الاثنين، 6 يناير، 2014

في مديح 2013









كانت الورقة عادية جدًّا، كأنها منزوعة من كراسة طفل فى صفه الأول الابتدائى، كانت خالية من أى زخرفة، كانت بسيطة مثل تحية الصباح ومألوفة مثل يوم من أيام نتيجة الحائط. الورقة العادية كانت تحملها يد بنت عادية تمامًا، لا تتمتع بأى محسنات أنثوية، بنت تصلح بامتياز لأن تكون بائعة فى محل ملابس أو خطيبة لشاب تشاركه الحلم بشقة من غرفتين وصالة وحمام ومطبخ ضيقين، وبلكونة صغيرة تكتسب أهميتها فى كونها المكان الملائم لنشر الملابس وتخزين الثوم والبصل أحيانا، وفى ساعات الصفو النادرة ستشرب مع خطيبها الذى سيصبح زوجها كوبين من الشاى المنعنع فى تلك البلكونة الصغيرة، وسينظران للسماء ويدعوان الله أن يفتح لهما أبواب شقة أوسع.

تلك البنت العادية تمامًا ستقطع بصنعة لطافة طريق المصريين فى يوم يبدو عاديًّا تمامًا لتقدم لهم ورقتها العادية. تلك الورقة ستعرف فى ما بعد باستمارة «تمرد».

هذه الورقة العادية ستقلب الدنيا رأسًا على عقب، ستهدم نظريات وتنسف مقولات، ستصبح كابوسًا لأهل الاستراتيجية والتخطيط، هذه الورقة العادية ستجعل المصريين يظهرون فى صورة سائق تحسبه أرعن، يعطيك إشارة ضوئية تؤكد اتجاهه ناحية اليمين، وعندما تطمئن لحركته إذ به يباغتك ويتجه يسارًا، بل يباغتك ويبتدع مسارًا لم يخطر ببالك قط.

البنت العادية صاحبة الورقة العادية ستواجه عصابة مسلحة بفكرة وقنبلة، فكرة العصابة هى فى حد ذاتها قنبلة، الفكرة قديمة جدًّا، هربت أو تهربت أجيال وقامات من مواجهتها، كل جيل يلقى بها للجيل الذى يليه، وكل قامة تقذف بها للقامة التى تليها، حتى القامات التى تجرأت على مواجهة فكرة العصابة والتصدى لها، دفعت ثمنًا فادحًا، جعلها لا تقطع شوط المواجهة إلى منتهاه، ولا تمد الخيط إلى آخره.

من كان يصدق أن البنت العادية التى خرجت من بيت أبيها العادى صباح يوم عادى حاملة ورقة عادية ستهز أركان الدنيا؟

وحده العام 2013 كان يصدق البنت العادية ويؤمن بقدراتها الخارقة، التى لا تبصرها عيون الاستراتيجيين ولكن تبصرها قلوب أولاد البلد التى لم تطمسها خرافات التنظير والقولبة.

وحده العام 2013 كان يخبئ بين ضلوعه الورقة العادية، وحده كان يحشد ويحتشد لكى يدعو الملايين إلى مغادرة بيوتهم فى صباح الثلاثين من يونيو، لكى يكتبوا بحشودهم الهادرة الغاضبة كلمة النهاية لمسرحية سخيفة طالت فصولها لعشرات السنين.

البنت العادية صاحبة الورقة العادية سافرت فى المكان والزمان، جمعت مصر بنيلها وصحرائها، بنخبتها وأولاد حواريها، وأقسمت أنها لن تغادر خيمتها التى ضربتها أمام قصر الاتحادية حتى ترى بعينيها الفاشل وهو يغادره مطرودًا.

كأن 2013 قد استملَحَ البنت العادية وقرأ شجاعتها على وجهها الصحيح، فأراد أن يرد لها الجميل، فواصل معها السعى فتم فض تجمع إرهابى مسلح بالشرّين معًا: شر الفكرة وشر القنبلة، ومن الفض الذى كانت تحول دونه الدنيا تقدم 2013 ويده بيد البنت العادية ليكتبا معًا الكلمة الأولى فى سفر الاستقلال الوطنى، لم يخافا ولم يرتعشا عندما أرغى وأزبد باراك أوباما الذى يظن نفسه رئيس مجلس إدارة الكون، لم يهابا معًا مقاطعة هنا وهجومًا هناك، انطلقا محلقين مثل صقرين نحو الأفق المضىء، حيث دستور جديد ليس فيه من رطانة زواج الصغيرة ولا إرضاع الكبير شىء، دستور يصلح لأن يكون تأسيسًا لمصر النظيفة التى ستشفى بعونه تعالى من الفتن والشرور التى خلقتها عصابة أسكرتها الفكرة والقنبلة.


يومًا ما وعسى أن يكون قريبًا سيقف 2013 على رأس الأعوام مفاخرًا، سيقول بملء فيه: أنا سيد أعوامكم، سأذهب بعيدًا وعميقًا، لن أترك جروحكم تلتئم على صديدها، لن أترك قلوبكم تشقى بأوهام عصابة الشر، لن أترك شوارعكم تحت رحمة قناصتها، لن أترك برلمانكم للدببة، لن أترك قصركم الجمهورى لفاشل أو إمّعة، كفِّى ستحتضن كف البنت العادية وسنكمل معًا طريقًا بدأه شقيقى 2011.
ـــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير 1 يناير 2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق