الأحد، 21 مارس 1999

فرحة






 كان حلقى جافًا وجبينى ملتهبًا ودائخًا ومهزومًا كالعادة، ثمة أبخرة سامة تلوث كل كيانى، وجع جهنمى مسعور ينهش كبدى، أشتهى إجابات شجاعة عن أسئلة مراوغة، أحلم بمواجهة حادة وحاسمة ونهائية مع كل الذكريات السود، وما بين الواقع والاشتهاء تنغرس في القلب حراب مسمومة لا تدرى من الذى صوبها ولماذا قذفك بها، فجأة ولأنه تعالى رحمن رحيم فتح لى بوابات من نعيم مقيم لم أكن صيادًا ولم تكن هى فريسة، فى جزء من الثانية كان التلاقى والانصهار، كان الابتهال الصامت الخاشع بأن تدوم النعمة ولا ينقطع المدد، كلانا مستقر متأمل غارق فى صاحبه يرشفه على مهل يقرأه فى طمأنينة يرسمه بكل أبعاده يحفر الصورة والمكان والزمان فى ذاكرته السرية فأيام العطش طوال، مطر إلهى ينهمر يغسل وساخات علقت بالقلب ودنست الجسد، تعلن العذابات هزيمتها وتنسحب من مناطق كانت قد احتلتها فى الفؤاد، وآه لو يدوم الفرح ولا ينقطع المدد.


***

 تفضلت الأهرام ونشرت مقالاً للخبير أمين هويدى يوم الثلاثاء 16 مارس حكى فيه الخبير الاستراتيجي الكبير قصة زيارته لبلدة أرنون اللبنانية التي حررها الشعب اللبنانى دون أى مساعدة من أى طرف من الأطراف، الكل كان غائبًا وحضر الشباب اللبنانى فقط واستطاع تحرير أرضه رافضًا الخضوع لسياسة الأمر الواقع التى فرضتها إسرائيل على معظم القوى العربية، وقد لفت نظرى في هذا المقال ما جاء على لسان أحد اللبنانيين عندما سأل هويدى هل أنت مبعوث الحكومة المصرية؟ لهذه الدرجة مازالت مصر فى وجدان كل عربى يبحث عن مساعدة ما ولا يستطيع أن يتخيل أن تكون المساعدة إلا من مصر فمتى نعلم علم اليقين قدر بلدنا وأهمية دورها؟

 ***

مثلما تدخن سيجارة أو ترشف كوب شاى أو تلقى على جارك تحية الصباح هكذا أو بذات السهولة تضرب أمريكا يوميًا العراق لتتحول المعركة إلى معركة استنزاف لا يدرى أحد متى تتوقف وموقف العرب جميعًا مما يحدث يدعو إلى الرثاء فالكل وحتى هذه اللحظة مازال يطالب صدام بالانصياع إلى الشرعية الدولية!! يا خلق هوه فضوها سيرة وكونوا ولو مرة صادقين ولن نعتب عليكم لو قلتم أنكم موافقون على ضرب العراق كما لن نغضب إذا قلتم أنكم لا تستطيعون فعل أى شىء، فهذه مواقفكم والتاريخ سيحكم يوماً بين الجميع أما الرطانة باسم الشرعية الدولية فهذا هو المؤلم فى الأمر كله وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الجيل - 21 مارس 1999

الأحد، 7 فبراير 1999

هاتم "آند" زينة





يدى التى تستحق القطع عبثت بمفاتيح جهاز التليفزيون حتى استقرت على قناة الأسرة، التى يبثها القمر الصناعى المصري اسم الدلع "النايل سات" لماذا عبثت يدى بمفاتيح التليفزيون؟ فى القرآن الكريم آية تقول "يخربون بيوتهم بأيدهم" جاءنى صوت الشهيرة نجوى إبراهيم مقدمًا لبرنامج اسمه "فرح كليب" خذ بالك من "كليب" هذه التى تطاردك ليل نهار من خلال تشنجات مطربى الشباب تقوم فكرة البرنامج على تصوير حفل زفاف "واحد من الشعب" والالتقاء بأهل العروسين وأصحابهما مع تقديم باقى التحابيش من زفة ورقص وأغانى.
 قلت لكم زفاف "واحد من الشعب" إذن تعالوا نتأمل زفاف هذا الواحد كما قدمه البرنامج، واحد من الشعب اسمه حاتم خريج كلية التجارة بالجامعة الأمريكية والده رجل شرطة على المعاش ووالدته ربة بيت، أما واحدة الشعب زوجته فاسمها زينة خريجة الجامعة الأمريكية أيضاً قسم الإعلام والدها له شكل البهوات ولم أعرف ماذا يعمل، ووالدتها سيدة جميلة. واحد الشعب وواحدة الشعب لم يعملا بعد فهما من خريجى العام الماضى ومع ذلك فبسم الله ما شاء الله الفرح مقام فى فندق خمس نجوم ونجمة الحفل السيدة فيفي عبده "احسب أنت التكلفة" يا سيدى مش مهم الفلوس فملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب، المهم هو جو الفرح الأعجمى "أعجمى إيه بس" آه والله العظيم أعجمى كل حاجة فى الفرح مستوردة حتى الزغاريد الحاجة الوحيدة البلدى كانت فيفى عبده "لزوم التحديق" يعنى حبة مخلل مع الكافيار وطبعاً تعلمون أن السيدة فيفى عبده ما تتوصاش فى رفع رأسنا وفخدنا عارية أو عالية بعد هذا البث "الأعجمى"..
 الموضوع كبر فى دماغى ورحت أسترجع ما كتبه العلامة الجليل جلال أمين عما حدث للمصريين "حتى الزغاريد مستوردة" وحاولت الاتصال بالسيدة نجوى إبراهيم لأستفسر منها عن الحتمية التاريخية التى دفعتها لبث فرح اللورد "هاتم" والليدى "زينة"، ومدام الموضوع أى فرح والسلام فلماذا لا نبث فرح من "عندنا"، "العمرانية، باب الشعرية، بولاق، القطامية أو حتى فيصل والهرم"، وفرح من عندهم "شبرد، ماريوت، شيراتون" يعنى واحدة بواحدة حتى لا يصنع المصريون مثلما صنعت بعد مشاهدتى لزفاف الخواجة "هاتم" .

خرجت إلى البلكونة ممسكًا بربع جنيه وأخذت أصيح بأعلى صوتى الفرح والناس الحلوة والعريس المجدع والعروسة السُكرة وكل الحبايب والصعايدة تانى، واللى يحبنا ميضربش فى فرحنا نار ورقصنى يا جدع وسمعنا التوبة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الجيل ــ 7 فبراير 1999

الأحد، 10 يناير 1999

هلك سعد وسعيد



                         

هل مر على العرب زمن مثل زماننا هذا؟
أشك كثيرًا في أي إجابة تحمل رائحة "نعم" تأملوا معي خريطة هذا الوطن "الغارق في النزيف" ليبيا والعراق والسودان تحت الحصار، الصومال تحت "الجوع، فلسطين تحت الاحتلال، سوريا لا تعرف من تواجه إسرائيل أم تركيا؟، لبنان نصفه محتل، الأردن كان الله في عونه، دول الخليج ذهبت سكرة النفط وجاءت مرارة الواقع، مصر نحن أدرى بالمواجع لأننا نكابدها.

وسط كل هذا الخراب العمومي تنبت أسئلة لا يعلم إجاباتها إلا علام الغيوب خذ عندك هذا السؤال. من قادنا إلي هذه الهاوية؟ الإجابة جاهزة هي "الفقر"!!، ولكن أين هذا هو الفقر؟ ومحمد هشام خواجكية المستشار الاقتصادي للأمين العام لمنظمات الخليج للاستشارات الصناعية يؤكد في تصريحات نشرتها كافة صحف الخليج أن خسائر العرب في عام 1998 بلغت مائة وعشرة مليار دولار، لاحظ أن هذه خسائر عام واحد فقط.

وأضاف السيد خواجكية أن حرب الكويت تكلفت 400 مليار دولار دفعها العرب للأمريكان وأعوانهم ويؤكد خواجكية أن ديون العرب ستصل إلى 210 في المائة من حجم صادراتهم، إضافة إلى أن تراجع أسعار البترول أدى إلى انخفاض دخول الدول المنتجة له بنسب تتراوح بين 35 في المائة و60 فى المائة.

أين هو إذن هذا الفقر المزعوم؟، لقد قرأتم معي عدداً من المليارات لا يحصى تم تبديدها كلهاهكذا لوجه الشيطان بعضها أنفق لمواجهة "العدو" العراقي وبعضها أنفق على أمزجة الذين في غفلة من الزمان تولوا أمر العرب.
وبعد فإن الطوفان قادم لا ينجو منه أحد وإن كانت الحكاية العربية القديمة تقول انج سعد فقد هلك سعيد، فالحكاية العربية المعاصرة تقول افرح يا شارون فقد هلك سعد وسعيد.
ـــــــــــــــــــــــــــ

    الجيل ــ 10 يناير 1999

السبت، 28 فبراير 1998

الجزار معرفة

  
شكوت للكاتبة الكبيرة من سيطرة الأقزام فقالت لي: هون عليك فعلي أيامي كان يوسف السباعي يرأس كل ميدان تكون له صلة من قريب أو بعيد بالثقافة ثم مات فمن يشتري الآن كتبه؟.

تذكرت هذه الكلمات وأنا أنظر إلى "المحاصر" الراحل فؤاد حداد، حوصر في حياته ثم ملأ شعره الأسماع بعد مماته وها هو المسرح القومي يقيم أمسية حافلة بعبير شعر فؤاد حداد لكي نؤمن مجدداً بأن  ما ينفع الناس يمكث في الأرض.

الكاتب الأستاذ رشدي أبو الحسن كتب في الزميلة "صباح الخير" عدد 15/1 الحالي مقالاً عن "الدستور" ذكر فيه تقديره للجريدة ثم ختم مقاله بقوله: "إن في الجريدة نفسًا من أنفاس الصحافة الصفراء" إيه يا أستاذنا؟! قال الأستاذ: إن موقف الجريدة من عملية السلام متشنج!! بارك الله فيك يا أستاذنا فنحن نرى ومصرون علي رؤية عملية السلام بوصفها استسلاماً سواء كان هذا سيجعلنا صحافة صفراء أو خضراء.

الشهر الماضي فاز الشاعر الشريف المبدع مريد البرغوثي بجائزة الجامعة الأمريكية وذهبنا إليه نحاوره ثم جاء إلينا مقال من الناقد عبدالرحمن أبو عوف يهاجم الجائزة.. فنشرنا الحوار والمقال فظن البعض أن مريد البرغوثي يرد على أبي عوف.. وأشهد أن هذا ليس صحيحاً.. وأقول لشاعرنا مريد ألا يغضب فقد جاء أحدهم بلحم سيئ إلى زوجته فقالت له: من أين أتيت به فقال لها من جزار معرفة!!
__________________________     
نشرت بجريدة الدستور ــ 28 فبراير 1998

الأربعاء، 7 يناير 1998

هؤلاء النقاد


 


إلى الله وحده لا شريك له أشكو النقاد كان هذا هو الموجز وإليكم الأخبار بالتفصيل.

1- قالت لي الكاتبة الشابة الجميلة لم أفهم شيئاً مما كتبه الناقد الشهير عن مجموعتي الأولى ولكني فهمت كل شيء عندما دعاني إلى سهرة.

2- التقى الناقد الشاب الطيب صدفة بأستاذه الناقد الكبير فأعطى الشاب أستاذه نسخة من رواية جديدة.. بعد ساعتين من اللقاء رأى الطيب أستاذه يكيل المديح للرواية في ندوة شهدها المئات.

3- كتب الناقد صفحتين كاملتين من صفحات المجلة الأدبية يشيد فيهما بديوان الشاعرة العربية.. جاءت الأخبار لتؤكد أن الشاعرة قد عينته مستشارًا ثقافيًا لأحد أمراء بلدها.

4- ذهب الناقد أستاذ الجامعة إلى أصحابه أساتذة الجامعة وقال لهم لقد عثرت على كتاب جديد لأبي العلاء المعري وراح يحكي لهم كيف استخرج الكتاب المهم الخطير من دهاليز مكتبة إحدى المحافظات وأنه سينشره قريباً ليغير من صورة أبي العلاء. ضحك أصحابه منه طويلاً فلم يكن الكتاب الاكتشاف إلا "اللزوميات المعرية" الشهيرة!!

5- طبعًا يبقى نقاد خارج إطار هذه الصورة الكاذبة ولكنهم غرباء مغضوب عليهم.. لهم ولنا الله الذي أشكو له النقاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 7 يناير 1998

الأحد، 30 نوفمبر 1997

غسيل الأشعار



يجمع أحدهم أموالاً من مصادر قذرة مثل تجارة المخدرات أو الرشاوي أو تجارة السلاح ثم يشتاق إلى "الشرعية" فيؤسس بماله الحرام مشروعاً "نظيفًا" فيختلط ماله القذر بمال المشروعات النظيفة فيصبح الجميع – الرجل وماله – شرعيًا ومشروعًا في نظر المجتمع صاحب الذاكرة المثقوبة أو المتثاقبة.

رجال الاقتصاد يطلقون على مثل هذه العمليات "غسيل أموال" غسيل الأموال هذا انتقل بقدرة قادر من أروقة البورصة وزوايا البنوك إلي قلب الندوات الأدبية ليأخذ اسم "غسيل الأشعار" فأحدهم بعد أن يسطو على إبداعات الآخرين يلجأ إلي أعوانه الذين يسارعون إلى إقامة ندوة يتحدثون فيها عن تجربة صاحبهم الشعرية ومعاناته الإبداعية ودوره التنويري ومسيرته النضالية.. ثم يلتقط صاحبنا خيط الحديث ويصنع "كرة" من الأكاذيب يراوغ بها أصحاب اليقين ويظل يزعم أنه يرهق نفسه في الإطلاع على أمهات الكتب "ليتواصل" مع التراث وأنه وأنه وأنه...!.

ومن مباخر الأعوان ومفاخر صاحبنا يتصاعد دخان يعمي الأبصار عن حقيقة ما يجري على المسرح.. ففي مثل هذه الندوات يتم غسل الأشعار والروايات والقصص والمسرحيات بل يتم غسل الكُتاب أنفسهم.. يدخل الواحد منهم إلي الندوة وحبل سرقاته ملتف على عنقه ثم يغادرها وهو صاحب تجربة وفارس من فرسان الكلمة. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
 
____________________________
نشرت بجريدة الدستور ــ 31 نوفمبر 1997

الأربعاء، 19 نوفمبر 1997

أحمد الشهاوى يسرق أشعار الشهداء ويشوه اللغة ويفوز بمديح النقاد


 

-  لوجه الله الكريم أرجوك سيدى القارئ أجب عن أسئلتي:

1- لماذا يسافر الأستاذ أحمد الشهاوي كثيرًا؟

2- لماذا يحتل وحده معظم فقرات برنامج "شعر وموسيقى" بإذاعة الشرق الأوسط؟!

3- لماذا تنشر الصحف صوره وتتابع أخباره ويكتب عنه النقاد أربعين دراسة؟!

- أسمعك سيدي القارئ تقول: إن أحمد الشهاوي يسافر كثيرًا وعلى نفقة جريدة "الأهرام" إحدى مؤسسات الدولة لكي يمثل مصر في المؤتمرات الأدبية بوصفه شاعرًا كبيرًا، كما أن الإذاعة لا تجامله فهي تبث قصائده كما تفعل عادة مع كبار الشعراء، ثم إن النقاد كتبوا عنه أربعين دراسة لأنه أبرز شعراء جيله.

- إجابتك سيدي على "العين والرأس" لكن بربك اصبر قليلاً حتى تقرأ باقي السطور لتكتشف معي أن الأستاذ الشاعر الفحل والنجم الرائع الفظيع... إلخ متخصص إلى حد الاحتراف فيما يمكن أن يسمى السطو المسلح على قصائد الشعراء الشهداء ولأنه بسلامته مثقف فهو يعتمد على النظرية "التفكيكية" التي تعتمد على طريقة الأخوة لصوص السيارات الذين يجعلون "الموتور" في ناحية و"الشاسيه" في ناحية أخرى ولكنهم ينسون أن لكل شىء "رقم مسجل" وبالرجوع إلى الأرقام تعود السيارة إلي صاحبها.

وهذا بحمد الله ما فعلناه مع سرقات الشهاوي ، عدنا إلي الأرقام فقط لنخلص قصائد الشهداء من بين أنيابه.

- نبدأ بجسم الجريمة كتاب يحمل عنوان "كتاب الموت" وقد صدر مؤخرًا عن الدار المصرية اللبنانية، وهذا الكتاب امتداد لطريقة الشهاوي "الشعرية" ففيه يواصل الاعتماد على لغة الصوفيين ومصطلحاتهم ورموزهم وإشاراتهم لكي يبكي كثيرًا وطويلاً ذكرى رحيل والدته السيدة نوال عيسى وأخته السيدة سعاد الشهاوي رحمهما الله ويقيم معهما حوارات حول اليتم والفقد والموت والحياة.

وهذه الحوارات مكدسة بمفردات وصياغات من عينة"سر سرى وكل كلى وبعض بعضى واشتمالي وحلولي" وإلى غير ذلك من مفردات الصوفيين والحقيقة لقد استخدم الشهاوي هذه المفردات بوصفها "قنابل دخان" يتسلل تحت سترها إلى عيون قصائد الصوفيين وينهب منها كما يشاء "وكله عند نقاده صوفية".

- ولكيلا يتوج لص بما سرقته يداه كما قال أمل دنقل فسأنقل لك الآن وقائع سرقات الشهاوي الشعرية سرقة سرقة والله من وراء القصيد.


1- في "ص 17" يقول الشهاوي "سينٌ هي الدنيا ونونٌ مدخل ونهاية ذاتي بآياتي عليّ استدلت وأنت شاردة".

بعد أن أطلق الشهاوي قنبلة الدخان التي هي هنا "السين والنون" تسلل إلى ديوان ابن الفارض حتي وصل إلى قصيدته التائية الكبرى المسماة "نظم السلوك" وهبش منها "ذاتي بآياتي عليه استدلت" فعلها الشهاوي وهو مطمئن إلى فاعلية دخان قنابله ولكن "الرقم المسجل" وشى به يقول سلطان العاشقين عمر بن الفارض المصري المولد والمدفن سقتني حميا الحب راحة مقلتي / وكأس محيا عن الحسن جلت / وذاتي بأياتي عليه استدلت .

2 – في ص 27 يقول الشهاوي: "وأنا بوصاله لا اكتفى دمي دمه دمي لكم ودمي مباح فاقتلوني أبدا تحن إليكم الأرواح الوقت منقطع والحلم منسرب والعشق تحت يدي فضاح وأنا شهيد فراقها سينها ليل وعينها ماء ومصباح وللسماء لم ترفع عينا منذ تكلمت أشجارها وتحدثت أقداح لحت في النور ومن بعد لاح العاشقون فباحوا".

هذه المرة نجح الشهاوي في نظرية "التفكيكية" نجاحًا ساحقًا وأضاف إليها نظرية أخرى هي "البلحية" نسبة إلي وكالة البلح حيث يتم بيع أجزاء السيارات يا أستاذ شهاوي هناك رجل اسمه شهاب الدين عمر السهروردي ولد في مدينة سهرورد وعاش في بغداد وحلب وكان من كبار علماء التصوف والفقه والحكمة والمنطق ودس له بعضهم عند صلاح الدين الأيوبي فأمر بقتله بدعوى الزندقة. هذا الشاعر الشهيد جئت أنت يا شهاوي لقتله مرة أخرى.

يقول الشهروردي:

أبداً تحن إليكم الأرواح / ووصالكم ريحانها والراح

وأرحمتا للعاشقين تحملوا

ثقل الهوى والهوى فضاح

صافاهمو فصفوا له فقلوبهم

في نورها المشكاة والمصباح

والكاتمون لسردهم شربوا الهوى

ممزوجة فحمتهموا الأقداح

لا ذنب للعاشقين إن غلب الهوى

كتمانهم فنما الغرام فباحوا

بخٍ بخٍ يا شهاوي تسرق من شهيد قتل ظلما صفحتين كاملتين دون أن تلتقط أنفاسك والله إنها لمقدرة فذة.

3- هذه السرقة تظهر القدرات الخاصة التي يتمتع بها الشهاوي، ففي الوقت الذي كان يسرق فيه شعر السهروردي كان يسرق أيضًا – مجددًا – شعر ابن الفارض!

اذهب يا شهاوي فقد أصبحت فارس "السرقات المزدوجة" تسرق شاعرين في صفحة واحدة مرة أخرى بخ.. بخ يا شهاوي في ص 28 يقول الشهاوي: "وأنا شهيد فراقها سينها ليل وعينها ماء ومصباح، أهل الهوى جندي وهي أهلي ودالها دالي وصمتها إلماح" بالله عليك يا شهاوي متى رضى أهل الهوى الإلهي أن يكون قائدهم مجرد سارق؟

أهل الهوى يا هذا هم جند ابن الفارض الذي يقول: نسخت بحبي آية العشق من قبلي / فأهل الهوي جندي وحكمي علي الكل / وكل فتي يهوى فإني إمامه / وإني برىء من فتى سامع العذل.

4- في ص 31 يقول الشهاوي: "كل العاشقين رعيتي وأنا من نقطة في قلبها طالع عارفا أسود اللحظة" يا شهاوي ليس هناك أسود ولا أبيض هناك سرقة أخرى قمت بها ضد ابن الفارض الذي يقول: "ملك معاني العشق ملكي وجندي / المعاني وكل العاشقين رعيتي / فتي الحب ها قد نبت عنه بحكم من يراه حجابًا فالهوى دون رتبتي.

5- في ص 80 خاف الشهاوي من ظهور ورثة لابن الفارض فقال لشيطانه يا شيطاني العزيز هيا بنا إلى حديقة شاعر آخر نفسد كرمها وندمر وردها فذهبا هو وشيطانه إلى حيث يقول: "إليك سعيت لاعرف وأفض السر وأعرج سائلاً لماذا هذه الجدران نائمة على موت كأني تحتها".

هل قرأت سيدي القارئ هذه الجملة الركيكة "لماذا هذه الجدران نائمة على موت كأني تحتها"؟؟ شهد الله أن هذه الجملة هي في أصلها الأول من أشرف وأثمن كلام العرب ولكن ماذا نفعل مع الشهاوي الذي وضع عليها تراب صياغته لكي يخفي بريق معدنها النفيس؟ الجملة في الأصل سرقها الشهاوي من المتنبي الذي يقول:" فما حاولت في أرض مقاما / ولا أزمعت عن أرض زوالا / على قلق كأن الريح تحتي / أوجهها جنوبًا أو شمالاً.

عمومًا ليست هذه هي المرة الأولى التي يمسخ فيها الشهاوي جملة المتنبي لقد فعلها قبل ذلك في كتابه الصادر عام 1996 "أحوال العاشق" ص 57 عندما قال: "على سفر أنا كأن الموت تحتي"!!!

6- وكنت أظن أنه بعد أن مسخ جملة المتنبي سينصرف إلي حال سبيله ولكنه عاد بإصرار عجيب إلى نظريته التفكيكية في ص 82 يقول الشهاوي: "أنت فتقي وأنت رتقي نقطة من ماء مائى فجرت في الشمس شمسا فدنت حائي تجلب قلوب العاشقين لها عيون" أولا شفاك الله من الفتق والفتاق، ثانيًا "قلوب العاشقين لها عيون" أشهر من أن تسرق.. ولكنه اطمع.. هذه القصيدة تحديدًا لا تقام في الصعيد "حضرة" إلا وأنشدها المنشد هكذا.

قلوب العاشقين لها عيون / ترى ما لا يراه الناظرونا وأجنحة تطير بغير ريش / إلى ملكوت رب العالمينا

7- وبعد قلوب العاشقين يشتاق إلي سفك دم الشهداء فيقول ص 93 "أيهرب الموت مني أم يسجل سيرته في هوائي أيضرب محتوما أم تحررني يداه، من ذا يرد الموت عني؟ قلت: وإذا المنية أنشبت أظفارها فكل تميمة لا تنفع".

لقد بلغت بك البجاحة حدا غير مسبوق يا شهاوي، هل تأملت سيدي القارئ كلمة "قلتُ" التي أثبتها الشهاوي لكي يؤكد أن ما بعدها هو شعره الذي جادت به قريحته؟ لقد تسلق الشهاوي مواسير بيت الهذلي وسرق بداية قصيدته التي يقول فيها:

"أمن المنون وريبة تتوجع / والدهر ليس بمعتب من يجزع

أودي بني وأعقبوني حسرة / بعد الرقاد وعبرة ما تقلع

وإذا المنية أنشبت أظفارها / الفيت كل تميمة لا تنفع".

أبو ذؤيب الهذلي يا سيد شهاوي مات أولاده الخمسة في عام واحد بمرض الطاعون ثم انخرط هو في صفوف المجاهدين وظل يحارب أعداء الإسلام إلى أن مات شهيدًا في عهد الخليفة عثمان بن عفان وبعد هذه الحياة الجهادية يأتي الجالس في طراوة "الأهرام" ليسرقه ويفوز بأربعين دراسة تشيد به. ألا لعنة الله على الغاصبين.

8- للأسف نفدت مراجعي ولذلك أدعو كل محب للحقيقة أن يقرأ كتاب الشهاوي لكي يحكم على صحة نسب العبارات الآتية إليه:

"أنا شجر الكلام أجمع في العالم في وأحد" و"حسب الواجد إفراد الواحد له" و"وما الوجد إلا وأحد غير أنه إذا أنت عددت المرايا تعدداً" هل هذه العبارات للشهاوي أم هي الأخرى لغيره ونسبها لنفسه؟

9- وإذا تركنا السرقات وذهبنا إلى اللغة فستجد الكوارث يصنعها الشهاوي وهو مطمئن القلب وانظر إليه وهو يقول في ص 68 "ذابت الأرض من جروحي وأحرق القلب قلب أنت" الشهاوي يقول "قلب أنت" لأنه لا يعرف أن طلاب الإعدادية يدرسون درسًا عن الضمائر المنفصلة والضمائر المتصلة وكيفية استخدامهما. وفي ص 81 يقول "أنتما ديني وكشفي ما أكون هي أنت أنت هي انتمائى" هل رأيتم "انتمائى" هذه من قبل؟؟ بالتأكيد لا ولكن ماذا نفعل مع الشهاوي الذي يكره اللغة فيدمرها.

10- أعرف والله الكلمات التي تتجمع على طرف لسانك. أعرف أنك تقول كيف إذن علا شأن الشهاوي فأصبح يسافر كثيراً ليتصدر المؤتمرات وأصبحت الإذاعة تبث قصائده وفاز بأربعين دراسة كتبها عنه نقاد كبار؟

ويا أخى وصديقي وسيدي التحق فوراً بكلية التجارة لكي تدرس مناهج التسويق والإعلان وساعتها ستجد الإجابة على أسئلتك كاملة ولله الأمر من قبل ومن بعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 19 نوفمبر 1997

الأربعاء، 12 نوفمبر 1997

سامحيني يا سعاد




- وسعاد هذه تملك جسدًا كان قادرًا بلفتة واحدة على إيقاف حركة مرور شارع بأكمله، هذا عن جسدها عمومًا، أما التفاصيل فتحتاج إلى حضور مأذون– إن كنت من أولاد الحلال ـ لا أدري ما الذي جعل سعاد مبهورة "بجو المثقفين" فطلبت مني ومن صديقين آخرين ( دروسًا في الثقافة) فهمنا نحن الأبرياء كلمة ثقافة فهما أكاديميًا معقدًا، اجتمعنا وقررنا أن يعطيها صديقي "ع" دروسًا في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، أما صديقي "س" فسيحاضرها في التاريخ الإسلامي وأنا كنت مختصًا بالشعر القديم.

- وبعد أسبوع جاء صديقي "ع" غاضبًا وقال لنا: هذه البنت لن تفلح في شيء، لقد اختبرتها في المعلومات التي شرحتها لها فقالت لي إن سبب نكبة فلسطين هو وعد "بلوفر" وعندما جاء الدور على صديقي "س" قال: إن سعاد تصر علي أن الذي اغتصب الخلافة من علي بن أبي طالب كان اسمه "معاوية بني أبي شعبان"!!!

- أما أنا فقد مكثت شهرًا كاملاً أشرح لها قصيدة ابن زيدون "أضحي التنائي" ولما قلت لها هل حفظت القصيدة قالت نعم لقد حفظت قصيدة "الأستاز ابن ذيتون" هكذا نطقتها وهكذا طردتها.

- والآن وبعد كل ما رأيته من نماذج اغفرى لي يا سعاد واسمحي لي أن أقبل قدميك، فلو رضينا بوعد "بلوفر" و"معاوية بن أبي شعبان" و"الأستاز ابن ذيتون" لأصبحت الآن يا سعاد مثل فلانة أو علانة، تصدر لك الكتب ويكتب عنك النقاد.. فعلى الأقل أنت أجمل منهن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 12 نوفمبر 1997

الأربعاء، 29 أكتوبر 1997

عادات القطط

              
إلى متى تأكل القطط طعامنا وتشرب حليبنا وعندما تشبع تفعلها – بخسة – في زوايا بيوتنا وتنصرف راضية؟
والثعابين تلك التي كان باستطاعتنا أن ندهسها.. لماذا تغرس أنيابها في منتصف قلوبنا؟
وهؤلاء "البكم" لماذا عندما تعلموا الكلام راحوا يشتموننا؟ وتلك الثعابين التي أشفقنا عليها من قرصة البرد وفتحنا لها أبواب حدائقنا لماذا دمرتها ولم تترك بها وردًا ولا عنبًا؟ العيب فيهم أم فينا؟ العيب عيبنا ولا شك لأننا وثقنا "بالمنبتين" الذين لا يحبون إلا ذواتهم ولا يرون غيرها ولا يعبدون سواها وما أتعس المنبت الذي وجد الصحبة والدفء والماء والنار والطعام ثم – ولأنه منبت – راح يهذى ويصف من يخالفه الرأي بأنه "هتيف" و"أمى" و"وطني جديد" مقنعًا نفسه بأنه قد احتكر الحقيقة واستحوذ على الوطنية، بينما نحن ولأننا لا نحب المقاهي الفاسدة الهواء بفعل البانجو ونهش أعراض خلق الله "أميون" "وطنيون جدد" "ولا نفعل شيئًا" فضلاً عن أننا "نشوه العشاق". نعم نحن أميون إذ إننا لا نجيد قراءة أحوال المصالح والمكاسب والمنافع نعم نحن وطنيون جدد لأننا نؤمن بحتمية خلق وطن جديد يكون خاليًا من البرك والمستنقعات والذباب. نعم نحن لم "نفعل شيئًا" مما يفعلون فلا نحن بصقنا في آبار طالما روت عطشنا ولا نحن دهسنا قلوب أصدقائنا. نعم نحن نشوه العشاق بل نفضحهم بل مستعدون لقتلهم ولكن أي جنس من العشاق نحن ضده؟

نحن ضد عشاق الفشل والنميمة والكذب والادعاء والجهل إن أي "غلوشة" على دور شريف ونبيل نقوم به لن يجعلنا نقفل الباب التي تأتي منه الريح، بل إن "غلوشاتهم" ستجعلنا نعلن التحدي وبيننا وبينهم قراء يعرفون من نحن ومن هم.
___________________________
نشرت بجريدة الدستور ــ 29 أكتوبر 1997 

الأربعاء، 22 أكتوبر 1997

هناء عطية تقتل القارئ البرىء لتمضية أوقات الفراغ





- هل تعرف هناء عطية؟ 

إنها بعينها التي بعثت منذ سنوات بإحدى قصصها إلى مجلة "أدب ونقد" وعندما قرأ مدير تحرير المجلة الأستاذ حلمي سالم القصة وجدها مكدسة بالأخطاء الإملائية والنحوية، فقام – سامحه الله – بإصلاح الأخطاء ونشر القصة علي صفحات المجلة وما فعله الأستاذ حلمي سالم يستحق الشكر من جانب الكاتبة ولكنها علي ما يبدو تؤمن بأن الأخطاء حتي إن كانت في الإملاء من أهم خصائص الكاتب التي لا يجوز لأحد الاقتراب منها!! وعلى هذا قامت الكاتبة بشن حرب شعواء ضد حلمي ومجلته واستطاعت أن "تجند" نفراً من مشاهير الكتاب لمساندتها في معركتها "المصيرية" فراح المشاهير "يرطنون" بكلام كثير حول حرية الكاتب وضرورة الحفاظ على أسلوبه!! ولم تكتف الكاتبة بهذه المساندة وكلفت "أحدهم" بإعادة كتابة القصة "خالية طبعاً من الأخطاء" وبعثت بها مرة أخرى لتنشرها المجلة لكي تثبت أنها كاتبة أحكمت سيطرتها على أدوات الكتابة. وأمام "نكرانها لجميله" أعاد حلمي سالم نشر قصتها كما وصلته مكدسة بالأخطاء. 

- هكذا كانت بداية هناء نحو اقتحامها عالم الكتابة. وقد تظن أن هذه البداية "الفضيحة" ستجعل السيدة تعود لدارها لتمارس أفعالاً مفيدة كأن ترفو جوارب زوجها أو تراقب تحصيل أولادها المدرسى أو حتى تتجهز للكتابة من خلال العكوف على تلقي دروس في الإملاء والنحو وأبشرك بأن شيئاً من هذا لم يحدث. فقد انطلقت هناء مثل قذيفة تنشر هنا وهناك حتى أصبحت الآن – بسم الله ما شاء الله – كاتبة على سن ورمح!! 

- الشهر الماضي طلعت علينا هناء بأحدث مجموعاتها القصصية وتحمل عنوان "هي وخادمتها" وقد صدرت عن سلسلة أصوات أدبية إحدى سلاسل الهيئة العامة لقصور الثقافة. قسمت الكاتبة لسبب لا يعلمه إلا الله مجموعتها إلى قسمين يضمان معاً تسع عشرة قصة. 

يبدأ القسم الأول بجملة موضوعة بين قوسين تقول: "كيف أصفها تلك الأشياء التي تموت فينا لتفسرنا" والحقيقة أنا لا أعرف من صاحب هذه الجملة، فلو كانت الكاتبة هي صاحبتها فلماذا وضعتها بين قوسين؟ وإن كان لها صاحب آخر فلماذا لم يوضع اسمه تحتها؟ وهذا الأمر يتكرر مرة ثانية في بداية القسم الثاني عندما تثبت الكاتبة جملة تقول: "من أي نور أنت أيها الورد من أي موت" عموماً ليس المكان مكان مناقشة "موضة" الافتتاحيات المجهولة. 

- أولى قصص المجموعة تحمل عنوان "أشياء يومية" وفيها نرى زوجة تقدم شرائح الخيار لزوجها المخمور الذي يعزف على الكمان وبين الزوجين هناك طفلة تلجأ إلي حضن أمها مرة ويحادثها أبوها "السكران" مرة أخرى وحديث الأب يدور حول ضرورة عودته مع ابنته إلي بلده وتنتهي القصة عندما لا يكون هناك "سوى كأس واحدة كان يشربها على مهل". قلت لكم إن هناك زوجًا وزوجة وللحقيقة أؤكد أن تحديد العلاقة بين الرجل والمرأة عمل أقوم به على مسئوليتي الشخصية!! وذلك لأن القصة غائمة وملتبسة لأن الكاتبة تظن أن تحديد أو حتى الإشارة إلى ملامح أبطالها "الزمان والمكان والفضاء" أمور تخص الأمن القومي لا يجوز الخوض فيها!! 

- وبعد هذه المرأة التي كانت مع الرجل السكران نجد امرأة تلبس قميص نوم أزرق "قصة المطر" وتجلس مع رجل كان "جسده المتناسق بعطره الفاخر يضفي على الغرفة بهجة عابرة" ونعرف أن الرجل جاء يبغي "المتعة" وبعد أن شرب قهوته تبادل مع المرأة حديثًا حول قميص نومها وهل اشترته من مصر أم من الخارج؟!! وتقطع المرأة حديث القميص بأن تدخل إلي إحدى الغرف لإسكات بكاء طفلها وعلى هذا يترك "الزبون" كومة من النقود على المنضدة ثم ينصرف!! بالله عليكم إن لم يكن هذا هو العبث بعينه فماذا يكون؟! 

مرة أخرى – لن تكون الأخيرة – نحن لا نعرف شيئاً عن الرجل أو المرأة لا أسماء لا ملامح لا زمان لا مكان فقط هي امرأة وهو رجل!! وبعد امرأة القميص الأزرق هناك امرأة "قصة مكان" يقف رجل خلف نافذتها الواطنة وهذا الرجل له رائحة "تشبه رائحة الطلاء" وللمرأة أم عجوز تراقب انفعالات ابنتها وتحس بها وهي خارجة لتستدعى "رجل النافذة" ولاحظ أن التي تراقب كفيفة البصر!! تنفرج شفتاها عن ابتسامة شاحبة وتنصت بحذر إلى شىء ما يحدث هناك فى الغرفة الأخرى!! 

ولكي أتأكد أن الأم هي الكفيفة لا البطلة قرأت القصة مرتين لأن الضمائر والأفعال يسودها نوع من الارتباك يذكرك على الفور بلعثمة الأطفال ومرة أخرى نحن أمام نماذج لا ندرى عنها شيئاً فلغة الكاتبة مرتبكة ومعتمة ويكفي أن نشير إلى أولى جمل القصة "كلما أتى الليل تحس روحها ذلك الخفوت وخدر ينتشر فيه" هل فهمنا شيئاً؟ 

- أما القصة التي تحمل المجموعة عنوانها "هي وخادمتها" فتحكي عن السيدة "رجاء"- الحمد لله عرفنا اسم إحدى البطلات وهذا لن يتكرر ثانية – وهي تضع الحناء على شعرها وخادمتها تحاول مساعدتها ولكن السيدة ترفض المساعدة وتواصل وضع الحناء ثم تتذكر فجأة زوجها الذي مات من عامين وكان قبل وفاته على علاقة بالخادمة وتتذكر السيدة "رجاء" أنها هي التي كانت تدفع زوجها وخادمتها لمواصلة هذه العلاقة!! 

وبعد نوبة الذكريات هذه تحمل السيدة الحمام مع خادمتها لكي تنزلا إلى "البانيو" معاً وساعتها تكتشف السيدة أن "وجه خادمتها النضر يخفي جسدًا عجوزًا". 

هل اكتشاف أن جسد الخادمة عجوز يستحق كتابة قصة؟ نعم يستحق بشرط ألا تكون هناء عطية هي كاتبتها لأنك ساعتها ستقرأ – مثلاً – عن سيدة وحيدة تقتلها الغيرة أو كنا سنقرأ عن امرأة تتأمل حياتها بصراحة وهدوء أو كنا سنقرأ عن خادمة تتذكر رجلاً كانت تشارك زوجته فيه. ولكن كل هذه المعالجات وغيرها لا تستطيعها هناء لأنها من ذلك النوع من الناس الذين إذا سألت أحدهم عن قصة سيدنا يوسف وجدته يجيبك قائلاً: "أبداً دا كان عيل تايه من أهله وبعدين لقيوه" بمثل هذا التسطيح والاختزال المخل وضبابية الرؤية وتشتت الأفكار تكتب هناء عطية وهذه العيوب التي يكفي عيب منها لقتل كاتب نراها مجتمعة في قصة "الأشجار" التي تحكي عن ثلاث أخوات كن بصحبة أزواجهن في زيارة ما وبدون سبب يتركن السيارة.. تقول الصغرى موجهة كلماتها لأختيها "نحن الثلاث ازددنا بدانة بما يكفي وأزواجنا الآن يتفرسون في مؤاخرتنا وهم جالسون داخل العربة" وبعد تفرس الأزواج لا تجد شيئًا اللهم إلا كلام الصغرى للكبرى "سكر.. عفريت أزرق.. لا فارقة معاه" وبعد هذه "الفضيحة الفراشية" نجد ثرثرة نساء حول الظلام والأشجار ووصف روائح عطور الكبرى والوسطى "هو فيه إيه" وبذلك تنتهي القصة!! 

وباقي قصص المجموعة تسير علي هذه الوتيرة، فدائمًا هناك امرأة مجهولة الاسم والملامح والمكان والزمان ودائمًا هناك حوار بالعامية التي تشبه "تخاريف" المحموم ودائمًا هناك ضباب يصنعه عجز الكاتبة التى لا تملك تجربة تحكي عنها بل هي لا تملك لغة "تزوق" بها بضاعتها التي جاءت بها ليالي الأرق فما أحسبها إلا أنها من ذلك النوع الذي إن هاجمه الأرق قام إلى الورق وأفرغ فيه – كيفما اتفق – تشنجاته. ولعلك توافقني أن المسافة بين قتل أوقات الفراغ والكتابة الأدبية كبيرة جدًا. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 22 أكتوبر 1997