الأربعاء، 24 سبتمبر، 1997

ديوان "تشكيل الأذى" لميسون صقر شعر بالسريالية الفصحى


 



بصدور مجموعتها "تشكيل الأذى" تكون السيدة ميسون صقر قد قطعت شوطًا لا بأس به في عالم الكتابة. كانت مجموعة ميسون الأولى "هكذا أسمى الأشياء" قد صدرت عام 1982 وبعدها توالت مجموعات السيدة ميسون "الرهيقان"، "البيت"، "السرد على هيئته"، ‍"مكان آخر"، "الآخر في عتمته"، "عامل نفسه ماشي"، وهذه المجموعة فيما تزعم السيدة ميسون أشعار بالعامية المصرية!!

ولا تظن سيدي القارئ أن عطاء ميسون قد توقف عند الشعر، لقد تجاوزت ذلك بكثير لأنها وكما تقول زاوجت بين الشعر والتصوير عبر معارضها التشكيلية التي أقامتها في الفترة من 1990 – 1992.

لقد ذكرت أعمال السيدة لتعلم سيدي القارئ أننا أمام كاتبة احترفت الكتابة منذ خمس عشر عامًا إضافة إلى احترافها التصوير منذ سبع سنوت، والآن ماذا في كتاب ميسون "تشكيل الأذى"؟ الكتاب يقع في 223 صفحة بما فيها الصفحات البيضاء من غير شعر ومقسم على عدد من القصائد على النحو التالي:

"ظلام يذهب بالأدلة" 23 قصيدة، "الوحشة قبل اكتمالنا" 28 قصيدة، "الصور العديدة ليست أنا" 37 قصيدة، "الجسد وليف وحدته" 36 قصيدة، "سمكة في فراغ" 21 قصيدة، "الشبهات" 6 قصائد، وهكذا أنت أمام 151 قصيدة يحتويها كتاب كل صفحاته 223 صفحة!!

أولى قصائد الديوان ليس لها عنوان وتقول فيها الشاعرة – إن صح هذا التعبير – "انحنت والشرفة تعلو" انتهت القصيدة نعم والله القصيدة مكونة من هذه الكلمات الثلاثة "انحنت والشرفة تعلو" سيقولون هذه ليست قصيدة إنها مفتتح للديوان وسأصرخ في وجوههم بئس المفتاح والمفتتح والافتتاحية.

وبعد قصيدة "انحنت" هذه ستجد قصيدة عنوانها "ينبغي.. امرأة واحدة" وأرجوك تأمل معي العنوان جيداً وقل لي ماذا فهمت من ينبغي هذه ثم أربع نقاط ثم امرأة واحدة؟

لقد ظننت أن مكان النقاط كلمة قبيحة خافت الشاعرة من ذكرها فأخذت أبحث في قاموس الشتائم عن كلمة يستقيم بها العنوان فلم أجد، فهل تدلني سيدي القارئ ولك الشكر على هذه الكلمة؟

مهلاً سيدي القارئ لقد ظلمنا والله الشاعرة فها هي تفسر لنا لغز النقاط الأربع بقولها "ينبغي اليوم أن تكون هناك امرأة واحدة أخرى تغلق الباب لتتسرب مساءات لم نأبه بها من خلال يديها وتذهب الجدران الأربعة لحنان قاصر كلما أضاءت مفتاح الضوء نلاحظ أثاثنا وهو يشتهيها" بسم الله ما شاء الله ما كل هذا التكثيف يا سيدتي الشاعرة، لقد ضربت عصفورين بقصيدة واحدة فأنت أولاً فسرت لنا لغز النقاط الأربع، وثانيًا كشفت لنا عن عشقك للسريالية فرأينا معك الحنان القاصر والأثاث الذي يشتهي المرأة، عمومًا حكاية الأثاث هذه ذكرتني بالفنان السريالي الذي قال : "أتمني أن أرسم قلق الكرسي عندما نجلس عليه"!!!!

والآن نتمتع معًا بالقصيدة القنبلة التي تحمل عنوان "الأسف" وتقول فيها الشاعرة : "مثلما كان للعصافير حين سقوطها نعلق الليل على الأكتاف" بس خلاص انتهت القصيدة.. أسمعك تحتج سيدي القارئ وتقول ولكن المعنى ناقص وأنا لم أفهم ماذا كان للعصافير حين سقوطها، ومن ناحيتي فإني أنصحك أن تكف عن احتياجك العقيم هذا وتحتشد لتعمل عملاً مفيداً للإنسانية جمعاء كأن تشترك مع السيدة الشاعرة في حمل الليل وتعليقه على الأكتاف ولأنك مطيع وتسمع الكلام وقد رأيتك مشاركًا بهمة في تعليق الليل على الأكتاف فسوف أمنحك بهجة قراءة القصيدة التي عنوانها "الهواء الثقيل" التي تقول فيها الشاعرة:

"بعض ضوء تحت الخيمة السوداء غصون لأشجار تكسرت وبعض نبيذ معتق مناجل لأجساد تلاقت على ود والهواء الثقيل يصبح نجمة حينا وبعدها شعرًا لإبط إحدى الجثتين" الله يا سيدتي ما كل هذا الوضوح من أين جئت يا سيدتي بهذه الصورة الشعرية العطرة؟ "الهواء يصبح شعرا لإبط إحدى الجثتين" لأن الموضوع دخل في شعر الإبط فكان لابد أن تخصص الشاعرة قصيدة لرائحة العرق وهكذا صنعت في قصيدتها "المتعة والآثام" التي تقول فيها "أدرك هذه المسافة بين القوتين لكن رائحة العرق جلبت وعداً منه الخيرة الخالصة المتعة والآثام كم وحيا نزل قرأت فيه موتى" وهذه القصيدة واضحة جداً كما ترى والشىء الغامض الوحيد بها هو تحديد المسافة بين القوتين ولكني وبعون الله وبعد طول تفكير توصلت إلى حل لهذه المعضلة وهذا الحل هو أن نفترض أن إحدى القوتين هي "أسيوط" مثلاً، والقوة الثانية هي "القاهرة" مثلاً وعلى هذا ستكون المسافة 5 ساعات لو ركبت القطار المجرى وستكون 6 ساعات لو ركبت السيارة البيجو وستصل المسافة إلى سبع ساعات لو تناولت الغذاء في كافيتريا "الفشن"!!

ستظن أني أستخف وأهزل في مقام الجد ويشهد الله أن الأمر بخلاف ما تظن ألا يذكرك نقدي الخاص بالمسافة بين القوتين بكلام ناقد مشهور تنشر له إحدى مجلاتنا مقالاً من ثلاث صفحات يحدثنا فيه عن العملية الإبداعية عند الشاعرة الفلانية التي تتكون من ص2 + س3 * 3 = 9

والآن نصل إلي مسك الختام حيث نحظي بالتطلع إلى بهاء القصيدة العلامة "الآثار التي تنحفر" تقول الشاعرة "أثقب الوباء كي أنقله إلى الضوء".

قيل لي إن الشاعرة تحمل دائمًا "شنيور" وكلما رأت وباء ثقبته وتواصل الشاعرة "وأنصت للألم بقوة احتمال" والله يشهد أن هذه هي الجملة الوحيدة التي وجدتها بالديوان وتحمل شيئاً من رائحة الشعر ولكن الشاعرة تعود مسرعة إلى قواعدها الحداثية السيريالية الانشطارية فتقول "لم يعد بيني وبينه ثقب" من هو يا سيدتي هذا الذي لم يعد بينك وبينه ثقب هل هو الألم أم الوباء أم أن الموضوع ثقب وخلاص أم أنك تكتبين القصيدة الغربالية المليئة بالخروم – عفوًا الثقوب!!

وعلى هذا الدرب تمضي الشاعرة في كل قصائدها فلا نعلم عن أي شيء تتحدث ولا نعلم هل هذا الكلام الذي تقوله مكتوب بالعربية أم هو ضربات فرشاه في يد رسام مخمور؟ ولكن الذي تأكدنا منه أن الأمر يستحق "نوبة صحيان" من نقادنا الحقيقيين لكي يواجهوا هذا النثر الشعري الذي عما قريب سيرمي بكل الدواوين الشعرية الشريفة في المستنقعات، ويا سيدي القارئ لا تأخذ علىّ وصفي للسيدة ميسون بأنها شاعرة ووصفى لكلامها بأنه شعر فهذه الأوصاف خطها قلمي لكي أتفاخر بأنني أعرف شيئاً عن فن ‍"المجاز"!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 24 سبتمبر 1997

هناك تعليق واحد:

  1. أرجو منكم مدّي باسم من رسم اللوحة المرسوم عليها كلمة " عشق " لأنّي أرغب أن أستأذنه لأضعها على غلاف كتاب أنا بصدد إعداده.الأمر أكيد وأشكركم سلفًا .
    باحثة من تونس

    ردحذف