الخميس، 16 يناير، 2014

اليوم يومك يا مصرى




بعضهم يتمتع بذاكرة مثل الغربال، تُسقط الحَبَّ وتحتفظ بالقشّ، ثم تظل تفخّم وتعظّم وتمجّد فى قشّها لكى تصنع منه أهرامات من الحكايات التى تبدو للمتعجل (من فرط تكرارها) كأنها الحقائق الثابتة.

أصحاب ذاكرة الغربال هؤلاء، لن يذكروا أمامك أبدًا أن ريق المصريين قد جفَّ من كثرة ما ناشدوا مبارك إجراء تعديلات دستورية تتيح للبلاد تداول السلطة بطريقة سلمية، لم يستمع مبارك قط إلى المناشدات التى لم يكن أصحابها يحلمون بأكثر من تغيير مادتين أو ثلاث، وعندما استجاب كانت الأقلام قد جفَّت وكانت الصحف قد رُفعت.

هؤلاء يتناسون عن عمد أن مرسى قد صنع صنيع مبارك، وسمح لعصابته بأن تكتب دستورًا معوجًّا عنصريا، كان العمل به يهدد الوطن من حيث هو وطن.

الآن والمصريون قد صنعوا معجزتهم بطريقتهم الفريدة، خلعوا رئيسين فى أقل من ثلاث سنوات، وأسقطوا أوهامًا دامت سيطرتها على العقول لعقود، ولم يناشدوا أحدًا ولم يستجدوا أحدًا، فقط غادروا بيوتهم هابطين إلى ميادينهم، مسلحين بعزمهم وتحضرهم ورقيهم لكى يزيحوا عن وطنهم ظلمات تراكَم بعضها فوق بعض.

لقد فعلها المصريون بطريقتهم الفريدة التى لا مثيل لها، كانت ثورتهم تشبه مهرجانًا من الرقىّ المصفَّى والفرح النادر والمعنى الخالد الذى لا زيف فيه، الثورة المصرية بالطريقة المصرية تنغّص أيام وليالى هؤلاء، فيمسخون كل شىء ويسفّهون كل فعل ويستهترون بكل خطوة، يجعلون من أنفسهم فريقين (تحسبهما متعارضَين متناقضَين، بينما هما عملة واحدة ذات وجهين) فريق يبكى على أيام مبارك بوصفها أسعد الأيام وأجملها وأكثرها استقرارًا، والفريق الآخر يطارد فى صحراء ظنونه وأوهامه سراب شرعية مرسى، ولا هدف لدى الفريقين سوى محاولتهم إطفاء فرحة الشعب بثورته.

يخوض الواحد منهم فى عرض الثورة كأنها لقطة وجدناها على باب مسجد أو كنيسة أو بجوار مقلب قمامة، وإذا تحشم الواحد منهم واصطنع الحياء الكاذب تحدث عن الثورة بوصفها فعلاً تم فى الهواء الطلق، بلا تضحيات ولا قرابين دم، بلا خوف ولا قلق ولا ترقب ولا مشاعر، فعل شيطانى نبت فى فراغ العدم وهاوية الجحيم.

لا شعب عند هؤلاء ثار ولا شباب فقدوا نور أبصارهم، هى المؤامرة ولا شىء غيرها يعتمدونها تفسيرًا لثورة شعبنا، مرة هى مؤامرة الأمريكان على مبارك، ومرة هى مؤامرة الصليبية الدولية على مرسى.

يعزّ عليهم أن يعترفوا بجرائمهم التى دفعت الشعب إلى الثورة عليهم، يعزّ عليهم أن يعترفوا بوجود الشعب ذاته، لقد اطمأنوا تحت حماية سلطتهم لإشارات خادعة ظنوا معها أن الشعب قد مات أو رضىَ بهوانه ولن يفيق من غيبوبة الهوان والمذلة أبدًا، حتى إن مبارك كان يجهّز وريثه، وحتى إن مرسى قال إن عصابته لن تغادر الحكم قبل خمسمئة سنة!

لقد ضربت الثورة يقينهم ومن لحظتها وهم يكيدون لها ويُمَنّون أنفسهم بأنها سحابة صيف سرعان ما تنقشع ليعود كل واحد منهم إلى نفوذه وسلطته وتسلطه وفساده الذى تزكم رائحتُه الأنوف.

وما الذى يجرى فى جامعاتنا وشوارعنا وعلى شاشات فضائياتنا ببعيد عن مكائدهم وتربصهم، فبعضهم يروج للدستور ويحشد له، وهو يعتقد أن مرور الدستور سيساعد على عودة دولة مبارك بنظامها ورجالها وفسادها، وبعضهم يسعى سعيه عبر قنابله وعبواته الناسفة ومظاهراته التى تنتهى دائمًا بإراقة الدماء لكى يحول بين المصريين وبين لجان الاقتراع معتقدًا أن فشل الدولة فى إجراء الاستفتاء على الدستور سيعيد مرسى وعصابته إلى الحكم.


كل هؤلاء لم يطالعوا بقلوبهم ورقة من سجلات تاريخ عناد وتحدى ومقاومة المصريين الذين يهبّون فجأة من نومهم لكى يزلزلوا العالم وينسفوا النظريات، يصنعون ذلك بسهولة رشفهم لجرعة ماء، يقدمون دماء أولادهم وهو ينظرون إلى ميلاد الغد الأجمل الذى يليق بتضحياتهم، لقد صحّ عزم المصريين على تخليص بلادهم من عصور الظلمات وسطروا الكلمات الأولى فى سِفْر الخروج إلى رَحابة النور وتدفق الضياء، ولن يتركوا الفرصة تفلت من بين أيديهم وسيواصلون تقدمهم نحو تحقيق أهداف ثورته شاء من شاء وأَبَى من أَبَى.
ــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير في 16 يناير 2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق