الاثنين، 27 يوليو، 2015

الأرشيف السري للثقافة المصرية





كيف تهزم الثورات نفسها
قال الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور يومًا: «الدودة فى أصل الشجرة».

إن جاز لى أن أنزِّل كلمة عبد الصبور إلى أرض واقعنا المعاش، لقلت إن الشجرة وأصلها هما «الثورة» ودودتها هى «النخبة».

أما كيف كان ذلك، فهذا ما يرويه لنا الكاتب الأستاذ غالى شكرى، فى كتابه «من الأرشيف السرى للثقافة المصرية».

مصرى بثلاث رئات



ولد غالى شكرى لأسرة مسيحية صعيدية، هاجرت أولًا إلى الإسكندرية، ثم تركتها لتقيم فى منوف بالمنوفية، كان ميلاده فى عام 1935، وكان رحيله فى مستشفى باريسى فى عام 1998، وبين الميلاد والرحيل تعلَّم وعلَّم وكتب عشرات الكتب ومئات المقالات، وأمضى حياته مدافعًا عن «فكرة الثورة».


فى طفولته تلقَّى تعليمه الابتدائى فى مدرسة إنجليزية تابعة لإرسالية، كان من ملحقاتها مستشفى وكنيسة إنجليكانية. كان والده حارسًا للمستشفى، وبذلك نجا غالى من مقصلة رسوم المدارس. والده المنتمى مثل الأغلبية المسيحية إلى الكنيسة القبطية المصرية، كان يحذره من ارتياد الكنيسة الإنجليكانية الملحقة بالمدرسة، لكن غالى كان يرتادها من خلف ظهر أبيه، وفيها تعرَّف على السينما وصادق من خلالها الصبى جورج البهجورى، الذى سيصبح من علامات فن الكاريكاتير.


بعد وقت المدرسة كان الطفل غالى شكرى، يذهب إلى بيت أستاذ اللغة العربية «الشيخ حافظ» الذى حفظ على يديه القرآن وجوَّده! ولذا كانت تتم الاستعانة به فى إلقاء الخطب المتعلقة بالمناسبات الإسلامية، مثل مولد الرسول.


بعد مدرسة الكنيسة سيلتحق بمدرسة المساعى المشكورة (مدرسة طفولة مبارك)، وفيها سيعرف التلميذ مكرم محمد أحمد، الذى سيرشده إلى عالم القراءة والكتابة والصحافة، بل إن مكرم سيعرفه على عالم نجيب محفوظ الذى لم يكن غالى قد سمع باسمه، بعد ذلك بسنوات سيكتب غالى عن محفوظ كتابه «المنتمى» الذى يعد أهم الدراسات التى كتبت عن محفوظ. من تلك الترجمة الموجزة يتبيَّن لنا أن غالى عاش بثلاث رئات، واحدة مسيحية قبطية، وثانية مسيحية إنجليكانية، وثالثة إسلامية.


ملف توفيق الحكيم



كتاب غالى الذى بين أيدينا والذى سيكشف عبر صفحاته عن الدودة التى فى أصل الشجرة، كتبه زمن إقامته فى بيروت فى عام 1975، وقد أعادت نشره مشكورة مكتبة الأسرة قبل أسابيع.


فكرة الكتاب المركزية تقول: «إن الثورة، أى ثورة، ستهزم نفسها بنفسها عندما تستعين أو حتى تترك عصابات الثورة المضادة تتسلل إلى حديقتها».


فى مئة وأربعين صفحة يقدّم غالى الأدلة على صدق فكرته التى ينطلق منها.

نعم هو كان يكتب عن الثورة التى عاشها وعرفها وذاق نعيمها وتجرَّع مرارة سجونها، ثورة 23 يوليو 1952، لكن لو شِئت مد الخيط إلى منتهاه، لرأيته يكتب عن ثورتنا (25 يناير 2011)، وتأمَّل ما حولك تجد كلامى صائبًا بإذن الله.


لم يكن الأستاذ توفيق الحكيم بخيلًا ولم يكن مقيمًا فى عزلة برجه العاجى، ولم يكن عدوًّا للمرأة، تلكم كانت شائعات عابث بها هو زملاءه وعابثوه بها.

الحقيقة أن الحكيم كان غارقًا من رأسه حتى أخمص قدميه فى الشأن السياسى العام، وكان قريبًا ومقربًا جدًّا من رأس الثورة وقائدها جمال عبد الناصر، الذى قال علانية إن «رواية الحكيم (عودة الروح) كانت ملهمة له ولجيله من الثوار»، وإنه أى عبد الناصر أراد أن يكتب رواية على غرارها، ثم بعد الثورة جرى فصل الحكيم من عمله مديرًا لدار الكتب، وكان صاحب القرار هو وزير المعارف الدكتور إسماعيل القبانى. وعندما عرف عبد الناصر بالأمر أعاد الحكيم إلى عمله وأخرج القبانى من الوزارة.


ثم وقف عبد الناصر مع الحكيم (وقفة العمر كله)، وذلك عندما كتب الناقد الأستاذ أحمد رشدى صالح، مقالات فى جريدة الثورة «الجمهورية»، اتهم فيها الحكيم بأنه سرق مادة كتابَيه «حمارى قال لى» و«حمار الحكيم» من الأديب الإسبانى «خمينيث»، فتدخَّل عبد الناصر وأوقف المقالات وأنعم على الحكيم بقلادة النيل، وهى أرفع وسام مصرى!


ثم قام عبد الناصر بإرسال الحكيم إلى باريس، لكى يكون على مقربة من أعلام الثقافة الغربية، لعله يصطاد جائزة نوبل، التى كان عبد الناصر يحلم بها له ويراه جديرًا بها.

ثم وهنا مربط الفرس، حدث أن ركب الجنون أدمغة أجهزة الأمن فى مطلع عام 1959، فقامت باعتقال العشرات من الكُتّاب والمثقفين، كانت الضربة موجعة جدًّا، حتى إن هيكل وهو مَن هو خاف من تأثير الضربة على سمعة نظام عبد الناصر، فسعى سعيه لكى يجمع فى لقاء مغلق بين عبد الناصر وكاتبه المفضل توفيق الحكيم، وكان هيكل الذى يعرف مدى تأثير الحكيم على عبد الناصر يؤمن بأن الحكيم سينسف قوائم المعتقلين نسفًا بكلمة منه لعبد الناصر.


نجح هيكل فى سعيه واتصلت الرئاسة بالحكيم، طالبة منه شرب الشاى مع السيد الرئيس بعد الظهر.

الحكيم يتهرَّب من لقاء عبد الناصر



نعم فعلها الحكيم وتهرب من اللقاء الذى كان سينقذ مئات الضحايا من قهر المعتقل، واتصل بهيكل الذى تفهّم الأمر، فقام هيكل بالاعتذار نيابة عنه لعبد الناصر، محتجًّا بأن الحكيم كبير فى السن ولا يريد توريط نفسه مع المعتقلين!


ليلتها، كما يروى الأستاذ غالى شكرى، اتصل الأستاذ نجيب محفوظ بالحكيم وناشده وهو يكاد يبكى أن يتدخّل لإنقاذ الناس ولإنقاذ سمعة النظام، فما كان من الحكيم إلا أن رد: «يا نجيب دول (يقصد أجهزة الأمن) بيقبضوا عليهم لأسباب مالهاش علاقة بالفكر، دول (يقصد المعتقلين) ليهم صفتين، صفة المثقف وصفة السياسى، إحنا ندافع عن المثقفين، لكن الناس اللى عايزة السلطة مالنا ومالهم».


انتهى كلام غالى، لأقول أنا، غنى عن الذكر أن الحكيم عاش عمره لا يدافع لا عن هؤلاء ولا عن أولئك!


ثم مات عبد الناصر الذى كان الحكيم أديبه المفضل، والذى كان يراه جديرًا بأن ينتزع «نوبل» العصية، فدارت مطابع دار الشروق لصاحبها محمد المعلم، لتقذف من قلب بيروت الأرصفة العربية بكتاب الحكيم «عودة الوعى»، الذى كان رأس الحربة فى الهجوم على ثورة عبد الناصر، لم يترك الحكيم نقيصة إلا رمى بها الثورة، الثورة التى كان مفجرها ينتظره لكى يأخذ برأيه فى أمر مصيرى كأمر المعتقلين!


فى الكتاب الذى كان فى بدايته مقالًا (ثم كبر!!!!) دعا الحكيم من موقعه كـ«حكيم» إلى فتح ملفات الثقافة المصرية.

هنا يرد غالى شكرى على الحكيم فى صفحات مطولة ملخصها بتصرف يقول: «إن أولى الناس بتلبية الدعوة هو مطلقها، وأنت دعوت إلى فتح الملفات ولم تفتح ملفًّا واحدًا، أنت أطلقت كلامًا عامًّا لم تشر خلاله بكلمة إلى قربك من دائرة النفوذ الضيّقة جدًّا، أنت كنت غارقًا فى صناعة ثقافة يوليو وفى ملفاتها، ولكن ها أنت تغسل يديك من عارها، وكأنك الطفل البرىء الذى كان يلهو بينما جحيم المعتقلات كانت يفترس أصدقاءك وتلاميذك».


بعدما قرأته، هل ترى معى أن عبد الصبور كان صادقًا وهو يقول: «الدودة فى أصل الشجرة؟».

يلا يا عم


فى شتاء عام 1972 (لاحظ قبل العبور بسنة)، سيتصل توفيق الحكيم بغالى شكرى، ويقول له: «أنا باعت لك آنسة ظريفة، مصرية من أمريكا، تريد أن تتعرّف عليك وعلى الجماعة فى الطليعية (مجلة كانت ذائعة الصيت، تصدر عن (الأهرام)، وكانت منبرًا لليسار المصرى) الآنسة بتحب الثقافة والسياسة، دكتوراه من هارفارد، يلَّا يا عم، ابسط».


قابلت الآنسة الطريفة «سناء حسن» غالى شكرى الذى عرف منها أنها قابلت أبرز رجال الدولة، مثل محمد فوزى، وزكريا محيى الدين، وعزيز صدقى، وعرف غالى منها أنها تعد دراسة للجامعة عن «مواقف الثقافة المصرية المعاصرة من أهم القضايا التى تعنى الإنسان المصرى وتقلق مصيره حتى ولو لم يكن واعيًا بها».


الآنسة الظريفة كانت «واصلة لفوق»، لدرجة أنها أهملت دعوة محمد حسنين هيكل لها!


الآنسة التى عرّابها توفيق الحكيم، ستتزوّج من تحسين بشير، مساعد المستشار الصحفى لرئيس الجمهورية أنور السادات.


الآنسة الظريفة المغمورة ستنشر لها جريدة أمريكا الكبرى «النيويورك تايمز» مقالًا بصورة!


تضمن:

آن الأوان ليفهم العرب أن إسرائيل أمر واقع.

آن الأوان ليفهم العرب أن الحرب لا تحل المشكلات.

لقد أخطأ العرب فى الحضارة والتاريخ والتقدُّم عندما رفضوا تقسيم فلسطين.

الحل الواقعى هو توطين الفلسطينيين فى الدول العربية مع الاعتراف العربى الشامل بالدولة اليهودية.


ثم إن الآنسة التى نشط توفيق الحكيم فى تقديمها للمصريين ستذهب إلى تل أبيب (دماء النكسة لم تكن قد جفَّت بعد)، وهناك ستواصل التبشير بدعوتها المقدسة!


الغريب بل المريب أن دعوة الآنسة الظريفة قد جهر بها توفيق الحكيم وحسين فوزى قبل العبور وفى قلب «الأهرام» وبحضور هيكل والقذافى الذى كان أيامها من صقور العروبة.


ثم ويا محاسن الصدف ستتبنى جماعة من المثقفين الفلسطينيين دعوة الآنسة الظريفة، ويكتبون وعلى رأسهم سميح القاسم، بيانًا يحمل الأفكار ذاتها، وسينفرد سميح بكتابة مسرحية تذهب فى نفس الاتجاه، ستتم ترجمة مسرحية سميح إلى معظم لغات العالم، وستقابله سناء حسن، لتبارك خطواته.


من الذى سلّط علينا الآنسة الظريفة؟ إنه توفيق الحكيم لا غيره، الحكيم الذى كان أيامها مشغولًا بالسؤال عن كيفية تحويل 40 ألف ليرة لبنانية، وهى ثمن كتابه «عودة الوعى» الذى سبّ فيه ناصر وثورته!


قلتُ لك إن دماء قاصمة الظهر (5 يونيو 1967) لم تكن قد جفّت بعد، ويقول لنا غالى شكرى إن «الجيش المصرى كان يستعد لخوض معركة الكرامة، بينما الأسماء البارزة فى الثقافة المصرية كانت تمضى فى طريق مضاد، الحكيم كان مشغولًا بليراته وبسبّ الثورة وصاحبها، وحسين فوزى كان يجهز لانطلاق كتابه (ملاك الإرهاب) فى سبّ عبد الناصر أيضًا، وإحسان عبد القدوس كان يكتب فى (الأهرام) مقالاته القصصية عن حبيبة شبابه اليهودية التى سبحان الله، ظهرت له فى جزيرة مصيفه، وكان يلح فى دعوتها لكى تعود إلى القاهرة»!


الرائد المنتحر



يواصل غالى شكرى فتح الملفات (التى لم يقترب منها الحكيم)، فيقول: «إن أجهزة كانت تعمل على تمهيد الأرض لأمر قادم (ليس الحرب يقينًا)، سنعرف نحن بعد سنوات أن الأرض كانت تمهد لاتفاقيات كامب ديفيد، وفى سبيل التمهيد كانت تعلو أصوات لمغمورين، فإذا بهم بين عشية وضحاها أشهر من نار على علم».


يضرب غالى مثلًا موجعًا بقصة وجيه غالى، مؤلف رواية «بيرة فى نادى البلياردو»، والذى كان طالبًا فى كلية الطب، وكان ينتمى إلى إحدى الحركات اليسارية، ولكنه استطاع الهرب إلى لندن، وهناك تلقفته إحدى «الجهات»، وكانت تعرف ميوله الصحفية وموهبته الأدبية، واستطاعت أن تغريه بالسفر إلى إسرائيل، فسافر وعاد ليكتب مجموعة من التحقيقات المثيرة لجريدة «الصنداى تايمز» إلى جانب إسرائيل.


وزيادة فى التكريم والغواية نشرت له رواية فى سلسلة بنجوين عن التعذيب فى سجون مصر. وما زالت الرواية فى المكتبات، وعلى ظهر غلافها تعريف بوجيه غالى، يقول إنه أول مصرى شجاع يزور إسرائيل ويكتب عنها بحرية كاملة.


ولكن هذا «الرائد الشجاع» وجد منذ عامين منتحرًا فى إحدى غرف البنسيون الذى يقيم به فى لندن! وترك رسالة بخط يده اعترف فيها بخطيئة العمر، وأشارت إليها الصحف الإنجليزية بصورة عابرة، لأن البوليس احتفظ بها.. فلم تكن موجهة إلى أحد بالذات.


وينهى الأستاذ غالى شكرى الفصول الأولى من كتابه بحكاية لا تقل وجعًا عن سابقاتها، يقول: «إن فتاة مصرية بالجامعة تدعى سناء هاشم، أرسلت إلى إحسان عبد القدوس، مكتوبًا يقول (إننى طالبة أقرأ لك بانتظام، وأعد رسالة عنوانها (الإنسان العربى فى الرواية اليهودية)..»، ويبدو أننا أكثر تحضرًا -أو كذبًا- من اليهود، فنحن نصورهم كما قرأت لك أمس بطريقة فنية راقية.. بينما قراءاتى لأدبهم جعلتنى أقشعر وأنا أجمع الصفات الحيوانية الشيطانية التى يلصقونها بالإنسان العربى.. الأدب معركة يا أستاذ، وهم فى مواقع الهجوم دائمًا، ونحن بأمثالك فى مواقع الدفاع دائمًا، لماذا؟».


ولن يجيب كاتبنا الكبير عن سناء هاشم، لأنه قد اختار أن يكون فى صف سناء حسن، غير أنه ينسى أن بنت الحاج هاشم هى صوت مصر الحقيقى.. الصوت الباقى.


أما صوت سناء بنت حسن باشا فهمى الصوت المزيّف، والذى سرعان ما يزول.


نُكمل فتح الملفات فى الأسبوع القادم بعون الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة التحرير في 23 يوليو 2015
لينك الموضوع:http://www.tahrirnews.com/posts/262069

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق