الاثنين، 27 يوليو، 2015

مجرد قطعة جلد!





كان فلان الفلانى من أسرة بسيطة، يؤمن ربها بأن التعليم وحده هو بوابة المستقبل، رب الأسرة البسيط يجاهد لكى يرسخ ذلك المعنى الجليل فى قلوب أولاده، فلان الفلانى كان الابن البكرى، سار على صراط أبيه المستقيم حتى تخرج بفضل الله فى كلية الزراعة.


كان فلان يحلم بامتلاك قطعة أرض يجعلها حقل تجارب لما تعلمه فى الجامعة، عرف أن امتلاك الأرض يحتاج إلى وقت طويل من الشقاء والادخار، تسلم فلان الفلانى خطاب التعيين من «القوى العاملة»، فرح به وكذا فرحت أسرته، عمل فى إحدى مديريات الزراعة بمدينة من مدن الدلتا، يقول الذين عاصروه إنه ملأ الشوارع المدينة الصغيرة بأشجار الزينة، وكان يتفانى فى رعايتها كأنها أولاده، ثم عمل مع فريق من زملائه على استنباط نوع جديد من القطن يضمن به لمصر تفوقها فى زراعة هذا النبات الاستراتيجى، فجأة آن أوان التحاقه بخدمة العلم والتجنيد بالقوات المسلحة، فرح بالتجنيد كما يفرح عادة بكل عمل يخدم به بلاده، هو كان فى قرارة نفسه يؤمن بأنه مدين لبلاده التى أنفقت على تعليمه طفلًا وشابًا ووفرت له فرصة عمل فى مجال تخصصه.


ذهب فلان إلى وحدته العسكرية، وبعد مضى شهر واحد كانت معركة الخامس من يونيو قد اندلعت، لم يكن يصدق أنه هو الذى يجرى فوق رمال سيناء متخبطًا لا يعرف جهته، لم يكن يصدق كل ما حدث ويحدث، كان يظن أنه واقع فى قبضة كابوس من كوابيس الرعب، سرعان ما سيصحو ويتخلص منه، فقد أعز أبناء دفعته، وفقد قائد وحدته الشهم، عاش كل عذاب سمعنا عنه أو رأيناه مصورًا فى أفلام السينما التى صورت تلك الأيام، بعد شهور لملم هو وزملاؤه أشلاء قلوبهم ولعقوا جراحهم وراحوا يستعدون لمعركة فاصلة يستعيدون بها كرامتهم وأرض بلادهم.


كان يستعد كأنه يتجهز للزفاف، تحول من متخصص فى زراعة أشجار الزينة إلى متخصص فى زرع الألغام فى طريق العدو، عافت نفسه كل ما كان له علاقة بحياته السابقة، من الطعام إلى الملابس، إنه يريد التعبد فى محراب المعركة، إنه يتمنى لو أصبحت بذلته العسكرية جزءًا لا يتجزأ من نسيج جلده، لقد تقدم وبإصرار لا هوادة فيه لكى يحصل على فرقة مظلات، وبعد أن اجتازها بنجاح حصل على فرقة صاعقة، إنه يريد قيادة الدبابة والسيارة والطائرة، إنه يتمنى لو تحول إلى رصاصة وقذيفة وصاروخ، إنه يريد أن يكون مقاتلًا مستحيلًا يحقق بيديه وأسنانه النجاح الفاصل بين الذل والكرامة.


فلان الفلانى يكاد يكون قد نسى أمه وأباه وإخوته، لا، بل لقد نسيهم بالفعل، أمه الآن هى البندقية، وأبوه هو قائد الفرقة، وإخوته هم الذين تبقوا من رفاق الدفعة، ولكن كان لا بد لفلان من أن يحصل على إجازة ليريح فيها أعصابه التى أصبحت مشدودة على مدار الساعة، أمر قائده له بإجازة، فرضخ لأمر القائد كارهًا، ما إن صعد إلى القطار الحربى وانطلق القطار مارًا بمزارع الدلتا حتى هاجمته موجة غثيان قاتلة، هو لا يريد سوى صحراء القتال، هو لم يعد يرى سوى رمال المعركة، ما كل هذا الأخضر؟ أين راح الأصفر الناعم الفاتن؟


هواء الدلتا يجرح رئتيه، إنه هواء ليس به غبار أقدام رفاقه، نيل الدلتا لا يرضيه، أين زرقة ماء القناة؟


عندما غادر القطار وسار فى شوارع مدينته ليصل إلى بيت أبيه، كانت الشوارع تافهة كما كانت قبل تجنيده، التفاهة هى عنوان كل شىء من أغانى المطرب فلان إلى موضة ملابس البنات.



بعد خمسين سنة ستحل روح فلان الفلانى فى جسد فلان جديد يقاتل الآن ضد الظلام فى سيناء، بينما شوارعنا تافهة تتصارع حول قطعة جلد مملوءة بهواء فاسد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة التحرير في 22 يوليو 2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق