وتقدم الوزير باستقالته.

أبناء الزبالين في بريطانيا كانوا هم أولاد المناجم، يا لجنون وقسوة وعتمة وظلم مناجم الفحم الانجليزي.

منهم عشيق الليدي شخصيًا، حارس الغابة والأب الحقيقي لوريث آل كليفورد.

الرواية في عمقها تتحدث عن هؤلاء، عن نظرة السادة لهم، عن اختفاء الطبقة الوسطى بعد الحرب، هناك طبقتان فقط، السادة المالكون وعمال المناجم.

القصة أعقد وأشد مرارة من نظيرتها المصرية، في مصر تطفو العنصرية والتمييز فوق السطح أحيانًا، ولكن في عمق الشخصية المصرية لن تعثر بسهولة علي برجوازي مصري يقسم بالمصحف أو الإنجيل على أن السائل الذي يجري في عروق أولاد الزبالين اسمه المازوت، هذا النموذج ليس موجودًا في مصر، لكنه في بريطانيا لورانس كان مكدسًا علي الطرقات، المالكون كانوا في دخيلة  أنفسهم يؤمنون بأنهم إن جرحوا واحدًا من عمال المناجم فلن يسيل منه الدم، سيسيل منه شيء ما لكنه حتمًا ليس الدم المعروف، وذلك لأنهم يؤمنون بأن عمال المناجم كائنات من مخلوقات الله مثل الفئران والصراصير وباقي الهوام والزواحف، ولكنهم ليسوا بشرًا حتى ولو كانت لهم أسماء البشر وملامح البشر.

كانت كونستانس ترى كل ذلك وتخافه، وكانت تسأل زوجها كليفورد، وهو من ملاك المناجم: إلي متى؟

كان في كل مرة يراوغها ولا يقدم إجابة شافية.

لكنها ذات ليلة نقلت إليه خوفها من انتفاضة عمالية تهدم بريطانيا من أدناها إلى أقصاها، خاصة والزمن كان زمن الثورة البلشفية، فما كان منه إلا أن صرخ في وجهها وهو الهادئ دائمًا: هذا سيستمر ويتواصل إلي نهايات الحياة، هؤلاء لن يتقدموا ولن يترقوا حتى ولو تعلموا، هؤلاء خلقوا لكي يعيشوا الحياة التي يعيشونها، هكذا عاش أجدادهم وهكذا سيعيش أحفادهم.

تترك كونستانس كليفورد وتحاول مع باركين عشيقها وأبو جنينها، تغريه بأن يهربا معًا إلي عالم جديد وإلي بداية جديدة، لكنه  يرفض بإصرار ويضحك بمرارة شارحًا أصل القضية.

هو لا يحس معها بأنه رجلها إلا في اللحظات الخاصة، بعدها تعود الأمور إلي طبيعتها، هي المالكة وهو ابن المناجم، الموضوع ليس موضوع ثراء وفقر، إنه أعقد من ذلك، طبقة كونستانس سحقت بل محقت على مدار أجيال طبقة باركين، تحولت طبقة باركين إلي نوع من الصراصير التي لها ملامح بشرية، لكن الصرصار يدرك أنه صرصار وليس له  الخروج من كومة النفايات التي يعيش بداخلها.

هذان هما السببان الذي جعلا بريطانيا العظمي تطارد رواية على مدار ثلاثين سنة، ولكن بفضل نضال ومقاومة عمال المناجم أصبحت بريطانيا ما هي عليه اليوم، نحن هنا نشكل لجان خبراء مثلهم لقتل الكتب، وقد تشرق شمسنا ذات صباح فنجد ابن زبال على مقعد وزير العدل.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة التحرير 17 مايو 2015

الخميس، 3 نوفمبر 2022

يوم مع الأبنودي



الموضوع وما فيه أنني أريد مصافحة الأبنودي، وسيعرف هو من المصافحة كم أحبه، نقلت رغبتي تلك لبلال فضل، الذي هرش لحيته ثم قال: لو ذهبنا إلي الأبنودي غدًا فسنكون قد تأخرنا أسبوعين عن ذكرى ميلاده الرابعة والسبعين.

قاطعته قائلًا: سنذهب لمجرد المصافحة التى ستقول عنا كل شيء.

 دخلنا بيت الأبنودي في الإسماعيلية ظهيرة الثلاثاء 23 ابريل 2012، كان يعلم بقدومنا فجهز لنا كلبه الشرس وجعله يعوى، خفنا، فضحك قائلًا : يا عيني علي الرجالة !

