الاثنين، 18 أبريل، 2016

الكرامة لا تقاس بالمتر ولا توزن بالرطل






تحتل قبيلة الغساسنة مكانة مهمة في التاريخ العربي والإسلامي ، في بداية أمرها كانت القبيلة  تعيش  بالقرب من سدّ مأرب، في اليمن  و بعد انهيار  السد اتجهت القبيلة شمالاً ووصلت إلى  جنوب الحجاز ، ومنه انطلقت  شمالاً حتى وصلت إلى  بلاد الشام، التي هي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن ، وفي الشام أسست القبيلة ملكها وأصبح قادتها ملوكًا متحالفين مع  الروم البيزنطيين  الذين كانوا القوة الأعظم في العالم.

تعمدتُ ذكر هذه النبذة التاريخية لكي نعرف الخسارة الفادحة التى تكبدها المسلمون عندما وقع العداء بينهم وبين تلك القبيلة الملكية .

 نقفز إلى الأمام  حتى نصل إلى زمن تولى الفاروق عمر بن الخطاب  حكم الدولة الإسلامية وتولى جبلة بن الأيهم عرش مملكة الغساسنة .

الأيهم وأبناء مملكته كانوا قوة إقليمة  يحسب لها ألف حساب  ، وقد أقتنع الأيهم أخيرًا بالإسلام وغادر عاصمة مملكته متجهًا إلى المدينة عاصمة الخلافة الإسلامية ليعلن إسلامه بين يدي الفاروق شخصيًا .

طبعًا عمر والمسلمون رحبوا بتلك الخطوة أشد الترحيب وفرحوا بها فرحة لا مزيد عليها ، لأن إسلام ملك يعني إسلام مواطنيه  أو على الأقل إسلام معظمهم  ، ثم أن إسلام الملك يعنى تأمين الحدود الشمالية للدولة  الإسلامية الوليدة تأمينًا مجانيًا بدون وجود قوات أو دفع نفقات .

إذن أسلم ملك الغساسنة ورأى أن يطوف بالكعبة المشرفة فكان له ذلك ، أثناء الطواف ، وقعتْ الواقعة ، داس بدوي ـ بدون قصد ـ طرف  إزار جلالة الملك جبلة بن الأيهم ، غضب جلالة الملك الغضب كله فضرب البدوي ضربة هشمت أنفه .

فما كان من البدوي الذي ينتمي لقبيلة  فزاره إلا أن توجه إلى  رئيس الدولة الإسلامية الخليفة عمر بن الخطاب شاكياً جبلة .
ضع نفسك مكان الفاروق حتى تعرف إلى أين وصلت معدلات الكرامة في دمك ؟.

قام الفاروق باستدعاء الملك ، وقد حفظت لنا كتب التاريخ الحوار الذي جري بينهما   قال عمر: "جاءني هذا الصباح، مشهد يبعث في النفس المرارة، بدويٌّ من فزارة، بدماء تتظلَّم بجراح تتكلَّم، مقلة غارت وأنف قد تهشم، وسألناه فألقى فادِحَ الوزر عليك، بيديك، أصحيح ما ادَّعى هذا الفزاري الجريح ؟".

رد الملك  جبلة : " لست ممن ينكر، أو يكتم شيئاً، أنا أدَّبتُ الفتى، أدركتُ حقي بيدي" .

قال عمر: " أيُّ حقٍّ يا ابن أيهم، عند غيري يقهر المستضعف  ويظلم، عند غيري جبهة بالإثم والباطل تُلطَم، نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية، قد دفناها وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، أرض الفتى، لابد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك ".
تعجب  جبلة قائلًا :"  كيف ذاك يا أمير المؤمنين، هو سوقة وأنا صاحب تاج ".
بعد مجادلة أدرك جلالة الملك أنه أمام حلين لا ثالث لهما .
الأول أن يعتذر للبدوي ، ثم للبدوي قبول الاعتذار أو رفضه ، فإن قبله فلله الحمد ، وإن رفضه فليس سوى الحل الثاني ، وهو أن يتم القصاص منه .

فكر الملك في الخروج من مأزق الحلين اللذين يرفضهما ولا تقبلهما ذاته الملكية فقال لعمر :" اتركني الليلة حتى أتدبر الأمر ".

تركه عمر لكي يراجع نفسه ، فانتهز الملك الفرصة وفر هاربًا عائدًا إلى عرش مملكته كافرًا بالإسلام الذي يساوي بينه وهو جلالة الملك وبين بدوي قد يكون حافيًا ولا يعرف القراءة والكتابة .

بفرار الملك خسر المسلمون كل مكسب كانوا سيربحونه بإسلامه وظل العداء قائمًا بين المسلمين ومملكة الغساسنة حتى هُزم الغساسنة في معركة اليرموك .
والآن هل وصلتنا رسالة " الكرامة " التي لا تقاس بالمتر  ولا توزن بالرطل ؟.

عمر بن الخطاب خسر مملكة مقابل كرامة أنف بدوي ، فكيف لا تقبض قلوبنا وتجف حلوقنا ونحن نسمع بعضهم يقول :" تقيمون الدنيا من أجل جزيرتي تيران وصنافير ومساحتهما لا تتجاوز مساحة ملعب كرة قدم ".

هذا القائل هو من الذين طمس الله على قلوبهم فمن البديهي أن يكذب في كل شيء ، يكذب في تقرير وتقدير المساحة فلا يذكر أن مساحة تيران هي ثمانون كيلو متر مربع وأن مساحة صنافير هي ثلاثة وثلاثون كيلو متر مربع ، يعني ليست مساحة ملعب كرة قدم أو كرة رجبي  .
ثم يكذب في إهالة التراب فوق المعني ، نحن لم ولن نتحدث عن مساحة ، نحن نتحدث عن كرامة أهدرتها عدم مشاركتنا نحن الشعب مالك الجزيرتين في تقرير مصيرهما .

ثم يواصل ذلك الكاذب  كذبه فيقول ساخرًا :" كيف تغضبون لجزيرتين لم تسمعا باسميهما من قبل؟ ".
وفي هذه أنت كاذب أيضًا ، فنحن نسمع باسم الجزيرتين ونعرفهما قبل أن يظهر الطماعون إلى الوجود ، ثم نحن يا هذا لم ولن نسمع باسم أمك فهل تقبل ـ تحت ستار جهلنا ـ أن نبيعها في سوق الرقيق ؟ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المقال بتاريخ 18 ابريل 2016



هناك 3 تعليقات:

  1. بارك الله فيك القصة والمغزي منها
    لايفقهه سوى أهل الكرامة والمخلصين لتراب الوطن أما من تغنوا بحب مصر ورفع الاعلام فليسوا سوى تابع لمجرد شخص يفنى ويبقى سيرته ....انت حر ومصر حرة بأمثالك لا أمثال أحمد موسى وغيره من الطبالين

    ردحذف

  2. زهرة الربيع

    أشكرك، واتمنى أن اكون عند حسن ظنك.
    دامت محبتكم

    ردحذف

  3. زهرة الربيع

    أشكرك، واتمنى أن اكون عند حسن ظنك.
    دامت محبتكم

    ردحذف