الخميس، 7 مايو، 2015

الحريق قديم ويتواصل






«زمان، من أكثر من أربعين سنة، عندما كنتُ طالبًا فى المرحلة الثانوية، أهوى قراءة الأشعار والقصص، وأعتبر الشعراء والروائيين نجومًا فوق مرتبة النجوم. فى تلك الفترة لم تكن الكتب متاحة لى لأقرأ، ولذلك كنت عضوًا فى جماعة أصدقاء المكتبة فربما أستعير ما أشاء.

وفى يوم من الأيام استدعانى أمين المكتبة أنا وزميلين آخرين وقال لنا:

عايزكم فى الفسحة فى مأمورية!

من الطبيعى أننا فى الفسحة نوجد فى المكتبة كل يوم، لكنه فى ذلك اليوم أكد علينا الحضور فحضرنا، فقدّم إلينا ورقة وطلب منا التوقيع عليها قائلا:

أنتم من ضمن اللجنة!

لجنة إيه؟

بعد انتهاء الدراسة انتظرونى.

طيب!

وأخذَنَا بعد نهاية اليوم الدراسى وتوجهنا إلى فناء المدرسة وفى يده أربعة كتب. توقفنا فى ركن بالفناء ووضع الكتب وأخرج من جيبه علبة كبريت وقال:

أنتم شهود على إحراق الكتاب بأجزائه الأربعة!

كتاب إيه؟

ووجدتنى أنحنى وألتقط ماذا؟

أقسم لكم بالله ديوان على الجارم بأجزائه الأربعة فى طبعة فخمة جدا جدا!

ليه كده يا أستاذ؟

أوامر علينا تنفيذها!

والسبب؟

- مش عارف، يمكن عشان كان بيمدح الملك كتير. الله أعلم!

رجوته وتوسلت إليه أن يعطينى إياه، فقد مضينا على إحراقه وانتهى الأمر، لكنه رفض، وقال: ليس من خلقى أن أعلمكم الكذب!

وأشعل الثقاب.

واحترق ديوان على الجارم.

لماذا؟

الله أعلم!».

السطور السابقة كانت جزءًا مهمًّا من شهادة الأديب الأستاذ محمد محمد السنباطى عن حرائق الكتب، نشرها على حسابه الخاص بموقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك».

القراءة الهادئة المنصفة لشهادة الأستاذ السنباطى ستوضح عدة حقائق.

الأولى: الحريق قديم والداء مقيم مستوطن، إنه داء الجبن والخوف من المواجهة وليس داء حرق الكتب، الأقوياء لا يحرقون ولا يخربون ولا يدمرون، الأقوياء يذهبون بمشارطهم الحادة الحاسمة إلى رأس الدمل ويطهرون الجسد من القيح والألم. الجبناء فقط هم الذين لا يكملون شوط التطهير ويريحون أنفسهم من عناء ومشقة المواجهة الحقيقية، ويحرقون الكتب كأن حرقها سيقتل ما بها من أفكار.

لقد مضت أسابيع على محرقة الكتب التى شهدتها مدارس مختلفة فى مصر، ولم نسمع عن أدنى عقاب تعرض له القائمون بالحرق، بل لم نسمع عن توبيخ جرى توجيهه إليهم، بل إن مظاهرة حاشدة من موظفى مديرية الجيزة التعليمية خرجت تؤيد وتساند وتبايع السيدة بثينة كشك، مديرة المديرية، التى اقترفت جريمة الحرق بيديها، وبعد المظاهرة أو بناء عليها خرجت علينا السيدة بثينة منتشية بالتأييد ونافية توقيع أى عقاب عليها، ووصفت المتظاهرين الداعمين لها بأنهم جماعة من المواطنين الشرفاء!

ما ذكره الأستاذ السنباطى يؤكد أننا لم نبرح مكاننا، فنحن نقيم حيث تركنا الأجداد والآباء، نعتمد ذات طريقتهم فى التفكير وذات سياستهم فى مواجهة المشكلات والأزمات.

ثم تأتى غطرسة السيدة بثينة لتنفى إقامتنا حيث تركنا الأجداد والآباء، لأننا وبكل أسف قد تراجعنا عن مكانهم ومقامهم خطوات، فقبل الآن كانت محارق الكتب تجرى فى صمت بعيدًا عن العيون، شأن أى جريمة تأباها الأنفس السوية، الآن يتم كل شىء تحت إضاءة وسائل الإعلام، ولا يعتذر أحد ولا يخجل أحد، بل بعضهم يتبجح ويفاخر بما اقترفته يداه من خبث وشر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال بجريدة التحرير بتاريخ 29 ابريل 2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق