الخميس، 10 نوفمبر 2022

عشيق الليدي تشاترلي وأبناء الزبالين المصريين



لماذا وقفت إنجلترا قلعة الحريات وأم الديمقراطيات ضد رواية، مجرد رواية تحمل عنوان "عشيق الليدي تشاترلي"؟

أغلب ما وصلنا من أراء القراء والقضاة والنقاد يؤكد لنا بوضوح أن الغالبية الكاسحة من الشعب الإنجليزي المتمرس منذ قرون علي الممارسات الديمقراطية كان يرفض نشر الرواية، بل لا يسمح بوجود نسخها على أرفف مكتباته العامة.

تري  لماذا كل هذا العداء؟


الطبعة السرية

قبل الغوص في عالم الرواية نقول إن مؤلفها هو الروائي  البريطاني ديفيد هربرت لورانس، ولد  في العام 1885 ومات في العام 1930، رحلة حياة تعد قصيرة، أنجز خلالها حوالي خمسمائة قصيدة وعشر روايات، ترجم معظمها إلي العربية، وسنعتمد في تناولنا لرواية "عشيق الليدي تشاترلي" على الترجمة التي قام بها الدكتور "أمين العيوطي" وصدرت  عن روايات الهلال في العام 1989.

كتب لورانس روايته الأشهر في العام 1926، وقد كتبها أربع مرات حتى استقر على المخطوطة الجديرة بالنشر من وجهة نظره، ولأنه كان يعلم من تجارب سابقة أن بريطانيا العظمى لن تسمح له بنشر روايته من أراضيها فقد نشر الرواية لأول مرة لأول مرة في عام 1928، إذ تم طبع الطبعة الأولى في سرية تامة بمدينة فلورنسا الإيطالية، وذلك بفضل شجاعة  الناشر الإيطالي "بينو أوريولي". 

ما الذي تحمله الرواية حتى تقابل بكل هذا العنف؟

هل تصدقني لو قلت لك: لا شيء!

ثم هل تصدقني لو قلت لك: إنها إحدى أخطر روايات القرن الماضي وقد مثلت للإنجليز تحديدًا ما يمثله برميل بارود وضع بجوار نار مشتعلة.




أحداث  الرواية

ضربة البداية تقول: "إن عصرنا عصر مأساوي في جوهره، ولكننا نرفض أن نجعل منه مأساة".

 كان هذا هو حال كونستانس تشاترلي، زوجة كليفورد تشاترلي، الذي تزوجته في العام 1917، وبعد إجازة شهر العسل عاد ليشارك في الحرب العالمية الأولي، وفي الحرب أصيب إصابة جعلته عاجز الجسد والروح والقلب.

عجز الروح والقلب لا شفاء منه حتى لو أكثر كليفورد ـ وهو القارئ النهم المثقفـ  من قراءة أمهات كتب الشعر خاصة والأدب عامة، واستغرق في الاستماع إلى روائع الموسيقي الكلاسيكية، وأحاط قصره بغابة مترامية الأطراف.

زوجته الشابة التي لم تسعد جسديًا معه سوي في شهر العسل، كانت تداوي عجز قلبه وروحه بأن تشاركه في كل شيء، من الموسيقي وحتى النقاش حول محاورات أفلاطون.

أما عجز جسد الزوج فقد وجدت له حلًا بعلاقة جسدية مع "باركين" حارس الغابة، وقد أثمرت علاقتها بالحارس جنينًا يرقد في بطنها.

كليفورد كان يؤمن تمام الإيمان أن زوجته كونستانس لن تظل راهبة حتى مماتها، ولذا فقد أنتهز جلسة مصارحة من جلساتهما وألقى بكرة اللهب في حجرها، عندما قال لها: إن رغبتها في الأمومة حق لا يساويه حق، ولكن بشرط ألا يعلم شخصية الأب وأن ينسب الولد إليه هو لكي يكون وريث آل كليفورد.

هذا العرض الجارح لم يباغت كونستانس التي لم تكن قد أقامت علاقتها بعد مع حارس الغابة، تلك العلاقة التي لن تكون استجابة لعرض الزوج ولكن لسبب آخر تماما، سنعرف بعد قليل إنه وأسباب دفينة أخري وقفت في حلق الإنجليز فناصبوا الرواية عداءً  تاريخيًا.




الرواية في المحكمة

في العام 1960 وبمناسبة مرور ثلاثين عامًا علي وفاة مؤلف الرواية لورانس غامرت بل قامرت دار "دار بنجوين" وقامت بالنشر العلني للرواية، مستغلة تغييرات جدت على قانون المطبوعات البريطاني .

ما إن ظهرت الرواية في السوق الأدبي البريطاني حتى هبت النيابة البريطانية وقامت برفع  دعوى قضائية  لمصادرة الرواية!

برجاء ملاحظة أن  هذا حدث في  بريطانيا ولندن وليس في أحراش أفريقيا.

عريضة الاتهام  التي قدمها ممثل  الادعاء  "جرفث جونس".

تضمنت التهم التالية.

1ـ الرواية منافية للذوق العام.

2 ـ تحض على الفسق والفجور.

3ـ ألفاظها عارية وتخدش الحياء العام.

أظنك سمعت هذه التهم موجهة لأكثر من كتاب في وطننا العزيز!

دار نشر بنجوين التي غامرت بنشر الرواية لم تكف مكتوفة الدين فقد أسندت إلي فريق دفاع مكوّن من ثلاثة محامين مهمة الدفاع عن الرواية.

ذهب الجميع (النيابة والدفاع) إلي قاعة المحكمة، تأكد المحامون من أن القضاة يقفون ضد الرواية فما وجدوا أمامهم سوى الذهاب إلى رأس الدمل لكي ينفتح الجرح كاملًا ويكف الجميع عن التحايل والتلاعب تحت ستار الدفاع عن الفضيلة.


الضرب تحت الحزام

نحن الآن أمام قضية رأي عام، وسيربحها الذي يربح الرأي العام، جلس أعداء الرواية مع بعضهم البعض واتفقوا علي فضح الروائي لا الرواية، ومتى فضحت الروائي كسدت روايته وانصرف الناس عنها.

فتشوا تاريخ دافيد هربرت لورانس وقالوا: إنه يكتب نفسه ويؤرخ لقصته ولا علاقة تربط بين روايته والمجتمع الإنجليزي الشريف العفيف!

الروائية البريطانية "دوريس ليسينغ" الحائزة على جائزة نوبل في الآداب، عاصرت الأمر كله وكتبت تقول: "إن لورانس كان زوجًا لسيدة ألمانية تدعى "فريدا" والزوجة كانت على علاقة مع إيطالي وكان لورنس على علم بهذه العلاقة ولم تكن هي باللباقة الكافية لتخفي أمرا كهذا كما لم تكن تراعي مشاعره في أي شيء وكانت تخبر أصدقائهما بأن لورنس كان يعاني من العجز الجنسي منذ عام 1926 وذلك نتيجة لإصابته بمرض "التدرن الرئوي".

ذلك المرض الذي  ينجم عنه أمران متناقضان، الأول هو تصعيد الرغبة الجنسية والتخيلات المرتبطة بها، والآخر العجز عن ممارسة الجنس!

 العلاقة بين لورنس وزوجته كانت موضع منازعات علنية ولم تكن هناك أسرار، فجميع الأصدقاء والمعجبين والزوار كان يتم إخبارهم بكل مراحل قصة الحب بينهما وتفاصيل ممارساتهما الخاصة، وكان لورنس يكتب عن كافة التفاصيل سواء عن طريق الشعر أو النثر، وكانت فريدا تشتكي لدى أخواتها وأصدقائها من عجزه الجنسي.




أولاد بلد

أصبح الموقف ملتهبًا جدًا بعد تسليط الضوء علي الحياة الشخصية للروائي بهدف صرف الأنظار عن حقيقة الموقف البريطاني من رواية بريطانية.

المحامون تأكدوا أن الاعتماد علي الأسانيد القانونية لن يفدهم بشيء، بل ربما خسروا القضية في جلستها الأولى.

بطريقة أولاد البلد الذين يمدون الخيط لمنتهاه، بنى فريق المحامين خطتهم على أساس الفصل التام بين حياة الروائي وروايته، ثم سألوا الحضور عن موقفهم من أعشاب حدائق لندن التي تشهد المطارحات الغرامية العارية والكاملة والمكشوفة؟

ثم تحدوهم أن يستخرجوا لهم من كلمات الرواية الألفاظ العارية المكشوفة التي يزعمون أنها تملأ صفحات الرواية.

ثم تحدوهم أن يجدوا الخط الفاصل والحاسم بين ما هو خادش للحياء العام وبين ما هو جرئ وحقيقي.

هذه الأسئلة وغيرها لم تقابل سوى بالصمت من جانب الحضور، فهم يعادون الرواية لأسباب آخري غير التي يستترون خلفها، وتلك الأسباب لا يستطيعون البوح بها لأنها ستدمر معبد الزجاج كله.


لجنة الخبراء

بعد مرافعات الدفاع أصبحت الرواية قاب قوسين أو أدنى من الحصول علي شرعية الظهور العلني في مكتبات لندن، هنا رأت المحكمة أن تحيل الأمر برمته إلي لجنة خبراء.

ضمّت  لجنة الخبراء علماء وكتّاباً ومثقفين، وبعد الفحص والتدقيق قالت اللجنة إن: "الرواية ذات مستوى فني رفيع ولا يمكن اعتبارها إباحية بأي حال من الأحوال". 

هل حصحص الحق؟.. هل ستكتفي المحكمة برأي الخبراء؟.. أم أن المحكمة لا يزال في نفسها شيء تجاه الرواية؟

لقد أحالت الرواية مجددًا إلي رئيس الأساقفة "فير وولويج" لاستطلاع رأي قداسته .

الرجل كان عادلًا وقالها صريحة مدوية: "رواية عشيق الليدي تشاترلي ليست مخلّة بالآداب".

 العجيب في الأمر أن سيدة من أعضاء لجنة الخبراء قالت في شهادتها: "الرواية رفعت العلاقات الجنسية إلى مستوى التقديس"

وعندها ضجت قاعة المحكمة بتصفيق حاد.

 

المسكوت عنه

بشهادة السيدة عضو لجنة الخبراء تم الإفراج عن الرواية التي عرفت طريقها إلى كافة الأسواق العالمية، محققًا لكاتبها ولأدب بلاده مجدًا لا يزال يناطح الزمان.

والآن ما الذي أغضب الإنجليز من رواية ابنهم حتى طاردوها على مدار ثلاثين سنة؟

دعك من حجج الأخلاق، فالرواية وإن أرخت لخيانة زوجة فهي رواية أخلاقية بامتياز (العبرة دائمًا في التناول والمعالجة وما خلف السطور يا صاحبي).

