الأحد، 25 أكتوبر 2009

الأوت حرام





فجأة تكدست على أرصفة مواقع الانترنت دعوة مشبوهة أطلقتها حركة أو منظمة مسيحية تسمى نفسها «شركاء من أجل الوطن»، الحركة المذكورة لم تعد ترى عيوبا فى الوطن الذى تريد أن تصبح شريكة فيه سوى «دورى كرة القدم المصرى» فلا قمامة، ولا تعليم منهار ولا مياه ملوثة ولا طعام بمذاق الصرف الصحفى ولا انتخابات مزورة ولا قمح مسرطن، ولا استبداد سياسى، فقط هو دورى كرة القدم الذى وقف مثل الشوكة فى حلق المنظمة، الإخوة الشركاء طالبوا فى بيانات لهم بإلغاء بطولة الدورى، لأنها تمارس التمييز الدينى، لأن فرق الدورى ليس بها مسيحيون!. هذا الادعاء الغريب المريب سيتحول كما قالت المنظمة إلى مذكرة ترفع إلى الاتحاد الدولى لكرة القدم!. 


طبعا، التعسف واضح وسوء النية أكيد، ومع ذلك فالرد على هذا الادعاء الغريب سهل ميسور، لأن المسيحيين يملأون ملاعب كرة القدم ليس فى مصر وحدها بل فى السعودية أيضا، فمعظم الفرق يلعب بها محترفون أفارقة، وهؤلاء معظمهم من المسيحيين، ويكفى أن نشير إلى أن نجم النادى الأهلى على مدى السنوات الخمس الماضية كان هو «فلافيو» المسيحى، إضافة إلى «جلبرتو» المسيحى أيضا، وبصفة عامة يندر أن يخلو فريق مصرى أو عربى من لاعب أو مدرب مسيحى. 

إن هذه الدعوات المتطرفة تبدو مثل كرة الثلج فإن لم تقاوم فى مهدها فإنها تتحول إلى كرة نار، فالذين يزعمون أنهم يبحثون عن الشراكة والمشاركة يعتزمون التقدم بمذكرة إلى «الفيفا» ولا أحد يضمن فى ظل الظروف الملتبسة التى يعيش العالم فى ظلها نتائج مثل تلك المذكرات فهى إن لم تضر فحتما لن تنفع، وقد يؤدى التمادى فى تجاهل هذه الدعوات إلى المزيد من المطالب الشاذة، فقد يطالب بعضهم بضرورة اعتزال اللاعب «إسلام الشاطر» لأن اسمه يحمل دلالة تميز دينى، وليس بعيدا أن يطالب أحدهم بعدم إقامة مباريات كرة القدم فى أيام الآحاد لأنها أيام لها مكانتها عند المسيحيين، ولأن لكل فعل رد فعل، فإننا لن نتعجب أبدا من تطرف سيظهر على الجانب الآخر، فنسمع أحدهم يحرم «رمية التماس» الأوت لأن اللاعب الذى ينفذها يرفع يديه إلى ما وراء أذنيه وبدلا من أن يكبر تكبيرة الإحرام إذا به يرمى الكرة وفى هذا ما فيه من الاستهانة بركن من أركان الصلاة.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 16 أكتوبر 2009

السيد صنبور ومستر جركن




كنت واقفا على شاطئ نهر النيل الخالد الذى تجرى به مياه نظيفة تشفى العليل (من خاف سلم) من قلب الماء (النظيف جدا) ظهر كائن عجيب نصفه الأعلى بشرى ونصفه السفلى له هيئة «بلطية» جميلة. كثيرا ما سمعت وقرأت عن «عروس البحر» ولكن أبدا لم أكن أصدق شيئا مما أسمع أو أقرأ، ولكن ها هى أمامى بوجهها الأنثوى الفاتن.. توقعت أن تقول لى كما فى الحكايات: «شبيك لبيك». لو فعلتها لطلبت منها شقة فى التجمع الخامس، ولكنها نظرت لى نظرة غاضبة ورمتنى بكتاب، أمسكت الكتاب ساخطا وقلت لها: لا أحتاج كتبا فأنا غارق فى بحورها. ردت ساخرة: هذا ليس أى كتاب، من أجله سافرت إلى الزمن الآتى.. طالعه فسينفعك. عندما عادت العروس إلى قلب الماء نظرتُ نظرة مدققة إلى الكتاب، كان ورقه ليس كأى ورق وغلافه ليس كأى غلاف، هو فعلا من كتب الزمن الآتى، عنوانه كان لافتا «قانون احترام الماء». 


فى المقدمة قال المؤلف المجهول: «شهدت مصر فى العام 2009 دعوة لإصدار قانون يجرم تشويه سمعة المياه والصرف الصحى، وذلك بعد الحملات الصحفية التى شككت فى نقاء الماء المصرى، ورغم أن الصحافة قد استندت فى حملاتها إلى شهادات الخبراء فضلا عن واقع الحال الذى يغنى عن أى شهادة فإن الدعوة سرعان ما تحولت إلى قانون نافذ لا يجوز الطعن عليه، وقد نجح القانون نجاحا ساحقا فى تقليم أظافر الصحافة ومن ثم راح المصريون جميعا يتغنون بنقاء المياه وجودتها، ولكى يحافظ أولو الأمر على هيبة القانون شكلوا شرطة خاصة تراقب تعامل المصريين مع المياه ومستلزماتها، وقد عرفت تلك الشرطة بالحروف المختصرة (ج.م. م) أى جودة مياه مصر، وقد تعامل المصريون مع القانون بما يليق به فاختفت شتائم مثل «بلاص وجردل» إذ أصبح لهما مكانة سامية امتد ظلها ليشمل باقى أوانى المياه فأصبح «الجركن» يعرف باسم «مستر جركن» أما الصنبور فلم يعد يُنادى إلا بلقب السيد صنبور، وقد شهد العام المذكور وقائع تدل على المدى الذى بلغه نجاح القانون ومن تلك الوقائع أن المصرى كان إذا أراد الشرب وقف فى وضع الانتباه وأدى التحية العسكرية لكوب الماء قبل أن يتناوله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 9 أكتوبر 2009

اشربى يا مصر




أعرف المسلمين (لأننى مسلم) أعرف تلك الأوهام، التى تضرب أدمغة بعض قادتهم فيأمر هذا أتباعه بمحاربة أتباع ذاك، أعرف التعصب للمذهب والإعلاء من شأن الطائفة، تفيض كتب مكتبتى ببحور دماء أريقت فى معارك سخيفة نشبت لوجه الشيطان بين السنة والشيعة، ثم بين السنة والسنة ثم بين الشيعة والشيعة، معارك لا تدرى فيها من المقتول ومن قتله ولِمَ قتله؟ أعرف أن «الزرقاوى» على سبيل المثال كان يوزع تهمة «الكفر» ذات اليمين وذات الشمال بل كان يعيب على تنظيم «القاعدة» ليونته العقائدية! 


ولأننى مسلم كنت أغبط المسيحيين على وحدة صفهم مع تباين مذاهبهم، كنت أظن ألا فرق بين الأرثوذكسية والكاثوليكية والأنجيلية، كان الجميع عندى فى سلة واحدة، مسيحيون يشتركون فى الإيمان بجذور عقيدتهم، وما بين مذاهبهم من فروق يدخل تحت بند الاختلافات العادية المحتملة، ظلت هذه رؤيتى حتى بعد أن حدث صدام مسلح على خلفية مذهبية بين مسيحيى لبنان، أيامها قلت «مصر شىء آخر»، حتى كشف الأنبا بيشوى، سكرتير المجمع المقدس، عن خطة إنجيلية تهدف إلى تحويل الأقباط الأرثوذكس إلى بروتستانت خلال ٢٠ عاما من تنفيذها. 

وأكد أن الكنيسة المصرية تتعرض لحرب شرسة من الإنجيليين، الذين يحاولون اختراق الكنيسة القبطية لسرقة أولادها خاصة فى مناطق مصر الجديدة والنزهة وأرض الجولف والزمالك. 

