الخميس، 11 نوفمبر، 1999

لأنها حرمتنى من البكاء على ورد مصر الصابح.. سأقاضى الحكومة أمام الذى لايغفل ولاينام




في عز متابعتي المحمومة لأخبار حادث سقوط أو إسقاط طائرتنا في المحيط الأمريكي (كل شىء صار أمريكيًا)  توقفت فجأة وسألت نفسي.
لماذا أنا حزين هكذا؟!
أنا لا أعرف واحدًا من شهداء الطائرة ( سنلتقي يوم القيامة إن شاء الله) ثم إنني لا أحب من أمريكا سوى أفلامها السينمائية، بالإضافة إلى أن معرفتي بالطيران والطائرات والمطارات هي كمعرفة السيد أحمد عدوية بقصائد المتنبي.

إذن لماذا أنا حزين هكذا؟
بعد التفتيش في دهاليز نفسي اكتشفت أنني لا حزين ولا حاجة وأن ما أعانيه هو الشعور بالغيظ المحض الصافي، وأن ما أظنه حزناً هو في حقيقته ليس أكثر من تكشيرة ولدتُ وهي محفورة في جبهتي.

عدت أسأل نفسي ثانية لماذا الغيظ ومن الذي أغاظني؟!

نعم قهرني الغيظ لأن الحكومة حرمتني من الموهبة الوحيدة التي أتمتع بها وهي موهبة الحزن.

كنت أريد أن أحزن على شىء طازج له قيمة بدلا من تلك الأحزان التي أكدسها في قلبي وكلها  أشياء معلبة وتافهة.

أشعلت الحكومة نيران غيظي لأنها جعلتني منذ ثلاثة أيام وأنا مثل الأطرش في الزفة، وأنا مثل زوج الخائنة آخر من يعلم ، ثلاثة أيام كنت فيها مشغولا بفداحة اعترافات الكاتبة الشابة التي جاء فيها أنها طلقت مرتين ولولا مساعدات أصدقائها الرجال المادية لنامت على الرصيف هكذا قالت:

ثلاثة أيام قضيتها في مطاردة لقمة العيش الخارجة من طين التفاهة ووحل الاسترخاص.

ثلاثة أيام قضيتها دون أن أذرف ولو دمعة واحدة حارة ونظيفة على الشهداء وعقاباً لهذه الحكومة التي تضرب وتحرم البكاء قررت مقاضاتها أمام أعدل الحاكمين الذي لا يغفل ولا ينام الله جل جلاله ( ليس شكًا في عدالة القضاء المصري النزيه وإنما هروباً من مصاريف المحاماة).

لماذا لم تخبرني الحكومة بأن الطائرة كانت مزينة بورود جيشنا فتوفر على نفسها مواجهة قضية ستخسرها حتمًا؟

لو أخبرتني ما كنت سأفعل شيئاً غير الحزن وإطلاق دفعة من الشتائم العشوائية أوجهها من فوق المقهى ضد العيشة واللي عايشينها.

ثم أنصرف إلى بيتي محتميًا بشعر المتنبي :"  بما التعلل لا أهل ولا وطن ولا نديم ولا كأس ولا سكن".

 لو اختبرتني الحكومة ما كنت سأسعي لمقابلة رئيس حزب وأطالبه بإصدار بيان يرثي فيه شهداء الطائرة ذاكرًا الاسم والرتبة، كما أنني لست مجنونًا حتى أطلب من عضو مجلس شعب تقديم طلب إحاطة نعرف من خلاله اسم ومنصب ذلك "الفتك" الذي وضع كل هذه الورود في طائرة واحدة لماذا لم تخبرني الحكومة لماذا جعلتني أبعثر ما بقى من كرامتي الصحفية وأسأل سائق التاكسي ماعندكش أخبار والنبي يا عم عن الطيارة.

إن الحكومة ومع عراقة تاريخها في الكذب لم تتعلم بعد حبك الأكاذيب فهي لم تذكر في بياناتها الأولى أن من بين شهداء الطائرة وفداً عسكرياً ، ولكن ما إن فضحتها الـ C.N.N. حتى سارعت بالقول بأن ثمة عسكريين كانوا على متن الطائرة وزعمت أنهم جميعًا من أصحاب الرتب الصغيرة أمام وصف الشهداء، بأنهم من الرتب الصغيرة وجدت نفسي مدفوعًا لأن أخرج من فمي وأنفي صوتًا غريبًا، فعلى افتراض أنهم من أصحاب الرتب الصغيرة فحتمًا هم من الشباب الواعد بمستقبل مشرق وإلا ما أرسلتهم الحكومة إلى أمريكا ليتدربوا هناك، ثم ألم تقسم الحكومة بعد موقعة استشهاد البطل الشهيد أحمد بدوي أنها لن تضع وفدًا عسكريًا في طائرة واحدة؟

هل تخافني الحكومة لدرجة إخفاء خبر استشهاد أهلي؟

كيف تخافني وأنا الذي لا أهش ولا أنش؟

كيف تخافني وأنا الساكت الصامت الأخرس القابع القانع الراضي الحامد لله دائمًا إذ لا يحمد على حكومة سواه.

يا أيتها الحكومة، لقد بعثرتِ الملايين على زفة المبايعة وسكتُ وحكمتينا بالطوارئ وسكتُ وزورتِ الانتخابات وسكتُ وخنقتينا بالدخان وسكتُ وسلطتِ علينا مذيعات التليفزيون وسكتُ وقتلتِ أولادنا تحت أسوار المدارس وسكتُ وأغلقتِ جرائدنا وسكتُ وبعتِ مصانعنا وسكتُ وأغلقت أبواب الرزق في وجوهنا وسكت إذن احتمالات غضبي ضعيفة جداً، بل إنها ليست واردة في الحسبان أصلاً.

فلماذا لم تواصلي غطرستك وتأمرين متحدثك الرسمي أن يخرج علينا قائلاً: "اسمع يا ابني أنت وهو فيه طيارة وقعت في البحر وكل اللي عليها ماتوا وكان من بينهم حبة ضباط هم فلان وفلان وفلان ولكن مش مشكلة إحنا عندنا غيرهم كتير، عموماً إحنا هنصرف لأهاليهم تعويضات معتبرة وانتم عارفين إن العمر واحد والرب واحد والإنسان مهما طال به العمر في الآخر هيموت" لو قال متحدثكم الرسمي هذه الكلمات لشكرناك ولكن أن تناصبيني العداء لدرجة أن تحرميني من البكاء على الورد الصابح الذي قصف إهمالك عمره فهذا والله ما لن أسكت عليه أبداً.

إذ إنني بعد أن أقاضيك أمام الذي لا يغفل ولا ينام سأتفرغ لفضح أعمالك السوداء أمام عمال المقاهي وسائقي الأتوبيسات وباعة الجرائد وزبائن عربات الفول وحراس المراحيض العامة وباعة المناديل والدبابيس والأمشاط وماسحي الأحذية حتي العيال الصيع ضريبة البانجو سأجمع كل هؤلاء وسأقول لهم إن الحكومة استغفلتنا ولبستنا السلطانية ثلاثة أيام كاملة ولم تجعلنا نحزن كما يجب على ورد قطف قبل أوانه.
_________________________
نشرت بجريدة العربي ــ 11 نوفمبر 1999

الأحد، 21 مارس، 1999

فرحة






 كان حلقى جافًا وجبينى ملتهبًا ودائخًا ومهزومًا كالعادة، ثمة أبخرة سامة تلوث كل كيانى، وجع جهنمى مسعور ينهش كبدى، أشتهى إجابات شجاعة عن أسئلة مراوغة، أحلم بمواجهة حادة وحاسمة ونهائية مع كل الذكريات السود، وما بين الواقع والاشتهاء تنغرس في القلب حراب مسمومة لا تدرى من الذى صوبها ولماذا قذفك بها، فجأة ولأنه تعالى رحمن رحيم فتح لى بوابات من نعيم مقيم لم أكن صيادًا ولم تكن هى فريسة، فى جزء من الثانية كان التلاقى والانصهار، كان الابتهال الصامت الخاشع بأن تدوم النعمة ولا ينقطع المدد، كلانا مستقر متأمل غارق فى صاحبه يرشفه على مهل يقرأه فى طمأنينة يرسمه بكل أبعاده يحفر الصورة والمكان والزمان فى ذاكرته السرية فأيام العطش طوال، مطر إلهى ينهمر يغسل وساخات علقت بالقلب ودنست الجسد، تعلن العذابات هزيمتها وتنسحب من مناطق كانت قد احتلتها فى الفؤاد، وآه لو يدوم الفرح ولا ينقطع المدد.


***

 تفضلت الأهرام ونشرت مقالاً للخبير أمين هويدى يوم الثلاثاء 16 مارس حكى فيه الخبير الاستراتيجي الكبير قصة زيارته لبلدة أرنون اللبنانية التي حررها الشعب اللبنانى دون أى مساعدة من أى طرف من الأطراف، الكل كان غائبًا وحضر الشباب اللبنانى فقط واستطاع تحرير أرضه رافضًا الخضوع لسياسة الأمر الواقع التى فرضتها إسرائيل على معظم القوى العربية، وقد لفت نظرى في هذا المقال ما جاء على لسان أحد اللبنانيين عندما سأل هويدى هل أنت مبعوث الحكومة المصرية؟ لهذه الدرجة مازالت مصر فى وجدان كل عربى يبحث عن مساعدة ما ولا يستطيع أن يتخيل أن تكون المساعدة إلا من مصر فمتى نعلم علم اليقين قدر بلدنا وأهمية دورها؟

 ***

مثلما تدخن سيجارة أو ترشف كوب شاى أو تلقى على جارك تحية الصباح هكذا أو بذات السهولة تضرب أمريكا يوميًا العراق لتتحول المعركة إلى معركة استنزاف لا يدرى أحد متى تتوقف وموقف العرب جميعًا مما يحدث يدعو إلى الرثاء فالكل وحتى هذه اللحظة مازال يطالب صدام بالانصياع إلى الشرعية الدولية!! يا خلق هوه فضوها سيرة وكونوا ولو مرة صادقين ولن نعتب عليكم لو قلتم أنكم موافقون على ضرب العراق كما لن نغضب إذا قلتم أنكم لا تستطيعون فعل أى شىء، فهذه مواقفكم والتاريخ سيحكم يوماً بين الجميع أما الرطانة باسم الشرعية الدولية فهذا هو المؤلم فى الأمر كله وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الجيل - 21 مارس 1999

الأحد، 7 فبراير، 1999

هاتم "آند" زينة





يدى التى تستحق القطع عبثت بمفاتيح جهاز التليفزيون حتى استقرت على قناة الأسرة، التى يبثها القمر الصناعى المصري اسم الدلع "النايل سات" لماذا عبثت يدى بمفاتيح التليفزيون؟ فى القرآن الكريم آية تقول "يخربون بيوتهم بأيدهم" جاءنى صوت الشهيرة نجوى إبراهيم مقدمًا لبرنامج اسمه "فرح كليب" خذ بالك من "كليب" هذه التى تطاردك ليل نهار من خلال تشنجات مطربى الشباب تقوم فكرة البرنامج على تصوير حفل زفاف "واحد من الشعب" والالتقاء بأهل العروسين وأصحابهما مع تقديم باقى التحابيش من زفة ورقص وأغانى.
 قلت لكم زفاف "واحد من الشعب" إذن تعالوا نتأمل زفاف هذا الواحد كما قدمه البرنامج، واحد من الشعب اسمه حاتم خريج كلية التجارة بالجامعة الأمريكية والده رجل شرطة على المعاش ووالدته ربة بيت، أما واحدة الشعب زوجته فاسمها زينة خريجة الجامعة الأمريكية أيضاً قسم الإعلام والدها له شكل البهوات ولم أعرف ماذا يعمل، ووالدتها سيدة جميلة. واحد الشعب وواحدة الشعب لم يعملا بعد فهما من خريجى العام الماضى ومع ذلك فبسم الله ما شاء الله الفرح مقام فى فندق خمس نجوم ونجمة الحفل السيدة فيفي عبده "احسب أنت التكلفة" يا سيدى مش مهم الفلوس فملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب، المهم هو جو الفرح الأعجمى "أعجمى إيه بس" آه والله العظيم أعجمى كل حاجة فى الفرح مستوردة حتى الزغاريد الحاجة الوحيدة البلدى كانت فيفى عبده "لزوم التحديق" يعنى حبة مخلل مع الكافيار وطبعاً تعلمون أن السيدة فيفى عبده ما تتوصاش فى رفع رأسنا وفخدنا عارية أو عالية بعد هذا البث "الأعجمى"..
 الموضوع كبر فى دماغى ورحت أسترجع ما كتبه العلامة الجليل جلال أمين عما حدث للمصريين "حتى الزغاريد مستوردة" وحاولت الاتصال بالسيدة نجوى إبراهيم لأستفسر منها عن الحتمية التاريخية التى دفعتها لبث فرح اللورد "هاتم" والليدى "زينة"، ومدام الموضوع أى فرح والسلام فلماذا لا نبث فرح من "عندنا"، "العمرانية، باب الشعرية، بولاق، القطامية أو حتى فيصل والهرم"، وفرح من عندهم "شبرد، ماريوت، شيراتون" يعنى واحدة بواحدة حتى لا يصنع المصريون مثلما صنعت بعد مشاهدتى لزفاف الخواجة "هاتم" .