الحرب العالمية الأولي (أو قل الحرب التي فرضتها أوروبا على العالم) هي السبب الأول في مطاردة رواية عشيق الليدي تشاترلي.

بريطانيا العظمي تعرف الجرائم التي ارتكبتها في تلك الحرب، كليفورد، أحد ضحايا تلك الحرب، لقد فقد ذكورته وقلبه وروحه، بل ورجولته بالمعني العام والنبيل للرجولة في تلك الحرب المجنونة، قذيفة واحدة حولته إلى حطام يخفي أحزانه تحت قناع من الغطرسة البغيضة.

بريطانيا لا تريد من يذكرها بـ "الأجساد المشوهة، المذابح التي جرت في الخنادق  والفقر والبؤس والفراغ الذي خلفته الحرب".

بريطانيا لا تريد أن يتحدث أحد عن الذين "عبروا" والذين "هبروا" الجنود الذين عادوا إلى الوطن عادوا محطمين، بينما الغنائم حصدها الذين لم يمس أحذيتهم غبار المعارك.

الرواية تدين كل ذلك، وتفضح بأدق وصف وأنصع بيان جنون الحرب وخبل قادتها  الذين لا يروي عطشهم سوي الدم، ما دام الدم هو دم الآخرين وليس دم أولادهم أو حتى أبناء طبقتهم.   

بريطانيا راعية الديمقراطية وناشرة التحضر تريد دفن عورتها تحت تراب النسيان ولذا لا تريد أن يكشف سترها أحد حتى لو كان هذا الأحد من أبنائها وحتى لو كانت آلة الكشف رواية.




أبناء الزبالين الإنجليز

قبل أسبوعين تجرأ وزير العدل المصري السابق وتكلم في المسكوت عنه، عندما أكد في مقابلة تليفزيونية، أن أولاد الزبالين لن يصبحوا قضاة، هاجت الدنيا وتقدم الوزير باستقالته.

أبناء الزبالين في بريطانيا كانوا هم أولاد المناجم، يا لجنون وقسوة وعتمة وظلم مناجم الفحم الانجليزي.

منهم عشيق الليدي شخصيًا، حارس الغابة والأب الحقيقي لوريث آل كليفورد.

الرواية في عمقها تتحدث عن هؤلاء، عن نظرة السادة لهم، عن اختفاء الطبقة الوسطى بعد الحرب، هناك طبقتان فقط، السادة المالكون وعمال المناجم.

القصة أعقد وأشد مرارة من نظيرتها المصرية، في مصر تطفو العنصرية والتمييز فوق السطح أحيانًا، ولكن في عمق الشخصية المصرية لن تعثر بسهولة علي برجوازي مصري يقسم بالمصحف أو الإنجيل على أن السائل الذي يجري في عروق أولاد الزبالين اسمه المازوت، هذا النموذج ليس موجودًا في مصر، لكنه في بريطانيا لورانس كان مكدسًا علي الطرقات، المالكون كانوا في دخيلة  أنفسهم يؤمنون بأنهم إن جرحوا واحدًا من عمال المناجم فلن يسيل منه الدم، سيسيل منه شيء ما لكنه حتمًا ليس الدم المعروف، وذلك لأنهم يؤمنون بأن عمال المناجم كائنات من مخلوقات الله مثل الفئران والصراصير وباقي الهوام والزواحف، ولكنهم ليسوا بشرًا حتى ولو كانت لهم أسماء البشر وملامح البشر.

كانت كونستانس ترى كل ذلك وتخافه، وكانت تسأل زوجها كليفورد، وهو من ملاك المناجم: إلي متى؟

كان في كل مرة يراوغها ولا يقدم إجابة شافية.

لكنها ذات ليلة نقلت إليه خوفها من انتفاضة عمالية تهدم بريطانيا من أدناها إلى أقصاها، خاصة والزمن كان زمن الثورة البلشفية، فما كان منه إلا أن صرخ في وجهها وهو الهادئ دائمًا: هذا سيستمر ويتواصل إلي نهايات الحياة، هؤلاء لن يتقدموا ولن يترقوا حتى ولو تعلموا، هؤلاء خلقوا لكي يعيشوا الحياة التي يعيشونها، هكذا عاش أجدادهم وهكذا سيعيش أحفادهم.

تترك كونستانس كليفورد وتحاول مع باركين عشيقها وأبو جنينها، تغريه بأن يهربا معًا إلي عالم جديد وإلي بداية جديدة، لكنه  يرفض بإصرار ويضحك بمرارة شارحًا أصل القضية.

هو لا يحس معها بأنه رجلها إلا في اللحظات الخاصة، بعدها تعود الأمور إلي طبيعتها، هي المالكة وهو ابن المناجم، الموضوع ليس موضوع ثراء وفقر، إنه أعقد من ذلك، طبقة كونستانس سحقت بل محقت على مدار أجيال طبقة باركين، تحولت طبقة باركين إلي نوع من الصراصير التي لها ملامح بشرية، لكن الصرصار يدرك أنه صرصار وليس له  الخروج من كومة النفايات التي يعيش بداخلها.

هذان هما السببان الذي جعلا بريطانيا العظمي تطارد رواية على مدار ثلاثين سنة، ولكن بفضل نضال ومقاومة عمال المناجم أصبحت بريطانيا ما هي عليه اليوم، نحن هنا نشكل لجان خبراء مثلهم لقتل الكتب، وقد تشرق شمسنا ذات صباح فنجد ابن زبال على مقعد وزير العدل.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة التحرير 17 مايو 2015

الخميس، 3 نوفمبر 2022

يوم مع الأبنودي



الموضوع وما فيه أنني أريد مصافحة الأبنودي، وسيعرف هو من المصافحة كم أحبه، نقلت رغبتي تلك لبلال فضل، الذي هرش لحيته ثم قال: لو ذهبنا إلي الأبنودي غدًا فسنكون قد تأخرنا أسبوعين عن ذكرى ميلاده الرابعة والسبعين.

قاطعته قائلًا: سنذهب لمجرد المصافحة التى ستقول عنا كل شيء.

 دخلنا بيت الأبنودي في الإسماعيلية ظهيرة الثلاثاء 23 ابريل 2012، كان يعلم بقدومنا فجهز لنا كلبه الشرس وجعله يعوى، خفنا، فضحك قائلًا : يا عيني علي الرجالة !

بعد السلامات والمشروبات وقف كأنه سيغادر مجلسنا ثم نظر إلينا وقال: "بمناسبة يوم الثلاثاء العظيم سأعيد تربيتكم من جديد ".

سألته عن سر عظمة الثلاثاء، فقال: لا أعرف، ولكن أحس الثلاثاء عظيمًا هكذا في المطلق.

باغتنا بأن رفع قميصه عن جسده فصرخت زوجه السيدة نهال كمال: لا يا عبد الرحمن لا.

فرد عليها بهدوء: دعيني أعيد تربيتهم.

ما تحت القميص كانت كرات مشتعلة الحمرة، تلف صدر الرجل وظهره، أغمضنا عيوننا ولكنه نهرنا قائلًا: كنت أجرى في الدنيا مثل حصان، لم ألتفت إلى صحتي، وهذه هي النتيجة، سيخدعونكم بكلام كثير عن حياة الفنان وعن انطلاقة الشاعر، إياكم والتفريط في صحتكم لأي سبب كان.

أسدل قميصه وهو يلهث من الغضب ثم قال: لولا علاجات أوروبا التي يرسلها لي أصدقائي ما استطعت القيام أو القعود، هذا الحزام الذي يلفني هو حزام  من نار يمنعني من مجرد التنفس.

بلباقة غيّر بلال مجري الحديث متحدثًا عن جمال أشجار المانجو التى تحيط بالبيت، تلقف الأبنودي خيط الكلام فقال: ثمة أسطورة صنعها الصعايدة عن كون المانجو تنمو وتنضج وتحلو بتأثير ضوء القمر، عن نفسي أصدق تلك الأسطورة وأروجها ، جميل أن تطيب المانجو بضوء القمر، رشدي غني لي هذا المعني.

ذكر اسم رشدي قاد الحديث بشكل تلقائي لكي يرسو علي شاطئ عبد الحليم حافظ، قال الأبنودي: نصف ما تسمعونه عن عبد الحليم هو مجرد أكاذيب والنصف الآخر حقائق ناقصة ومشوهة.

واصل الخال: الأغنية هي يقين عبد الحليم الوحيد، حياته ومماته، من أجلها يترك كل شيء، من أجلها قد يقتل ويرتكب كافة الجرائم، باختصار هي حبله الصري، بدونها لا عيش ولا حياة، باقي تفاصيل حياته هي مجرد تفاصيل لا تقدم ولا تؤخر، الجهل بها لا يضر كما أن العلم بها لا ينفع، علاقتي به شهدت خلافين حادين، الأول يوم غنى لي "أنا كل ما أقول التوبة" لم يعجبني توزيعها وهاجمتها بشدة، كنت أريد لحنًا يحافظ علي صعيدية الكلمات، ثم هدأ الاختلاف عندما حدثني طويلًا عن الفرق بين الأغنية ونحن نعدها وبينها بعد أن يتم طرحها في السوق، لحظة طرحها تصبح سلعة تفتح بيوت الآخرين، ولا يجوز لأصحاب الأغنية التخلي عنها أو مهاجمتها، اعترف أن هذا المعني وإن كان صادمًا للشاعر بداخلي لكنه كان من المعاني التي تستحق التأمل، وبعد الصلح بيننا واعتماد كل منا علي صاحبه لكي نواجه معًا كارثة يونيو 1967، غنى من كلماتي رومانسيات  فيلم "أبي فوق الشجرة" كان جرح يونيو ينزف وكنت أرى أنه لا يليق الغناء الآن سوى للوطن، الوطن وفقط.




يصمت الخال قليلًا ثم يقول: الوطن شيء جليل كأنه المطلق، ولكن لن تعرفه إلا إذا ضربت في أرضه شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، وصاحبت ناسه، سأحكي لكم حكاية توضح ما أريد قوله حكاية محمود حسن إسماعيل مع النيل.

قبل أن يسترسل الخال في قص الحكاية علينا، قاطعه بلال سائلًا: "هل كانت بينك وبين محمود حسن إسماعيل علاقة شخصية".

يبتسم الخال قبل أن يرد: "إنها ذات العلاقة التى تربطنا بالمتنبي مثلًا، عندما كنت وأمل دنقل وباقي رفاقنا من شعراء وكُتاب الجنوب الصعيدي نقيم في قرانا البعيدة عن العاصمة، كانت أشعار محمود حسن إسماعيل ضرورية لنا كأنها رغيف العيش، كنا نحبه هذا الحب الصافي وندرك كم هو فنان متوحد فريد، عندما جئنا إلي القاهرة زرنا الأماكن التى ذكرها في شعره، وبدأنا رحلتنا من نخيل منطقة الجزيرة، ثم عرفت طريقي إلي مبني الإذاعة التى بدأت تذيع بعض الأغنيات التى كنت أكتبها، وذات يوم قابلني فاروق شوشة فى ممر من ممرات الإذاعة قال لي والفرح المخلوط بالجدية يتراقص على وجهه: "ابشر، محمد حسن إسماعيل يريدك".

لحظة لقائي بمحمود حسن إسماعيل كانت من ضمن اللحظات الفارقة فى حياتي، إنه الشاعر الشهير الخطير، يثني علي أغنياتي ويتحدث عن مذاقها الفريد وعن نكهتها الجديدة الطازجة، ثم دعاني إلي كوب شاي، أهي يا عيال  كوباية  الشاي دي أعتبرها أحد أرفع الأوسمة التي نلتها في حياتي، بعد المقابلة سألني شوشة: "ماذا قال لك الشاعر؟".

قلت له: "لقد عزمني علي كوباية شاي".

 ضحك قائلًا: "تمام ، لقد وصلت يا عم، محمود حسن إسماعيل لا يقدم الشاي سوى لأحبابه".

خفت أن يشرد بنا الكلام ونبتعد عن قصة النيل ومحمود حسن إسماعيل، فسألت الخال: "هل نعود إلي أصل قصة الوطن والنيل".

صاح: "ها كويس إنك لسه فاكر، الأستاذ محمود وهو من هو معرفة بالوطن وناسه، كان ينزل أسوان في بدايات بناء السد العالي، طبعًا أنا مضروب بالسد، ليست مسألة عشق شاعر لبناء حتى لو كان هذا البناء هو السد العالي، الموضوع أكبر وأشد تعقيدًا من كل هذا الكلام، السد هو هويتي الشخصية، أنا إنسان هذا السد، كأنه أبي وعائلتي وعزوتي، عرفت بوجود الأستاذ في فندق يطل علي النيل مباشرة، أخذت فلوكة، ووصلت بها إلي تحت نافذته مباشرة ورحت أصيح آمحمود، يا محمود حسن إسماعيل، لم يكن يمكنني الوصول إليه إلا بهذا الصياح، هبط الرجل الخطير بقامته المديدة وسألني: "ماذا تريد مني يا أبنودي؟" قلت له سأعرفك على النيل، رد علىّ قائلًا: "هل نسيت أنني صعيدي من أسيوط وأعرف النيل جيدًا".




قلت له دعك من نيل القاهرة والمدن الكبرى، بل دعك من نيل أسيوط، هنا أصل النيل المصري ومنبع خيره، هنا نيل ليس كمثله نيل، لعبت الفكرة في رأس الأستاذ، فركب معي مركبي الصغير، يومًا بطوله وأنا أطوف به النيل، قدمته للصخور وللأمواج وللعمق وللطول وللعرض وللشاطئ وللأشجار وللطمي، قدمته لكل كائنات النيل، في ختام اليوم الشاق تنهد الأستاذ في راحة ثم قال لي: "الآن أعرف مصر كأني لم أعرفها قط".

صمت الخال لحظة ثم واصل قائلًا: "هذا يا عيال المعني الذي أريده من الحكاية، الوطن هو ناسه وأرضه، لابد من تعب ومكابدة لكي نعرف الوطن، اعرفوا الناس وتعلموا منهم، ليس بي أدنى قدر من التعصب، ولكنى أشهد أن ناس هذا الوطن هم خير الناس، فقط ينتظرون فرصة الوصول إليهم والاهتمام بهم، وساعتها سيحدث العناق العظيم بين ضوء الفكرة وحرارة  تطبيقها، فاكرين قصيدتي "الدايرة المقطوعة" قلت فيها: "إذ مش نازلين للناس فبلاش" هذه هي القضية بكل وضوح، الناس أولًا وأخيرًا".

جاءت السيدة نهال بدور شاي صعدي جديد، وجلست في مواجهة زوجها الذي نظر إلى قدميها وتمتم: "جزمتك حلوة قوى يا نهال".

ضحكت وبلال، بينما لم تسمع السيدة نهال جملة الخال فرجته أن يعيدها فرفض فهممتُ بأن أعيد عليها الجملة فأقسم ألا أفعل قائلًا: "شاعر كبير يغازل حبيبته، فإن لم تشم الوردة من المرة الأولى فلن نقدمها لها ثانية".

ضحكنا جميعًا، ثم أقلقني ما قاله الخال عن الناس وعناء الوصول إليهم فسألته مباشرة: "كيف ترى ميدان التحرير والناس؟".

رد مبتسمًا: "هل تخجل من السؤال المباشر عن رؤيتي لعلاقة شباب ونخب الثورة بالناس، بل علاقة الثورة ذاتها بالناس؟".

قال بلال: "لقد جئنا للسلام عليك ولا نريد إرهاقك في حوار سياسي".

قال الخال: "انظروا إلي المسافة بينكم وبين الفلاحين مثلًا ثم تحدثوا عن الثورة، قرب أو بعد المسافة يحدد نجاح الثورة أو فشلها، أنا لا أحدثكم عن العشوائيات أو عن طلاب الجامعة أو عن المقاولين، أحدثكم عن كتلة كبيرة متماسكة لها خبرات في الحياة والنضال والبناء، مصر بمجملها هي ثمرة عرق الفلاحين، عبد الناصر كان واعيًا لهذه النقطة فذهب إليها مباشرة، من أول يوم لثورة يوليو، كانت ترى خطورة الفلاحين، وكانت تعرف إن الوصول إليهم هو نجاح أكيد لها، تعرفون أن عبد الناصر قد اعتقلني، المعتقل غير السجين، السجين له حقوق، واسمه مسجل في الدفاتر، يعني لو مات أهله سيعرفون له قبرًا، المعتقل هو بالأساس مختطف لدى جهة لا يعرفها ولا تعرفه، مجرد رقم لا يدرى متى يعود إلي إنسانيته، المهم بعد الإفراج عني، عدت وأنا فى غاية التعب والتشاؤم إلي أبنود، كنت أنشد شيئًا من الراحة والشفاء من ذكريات الاعتقال، صباح يوم كنت أمر على أحد جسور أبنود، كان الخال مش عارف مين، غاطس في طين غيطه، رآني أمشي منكسرًا فصاح: "يا رومان، عبد الرحمان، مالك يا وليدي؟".

فقلت له بصوت مخنوق: "الراجل دا اللي اسمه جمال أبو عبد الناصر حبسني وتعبني".

فصرخ الخال فلان في وجهي مستنكرًا: "عما تقول إيه؟ الراجل دا؟ ناصر حبيبنا بقي اسمه الراجل دا؟ جرى لمخك إيه يا عبد الرحمان؟

دا الرئيس جمال أبو عبد الناصر على سن ورمح، دا الراجل اللي لبسني مركوب في رجلي، دا الراجل اللى خلاني من الملاك، وخلاني اشتري لباس دمور استر بيه نفسي، دا الراجل اللى بيدني السماد والتقاوي ببلاش، ويشترى مني المحصول وبيدني تمنه فورى، اعقل يا أستاذ، ولو كان عندكم حاجة تقدروا تساعدوا بيها الراجل دا روحوا لغاية عنده وقدموها ليه، وإن كان بينكم مشاكل، أهي مصارين البطن بتتعارك، اصطلحوا معاه وساعدوه علشان كلنا نهم وننهض مع بعض".

يصمت الخال للحظة ويمسح بكفيه على وجهه كأنه يريح الوجه من عبء الذكريات ثم يقول: "صوت الخال فلان لم يفارقني من يومها، وكلماته تسكنني، لقد عرفت منها الكثير، عرفت منها إن الشعار سيظل شعارًا، ما لم ينزل إلي الأرض ويغرس جذوره فيها، هل يعرفكم الفلاحون؟ هل تعرفونهم؟ هل ستظلون في التحرير إلي الأبد؟ من سيصبر عليكم؟ من سيساعدكم؟، ميدان التحرير بكل ما فيه من نبل وحلم وشهامة ومروءة، هو فكرة، مجرد فكرة، اخرجوا بفكرتكم إلي الناس، كل الناس، قدموا لهم الدليل على أنكم معهم، عندما تصل الثورة إلي الفلاحين، هم سيتولون أمرها، سيحرسونها ويكبرونها ويقتلعون الحشائش الضارة التى ستتعلق بها، سيفعلون معها مع يفعلونه مع غيطانهم، ساعتها أبشروا بالنصر الكامل التام للثورة، هذا لو كنتم تريدون الثورة بمعناها الحقيقي، أما إن كان هدفكم إلقاء حجرة في بحيرة الصمت فقد فعلتم وزيادة".


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة التحرير 12 أبريل 2015

الخميس، 27 أكتوبر 2022

أبو الفرج الأصفهاني وكتاكيته الخرافية




هل تعرف الفيلم، المسرحية، الأوبريت، الأغنية، القصة، الرواية، الحدوتة، المسلسل التلفزيوني، رسمة الكاريكاتير، حكايات المصطبة؟

 نعم تعرف كل هذه الأشياء ولا تستغني عنها، كأنها احتياج بيولوجي مثل الطعام والشراب، فلم يخلق الله بشرًا لا يحبون الحدوتة التى هي أصل الرواية، ولا الترنيمة التي هي أصل الشعر، ولا المبالغة في رسم الأشياء التي هي أصل الكاريكاتير.

العرب في زمن تحضرهم لم يكن لديهم لا السينما ولا المسرح ولا التليفزيون، كان لديهم الكتاب الذي يقوم مقام كل تلك المخترعات، ومن تلك الكتب التي قدمت كل هذه الفنون، كتاب  الأغاني "لأبي فرج الأصفهاني" الذي  تظلمه الأغلبية عندما تتعامل معه تعاملها مع كتب الحديث والتفسير والفقه، الكتاب كما أراده صاحبه كتاب في الأغنيات والألحان ثم إطلالة سريعة علي حياة الشعراء أصحاب القصائد التى جرى تلحينها وغنائها، ثم حكايات مسلية يفرضها السياق العام لكتاب موسوعي من هذا النوع.


أبو فرج القرشي

بدأ الخلط عندما نسبوا الرجل إلى الفرس، وذلك لأنه ولد في مدينة أصفهان الفارسية الشهيرة، وتجاهلوا أن كل تلك الدول والأقاليم لم تكن سوى ولايات إسلامية من حق أي مسلم الإقامة بها، بل يكاد لا يوجد عالم من علماء ذلك الزمان ولد وعاش ومات في بلد واحدة، لقد كانوا يرتحلون بكل يسر وسهولة طلبًا للعلم أو الرزق، بل بعضهم كان يرتحل لوجه الارتحال.

إذّا الأصفهاني ليس فارسيًا بل هو عربي قح واسمه هو "علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي"، وهذا يعني أن الرجل من العائلة المالكة أو الملكية، وقد نسبوه إلي التشيع لأن أخواله كانوا من الشيعة، وليس في كتب الرجل دعوة إلى التشيع، وقد كتب كتابه الفذ "مقاتل الطالبين" عن الشهداء المنتسبين لأبي طالب وللبيت الهاشمي عمومًا، ليس تشيعًا لهم، ولكن إنصافًا لبيت لم يقدم سوي العلماء والفرسان والشهداء والنبلاء.

وقد بالغ البعض في ذم الرجل فزعم أن أبا الفرج كان وسخًا لا يعرف النظافة في جسده ولا ثيابه، وتلك واحدة من الأكاذيب التى حاولوا بها تشويه عالم شهير لم يكن يجالس سوى الملوك والقادة، ولا نعرف ملكًا يرضي بأن يكون جليسه نتن الرائحة متسخ الثياب.


لماذا الأغاني ؟

من الواضح أن أبا الفرج كان مولعًا بالغناء عارفًا لمقامه في سلم حضارات الأمم، ومن الواضح أيضًا أن أبا الفرج كتب الكتاب لنفسه أولًا، لقد مكث يجمع مادته على مدار نصف قرن، ثم عندما رضي عن كتابه أهداه إلى سيف الدولة الحمداني فوهبه سيف الدولة ألف دينار، ولا تظنن أن الألف دينار قليلة، لأن ثمن الحصان العربي الأصيل في تلك الفترة لم يكن يتجاوز العشرة دنانير، والحصان كان يقوم مقام السيارة الحديثة في أيامنا هذه، يعني الألف دينار كانت ثروة خرافية، إلا أن الأديب الوزير الصاحب بن عباد كان يرى أن سيف الدولة الحمداني قصّر في حق الكتاب والكاتب، لأن الأغاني ومؤلفه كانا يستحقان أكثر من الألف دينار.



أشعب الخرافي

مر بك أن أبا الفرج قد جمع مادة كتابه الأشهر في خمسين سنة، هذه الخمسون وإن استدعت تدقيقًا وتمحيصًا فقد تستدعي ملء الصفحات بالشارد والنادر من القصص والحكايات بهدف التسرية عن القارئ، المشكلة أن أبا الفرج لم يفصح عن هدفه في رواية تلك النوادر التى لا تستقيم مع أدني درجات العقل، والمشكلة الأكبر أن الأغلبية تعاملت مع الكتاب بوصفه كتاب تاريخ كتبه مؤرخ مدقق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا التهويل من قيمة الكتاب التاريخية جلب الإساءة إلي أبرياء وبريئات كما سترى.

من ضمن أبرز قصص الكتاب قصة عن "أشعب الطامع" وأشعب هذا سيكون المدفعية الثقيلة التي سيتم توجيه نيرانها إلي صدر المسكينة البريئة السيدة سكينة ابنة الإمام الحسين بن على بن أبي طالب رضى  الله عن السادة والسيدات آل البيت جميعًا.

في التاريخ الذي هو تاريخ لا وجود محقق لأشعب هذا، إنما مثله مثل "جحا" شخصية تخترعها الأمم اختراعًا لتروى من خلالها النكات والطرائف والمواعظ التي تريدها، ولقد قرأت بحثًا يؤكد صاحبه أن جحا مجري الأصل، وبحثًا يقطع بأنه تركي وثالث يزعم أنه  مصري!

هذا التناقض الواضح في النسب والزمن يقطع بأنه شخصية مخترعة تؤدى دور الراوي على مسرح الزمان.

أشعب من هذه النوعية، وقال عنه أبو الفرج إنه من موالي عثمان بن عفان (المولى فوق الخادم ودون الصاحب) وقال إنه شهد موقعة قتل عثمان وكان يحمل السيف ويتلقط السهام، ثم فجأة نري أشعب هذا موجود وحي يرزق ويتفاعل في زمن الخليفة المهدي بن المنصور!

أبو الفرج نفسه يستهول كل هذا العمر، ويقول إن بين قتل عثمان وخلافة المهدي أكثر من مائة وأربعين سنة !

ثم ترى هذا الأشعب الذي لا ينشغل سوي بطمعه وبملء بطنه من أطايب الطعام يجالس، بل يجادل رجلًا مثل عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر وأبان بن عثمان بن عفان، ولا ندري كيف لهذا الصعلوك الذي تعترف أمه بالزنا علانية مجالسة هؤلاء ومجادلتهم؟

المؤكد أن تسلية الأصفهاني هي التي جاءت بهذا الصعلوك بين هؤلاء الملوك.




قصف سكينة بنت الحسين

أشعب الذي هو اختراع شعبي سيخترعون له ولدًا يواصل سيرة أبيه في التسلية التي بعضها غاية في الشناعة والأذى، ومن ذلك ما رواه أبو الفرج (دون تدقيق أو مراجعه) عن أمير من أمراء البيت العباسي وهو إبراهيم بن المهدي، يقول أبو الفرج إن عبيدة بن أشعب الطامع، كان من سمّار الأمير إبراهيم، وذات ليلة سأله الأمير: "هل لك قرابة في المدينة" أهل ونسب يعني؟

فرد عبيدة: "اللهم غفرانك، لي بالمدينة قرابات وأي قرابات".

فسأله إبراهيم: هل هم عشرات؟"

فرد عبيدة: "اللهم غفرانك، لا تذكر العشرات ولا المئات وتجاوز عن ذكر الألوف".

الأمير العباسي يعرف يقنيًا عائلات المدينة المنورة ولذا لم يصدق كلام عبيدة الذي قص قصة طويلة عريضة انتهت بالتشنيع علي السيدة البريئة سكينة ابنة الإمام الحسين بن علي.

قال عبيدة إن سكينة كانت زوجة لزيد بن عمر بن عثمان بن عفان.

هنا نتوقف لنشير إلي أن أغلب من كتب عن سيرة السيدة سكينة، قال إنها تزوجت مرة واحدة وليس سبع مرات كما ذكر أبو الفرج، وإن زوجها المعروف هو ابن عمها عبد الله بن الحسن بن علي.

واجمع المؤرخون علي فضلها وزهدها وعلمها وانصرافها إلى العبادة، ولكن تسلية الأصفهاني كان لها رأي آخر!

يقول عبيدة بن أشعب المخترع إن السيدة سكينة كانت تغار على زوجها زيد بن عمرو كل الغيرة، وكان لزيد هذا (ضيعة = عزبة) بها المئات من جواريه، وكانت سكينة تمنعه من الاقتراب من الضيعة لكي لا يعاشر جارية من الجواري، واستمر الحال على هذا المنوال حتى جاء يوم وقال فيه زيد لسكينة إن الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك سيحج وهو لا يستطيع تجاهل هذه المناسبة ولابد أن يشاركه رحلة الحج هذه، فوافقت سكينة على مضض واشترطت عليه ألا يذهب إلي الضيعة وأن يصحب معه أشعب الطامع لكي يكون عينا لها عليه.

وافق زيد على الشرطين، وبعد انتهاء شعائر الحج قدم أربعمائة دينار رشوة لأشعب لكي يسمح له بالذهاب إلى الضيعة ومعاشرة الجواري ثم لا ينقل ذلك إلي سكينة عندما يعودان إليها.

أشعب الطامع أو الطماع قبل الرشوة بل وفرح بها، وترك زيدًا يعاشر جواريه كما يحلو له، بل فى فترة غياب زيد انتحل أشعب شخصيته وركب فرسه ولبس ملابسه وتصرف في الحياة كأنه زيد حفيد عثمان بن عفان وليس أشعب ابن الزانية.

يواصل عبيدة قص حكاية أهله الكثيرين بالمدينة المنورة فيقول لإبراهيم المهدي: عندما عاد أبي مع سيده زيد، سألته سكينة عن تفاصيل الرحلة، فقص كل شيء إلا خبر معاشرة زوجها لجواريه، استوقف ذلك الكتمان السيدة سكينة التي راجعته لكي يشهد بما حدث فحلف بكل قسم بأنه لم يمكن سيده من الذهاب إلي الجواري.

هنا وقف زيد حفيد عثمان بين يدي زوجه السيدة سكينة وقال لها: "أي بنت عم، يا بنت رسول الله ، لقد كذبك هذا العلج، وقد أخذ مني أربعمائة دينار مقابل أن يأذن لي بالذهاب إلي الضيعة، وقد ذهبت وأقمت بها يومًا وليلة وعاشرت عدة من الجواري، وها أنا ذا تائب إلى الله تعالى مما كان وقد جعلت توبتي هبتهن لك، وهن موافيات المدينة في عشية هذا اليوم، فبيعهن أو عتقهن بيدك".

يكمل عبيدة قصة أبيه مع السيدة سكينة فيقول: إن السيدة سكينة قد غضبت الغضب كله وأمرت أشعب الطامع أن يعيد لها الأربعمائة دينار التي هي رشوة زوجها له، فقدم لها أشعب صاغرًا المال، فقامت ببناء بيت كبير من الخشب تكلف ثلاثمائة دينار(لاحظ أن هذه المبالغ كبيرة جدًا في ذلك الوقت) والمائة الباقية قسمتها بين النجارين الذين صنعوا ذلك البيت الخشبي، وبين شراء البيض!

وأمرت أشعب الطامع أن يرقد علي ذلك البيض، ففعل، حتى فقس البيض وخرج منه ألوف الفراريج.

يكل عبيدة القصة فيقول: عن هذه الفراريج هم بالنسب أخوته لأنهم أولاد أبيه ومن هنا فهو له عائلة كبيرة جدًا بالمدينة.

تنتهي القصة بضحكة مدوية من الأمير العباسي الذي قدم عشرة ألاف دينار هدية لعبيدة علي قصته المضحكة!

هذه الحدوتة وغيرها من الحواديت التي جاءت في كتاب الأصفهاني ليست علمًا وليست تاريخًا، إنها ليست سوى حدوتة قد يطرب لها مترف من المترفين، ولكن لا يمكن التعامل معها بوصفها حقيقة تاريخية تقام علي أساسها محاكمة لأخلاق السيدة سكينة، التى قدمها أبو الفرج بوصفها ثرية مشغولة بجسدها وجمالها وصاحبة صالون أدبي تجتمع فيه مع أمجن شعراء زمانها، ومن ذلك قصة رواها أبو الفرج ودارت حول لقاء جمع بين السيدة سكينة وشاعر من الشعراء، ودخلت عليهم جارية من جواري السيدة لتقديم واجب الضيافة إلي الشاعر الذي رأت السيدة سكينة في عينيه الإعجاب بالجارية فقالت له: " تمنى علىّ".