بعد السلامات والمشروبات وقف كأنه سيغادر مجلسنا ثم نظر إلينا وقال: "بمناسبة يوم الثلاثاء العظيم سأعيد تربيتكم من جديد ".

سألته عن سر عظمة الثلاثاء، فقال: لا أعرف، ولكن أحس الثلاثاء عظيمًا هكذا في المطلق.

باغتنا بأن رفع قميصه عن جسده فصرخت زوجه السيدة نهال كمال: لا يا عبد الرحمن لا.

فرد عليها بهدوء: دعيني أعيد تربيتهم.

ما تحت القميص كانت كرات مشتعلة الحمرة، تلف صدر الرجل وظهره، أغمضنا عيوننا ولكنه نهرنا قائلًا: كنت أجرى في الدنيا مثل حصان، لم ألتفت إلى صحتي، وهذه هي النتيجة، سيخدعونكم بكلام كثير عن حياة الفنان وعن انطلاقة الشاعر، إياكم والتفريط في صحتكم لأي سبب كان.

أسدل قميصه وهو يلهث من الغضب ثم قال: لولا علاجات أوروبا التي يرسلها لي أصدقائي ما استطعت القيام أو القعود، هذا الحزام الذي يلفني هو حزام  من نار يمنعني من مجرد التنفس.

بلباقة غيّر بلال مجري الحديث متحدثًا عن جمال أشجار المانجو التى تحيط بالبيت، تلقف الأبنودي خيط الكلام فقال: ثمة أسطورة صنعها الصعايدة عن كون المانجو تنمو وتنضج وتحلو بتأثير ضوء القمر، عن نفسي أصدق تلك الأسطورة وأروجها ، جميل أن تطيب المانجو بضوء القمر، رشدي غني لي هذا المعني.

ذكر اسم رشدي قاد الحديث بشكل تلقائي لكي يرسو علي شاطئ عبد الحليم حافظ، قال الأبنودي: نصف ما تسمعونه عن عبد الحليم هو مجرد أكاذيب والنصف الآخر حقائق ناقصة ومشوهة.

واصل الخال: الأغنية هي يقين عبد الحليم الوحيد، حياته ومماته، من أجلها يترك كل شيء، من أجلها قد يقتل ويرتكب كافة الجرائم، باختصار هي حبله الصري، بدونها لا عيش ولا حياة، باقي تفاصيل حياته هي مجرد تفاصيل لا تقدم ولا تؤخر، الجهل بها لا يضر كما أن العلم بها لا ينفع، علاقتي به شهدت خلافين حادين، الأول يوم غنى لي "أنا كل ما أقول التوبة" لم يعجبني توزيعها وهاجمتها بشدة، كنت أريد لحنًا يحافظ علي صعيدية الكلمات، ثم هدأ الاختلاف عندما حدثني طويلًا عن الفرق بين الأغنية ونحن نعدها وبينها بعد أن يتم طرحها في السوق، لحظة طرحها تصبح سلعة تفتح بيوت الآخرين، ولا يجوز لأصحاب الأغنية التخلي عنها أو مهاجمتها، اعترف أن هذا المعني وإن كان صادمًا للشاعر بداخلي لكنه كان من المعاني التي تستحق التأمل، وبعد الصلح بيننا واعتماد كل منا علي صاحبه لكي نواجه معًا كارثة يونيو 1967، غنى من كلماتي رومانسيات  فيلم "أبي فوق الشجرة" كان جرح يونيو ينزف وكنت أرى أنه لا يليق الغناء الآن سوى للوطن، الوطن وفقط.




يصمت الخال قليلًا ثم يقول: الوطن شيء جليل كأنه المطلق، ولكن لن تعرفه إلا إذا ضربت في أرضه شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، وصاحبت ناسه، سأحكي لكم حكاية توضح ما أريد قوله حكاية محمود حسن إسماعيل مع النيل.

قبل أن يسترسل الخال في قص الحكاية علينا، قاطعه بلال سائلًا: "هل كانت بينك وبين محمود حسن إسماعيل علاقة شخصية".

يبتسم الخال قبل أن يرد: "إنها ذات العلاقة التى تربطنا بالمتنبي مثلًا، عندما كنت وأمل دنقل وباقي رفاقنا من شعراء وكُتاب الجنوب الصعيدي نقيم في قرانا البعيدة عن العاصمة، كانت أشعار محمود حسن إسماعيل ضرورية لنا كأنها رغيف العيش، كنا نحبه هذا الحب الصافي وندرك كم هو فنان متوحد فريد، عندما جئنا إلي القاهرة زرنا الأماكن التى ذكرها في شعره، وبدأنا رحلتنا من نخيل منطقة الجزيرة، ثم عرفت طريقي إلي مبني الإذاعة التى بدأت تذيع بعض الأغنيات التى كنت أكتبها، وذات يوم قابلني فاروق شوشة فى ممر من ممرات الإذاعة قال لي والفرح المخلوط بالجدية يتراقص على وجهه: "ابشر، محمد حسن إسماعيل يريدك".

لحظة لقائي بمحمود حسن إسماعيل كانت من ضمن اللحظات الفارقة فى حياتي، إنه الشاعر الشهير الخطير، يثني علي أغنياتي ويتحدث عن مذاقها الفريد وعن نكهتها الجديدة الطازجة، ثم دعاني إلي كوب شاي، أهي يا عيال  كوباية  الشاي دي أعتبرها أحد أرفع الأوسمة التي نلتها في حياتي، بعد المقابلة سألني شوشة: "ماذا قال لك الشاعر؟".

قلت له: "لقد عزمني علي كوباية شاي".

 ضحك قائلًا: "تمام ، لقد وصلت يا عم، محمود حسن إسماعيل لا يقدم الشاي سوى لأحبابه".

خفت أن يشرد بنا الكلام ونبتعد عن قصة النيل ومحمود حسن إسماعيل، فسألت الخال: "هل نعود إلي أصل قصة الوطن والنيل".

صاح: "ها كويس إنك لسه فاكر، الأستاذ محمود وهو من هو معرفة بالوطن وناسه، كان ينزل أسوان في بدايات بناء السد العالي، طبعًا أنا مضروب بالسد، ليست مسألة عشق شاعر لبناء حتى لو كان هذا البناء هو السد العالي، الموضوع أكبر وأشد تعقيدًا من كل هذا الكلام، السد هو هويتي الشخصية، أنا إنسان هذا السد، كأنه أبي وعائلتي وعزوتي، عرفت بوجود الأستاذ في فندق يطل علي النيل مباشرة، أخذت فلوكة، ووصلت بها إلي تحت نافذته مباشرة ورحت أصيح آمحمود، يا محمود حسن إسماعيل، لم يكن يمكنني الوصول إليه إلا بهذا الصياح، هبط الرجل الخطير بقامته المديدة وسألني: "ماذا تريد مني يا أبنودي؟" قلت له سأعرفك على النيل، رد علىّ قائلًا: "هل نسيت أنني صعيدي من أسيوط وأعرف النيل جيدًا".




قلت له دعك من نيل القاهرة والمدن الكبرى، بل دعك من نيل أسيوط، هنا أصل النيل المصري ومنبع خيره، هنا نيل ليس كمثله نيل، لعبت الفكرة في رأس الأستاذ، فركب معي مركبي الصغير، يومًا بطوله وأنا أطوف به النيل، قدمته للصخور وللأمواج وللعمق وللطول وللعرض وللشاطئ وللأشجار وللطمي، قدمته لكل كائنات النيل، في ختام اليوم الشاق تنهد الأستاذ في راحة ثم قال لي: "الآن أعرف مصر كأني لم أعرفها قط".

صمت الخال لحظة ثم واصل قائلًا: "هذا يا عيال المعني الذي أريده من الحكاية، الوطن هو ناسه وأرضه، لابد من تعب ومكابدة لكي نعرف الوطن، اعرفوا الناس وتعلموا منهم، ليس بي أدنى قدر من التعصب، ولكنى أشهد أن ناس هذا الوطن هم خير الناس، فقط ينتظرون فرصة الوصول إليهم والاهتمام بهم، وساعتها سيحدث العناق العظيم بين ضوء الفكرة وحرارة  تطبيقها، فاكرين قصيدتي "الدايرة المقطوعة" قلت فيها: "إذ مش نازلين للناس فبلاش" هذه هي القضية بكل وضوح، الناس أولًا وأخيرًا".

جاءت السيدة نهال بدور شاي صعدي جديد، وجلست في مواجهة زوجها الذي نظر إلى قدميها وتمتم: "جزمتك حلوة قوى يا نهال".

ضحكت وبلال، بينما لم تسمع السيدة نهال جملة الخال فرجته أن يعيدها فرفض فهممتُ بأن أعيد عليها الجملة فأقسم ألا أفعل قائلًا: "شاعر كبير يغازل حبيبته، فإن لم تشم الوردة من المرة الأولى فلن نقدمها لها ثانية".

ضحكنا جميعًا، ثم أقلقني ما قاله الخال عن الناس وعناء الوصول إليهم فسألته مباشرة: "كيف ترى ميدان التحرير والناس؟".

رد مبتسمًا: "هل تخجل من السؤال المباشر عن رؤيتي لعلاقة شباب ونخب الثورة بالناس، بل علاقة الثورة ذاتها بالناس؟".

قال بلال: "لقد جئنا للسلام عليك ولا نريد إرهاقك في حوار سياسي".

قال الخال: "انظروا إلي المسافة بينكم وبين الفلاحين مثلًا ثم تحدثوا عن الثورة، قرب أو بعد المسافة يحدد نجاح الثورة أو فشلها، أنا لا أحدثكم عن العشوائيات أو عن طلاب الجامعة أو عن المقاولين، أحدثكم عن كتلة كبيرة متماسكة لها خبرات في الحياة والنضال والبناء، مصر بمجملها هي ثمرة عرق الفلاحين، عبد الناصر كان واعيًا لهذه النقطة فذهب إليها مباشرة، من أول يوم لثورة يوليو، كانت ترى خطورة الفلاحين، وكانت تعرف إن الوصول إليهم هو نجاح أكيد لها، تعرفون أن عبد الناصر قد اعتقلني، المعتقل غير السجين، السجين له حقوق، واسمه مسجل في الدفاتر، يعني لو مات أهله سيعرفون له قبرًا، المعتقل هو بالأساس مختطف لدى جهة لا يعرفها ولا تعرفه، مجرد رقم لا يدرى متى يعود إلي إنسانيته، المهم بعد الإفراج عني، عدت وأنا فى غاية التعب والتشاؤم إلي أبنود، كنت أنشد شيئًا من الراحة والشفاء من ذكريات الاعتقال، صباح يوم كنت أمر على أحد جسور أبنود، كان الخال مش عارف مين، غاطس في طين غيطه، رآني أمشي منكسرًا فصاح: "يا رومان، عبد الرحمان، مالك يا وليدي؟".

فقلت له بصوت مخنوق: "الراجل دا اللي اسمه جمال أبو عبد الناصر حبسني وتعبني".

فصرخ الخال فلان في وجهي مستنكرًا: "عما تقول إيه؟ الراجل دا؟ ناصر حبيبنا بقي اسمه الراجل دا؟ جرى لمخك إيه يا عبد الرحمان؟

دا الرئيس جمال أبو عبد الناصر على سن ورمح، دا الراجل اللي لبسني مركوب في رجلي، دا الراجل اللى خلاني من الملاك، وخلاني اشتري لباس دمور استر بيه نفسي، دا الراجل اللى بيدني السماد والتقاوي ببلاش، ويشترى مني المحصول وبيدني تمنه فورى، اعقل يا أستاذ، ولو كان عندكم حاجة تقدروا تساعدوا بيها الراجل دا روحوا لغاية عنده وقدموها ليه، وإن كان بينكم مشاكل، أهي مصارين البطن بتتعارك، اصطلحوا معاه وساعدوه علشان كلنا نهم وننهض مع بعض".

يصمت الخال للحظة ويمسح بكفيه على وجهه كأنه يريح الوجه من عبء الذكريات ثم يقول: "صوت الخال فلان لم يفارقني من يومها، وكلماته تسكنني، لقد عرفت منها الكثير، عرفت منها إن الشعار سيظل شعارًا، ما لم ينزل إلي الأرض ويغرس جذوره فيها، هل يعرفكم الفلاحون؟ هل تعرفونهم؟ هل ستظلون في التحرير إلي الأبد؟ من سيصبر عليكم؟ من سيساعدكم؟، ميدان التحرير بكل ما فيه من نبل وحلم وشهامة ومروءة، هو فكرة، مجرد فكرة، اخرجوا بفكرتكم إلي الناس، كل الناس، قدموا لهم الدليل على أنكم معهم، عندما تصل الثورة إلي الفلاحين، هم سيتولون أمرها، سيحرسونها ويكبرونها ويقتلعون الحشائش الضارة التى ستتعلق بها، سيفعلون معها مع يفعلونه مع غيطانهم، ساعتها أبشروا بالنصر الكامل التام للثورة، هذا لو كنتم تريدون الثورة بمعناها الحقيقي، أما إن كان هدفكم إلقاء حجرة في بحيرة الصمت فقد فعلتم وزيادة".


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة التحرير 12 أبريل 2015