وزاد فوصف دير المقطم بـ«الوكر»، موضحا أن أموالا طائلة تم رصدها لتحويل الأرثوذكس إلى بروتستانت.. وشدد بيشوى على أن الخطة البروتستانتية «الإنجيلية» ما زالت مستمرة، وأدت إلى وقوع بعض الكهنة فى «الفخ الإنجيلى»، مما أسفر عن اعتناقهم الفكر البروتستانتى. 

لهجة الأنبا بيشوى كانت واثقة وتنذر بوقوع مشكلات لا يعرف عواقبها إلا الله، خاصة والطرف الثانى رد بطريقة كلها استعلاء وغطرسة، وقال ما يعنى إن الأورثوذكسية أصبحت قديمة، ولم تعد تقنع أحدا وعليها تجديد نفسها، وهكذا دائما يبدأ الأمر أو الشر، فريق يتهم وفريق يتعالى عن الرد ثم فجأة تندلع نزاعات لا تنقصنا ونحن فى غنى عنها، وكل هذه الأشياء ترتكب باسم الرب والدين، سواء جرت بين السنة والشيعة أو بين الأرثوذكس والإنجيليين. كلمة السر فى كل هذه النزاعات هى غياب مشروع يوحد الأمة، إن مصر تشرب الآن من نبع الطائفية الملوث لأنها تجاهلت مشروعها وراحت تجرى خلف الأوهام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 2 أكتوبر 2009

الجنسية للقمامة




كأننا ندعو ولا يُستجاب لنا (فمن نتهم؟). أقمنا الدنيا لأننا فجأة اكتشفنا أن أكثر من نصف قرى مصر لم تعرف مياه الشرب النقية لها طريقا، ثم اكتشفنا أن المياه التى يقال إنها نقية ملوثة بمياه الصرف الصحى. 



ثم اكتشفنا هكذا فجأة أن العطش يتمدد فى بلاد النيل «كما يتمدد ثعبان فى الرمل» أقمنا الدنيا ثم لم يحدث شىء وليت الأمر وقف عند حد نقص المياه أو خلطها بما تيسر من مياه الصرف الصحى، لقد انحدرنا إلى ما هو أسوأ، وفوجئنا كالعادة أن «التيفود»، هذا المرض القديم، عاد يضرب بقوة فى قرى ليس بينها وبين النيل إلا كيلومترات. 

الذى فعلناه مع المياه هو ما قمنا به تجاه كارثة طوابير الخبز ومصيبة القمح المسرطن، كالعادة تقوم قيامتنا ثم يدخل كل شىء إلى دوائر النسيان، وهو ما فعلناه مع إنفلونزا الخنازير وقبلها إنفلونزا الطيور (نبرق ونرعد ولا مطر). 

والآن جاء دور حفظ الله مقامكم القمامة التى تبدو اكتشافا جديدا وكأنها لا تحاصرنا منذ سنوات وكأننا فوجئنا بها تتكدس على جوانب شوارعنا وفوق أرصفتنا بل وأمام أبواب بيوتنا، فى كل مرة ومع كل كارثة نبدو من الذاهلين الذين تصرعهم الحقائق القديمة كأنها هبطت للتو فوق أدمغتهم، القمامة فى مصر مرض متوطن مثل الأمية والاستبداد والفقر وتزوير الانتخابات والبلهارسيا ومسلسلات رمضان، منذ عشرات السنوات ونحن نتابع تصريحات المسئولين حول التصدى لظاهرة القمامة وما أكثر ما سمعنا من مقترحات. 

ثم كما هى العادة ظل التخبط سيد الموقف إلى أن أصبحت القمامة ظاهرة تهدد حياة الناس فى مقتل، ظاهرة لم يفلت منها شارع ولا حى حتى تلك الشوارع والأحياء التى كنا نصنفها فى خانة الشوارع والأحياء الراقية فمنذ ثلاثة أعوام تقريبا تخلت هيئة النظافة والتجميل عن عملها وتركت القمامة تملأ الشوارع، فطلعت علينا المحافظات بحلها «العبقرى» وتعاقدت مع مجموعة من الشركات الأجنبية لتقوم مقام هيئة النظافة على أن يتحمل الشعب نسبة 5% نظير تحصيل شركة كهرباء القاهرة هذه الرسوم على فاتورة الكهرباء، وبعد فشل الحل الأجنبى. 

بدأ الحل المحلى وهو حرق القمامة، وبعد فشله هو أيضا، اعتمدنا على نظرية «طول العشرة تذيب الفروق» وهكذا بدأنا التعايش مع القمامة وتطوعنا ومنحناها الجنسية لتمارس جميع حقوق المواطنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 18 سبتمبر 2009

تبرعوا لمليونير




صباح الثلاثاء الماضى تساءل الكاتب الأستاذ إبراهيم عيسى فى مقاله بالدستور عن حقيقة الأموال التى تدفعها الجهات والمؤسسات الخيرية للفضائيات مقابل الإعلان عن أنشطتها، وتساؤل عيسى وجد إجابة شافية فى مقال مزلزل نشرته «الشروق» صباح الأربعاء للكاتب الكبير الأستاذ وحيد حامد، الذى كشف عن حقائق مفزعة. قال الأستاذ وحيد إن المؤسسات التى تتلقى تبرعات المواطنين وتنفقها كما يفترض فى أوجه الخير المتعددة تقوم بإنفاق خمسة وثلاثين مليون جنيه على الإعلان عن أنشطتها فى الفضائيات.


ما كشفه مقال الأستاذ وحيد يجب أن يصبح حجر زاوية فى مناقشة ومن ثم محاسبة تلك الجهات، لأن قيامها بكل هذا الإنفاق على الدعاية يثبت أنها غنية جدا ولا تحتاج إلى تبرعات فقراء المواطنين الذين «تنكد» عليهم معيشتهم بصور الأطفال المرضى بأفتك الأمراض، نعم تجب محاسبة جمعيات الخير هذه لمعرفة حقيقة ميزانياتها فلو كانت تملك كل هذه الأموال لوجب إيقاف التبرع لها، ولو كانت تأخذ أموال المتبرعين وتنفقها على الدعاية فيجب الضرب على يدها بقوة لأنها ستكون فى تلك الحالة مخالفة لبنود التعاقد «الضمنى» أو العلنى المبرم بينها وبين المتبرع، لأن المتبرع عندما قدم ماله لهذه الجمعية أو تلك لم يكن يتصور أن جزءا كبيرا منها سيتم إنفاقه على أنشطة الدعاية، هذه الجمعيات تفرض بالابتزاز العاطفى سياسة «التبرع للمليونيرات» لأنها تطارد الناس بصور الأطفال المرضى فى نوع من «الشحاذة» يذكرنا بما كان يقوم به «زيطة» صانع العاهات فى رواية نجيب محفوظ. 

وعلى الناحية الأخرى هناك عشرات بل مئات الجمعيات والمؤسسات التى تقوم بعمل خارق فى رعاية ودعم الفقراء والمحتاجين ومع ذلك لا يسمع بها أحد ولا تقوم هى باستقطاع جزء مهم وفاعل من التبرعات للإعلان عن أنشطتها، إن ما يحدث الآن من تسابق على أعمال الدعاية سيؤدى إلى انصراف الناس عن هذه الجمعيات التى أدمنت الظهور فى الفضائيات، لأنه ليس من المعقول أن يتبرع الناس لجمعيات كل همها الإعلان عن نفسها وكأنها جاءت بما لم يأت به الأوائل.

الشفافية هى الحل الذى يرضى الجميع فى حالة كالتى نعيشها وعلى هذه الجمعيات أن تعلن بشكل صريح ومباشر عن ميزانياتها وأن تذكر بكل صراحة أوجه إنفاق الأموال التى تتلقاها كما عليها أن تكف عن هذه الحملات الإعلانية المزعجة حتى ولو كان هناك من يتحمل تكاليفها.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



الجمعة، 11 سبتمبر 2009

العملية (دينا)




حصل «إياد» على ماجستير فى هندسة الكمبيوتر ثم نظر حوله فلم يجد شيئا قد تغير، يومها قال لنفسه: «بعد الآن لن أسقط لأنى فى القاع»، ظل إياد فى القاع لكنه لم يغفل قط عن معشوقاته «كرة القدم» و«شاشة الكمبيوتر» و«الراقصة دينا». مع مبارايات الكرة كان جسده ينتفض ليفسح المكان لدم جديد طازج يتدفق من قلب شاب، للحق لم يكن إياد أهلاويا ولا زملكاويا، لقد كان كرويا فحسب، إلا أنه مسايرة للمزاج العام كان يظهر كأنه أهلاوى، ومع شاشة الكمبيوتر كان ينسى كل مواجعه ويعيد هندسة العالم كما يريد. مع رقص دينا كانت كل خلية من جسده ترتعش فيدرك أنه مازال على قيد الحياة. 


عندما كاد اليأس يقضى عليه تعرف على لاعب كرة قدم ناشئ، عرف اللاعب أن إياد متمكن من «الجرافيك» فطلب منه ــ على سبيل الذكرى ــ أن يعد له أسطوانة تظهره فى براعة «ميسى» و«أبوتريكة» معا. صنع إياد الأسطوانة وقدمها لصديقه الجديد الذى قدمها بدوره لسمسار فى الدورى القبرصى الذى قدمها بدوره إلى رئيس أحد الأندية الذى بعد رؤيته للأسطوانة قال للسمسار وهو يغمز بعينه: «سنوقع مع لاعبك ثم سنتفق».

لاعبون كثيرون عرفوا طريقهم إلى إياد الذى ذاع صيته وأصبح «منّظرا كرويا»، فقال لنفسه: «إذا أقبلت باض الحمام على الوتد» وهذا ما كان وباض حمام الكرة فأصبح إياد من أكابر المسئولين عن الكرة المصرية وهى مسئولية عجيبة فلا أحد يعرف حقيقة وضعه كما أن أحدا لا يجهل مسئوليته عن انقاذ المنتخب كلما تعرض لواحدة من عثراته، نستطيع اختصارا أن نقول إنه كان يلعب دور «اللهو الخفى» فهو موجود وغائب فى الوقت نفسه. بعد تأزم موقف المنتخب فى التصفيات المؤهلة لكأس العالم حصل إياد ــ بحكم كونه اللهو الخفى ــ على المبلغ الأضخم فى حياته، فى عملية أطلق عليها اسم «دينا» من باب الوفاء لراقصته المفضلة. مصريون دفعوا له لكى يتفق مع لاعبى رواندا على الاستبسال أمام الجزائر فى مقابلتهما المصيرية، جزائريون دفعوا له لكى يتفق مع لاعبى رواندا على «الاستهبال»، رواندانيون دفعوا له لكى يساوم المصريين والجزائريين ويحصل منهم على أعلى سعر مقابل الاستبسال أو الاستهبال!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 4 سبتمبر 2009

(سرنجة) يا الله




فى حمى انتفاضة الأقصى، أطلق الصهاينة كعادتهم النار على أحد المصورين الصحفيين، سقط المصور على الأرض غارقا فى دمائه، وراح زميله يصرخ : «إسعاف يا ناس، إسعاف يا عالم، إسعاف يا رجال» ولما لم يجد مستجيبا عاد يصرخ متوجها بصراخه إلى الذى يجيب دعوة المضطر إذا دعاه. صرخ الرجل «إسعاف يا الله»!.




الموقف ذاته تعرضت له الأسبوع الماضى اثنتا عشرة سيدة مصرية، هن نظريا حرائر لا يعشن تحت الاحتلال الصهيونى، السيدات المصريات ذهبن إلى أحد مكاتب الصحة لتطعيم أولادهن الذين لم يكن قد مضى على ولادتهن سوى أربعة أيام فقط تنفيذا لشروط التطعيم. مكتب الصحة الذى يؤدى تلك المهمة الجليلة يجب تسميته بـ«مكتب الموت أو المرض»، فليس للمكتب علاقة بالصحة سوى اللافتة التى تزين مدخله المتهالك، بعيدا عن الزحام الخانق وعدم وجود مقاعد تجلس عليها الأمهات المرهقات قامت مسئولة بالمكتب وصرخت فى وجوه الجمع المحتشد: «بقولكم إيه يا ستات إحنا ما عندناش سرنجات.. واللى عايزه تطعم ابنها تتصرف».

جن جنون الأمهات اللاتى لم يتعافين بعد من متاعب الولادة وقلن فى صوت واحد للمسئولة: «كيف يكون هذا المكان مكتبا للصحة ولا توجد به سرنجات»؟

راح الكلام وجاء واحتدت الأصوات ثم هدأت وعلت المناقشات حتى كادت تتحول إلى مشاجرات، ولكن كل ذلك لم يغير من الأمر شيئا، فالسيدة المسئولة تطالب الأمهات بالتصرف، والأمهات يمطرن المسئولة بوابل من الأسئلة «الوجودية» العويصة التى تدور حول حق الرعاية الطبية والتأمين الصحى والحكومة التى تترك أبناء شعبها عرضة للإصابة بكل الأمراض. المسئولة، من ناحيتها تأكد لها أنها أمام مجموعة من الحالمات يبحثن عن الحكومة ودورها، ولذا ردت على أسئلة الأمهات بأن مصمصت شفتيها وهى تقول: «حِكَم». أمام تبلد مسئولى المكتب راحت الأمهات يصرخن «سرنجة يا دكاترة.. سرنجة يا حكومة» وقبل أن يصرخن كما الفلسطينى: «سرنجة يا الله».

كان ابن بلد من المترددين على المكتب قد قام لوجه الله بشراء عشرين سرنجة من ماله الخاص ووزعها على الأمهات لكى تتم عملية التطعيم، ولم يلتفت أحد لإحدى الأمهات وهى تسأل نفسها بصوت خافت: «إذا كانوا مش قادرين يعملوا مصنع سرنجات أمال هيعملوا النووى اللى بيقولوا عليه إزاى»؟ 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخميس، 27 أغسطس 2009

عيد ميلاد الجيزة




قالوا: اجتمعت لجنة ضمت فلانا وفلانا من أكابر العلماء، ومكث الأكابر أياما يبحثون عن يوم يصلح لأن يكون عيدا قوميا لمحافظة الجيزة، وبعد فحص وبحث وتدقيق وتمحيص، أكد المجتمعون أن أصلح الأيام هو يوم الثالث والعشرين من أغسطس، لأنه يوافق ذكرى بناء الهرم الأكبر. 



سألت نفسى بعد قراءة الخبر هل هناك عالم يستطيع قبل أن يرتد إليه طرفه أن يحسب بدقة متناهية تاريخ بناء الهرم الأكبر؟ ترى ما الأدوات والآلات التى استخدمها ليؤكد أن الثالث والعشرين من أغسطس هو تاريخ بناء الهرم؟. 


الحقيقة، تشككت فى الأمر برمته خاصة وهناك سوابق لهذا النوع من «الفشر» المصرى الفاخر، وكلنا يذكر المسئول الكبير الذى أكد أن «الحكومة تسمع دبيب النمل»!، كما نذكر الوزير الذى صرخ تحت القبة الموقرة للمجلس الموقر: «علىّ الطلاق هناك فائض فى الميزانية». إذن «الفشر» ليس جديدا ولكن الجديد هو هذا الأسلوب الواثق فى ترويج الأكاذيب، يعنى الرجل صاحب براءة اختراع «الثالث والعشرين من أغسطس»، لا شك أنه تكلم بثقة متناهية حتى صدق الناس كلامه وقام المسئولون بإذاعته بوصفه اكتشافا جبارا سيعيد بناء أحداث التاريخ القديم. ولكن يا فرحة ما تمت فقد اجتمعت لجنة أخرى تضم أكابر آخرين تحت مسمى «اللجنة العلمية الأثرية المشكلة لدراسة تحديد الثالث والعشرين من أغسطس عيدا قوميا للجيزة»، وقررت بعد الفحص والبحث والتدقيق والتمحيص أنه لا توجد أى أدلة علمية أثرية أو لغوية تشير إلى أن هذا الموعد هو موعد بناء الهرم الأكبر! 

طبعا اللجنة الجديدة ليست أى لجنة، فعلى رأسها الدكتور زاهى حواس أمين عام المجلس الأعلى للآثار الذى أكد أن أعضاء اللجنة اتفقوا على أن تحديد هذا الموعد يحتاج إلى أبحاث وأعمال متعددة قد تستغرق وقتا طويلا جدا، وأضاف حواس أنه سيبحث مع المهندس سيد عبدالعزيز محافظ الجيزة اختيار موعد أو تاريخ محدد ليكون يوما قوميا للجيزة قد يرجع إلى أحد الاكتشافات الأثرية المهمة بالجيزة. 

وإلى أن تجتمع اللجنة وتجد اليوم المناسب فإننى أقترح أن يكون العيد القومى للجيزة هو اليوم الأول لدخول خدمة «التوك التوك» إلى شوارع وحوارى المحافظة العريقة. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخميس، 20 أغسطس 2009

حسنات النت!


أستغفر الله ربى العظيم وأتوب إليه، كان يرددها سعيد وهو يمسح من جهاز الكمبيوتر عشرات الرسائل التى تعد من يعيد إرسالها بالجنات ونعيمها والأجر والثواب بلا عدد أو حساب، وتتوعد من يهملها أو يحذفها بالثبور وعظائم الأمور. فمنذ أول رسالة من هذا النوع وصلته وهى تحمل أحد الأدعية ويدعى صاحبها أن هذه الرسالة تنجى من يقرأها ويعيد إرسالها إلى 20 شخصا من عذاب القبر، ورسالة أخرى تحمل حديثا نبويا ينجى قارئه من الفقر وأخرى تحمل عبارات دينية تنقذه من عذاب النار حتى تملكته الرغبة فى الحصول على كل هذه الحسنات وصار كلما استلم رسالة أعاد إرسالها لكل من يعرفه وهو فرح بأنه أصبح يمتلك من الحسنات والأجر والثواب ما لا عد له ولا حصر! 


ولكن الريبة تملكته بعدما أحس أنه بعد كل هذه الرسائل صار يملك من الحسنات ما يجعله فى مصاف الأنبياء والعياذ بالله فقرر أن يستفسر من شيخ الجامع الذى يصلى فيه، فضحك الشيخ وقال له: 

ـ يا أخ سعيد هل الحسنات حلوى كى توزع بهذه السهولة؟ ضربة واحدة على الكى بورد وأصبحت تمتلك 10 آلاف حسنة؟؟ فعلام إذن التصدق والعمل الصالح وكفالة اليتيم وإطعام الفقير إذا كانت الحسنات تأتى من مجرد إعادة إرسال رسالة وتوزيعها؟ 

خجل سعيد وقال: 

ـ ولكن يا شيخنا هذه الرسائل تحتوى على أحاديث نبوية شريفة! 

ـ حتى لو كانت أحاديث صحيحة وموثقة فإن نشرها لن يجلب لك الأجر والثواب بهذا الشكل المبالغ فيه (واسترسل ضاحكا) ولو كان الأمر بهذه السهولة لتركت إمامة المسجد وتفرغت لإرسال الرسائل ليلا ونهارا! 

ـ ولكن يا شيخنا ماذا يستفيد من يكتب هذه الرسائل؟ 

ـ الله أعلم بنواياهم، ربما يريدون ترويج بعض الأحاديث الضعيفة أو ربما يريدون إلهاء المسلمين بهذه الرسائل وإيهامهم بأنها تجلب لهم الأجر والثواب بدلا من التعب والسعى وراء العمل الصالح. 

السطور السابقة كانت نص رسالة أرسلها لى الكاتب الأستاذ «محسن الصفار» وهى تكشف هذا الهوس بالاستسهال «مجرد ضربة على لوحة المفاتيح» تجنى من ورائها آلاف الحسنات فهل هذا كلام يتسق مع المنهج القرآنى الذى يطالبنا بالعمل الجاد «الشاق» الذى يبنى الحضارة؟ 

هناك هوس بالاستسهال يضرب فى عمق الشخصية المصرية الحديثة، لأن الأغلبية تريد الربح الوفير ولكنها لا تسعى وراء العمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخميس، 13 أغسطس 2009

أكبر من الحكومة



أخيرا حاز اثنان من معتنقى البهائية على بطاقة الرقم القومى، مثبتا أمام خانة الديانة بها العلامة ( ) وهو ما يعد اعترافا من الدولة بأن هناك من لا يدين بالإسلام أو المسيحية أو اليهودية، الأمر جيد من ناحية انتهاء «مواسم ومراسم» الخداع التى دفعت أسر كثيرة ثمنها كاملا غير منقوص، فليس بعيدا عنا حكاية الجد الذى يقاتل من أجل الاحتفاظ بإسلام حفيديه بعد أن خدعه بهائى وتزوج ابنته بوصفه مسلما، ثم ظهر فيما بعد أنه بهائى قديم واستطاع التأثير على زوجته فانضمت إلى البهائية وبقى الحفيدان ممزقىن بين الأبوين البهائيين والجد المسلم. انتهاء الخداع أمر جيد لا شك فيه ولكنه يفتح الباب أمام أسئلة عويصة كشف عنها بهائى قال لإحدى الفضائيات: «حصولنا على بطاقة الرقم القومى التى تنفى عنا الإسلام والمسيحية واليهودية ما هو إلا خطوة أولى ستتبعها خطوات». عند خطوات سكت الرجل ولم يفصح كأنه يقول:«اللبيب بالإشارة يفهم». 


ترى ما هى الخطوات التى سيقطعها البهائيون فى قادم الأيام؟ هل سيسعون للحصول على «محفل» لأداء شعائرهم؟ هل سيقاتلون من أجل إثبات بهائيتهم فى الأوراق الرسمية؟ هل سيطالبون بحصة فى البرلمان والوظائف القيادية؟ كل هذه الأسئلة تطرح نفسها بقوة لا على الحكومة ولكن على المجتمع، إذ إن الأمر يبدو أكبر وأعقد من أن تحله الحكومة منفردة، الكرة الآن فى ملعب المجتمع الذى عليه أن يقرر كيف سيتعامل مع مثل تلك الدعاوى التى أصبحت تطرق بابنا صباح مساء، والتهرب من مواجهتها لن يزيد النار إلا اشتعالا، علينا أن نمد الخيط إلى منتهاه وندرك أن شيئا ما فى تركيبة الشخصية المصرية قد تغير ويجب البحث عن حلول جادة تحفظ لهذا الوطن وحدة ترابه أمام تكاثر المطالب الطائفية والدينية والمذهبية، فبعد واقعة البهائيين تقدم أحد المحامين الشيعة بإنذار على يد محضر لوزير الداخلية يطالبه بإعطاء الشيعة حقوقهم !! 

ولا يعرف أحد ما هى على وجه الحصر الحقوق التى يطالب بها الشيعة. 

هل يطالبون بـ«حسينيات» بدلا من المساجد؟ أم تراهم يريدون إقامة مواكب عاشورائية كتلك التى تقام فى إيران؟ أم تراهم يطالبون بولاية الفقيه؟. 

الإنذار ترك المجال مفتوحا أمام جميع الأسئلة، وهى كلها للأسف أسئلة طائفية لا تعبر عن مطالب الأمة كل الأمة التى يبدو أن أولادها يحاولون القفز من سفينتها إلى أى قارب يخيل إليهم أنه سيحملهم إلى بر الأمان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