وفي خاطرها أنه سيريد أن تهبه الجارية، فما كان من الشاعر إلا أن قال للسيدة سكينة:  أتمني إن مت أن تدفنوني في حر هذه الجارية".

وما الحر ـ حفظ الله مقامكم ـ إلا الاسم القديم لفرج المرأة!

هذا الكلام العاري المكشوف بل البذيء لا يمكن أن يتفوه به شاعر معاصر في حضور راقصة، فكيف نصدق أن سكينة بنت الحسين بن علي الزاهدة المنصرفة للعبادة تسمح لشاعر أيًا كان بأن يتحدث في حضورها بهذه الطريقة؟

الكتاب ممتلئ بحواديت خرافية كالتي توقفنا عندها وإن كان هذا خطأ قد ارتكبه أبو الفرج، فنحن نرتكب الجرم الأشنع عندما نقدس كل تراث ونصدق كل رواية ونتشنج دفاعًا عن أي قصة.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة التحرير 19 أبريل 2015

الخميس، 20 أكتوبر 2022

أبونا آدم رجل وحيد .. في مواجهة الحياة



مَنْ منا إذا سمع اسم أبينا آدم عَقّب قائلًا: "صلى الله عليه وسلم؟".

مّنْ منا إذ ذكرت أمنا حواء تمتم قائلًا: "رضى الله عن أمنا حواء" أو "عليها السلام؟".

أليس تجاهل  السلام على هذين الأبوين الكريمين يعد من العقوق؟ 

بل الأمر يتجاوز العقوق ليذهب إلى سوء الأدب مع هذين الأبوين الكريمين الجليلين، ألا تسمع أحدهم وهو يصب اللعنات على حواء وبناتها، ثم ألم يأتك صوت الجهول وهو يتحدث عن الأب الكريم الجليل آدم عليه الصلاة والسلام حديثه عن جليسه في المقهى.

لماذا خف عند أكثرنا وزن هذين الكريمين؟

ربما تكون الألفة هي السبب، فكل ألفة تهدر شيئًا من المهابة، وربما تكون السنوات بل القرون المتطاولة هي السبب، فتباعد الزمان يفعل فعله في النفوس.

على كل حال، يجب أن نعيد النظر في قلوبنا لكي ننزل أبانا آدم عليه صلى الله وعليه وسلم وأمنا حواء عليها الرضوان والسلام منزلة تليق بهما.

عندما نتحدث عن الأب آدم عليه السلام فنحن نتحدث عن البدايات المتعلقة بالبشر، البدايات الحاكمة لكل سلوك ولكل سبيل، شاء ربنا عز وجل أن يخلق الأرض فخلقها، ثم شاء أن يعمرها لا بالوحوش ولا بالملائكة ولا بالجن، لقد شاءت إرادته أن يعمرها بالإنسان، مخلوق اسمه الإنسان، سيخلقه الله من مادة هي بين المواد في المرتبة الدنيا، سيخلقه من التراب، ليصبح سيد الكائنات، ثم سيسخر له الله كل ما يصلح شأنه، وسيجعله يغلب الأرض بجبالها وبحورها وسهولها وصخورها ووديانها، ثم سيجعله يرقى إلى السماء حتى يصل إلى القمر، ثم سيجعله يكتشف الكواكب المجهولة والقارات المنسية، فأي معجزة تلك؟ وأي نعمة أنعم الله بها على الإنسان؟ 

الإنسان الأول الذي علمه الله كل شيء كان أبونا آدم عليه السلام، ولكي نستشعر النعمة التي أنعم بها الله عليه، نقرأ قول الحق عز وجل وهو يوبخ ويبكت إبليس اللعين : "يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ".




آدم خلقه الله بيديه المباركتين وقد نص سبحانه على مراحل وترتيب  عملية الخلق، وقد أحسن العلامة الأستاذ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله  عندما قال:"اعلم أن الله جل وعلا أوضح في كتابه أطوار هذا الطين الذي خلق منه آدم، فبين أنه أولاً تراب، بقوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ثم أشار إلى أن ذلك التراب بُلَّ فصار طيناً يعلق بالأيدي (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) وبيَّن أن ذلك الطين أسودَّ، وأنه متغير بقوله: (حَمَأٍ مَسْنُونٍ).

وبيَّن أيضاً أنه يبس حتى صار صلصالاً، أي تسمع له صلصلة من يبسه (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ).

وجاء في الحديث الشريف  الذي رواه الترمذي وصححه الألباني: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمْ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَبَيْنَ ذَلِكَ".

ثم كانت النفخة الإلهية فكان آدم ولم يكن قبله إنسان، ودع عنك ما قاله الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه "أبي آدم" من وجود بشر قبل آدم، فما ذهب إليه الدكتور شاهين غفر الله له يعارض منطق آيات كثيرة تحدثت عن فرادة أبينا آدم، ويعارض أحاديث شريفة هي في أعلى درجات الصحة تقطع بأن آدم هو أب البشر ولا أب له ولا أم.

وقد شاهدت قبل سنوات مناظرة تليفزيونية بين الدكتور زغلول النجار والدكتور شاهين، وفيها فنّد النجار منطق شاهين حتى أنه سأله سؤالا مباشرًا: "ألم تقل لتلاميذك إن آدم كان له بابا وماما مثلكم؟".

فلم يرد الدكتور شاهين وتهرب من الإجابة.

إذن الكلام عن أولية آدم مقطوع به، أما غيره من كلام عن السلالة الأولى التي تطورت فأصبحت بشرًا فلا شأن لنا به ولا بقائليه ولا بمصدقيه.

خلق الله أبانا آدم عليه الصلاة والسلام فأصبح الرجل الأول الوحيد الفرد الذي بلا أهل ولا ولد، المتصدي بمفرده لكل صعوبات الحياة.




ضع في قلبك دائمًا أن آدم مخلوق للأرض وليس للجنة، ومهمته أثقل من أي مهمة، مهمته هى خلافة الله في الأرض، مهمته كانت حمل الأمانة التي أبت أن تحملها الجبال والسموات والأرض، لقد خافت تلك الكائنات العملاقة العظيمة من حمل الأمانة وأشفقن على أنفسهن منها، ولكن قدر آدم كان أن يحمل هو الأمانة.

وتحمله للأمانة يؤكد بأنه كان نبيًا ورسولًا،  فعن أَبُي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَجُلا  قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَبِيًّا كَانَ آدَمُ؟ قَالَ: نَعَمْ، مُعَلَّمٌ مُكَلَّمٌ" أخرجه ابن حبان وصححه الألباني.

هذا عن كونه عليه السلام نبيًا أما عن كونه رسولًا فقد قال جمهور العلماء: "إن آدم وشيث عليهما السلام، كانا نبيين مرسلين قبل نوح عليه السلام إلا أن آدم أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفاراً بل أمرهم بتعليم الإيمان وطاعة الله، وأما شيث فكان خلفا له فيهم بعده، بخلاف نوح فإنه مرسل إلى كفار أهل الأرض".

وبعد آدم كانت الأم العظيمة الجليلة حواء عليها السلام، وتلك البعدية ليست مقدرة بزمن فلا يليق بنا الخوض في تحديد الفترة الفاصلة بين خلقه عليه السلام وخلقها عليها السلام، ولكن عملية خلق أمنا حواء جاء فيها كلام كثير يمكن اختصاره إلى ثلاثة أقوال.

القول الأول ما قاله جمهور العلماء ومن بينهم الشيخ الشعراوي رحمه الله.

وملخصه أن أمنا حواء قد خلقها الله من ذات الطينة التي خلق منها أبانا آدم، وفي هذا السياق قال الشيخ الشعراوي في كتابه "قصص الأنبياء" كلامًا غاية في اللطف والدقة عن سبب "التنافس" الذي بين الرجل والمرأة ، فكلاهما من أصل واحد فلا يسمح أحدهما للآخر أن يستطيل عليه بشيء ولا أن يمن عليه بمنة.

القول الثاني يقول به بنو إسرائيل وبعض علماء الإسلام، وهو أن الله خلق حواء من ضلع آدم يعني من جسد آدم.

لبني إسرائيل أن يقولوا كما شاءوا، فلسنا في سياق مناقشتهم، أما علماء الإسلام فقد اعتمدوا في كلامهم على حديث شريف تعسفوا في التعامل معه، الحديث رواه الإمام البخاري ونصه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ".

كل علماء الحديث أصحاب البصيرة بهذا العلم الصعب المتين قالوا: إن معنى الحديث قائم على المجاز وليس الحقيقة، فالرسول الكريم كأنه يقول استوصوا بالنساء لأنهن مخلوقات مختلفات عن الرجل فكأنهن خلق من ضلع، الكلام هنا مجازي وليس حقيقي، وليس به أدني درجة من درجات التهوين من شأن المرأة بل العكس هو الصحيح، فالمنطوق النبوي الشريف يوصي بالنساء ويؤكد أنهن مختلفات على الرجال ويجب على الرجل أن يعامل المرأة لا كما يعامل أخاه الرجل.




ثم تبقي منطقة ملتبسة في النشأة الأولى، وهى الخاصة بالجنة التي عاش فيها الأبوان الكريمان.

بعضهم يقول: هي جنة الخلد التي وعد الله بها عباده المتقين، والكثرة من العلماء تقول: بل هي جنة أرضية، وقد أحسن الأستاذ أبو سعيد الغامدي عندما اختصر لنا أهم ما قاله الإمام ابن القيم في كتابه "مفتاح دار السعادة"، ولدواعي المساحة سأقوم باختصار للاختصار، ومن شاء الاستزادة فعليه بالرجوع إلى كتاب الإمام ابن القيم. 

يقول الإمام ابن القيم :

1 ـ  الجنة التي تدخل بعد القيامة هي من حيز الآخرة وفي اليوم الأخر تدخل ولم يأت بعد.

2 -  وصف الله عز وجل الجنة في كتابه بصفات لم تكن موجودة في جنة آدم، من تلك الصفات، وصفه لها بأنها دار المقامة ولم يقم آدم فيها.

3 ـ  ووصفها بأنها جنة الخلد ولم يخلد آدم فيها.

4 ـ ووصفها بأنها دار جزاء ولم يقل إنها دار ابتلاء وقد ابتلى آدم فيها بالمعصية والفتنة.

5 ـ ووصفها بأنها ليس فيها حزن وأن الداخلين إليها يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وقد حزن فيها آدم.

6 ـ ووجدناه سماها دار السلام ولم يسلم فيها آدم من الآفات التي تكون في الدنيا.

7ـ وسماها دار القرار ولم يستقر فيها آدم.

8 ـ وقال فيمن يدخلها وما هم منها بمخرجين وقد اخرج منها آدم بمعصيته.

9 ـ وقال لا يمسهم فيها نصب وقد ند آدم فيها هاربا فارا عند إصابته المعصية وطفق يخصف ورق الجنة على نفسه وهذا النصب بعينه الذي نفاه الله عنها.

10 ـ وأخبر انه لا يسمع فيها لغو ولا تأثيم وقد أثم فيها آدم واسمع فيها ما هو اكبر من اللغو وهو انه أمر فيها بمعصية ربه وأخبر أنه لا يسمع فيها لغو ولا كذب وقد اسمعه فيها إبليس الكذب وغره وقاسمه عليه أيضا بعد أن اسمعه إياه. 

11 ـ وقد شرب آدم من شرابها الذي سماه في كتابه شرابا طهورا أي مطهرا من جميع الآفات المذمومة وآدم لم يطهر من تلك الآفات.

12ـ  وسماها الله تعالى مقعد صدق وقد كذب إبليس فيها آدم ومقعد الصدق لا كذب فيه.

وعلى ما سبق  فجمهور العلماء يؤكدون أن جنة آدم عليه السلام ليست جنة الخلد. 

ثم تأتي مرحلة الذرية البشرية، وفيها قتل أحد ابني آدم شقيقه، وأنت إذا نظرت إلى حجم ونوعية الابتلاء الذي تعرضه له الأب الكريم آدم عليه السلام ستحمد الله على أنك لم تكن آدم.

نحن أمام الرجل الأول بكل ما تعنيه الأولية من متاعب، ثم هذا الرجل الأول يتعامل مع المرأة الأولى، ثم  يتربص به إبليس اللعين ويكاد يفسد عليه حياته ، ثم يمن الله عليه بالذرية، ثم يأتي اثنان من أولاده فيقتل أحدهما الآخر.

أي قلب يتحمل كل هذا الابتلاء؟

اقرأ معي الآيات الكريمة التي تقص قصة ابني آدم: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ  قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ  إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ  قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي  فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ".

ستشعر بحرارة المأساة، شقيقان يقتل أحدهما الآخر ظلمًا وعدوانًا، والشقيقان هما ابنان لنبي مرسل، فلو لم يكن سيدنا آدم مرسلًا فمن أين عرف ابنه الصالح كلمات مثل (يتقبل الله من المتقين، أخاف الله رب العالمين، أصحاب الجنة، أصحاب النار، جزاء الظالمين؟) هذه كلمات تعلمها من رسول أُرسل إليه فدعاه الرسول فصدقه وامن به وبرسالته.

هذا أولًا، أما ثانيًا فالآيات الكريمة تؤكد بوضوح أن المتحاربين هما من صلب آدم وليس من ذريته، فلو كانا من ذريته لكانا قد شاهدا مرارًا وتكرارًا عملية الدفن، ولكن كونهما من صلبه عليه السلام يفسر كيف لم يعرف القاتل كيف يدفن شقيقه القتيل، وعلى ذلك فقد تعجبت وأنا أسمع الشيخ الأستاذ خالد الجندي وهو يحاول إثبات أن ابني آدم الوارد ذكرهما في القرآن ليس من صلبه وإنما هما من ذريته.

لا يتبقى من المساحة سوى أن نرفع العقوق عن قلوبنا ونقول: اللهم صل وسلم وبارك على أبينا آدم وعلى زوجه أمنا حواء وعلى ذريتهما من الرسل والأنبياء والصالحين والعلماء والشهداء وسلم تسليمًا كثيرًا.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة صوت الأمة أغسطس  2017


الخميس، 13 أكتوبر 2022

هل يخاف مجتمعنا من الصادقين ؟




إذا قُدّر لك قراءة كتب مثل "البداية والنهاية" لابن كثير و"الفهرست" لابن النديم و"حلية الأولياء" لأبي نعيم و"وفيات الأعيان" لابن خلّكان و"العبر في خبر من غبر" للذهبي، ستجد كل هؤلاء العلماء يقدمون ترجمة وافية لعبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد الأَوْزَاعِيُّ، ويشيدون بعلمه وفضله وتقواه، ويؤكدون أنه قد انفرد بمكانة لم ينافسه عليها منافس.

بعد القراءة قد تسأل نفسك: أين ذهب كل هذا العلم؟

بل ستسأل أين هو الأوزاعي الآن بين علماء الدين؟ 

تقول ترجمة الأوزاعي المختصرة إنه ولد في بعلبك بلبنان في العام 88 هجرية، ومات ببيروت في العام 157 هجرية، وما بين مولده وإلى موته ملأ الدنيا وشغل الناس بفقه ومواقفه.

 لقد ولد الأوزاعي يتيمًا فقيرًا، وكانت أمه تنتقل به بين البلدان لضروريات الحياة، ثم علّم نفسه بنفسه وجالس علماء زمانه، فما مضت سنوات كثيرة حتى دخل مكة للحج، وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله، ومالك بن أنس يسوق به، والثوري يقول: "أفسحوا للشيخ"، حتى أجلساه عند الكعبة، وجلسا بين يديه يأخذان عنه. 

يعني رجل يسير في موكبه، بل في خدمته أمثال سفيان الثوري ومالك بن أنس كيف يكون؟

الرجل لم يكن فقيهًا محليًا يفتي لأهل بيروت والبقاع، لقد طار صيت فقهه حتى سيطر على الشام كله وأصبح الأوزاعي الفقيه المعتمد لكل الشام لأكثر من مئتين وعشرين سنة، ومن الشام انطلق فقهه إلى الأندلس وأصبح مذهبًا لأهل الأندلس لعقود طويلة.

 ولكن في معمعة هذا الصعود وقع أمر عجيب جدًا، بدأ مذهب الأوزاعي يتراجع بل يتقهقر حتى أصبح أثرًا بعد عين أمام مذهب الشافعي في الشام ومالك في اليمن.

فهل العيب كان في الفقه الذي لم يصمد أمام المذاهب الجديدة، أم في الفقيه الذي لم يحشد لنفسه التلاميذ والمؤيدين، أم في السياسة؟

في سياق الإجابة سنجد أن فقه الأوزاعي ما زال يملًا بطون الكتب، وقل أن تجد كتابًا جادًا يخلو من ذكر فتوى أفتى بها الأوزاعي أو رأي قاله، أما مسألة حشد التلاميذ وتنظيم صفوفهم ليكونوا درعًا لشيخهم حتى بعد موته، فهذه المسألة لم يتعمدها الأوزاعي لكنها وقعت بحكم الظرف التاريخي والعلمي فما أكثر تلاميذه الذين عرفوا فضله ونوهوا بذكره.

إذًا بقي الاحتمال الثالث ألا وهو السياسة، الأوزاعي لم يكن يشتغل بالسياسة بمعناها العام ولكنه كان لا يهاب الساسة خاصة الحكام الطواغيت منهم، نعم لم يكن يتعمد الاصطدام بهم ولكنه لم يكن يتلجلج إذا تحدث أمامهم.




 مشكلة الأوزاعي الرئيسية هي أنه كان يمد الخيط إلى منتهاه، وأمثاله لا يرحب بهم الحكام، ويحدث أن يخشاهم المجتمع، خاصة إذا كان المجتمع ميالًا لنوع من أنواع نفاق الحكام ومداهنتهم تحت أي شعار كان النفاق ولغرض أي هدف كانت المداهنة، وعندما يكون الحال كذلك، يبدأ المجتمع نفسه في إزاحة العالم من هؤلاء من فوق قمته ويظل يواصل إزاحته إلى أن يسقط في السفح ويتوارى عن الأنظار فيرتاح الحاكم والمجتمع من صوت الضمير المؤنب والموبخ.

أظن، من خلال تتبعي لسيرة الإمام الأوزاعي أن أمر إزاحته وإسقاطه قد تم بعد محادثة شديدة جرت بينه وبين الأمير العباسي عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، كان الأمير من سفاكي الدماء وكان جبارًا لا يلين، وقاسيًا لا يلتفت لرحم أو ذمة وقد قامت دولة بني العباس تحت ظلال سيفه ، فهذا الأمير قتل في يوم واحد خمسين ألف أثناء معركته مع أخر حكام بني أمية.

أمير بهذه الصفات يستدعي الأوزاعي ويسأله:"يا أوزاعي، ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن العباد والبلاد؟ أجهادًا ورباطًا هو؟ 

فيجيبه الأوزاعي: أيها الأمير، لقد قال الرسول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".

يغضب الأمير من إجابة الأوزاعي فيعود لسؤاله ما تقول في دماء بني أمية؟

فيرد الأوزاعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة".

يشتد غضب الأمير الذي يصر على أن ينتزع تأييدًا ولو باهتًا لأفعاله من إمام الشام فيسأله: ما تقول في أموالهم؟ 

يرد الأوزاعي: إن كانت في أيديهم حرامًا فهي حرام عليك، وإن كانت لهم حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعي.

 تأكد الأمير السفاح أن الأوزاعي ليس من الذين يبيعون فتواهم خوفًا من العصا، فلجأ الأمير إلى الجزرة وأمر بصرف عطية للأوزاعي، الذي أخذها وتصدّق بها .

ثم لو نظرت حولك ستجد تصديقًا لكلامي، عندما ترى فلانًا وفلانًا يتصدرون المشهد بينما يفرض التعتيم على فلان وفلان حتى تنساهم الناس فيرتاح الحاكم والمحكوم من صوت الضمير.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة المقال - الخميس 9 سبتمبر 2016

الخميس، 29 سبتمبر 2022

من أوراق مشرفة تعليم


 

تلتقطني سيارة العمل من أمام بيتي في السابعة صباحًا، ثم تعيدني في الثالثة عصرًا، ما بين الوقتين هو يوم عملي. بدأت غربتي في اليوم الأول لعملي بالمدرسة الخاصة، هذه ليست مدرسة أنا الآن في فندق سبع نجوم، كل شيء لامع نظيف مرتب، لكنه بارد، لا دفء لا حميمية، لا وجود لأي صورة ذهنية تظهر على سطح ذاكرتك عندما تسمع كلمة مدرسة.


أين رائحة الطباشير؟ أين السبورة؟ أين التختة؟ أين أبلة الناظرة؟ أين السيد المربي الفاضل ناظر المدرسة؟ أنا الآن في مدرسة افتراضية مثلها مثل الفيس بوك، حيث كل شيء على خلاف حقيقته.


المدرس أو الإداري المصري اسمه "مستر"، المدرسة أو الإدارية  المتزوجة اسمها "مسز"، والآنسة اسمها "مس". قالت لي رئيستي: راتبك سيكون ألف وخمسمائة جنيه مصري ثم لا حقوق لك فوقها.


الورقة الثانية

كان بدء عملي في شهر أغسطس الحارق، دخلت المدرسة فرأيت حديقتها قد أصبحت "بلاج" نعم بلاج بلباس بحر يرتديه أطفال، أصغرهم في عامه الثالث وأكبرهم في عامه الثامن. تركت البلاج وتفرغت لتأمل الأمهات اللاتي يقذفن بأولادهن إلى حديقة المدرسة، الأم منهن صحت لتوها من نوم مغشوش، ترتدي شيئًا لا أعرف له اسمًا، وفوق هذا الذي لا أعرفه ترتدي ما يشبه "الروب"، ما تلبسه يظهر مساحات شاسعة من جسدها، تهبط الأم من سيارتها الفاخرة متأففة، هي لم تشبع من نومها بعد، بين أصابع يدها اليسرى سيجارة، وتقبض بيمناها على "مج" نسكافيه، حتمًا هو بدون سكر، للحفاظ على وزنها المثالي، لا تمنح طفلها حضنًا ولا حتى قبلة في الهواء، تتركه لنا وتغادر.


قالت لي رئيستي: هذا ليس "بلاج"، هذا معسكر صيفي summer camp، إدارة المدرسة تحصل على ألف وثمانمائة جنيه أسبوعيًا من ولي أمر الطفل المشارك في المعسكر.




سألت نفسي: ما الذي سيتعلمه الصغار مقابل كل هذا المال؟ حصلت بنفسي على الإجابة: هم هنا لكي تتخلص منهم أمهاتهم المتأففات المدخنات، يغرق أحدهم صاحبه  بفقاعات الصابون، ثم تأتي معلمة مهيبة لكي تقص عليهم بالإنجليزية قصة عن الديناصور الذي يطير ويساعد الفراشة في النجاة من اللهب. كنت أشعر بغربة شجرة صفصاف وجدت نفسها في بهو فندق أوربي.


في اليوم الثالث للمعسكر، قذف صبي صاحبه بزجاجة ماء، طلبت منه بوصفي المشرفة الاعتذار لصاحبه، رفض بعناد بغل استرالي، شكوته للرئيسة، تحدثت إليه الرئيسة طويلًا إلا أن الصبي ابن السنوات الأربع صرخ في وجوهنا جميعًا:"لن أعتذر، وسأقول لمامي، وهى تستطيع ضربكم جميعًا بالجزمة"! إنها نظرية "بفلوسي يا كلاب".


في اليوم التالي لتلك الواقعة شكوت الصبي لأمه المتأففة فقالت: "نعم هو عصبي بعض الشيء لأن أباه مسافر دائمًا". الأم تدفع شهريًا سبعة آلاف ومائتي جنيه لكي يهددنا ابنها بضربنا بالحذاء.


الورقة الثالثة

كنت حريصة على معرفة مصاريف المدرسة التي هي فندق. مصاريف  KG، ستكون مصيبة لو قلت الحضانة أو الروضة، ستة وسبعين ألف جنيه يضاف إليها عشرة آلاف للباص وسبعة آلاف لوجبة الغداء. هذه خمسة وتسعون ألف جنيه مصاريف طفل دون الخامسة من عمره. مصاريف الابتدائي مثلها، ومصاريف الإعدادي تصل إلى مائة وسبعة آلاف جنيه. هل قلت لكم أن راتبي هو ألف وخمسمائة جنيه؟




الورقة الرابعة

كنت أنتظر على أحر من الجمر بدء العام الدراسي لكي أتخلص من عبء الإشراف على المعسكر الصيفي. مع نسمات سبتمبر اللطيفة بدأ العام الدراسي الذي لا يستمر لأكثر من ثمانية شهور من العام. ليس في كل هذا العالم ما هو أبهج من الأطفال، حتى هذا الذي هددنا بحذاء أمه، هو أيضًا مبهج.


جاء صناع البهجة، ولكن كيف ترتدي ناهدة الصدر من طالبات الإعدادي "شورت" يكاد يحترق من فرط سخونته، فوق الشورت قميص قصير وضيق، ما علينا، لست مشرفة على لباس الطالبات.


المعلمات يلبسن ملابس تصلح للسهرة، أليست هناك ملابس للعمل وأخرى للسهرات ؟ من الواضح أن ذلك الفرق هو في عقلي أنا فقط.


وقفت مع المشرفات في طابور أول يوم دراسي. كل شيء نظيف لامع منظم ولكنه بارد. كل ما أعرفه عن طابور الصباح لا وجود له هنا، لا كلمة صباح، ولا دعاء بالتوفيق، ولا أغنية وطنية تثير الحماس، الشيء الوحيد الذي سجل حضوره كان الحديث بالإنجليزية.


قلت في نفسي: حتمًا لن تفوتهم تحية العلم، ففي النهاية هذه مدرسة مصرية مقامة على أرض مصر، فليس أقل من "تحيا جمهورية مصر العربية" نرددها ثلاث مرات. نعم أنا قديمة عتيقة، لكن ما الحداثة في تجاهل تحية العلم؟.


موسيقى غربية صاخبة أعادتني إلى أرض الواقع، طابور أول يوم مدرسي تزفه موسيقى صاخبة بينما علم ناحل يرفرف في حزن فوق سطح المدرسة.


الورقة الأخيرة

غادرت طابور الصباح، صعدت السلم إلى سطح المدرسة، وقفت انتباه أمام سارية العلم، ضربت الأرض بقدمي اليمنى، قدمت لعلمي "تعظيم سلام"، سلّطت عيني عليه وهتفت: "تحيا جمهورية مصر العربية"، ثم مسحت دموعي.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر فى موقع "أصوات أونلاين"

الخميس، 22 سبتمبر 2022

هل أتاك حديث العفاريت؟



قبل سنوات بعيدة ظهر الفنان العربي الكبير محمد عبده على الناس بأغنيته الشهيرة "الأماكن"، كانت الأغنية رغم حزن لحنها وكلماتها تُغنى من المحيط إلى الخليج في كل المناسبات، حتى لو كانت المناسبة مناسبة زفاف!

وكان عبده على شهرته الفائقة نادر الظهور في اللقاءات التلفزيونية، وذات مساء صرح الإعلامي الكبير محمود سعد بأن عبده سيكون ضيفه في حلقة خاصة، للحديث عن مجمل أعماله عامة وعن أغنية الأماكن بصفة خاصة.

انتظر محبو عبده الحلقة على أحر من الجمر، وعند بثها تحلق المحبون حولها، للحق كان محمد عبده متألقًا وهو يسرد ذكريات طفولته القاسية وأول شبابه، وتذكر كيف أنه كان يعيش مع السيدة والدته في بيت من غرفة واحدة لا وجود فيها للكهرباء أو للمياه النقية، ليلتها كسب محمد عبده محبين جددًا، ثم فجأة وبدون أي مناسبة قال:"رأيت العفريت يقفز أمامي و..".

قاطعه محمود سعد لكي يغير مجرى الحديث، ولكن الرجل أصر على سرد قصته مع العفاريت!

كان الإحراج باديًا على وجه الإعلامي الكبير وهو يحاول لملمة الموضوع وستر القصة التي يورط فيها الفنان نفسه لوجه العفاريت!

فشل سعد في إسكات عبده الذي حكي كثيرًا عن العفريت الذي كان يظهر في ظلام الصحراء!

أظن أن تلك الحلقة من البرنامج الخاص، كانت تدشينًا قاسيًا لظاهرة العفاريت في الإعلام العربي، بعدها أصبح المتحدث عن العفاريت لا يعاني من أدنى درجات الحرج أو غياب المصداقية عن كلامه فيروح الواحد منهم يفسر حياته بل وحياتنا بتفسيرين، إما تدخل العفاريت وإما عيون الحساد!

أذكر أن فنانة شابة كانت تعد بالكثير في مجال التمثيل، أساءت اختيار أدوراها فبدأ نجمها يرتعش تلك الرعشة التي تنذر بظلام قادم، أيامها قالت النجمة الشابة: إن فلانة النجمة الكبيرة قد سلطت عليها عفريتًا يجعل دورتها الشهرية متى بدأت لا تتوقف إلا بعد تدخل طبي!

كانت الشابة تبث هذا التفسير في كل مكان تذهب إليه، فوسوس لها بعض أولاد الحلال، بأن تحرر محضرًا ضد النجمة الكبيرة، وكادت الشابة تفعل لولا تدخل منتج كبير محترم، كشف للشابة عن الأسباب الحقيقة لتراجع مستواها وحذرها من هذا الكلام الذي يشبه الفضيحة، لم تذهب النجمة الشابة إلى قسم البوليس ولكن ظلت تدور في فلك ذلك التفسير المضلل حتى كادت تتوارى عن الأنظار!

هذا العبث تواصل وتوغل وسيطر وهيمن على عقول وقلوب كثيرين، وأنت وأنا نعرف ذلك الرجل الذي لا يتورع عن حشر العفاريت في كل جملة يقولها، فإن ربح فلأنه جاء بمن يبطل سحر العفاريت، وإن خسر فإن خصمه قد جاء بمن فعّل سحر العفاريت بحيث لم يتمكن من إبطالها!

وقبل أيام ظهرت نجمة شابة محبوبة ولطيفة لتحكي عن العفاريت التي كانت تقيم معها في مسكنها، فهي أي العفاريت تفتح خزينة الملابس وتشعل التلفزيون، والحمد لله أنها لم تنسب للعفاريت تقشير البطاطس وغسل أطباق الطعام.

كانت النجمة تحكي وبيسر وسهولة ويقين، وكان النجم الذي يستضيفها يصغي بأدب جم، وكأن كلامها حقيقة لا تقبل الشك ولا المراجعة.



كل ما سبق يؤكد أن السكوت عن مواجهة هذا الكلام خطير جدًا، لأن السكوت يعني الرضا والقبول أو على الأقل ترك الباب مفتوحًا لمحاولة التصديق، إن شيوع هذا التفسير سيؤدي إلى ضرب قيم عظمى في مقتل، مثل قيمة العمل والجد والنشاط والسعي المخلص لبناء مجتمع يعرف التعقل في تناول أمور حياته.

قبل عام وقف النائب طارق متولي، نائب السويس وعضو لجنة الصناعة بالبرلمان تحت قبة البرلمان وقال كلامًا في غاية الخطورة ولكن لم يلتفت إليه أحد، قال النائب: إن المركز القومي للبحوث قد أشار في دراسة من دراساته إلى أن عدد الذين يقومون بأعمال ما يسمى السحر والشعوذة يتجاوز الخمسمائة ألف نصاب، وأن المصريين ينفقون سنويًا فوق الخمسة وعشرين مليار جنيه على هذه الخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وختم النائب كلامه بقوله: إن القانون المصري لا يجرم أعمال السحر والشعوذة إلا بضمها لجرائم النصب والاحتيال، وأن أقسى عقوبة توقع على المشعوذ النصاب هي حبسه لثلاث سنوات فقط.

أعلم علم اليقين أن هذه الأمراض موجودة في أي تجمع بشري، ولكن الحديث يجب ان يكون عن النسبة والتناسب وعن حال المجتمعات، فهناك مترفون لا يشغلهم كثيرًا إهدار كل هذه المليارات على صناعة الخرافة، ولكن نحن بلد يحتاج لكل جنيه لكي يبدأ في النهوض، فكيف نسمح لصناعة الخرافة بالسيادة وباستنزاف الموارد المالية الشحيحة أصلًا؟.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صوت الأمة 12 سبتمبر 2020

 

الخميس، 15 سبتمبر 2022

قل الإنجاز الكوري ولا تقل المعجزة الكورية

 


المعجزة لغة: هي الأمر  النادر الذي يعجز البشر أن يأتوا بمثله، والتاء في معجزة ليست للتأنيث، وإنما هي للمبالغة.

والمعجزة اصطلاحًا: أمر خارق للعادة يظهره الله على يد مدعى النبوة تصديقا له فى دعواه مقرونة بالتحدي مع عدم المعارضة. 

فهل ـ وفق هذين التعريفين اللغوي والاصطلاحي ـ تعد النهضة التي نهضتها كوريا الجنوبية معجزة؟

ولكي نجيب لابد أولًا أن نذكر شيئًا عن ماضي  كوريا.

كانت كوريا الجنوبية قد خرجت من قبضة الاحتلال الياباني لتدخل في حرب شعواء مع شقيقتها كوريا الشمالية، بلغ عدد ضحايا تلك الحرب المجنونة ما يزيد على الأربعة ملايين ضحية، غير ملايين المصابين بعاهات مقعدة.

بلد بهذه الحالة لا يمكن أن تأمل في اقتصادها أدنى درجات الأمل، ففي مطلع الستينيات وبعد سنوات من انتهاء الحرب كان الدخل السنوي للكوري الجنوبي ليس أكثر من 82 دولارا.

لك أن تعلم أن الجنيه المصري في تلك الأيام كان يساوي دولارين ونصف الدولار !!

وهذا يعني أن دخل الكوري الشهري كان أقل من جنيهين مصريين!

هذا التردي جعل عباقرة الاقتصاد خاصة الأمريكان منهم يقسمون على أن: " كوريا هوة بلا قرار".

 يعني لا يمكن إصلاح أحوالها.

الأمة الكورية الجنوبية كان لها رأي آخر، وهذا ما يقصه بالتفصيل كتاب "السامريون الأشرار" لمؤلفه الكوري "هاـ جوون تشانج"، وقد ترجمه إلى العربية المترجم الأستاذ أحمد الشافعي ونشرته دار نشر "الكتب خان.

العنوان مأخوذ من قصة إنجيلية يقول ملخصها: إن يهوديًا كان مسافرًا على طريق موحش، وقع في يد قطاع الطرق الذين سلبوه ما يملك وضربوه حتى تركوه بين الحياة والموت.

بالصدفة مر كاهن فخاف من تقديم المساعدة للمضروب الذي ينزف، ثم مر رجل دين من شريعة النازف، فتركه  لنزيفه، ثم مر سامري، وكان بين السامريين واليهود ما صنع الحداد، لكن السامري الصالح  داوى جراح اليهودي، وأخذه إلى فندق وأسكنه في مكان مريح.

 وفي صباح اليوم التالي أخرج قطعتين من الفضة وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له: "اعتني به وإذا صرفت عليه أكثر فأضفها على حسابي وعندما أعود سأدفع لك المبلغ".

السامريون الذين في الكتاب هم الأشرار الذين يقنعون النازف أنهم يقدمون له العلاج بينما هم يقطعون ما بقي له من شرايين.

السامريون هم رباعي مخرّب  مكوّن من الدول الكبري بقيادة أمريكا ومعها بريطانيا ثم صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.




هذا الرباعي القاتل وقف يتلمظ منتظرًا افتراس ما بقي من كوريا ولكن حاكم كوريا "بارك" كان لهم بالمرصاد.

بارك كان جنرالًا يراهن على أن الجذر الكوري ما يزال سليمًا عفيًا رغم آيات الفقر المدقع والخراب الذي عم كل شيء.

أيامها في العام 1961 كانت شركة سامسونج الكورية لا تعمل إلا في مجال تصدير السمك والفواكه، وكان الحديث عن أي تقدم تكنولوجي ضربًا من الخرافات أو المستحيل، ولكن الجنرال بارك فعلها وقرر.

1ـ  عدم استيراد أي شيء إلا المكونات الصناعية.

2ـ غلق البلد فى وجوه المستثمرين أو إجبارهم على الاستثمار وفق خريطة الاستثمار الكوري.

3ـ الفضح الاجتماعي الذي يقترب من حدود النبذ بل والتخوين لكل من يضبط مستوردًا أو مهربًا لأي بضاعة أجنبية، خاصة البضائع المترفة مثل السجائر.

4ـ فرض جمارك وضرائب جنونية بل تعجيزية على أي سلعة لا تستوردها الدولة.

5ـ غض الطرف عن القرصنة الكورية تجاه الآلات الحديثة التي بدأ الكوريون في فكها ثم إعادة تصنيعها ولو بطريقة بدائية.

6ـ غلق الأذان تمامًا في وجه نصائح الرباعي المخرّب، الذين كانوا يرون حتمية فتح الأسواق أمام التجارة الحرة وهو يعلمون يقنيًا أن أي سلعة كورية لن تصمد أمام سلعهم وستنهار ولن تقوى على تطوير نفسها ومن ثمّ دخول حلبة المنافسة.

إياك أخي القارئ الكريم أن تظن أن رجلًا مثل حسني مبارك عندما باع مصانعنا ومؤسساتنا كان يبيعها من تلقاء نفسه أو لأنه رجل شرير، لقد باعها تنفيذًا لنصائح الرباعي القاتل الذي وسوس له بأن لا نهضة لمصر سوى بالتخلي عن قطاعها العام وفتح أسواقها للتجارة الحرة.

وها قد باعت مصر مصانعها وفتحت أسواقها فأين اقتصادها؟

خطة الجنرال بارك لا تقدرها حق قدرها إلا بقراءة الكتاب من الغلاف إلى الغلاف، وذلك لأن مؤلفه وهو اقتصادي كوري كبير سرد وقائع النهضة الكورية من خلال سيرته الذاتية، كأنه جلال أمين في سفره الرائع "ماذا حدث للمصريين؟".

مؤلفنا يقول: إن الأمريكان والانجليز وصلوا إلى ما وصلوا إليه من خلال حماية صناعتهم وغلق أسواقهم، ولكن عندما وصلوا إلى القمة كسروا السلم لكي لا يصعد خلفهم أحد وراحوا يزينون للدول الفقيرة شريعة الاقتصاد الحر بوصفها الدين الجديد للإنسانية !!

مؤلفنا من واقع كونه رجل اقتصاد عالمي تصله أحدث التقارير وأخطرها يؤكد أن جيوشًا من الاقتصاديين والصحفيين والكُتّاب والإعلاميين، ليس لهم من شاغل سوى الترويج لدين الإنسانية الجديد!

وقف بارك أمام شعبه وتعهد لهم بأنه في العام 1981 سيصبح دخل الفرد ألف دولار.

هل تذكر أننا بدأنا الكلام بـ 82 دولارًا ؟

لقد فعلها بارك ووصل الدخل إلى 1647 دولارًا قبل الميعاد بثلاث سنوات.

أين المعجزة في ذلك؟

ليس ثمة معجزات، قل هو الإنجاز وليس الإعجاز.





أراد بارك أن يحكم إلى الأبد خاصة بعد النجاح الأسطوري الذي حققه ولكن رئيس مخابراته تولى اغتياله، لتدخل البلاد في دوامة من الصراعات حول الديمقراطية دفع تكاليفها طلاب الجامعة الذين كانوا يتظاهرون بيد ويعملون بالثانية.

سامسونج تركت زفارة السمك ودخلت عالم الالكترونيات، وكان هذا من ضروب الخيال، فحتى العام 1977 لم تكن سامسونج قد قامت بتصنيع تليفزيون ملون واحد، لكن بعدها بأقل من عشر سنوات أصبحت سامسونج أيقونة الالكترونيات على مستوى العالم.

يقول مؤلف الكتاب وهو من مواليد العام 1963 إنه عاش في حياته طفرة اقتصادية حققها البريطاني بعد مائتي عام من العمل وحققها الأمريكي بعد مائة وخمسين عامًا من العمل !!

وفي متن الكتاب وليس في هامشه يذكر المؤلف قصة شديدة الدلالة، عن دولة خرجت من الحرب العالمية الثانية وهي أشلاء دولة أو "أشباه دولة" كما وصف أحدهم دولته، الدولة المقصودة بدأت في تصنيع سيارة، وهي التي لا تستطيع ضمان قوت شعبها ولو لشهر واحد، الشعب والحكومة دعما صناعة السيارة الوطنية على مدار سنوات ثم في العام 1959 قررت تلك الدولة أن تغزو الأسواق الأمريكية بسيارتها، طبعًا كانت السيارة فضيحة وأقرب إلى العربة الكارو المصرية، الأمريكان أوسعوا السيارة سخرية وأعادوها إلى بلد منشأها.

بلد المنشأ حزن الحزن كله وانقسم الشعب إلى فريقين، الأغلبية تقول: مالنا والصناعة ولنوقف فورًا هذا الخيال المترف.

وأقلية بقيادة الحكومة تصمم على المضي في تصنيع السيارات وتطويرها.

برشاقة سيناريست مخضرم يكشف المؤلف عن أن الدولة المنهارة هي اليابان وأن السيارة هي تويوتا التي أصبحت منذ منتصف السبعينيات رمزًا للجودة والإبهار.

يسأل المؤلف كيف حققت اليابان إنجازها ؟

يجيب: بحماية صناعتها الوطنية وبالصبر على تطويرها وتحديثها وبطرد غيلان وضباع السوق، لقد طردت اليابان شركة جينرال موتورز لكي تحمى سيارتها التويوتا وتفسح لها مجالًا في السوق المحلي.

وبالعودة إلى كوريا نجد أن متوسط دخل الكوري حسب إحصائيات 2013  يبلغ 24000 دولار.

وبالنظر إلى مصرنا التي كانت تتفوق على كوريا بمئات الدرجات في كل شيء، نجدها قد ظلت تستمع لترهات الحكام ولتعليمات الرباعي المخرّب  حتى قال جهازها المركزي للتعبئة والإحصاء في العام الماضي إن متوسط الدخل السنوي للفرد على مستوى الجمهورية 7 آلاف جنيه، ويرتفع متوسط الدخل في الحضر إلى 8 آلاف جنيه، وفي المقابل ينخفض في الريف إلى 5.8 ألف جنيه.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة المقال