خرجت إلى البلكونة ممسكًا بربع جنيه وأخذت أصيح بأعلى صوتى الفرح والناس الحلوة والعريس المجدع والعروسة السُكرة وكل الحبايب والصعايدة تانى، واللى يحبنا ميضربش فى فرحنا نار ورقصنى يا جدع وسمعنا التوبة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الجيل ــ 7 فبراير 1999

الأحد، 10 يناير، 1999

هلك سعد وسعيد



                         

هل مر على العرب زمن مثل زماننا هذا؟
أشك كثيرًا في أي إجابة تحمل رائحة "نعم" تأملوا معي خريطة هذا الوطن "الغارق في النزيف" ليبيا والعراق والسودان تحت الحصار، الصومال تحت "الجوع، فلسطين تحت الاحتلال، سوريا لا تعرف من تواجه إسرائيل أم تركيا؟، لبنان نصفه محتل، الأردن كان الله في عونه، دول الخليج ذهبت سكرة النفط وجاءت مرارة الواقع، مصر نحن أدرى بالمواجع لأننا نكابدها.

وسط كل هذا الخراب العمومي تنبت أسئلة لا يعلم إجاباتها إلا علام الغيوب خذ عندك هذا السؤال. من قادنا إلي هذه الهاوية؟ الإجابة جاهزة هي "الفقر"!!، ولكن أين هذا هو الفقر؟ ومحمد هشام خواجكية المستشار الاقتصادي للأمين العام لمنظمات الخليج للاستشارات الصناعية يؤكد في تصريحات نشرتها كافة صحف الخليج أن خسائر العرب في عام 1998 بلغت مائة وعشرة مليار دولار، لاحظ أن هذه خسائر عام واحد فقط.

وأضاف السيد خواجكية أن حرب الكويت تكلفت 400 مليار دولار دفعها العرب للأمريكان وأعوانهم ويؤكد خواجكية أن ديون العرب ستصل إلى 210 في المائة من حجم صادراتهم، إضافة إلى أن تراجع أسعار البترول أدى إلى انخفاض دخول الدول المنتجة له بنسب تتراوح بين 35 في المائة و60 فى المائة.

أين هو إذن هذا الفقر المزعوم؟، لقد قرأتم معي عدداً من المليارات لا يحصى تم تبديدها كلهاهكذا لوجه الشيطان بعضها أنفق لمواجهة "العدو" العراقي وبعضها أنفق على أمزجة الذين في غفلة من الزمان تولوا أمر العرب.
وبعد فإن الطوفان قادم لا ينجو منه أحد وإن كانت الحكاية العربية القديمة تقول انج سعد فقد هلك سعيد، فالحكاية العربية المعاصرة تقول افرح يا شارون فقد هلك سعد وسعيد.
ـــــــــــــــــــــــــــ

    الجيل ــ 10 يناير 1999