في آخر خطاب عثرنا عليه، يكتب أبي الحاج عبد الرحيم لابنه
بهجات: "ماذا عليك لو تكتب جواب بالفلاحي وتسلم فيه على أعمامك عبد الوهاب
وكامل وسامي وأحمد محمد وكل من اشترك معك في مناقشة في قهوة عمك مصطفى، مثل أعمامك
عبد الحفيظ على وعبد البديع أحمد ومصطفى وعلى محمد، وحبذا لو قلت سلامي إلى عمي
عبد التواب الزهري الراجل الجاد وضروري من سلامك الخاص على عبد الحكيم سلامه لأنه
الأكثر إيماناً بالمنظمة.
أنا مهتم بأشجارك التي غرستها وتعبت فيها فهي عزيزة على،
وضروري من السلام على الأسطى حمدان لأنه تفضل مشكوراً بري أشجارك".
هنا لي أنا وقفة للتعليق، فقد غرس أعضاء منظمة الشباب بقيادة
أبي الحاج بهجات أشجارًا معمرة في شوارع التمساحية، خاصة حول وابور المياه العذبة
الذي أقامته ثورة يوليو في أول الستينيات بالقرية وكذا حول الوحدة الصحية، كان
وابور المياه يخدم ثلاث قرى، التمساحية وبوق والمنشاة الصغرى، وكانت الوحدة الصحية
تقدم خدماتها المجانية للقرى ذاتها!
كيف كان يشرب أهالي
التمساحية قبل وابور الثورة؟
من الآبار وكانت قليلة
جدًا أو من الطلمبات وكانت نادرة أو من الترع، نعم من الترع!
أما عن الرعاية الصحية
فلم تكن تعتمد سوى على الوصفات الشعبية أو مجهود فلان وفلان من الحلاقين، أصحاب
المال فقط، وكانوا أقلية لا تذكر هم الذين كان باستطاعتهم الذهاب إلى الأطباء هذا
كان حال معظم القرى المصرية قبل ثورة يوليو، ثم يأتي من يتحدث عن أن ثورة يوليو قد
حرمت جموع المصريين من خدمات الحلاق الإيطالي والجرسون الفرنسي والسائق اليوناني
الذين كانوا يعملون في خدمة الشعب المصري!
مضت السنون وجرى اقتلاع
معظم الأشجار، وبقيت شجرة زنزلخت وحيدة كنا نعرفها باسم شجرة الحاج بهجات بجوار
وابور المياه، ثم جرت في النهر المياه التي نعرفها، وسافر الحاج بهجات إلى اليمن
الشقيق معارًا للتدريس في مدارسها، وكان ذلك في أول الثمانينات، وجرى اقتلاع الشجرة
الوحيدة المتبقية من مشروع كامل، وعندما عرف بالخبر الأليم بعث لي برسالة وكنت
طالبًا في الثانوية، بقي في ذاكرتي منها قوله الغاضب: "كيف لم تقاتل من أجل
شجرتي!".
يضيف الوالد خطابه: "أحوال المنظمة عال: وستبقى وتكبر
وتعظم وسيذهب (الذين في قلوبهم مرض) إلى الجحيم".
هذه الفقرة توقفت
أمامها بوعي رجل في الستين، حتى منظمة الشباب التي كانت الظهير السياسي والشعبي
لرجل بحجم عبد الناصر كانت تواجهها العوائق والعراقيل، من هؤلاء الذين وصفهم
الوالد بالذين في قلوبهم مرض، هل هم بقايا الأقطاع أم الذين يحبون الاستعمار لوجه
الشيطان أم دراويش أسرة محمد علي أم تراه كان يقصد الذين قال عنهم عميد الأدب
العربي الدكتور طه حسين: "الذين لا يعملون ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس".
يختم الوالد خطابه كاتبًا: "بعد سفرك مباشرة ضيق (فلان)
الخناق على الأعضاء من حتى كاد أغلبهم يكفر لولا بقية من أمل (أفتكره الناس حتى
يكونوا مؤمنين)، يا أخي إن منظمة الشباب لو كانت بالإلزام كما في بعض الأعمال
لملها الناس ولفر منها الشباب، لكن حياتها في الاقتناع وشعارها كقول الله تعالى
"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". صدق الله وكتبه ورسله.
في ختام رسالته وضع الوالد بفطرته الإنسانية ولا أقول
السياسية الملح على الجرح، إنه يرى بعين البصيرة المضيئة آفة المجتمع العربي لا
المصري، وهى أن يستبد فرد أو جماعة بمشروع عظيم، أن يظن أحدهم أنه بمفرده يستطيع
فعل كل شيء وإنجاز أي شيء، في تلك اللحظة البائسة التعسة يبدأ انهيار المشروع
بانصراف الجموع عنه، كان الوالد يرى أن فكرة منظمة الشباب تتجاوز الإطار السياسي،
إنها فكرة الالتفاف حول أهداف الثورة الكبرى والدفاع عنها والتبشير بها والهبوط
بها من سماء النظرية إلى أرض الواقع، لكن (فلان) الذي كان يضيق الخناق على الناس
لن يعرف جرمه إلا بعد انفضاض الناس عن الفكرة وتركها وحيدة تتلاعب بها رياح
المصالح والأهواء.
رحم الله أبي وجيله من الذين أخلصوا لحلمهم الجمعي، وعرفوا
أن النجاة الفردية هي ضرب من الأوهام فلا نجاة لفرد في قارب يغرق.
منشور بجريدة صوت الأمة الثلاثاء،11 أغسطس 2026م.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق