الاثنين، 25 مايو، 2015

عشيق الليدى تشاترلى وأبناء الزبالين المصريين (1-2)


بريطانيا العظمى تطارد رواية لأنها كشفت عن عنصرية الإنجليز



شوَّهوا سمعة الروائى والرواية لكى يغطّوا على صراع الطبقات

بريطانيا العظمى تطارد رواية لأنها كشفت عن عنصرية الإنجليز

شوَّهوا سمعة الروائى والرواية لكى يغطّوا على صراع الطبقات

لماذا وقفت إنجلترا قلعة الحريات وأم الديمقراطيات ضد رواية، مجرد رواية تحمل عنوان «عشيق الليدى تشاترلى»؟
أغلب ما وصلنا من آراء القراء والقضاة والنقاد يؤكِّد لنا بوضوح أن الغالبية الكاسحة من الشعب الإنجليزى المتمرّس منذ قرون على الممارسات الديمقراطية يرفض نشر الرواية، بل لا يسمح بوجود نسخها على أرفف مكتباته العامة؟
ترى لماذا كل هذا العداء؟

الطبعة السرية

قبل الغوص فى عالم الرواية، نقول إن مؤلفها هو الروائى البريطانى ديفيد هربرت لورانس، ولد فى عام 1885، ومات فى عام 1930، رحلة حياة تعد قصيرة، أنجز خلالها نحو خمسمئة قصيدة وعشر روايات، ترجم معظمها إلى العربية، وسنعتمد فى تناولنا لرواية «عشيق الليدى تشاترلى» على الترجمة التى قام بها الدكتور أمين العيوطى، وصدرت عن روايات الهلال فى عام 1989.

كتب لورانس روايته الأشهر فى عام 1926، وقد كتبها أربع مرات حتى استقر على المخطوطة الجديرة بالنشر من وجهة نظره، ولأنه كان يعلم من تجارب سابقة أن بريطانيا العظمى لن تسمح له بنشر روايته من أراضيها، فقد نشر الرواية لأول مرة فى عام 1928، إذ تم طبع الطبعة الأولى فى سرية تامة بمدينة فلورنسا الإيطالية، وذلك بفضل شجاعة الناشر الإيطالى بينو أوريولى.

ما الذى تحمله الرواية حتى تقابل بكل هذا العنف؟
هل تصدقنى لو قلت لك: لا شىء!
ثم هل تصدقنى لو قلت لك: إنها إحدى أخطر روايات القرن الماضى وقد مثَّلت للإنجليز تحديدًا ما يمثّله برميل بارود وضع بجوار نار مشتعلة؟

أحداث الرواية

ضربة البداية تقول: «إن عصرنا عصر مأساوى فى جوهره، ولكننا نرفض أن نجعل منه مأساة».
كان هذا هو حال كونستانس تشاترلى، زوجة كليفورد تشاترلى، الذى تزوجته فى عام 1917، وبعد إجازة شهر العسل عاد ليشارك فى الحرب العالمية الأولى، وفى الحرب أُصيب إصابة جعلته عاجز الجسد والروح والقلب.

عجز الروح والقلب لا شفاء منه حتى لو أكثر كليفورد -وهو القارئ النهم المثقف- من قراءة أمهات كتب الشعر خصوصًا والأدب عمومًا، واستغرق فى الاستماع إلى روائع الموسيقى الكلاسيكية، وأحاط قصره بغابة مترامية الأطراف.

زوجته الشابة التى لم تسعد جسديًّا معه سوى فى شهر العسل، كانت تداوى عجز قلبه وروحه بأن تشاركه فى كل شىء، من الموسيقى حتى النقاش حول محاورات أفلاطون.
أما عجز جسد الزوج فقد وجدت له حلًّا بعلاقة جسدية مع «باركين» حارس الغابة، وقد أثمرت علاقتها بالحارس جنينًا يرقد فى بطنها.

كليفورد كان يؤمن تمام الإيمان أن زوجته كونستانس لن تظل راهبة حتى مماتها، ولذا فقد انتهز جلسة مصارحة من جلساتهما وألقى بكرة اللهب فى حجرها، عندما قال لها: إن رغبتها فى الأمومة حق لا يساويه حق، ولكن بشرط أن لا يعلم شخصية الأب وأن ينسب الولد إليه هو، لكى يكون وريث آل كليفورد.

هذا العرض الجارح لم يباغت كونستانس التى لم تكن قد أقامت علاقتها بعد مع حارس الغابة، تلك العلاقة التى لن تكون استجابة إلى عرض الزوج، ولكن لسبب آخر تمامًا، سنعرف بعد قليل إنه وأسباب دفينة أخرى وقفت فى حلق الإنجليز، فناصبوا الرواية عداءً تاريخيًّا!

الرواية فى المحكمة

فى عام 1960 وبمناسبة مرور ثلاثين عامًا على وفاة مؤلف الرواية لورانس، غامرت بل قامرت «دار بنجوين»، وقامت بالنشر العلنى للرواية، مستغلة تغييرات جدّت على قانون المطبوعات البريطانى.

ما إن ظهرت الرواية فى السوق الأدبية البريطانية، حتى هبَّت النيابة البريطانية وقامت برفع دعوى قضائية لمصادرة الرواية!

برجاء ملاحظة أن هذا حدث فى بريطانيا ولندن وليس فى أحراش إفريقيا.

عريضة الاتهام التى قدّمها ممثل الادعاء جرفث جونس.
تضمنت التهم التالية:
1ـ الرواية منافية للذوق العام.
2 ـ تحض على الفسق والفجور.
3ـ ألفاظها عارية وتخدش الحياء العام.
أظنّك سمعت هذه التهم موجهة إلى أكثر من كتاب فى وطننا العزيز!

دار نشر بنجوين التى غامرت بنشر الرواية لم تقف مكتوفة الدين، فقد أسندت إلى فريق دفاع مكوّن من ثلاثة محامين مهمة الدفاع عن الرواية.

ذهب الجميع (النيابة والدفاع) إلى قاعة المحكمة، تأكد المحامون من أن القضاة يقفون ضد الرواية، فما وجدوا أمامهم سوى الذهاب إلى رأس الدمل لكى ينفتح الجرح كاملًا ويكف الجميع عن التحايل والتلاعب تحت ستار الدفاع عن الفضيلة.

الضرب تحت الحزام

نحن الآن أمام قضية رأى عام، وسيربحها الذى يربح الرأى العام، جلس أعداء الرواية مع بعضهم بعضًا واتفقوا على فضح الروائى لا الرواية، ومتى فضحت الروائى كسدت روايته وانصرف الناس عنها.

فتّشوا تاريخ دافيد هربرت لورانس، وقالوا: إنه يكتب نفسه ويؤرخ لقصته ولا علاقة تربط بين روايته والمجتمع الإنجليزى الشريف العفيف!

الروائية البريطانية «دوريس ليسينغ» الحائزة على جائزة نوبل فى الآداب، عاصرت الأمر كله وكتبت تقول : «إن لورانس كان زوجًا لسيدة ألمانية تدعى فريدا، والزوجة كانت على علاقة مع إيطالى، وكان لورنس على علم بهذه العلاقة، ولم تكن هى باللباقة الكافية لتخفى أمرًا كهذا، كما لم تكن تراعى مشاعره فى أى شىء، وكانت تخبر أصدقاءهما بأن لورانس كان يعانى من العجز الجنسى منذ عام 1926، وذلك نتيجة إصابته بمرض (التدرن الرئوى).

ذلك المرض الذى ينجم عنه أمران متناقضان، الأول هو تصعيد الرغبة الجنسية والتخيلات المرتبطة بها، والآخر العجز عن ممارسة الجنس!

العلاقة بين لورانس وزوجته كانت موضع منازعات علنية ولم تكن هناك أسرار، فجميع الأصدقاء والمعجبين والزوار كان يتم إخبارهم بكل مراحل قصة الحب بينهما وتفاصيل ممارساتهما الخاصة، وكان لورانس يكتب عن جميع التفاصيل، سواء عن طريق الشعر أو النثر، وكانت فريدا تشتكى لدى أخواتها وأصدقائها من عجزه الجنسى».

أولاد بلد

أصبح الموقف ملتهبًا جدًّا بعد تسليط الضوء على الحياة الشخصية للروائى، بهدف صرف الأنظار عن حقيقة الموقف البريطانى من رواية بريطانية!

المحامون تأكدوا أن الاعتماد على الأسانيد القانونية لن يفيدهم بشىء، بل ربما خسروا القضية فى جلستها الأولى.

بطريقة أولاد البلد الذين يمدون الخيط إلى منتهاه، بنى فريق المحامين خطتهم على أساس الفصل التام بين حياة الروائى وروايته، ثم سألوا الحضور عن موقفهم من أعشاب حدائق لندن التى تشهد المطارحات الغرامية العارية والكاملة والمكشوفة.

ثم تحدّوهم أن يستخرجوا لهم من كلمات الرواية الألفاظ العارية المكشوفة التى يزعمون أنها تملأ صفحات الرواية.

ثم تحدوهم أن يجدوا الخط الفاصل والحاسم بين ما هو خادش للحياء العام وبين ما هو جرىء وحقيقى.
هذه الأسئلة وغيرها لم تُقابل سوى بالصمت من جانب الحضور، الذين أسقط بين أيدهم، فهم يعادون الرواية لأسباب أخرى غير التى يستترون خلفها، وتلك الأسباب لا يستطيعون البوح بها، لأنها ستدمر معبد الزجاج كله.

لجنة الخبراء!

بعد مرافعات الدفاع أصبحت الرواية قاب قوسين أو أدنى من الحصول على شرعية الظهور العلنى فى مكتبات لندن، هنا رأت المحكمة أن تحيل الأمر برمته إلى لجنة خبراء!
ضمّت لجنة الخبراء علماء وكتّابًا ومثقفين، وبعد الفحص والتدقيق قالت اللجنة إن «الرواية ذات مستوى فنى رفيع ولا يمكن اعتبارها إباحية بأى حال من الأحوال».
هل حصحص الحق؟ هل ستكتفى المحكمة برأى الخبراء؟ أم أن المحكمة لا يزال فى نفسها شىء تجاه الرواية؟

لقد أحالت الرواية مجددًا إلى رئيس الأساقفة «فير وولويج»، لاستطلاع رأى قداسته.
الرجل كان عادلًا، وقالها صريحة مدوية: «رواية عشيق الليدى تشاترلى ليست مخلّة بالآداب».
العجيب فى الأمر أن سيدة من أعضاء لجنة الخبراء قالت فى شهادتها: «الرواية رفعت العلاقات الجنسية إلى مستوى التقديس».
وعندها ضجّت قاعة المحكمة بتصفيق حاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجزء الثاني من الموضوع سينشر الخميس القادم
نشر الموضوع في جريدة التحرير في 21 مايو2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق