الخميس، 24 مارس، 2016

لماذا ينفخون في رماد " العاصمة الإدارية " حتى يصبح نارًا ؟.






في شهر مارس من العام الماضي احتضنت مدينة شرم الشيخ المؤتمر الاقتصادي الذي بشر المصريين بأنهار العسل واللبن ، كان من أهم ما عرضه المؤتمر عزم الحكومة المصرية على إنشاء عاصمة إدارية جديدة للبلاد .

نحن الشعب فرحنا جدًا وهم يعرضون علينا " ماكيت " العاصمة الجديدة ، الأمور تبدو رائعة جدًا لأن التصميم المبدئي يجمع بين رقي باريس وثراء دبي ( أصبحنا نضرب المثل بدبي ، عادي ) .

الفرح الذي غمر  المصريين لم يكن ساذجًا ولكنه كان مبنيًا على ما سمعوه من أهل الحكم الذين قالوا  ما اختصاره  : إن شركة إماراتية  ستتولى بناء العاصمة وستضخ استمارات لن تقل عن خمسة وأربعين مليار دولار من أجل إتمام المشروع.

ثم جرت تحت الجسور مياه كثيرة ، وطفتْ على السطح خلافات في الرؤى والمنهج بين الحكومة المصرية والشركة الإماراتية ، وقد شاع بين المتابعين أن الشركة الإماراتية كانت تسعى للحصول على الـخمسة وأربعين مليار دولار من البنوك المصرية !!

يعني المشروع هكذا سيكون قائمًا على المثل الشعبي :" من دقنه وافتل له " وعلى شقيقه الآخر :" من قرنه وادهن له ".
رفض المصريون الرؤية الإماراتية ، وذات صباح أعلنت الحكومة المصرية وكانت تحت رئاسة المهندس إبراهيم محلب تأجيل أو تجميد العمل في المشروع .

طبعًا نحن الشعب لا يتحدث معنا أحد لا ساعة التفكير في المشروعات ولا ساعة تنفيذها ولا حين تجميدها ، كل ما يصلنا هو نثار أو غبار كلام يجتهد المهتمون منا في لملمة مبعثراته  ليصنعوا منها جملة مفيدة يجوز النقاش حولها .
إذن توقف العمل في المشروع أو تم تأجيله أو تجميده ، ثم فجأة عادت أخبار العاصمة الإدارية للتصدر عناوين الأخبار .

التوقف عرفنا أو خمنا سببه ، أما العودة  فلو ضربنا الرمل ووشوشنا الودع وقرأنا الفنجان ومعه الكف فلن نعرف سببًا مقنعًا يشرح لنا لمَ كانت العودة السريعة الحاسمة!!.
ما الذي جدَ على الساحة الاقتصادية المصرية يجعل الحكومة قادرة على تنفيذ مشروع عملاق وملياري التكلفة ؟.

الدولار كما نعمل جميعًا يسجل في البنوك أسعارًا فلكية ، ولن نتحدث عن السوق السوداء ، أسعار النفط تتراجع ، المنح والقروض الخليجية توقفت ، القروض العالمية لم تصل بعد ، فمن أين ستمول جماعتنا هذا المشروع ؟

 الأحد 20 مارس  قال اللواء كامل الوزير، رئيس الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة :"  إن مصر تسعى لإنشاء عاصمة إدارية جديدة تفوق فى مستواها ما تم بنائه من عواصم فى العالم، مشيراً إلى أن لجنة من وزارة الإسكان والهيئة الهندسية للقوات المسلحة قامت بزيارة للصين وكازاخستان للوقوف على ما يقومون  به من أعمال فى هذا الصدد والاستفادة من تجارب الدول التى سبقتنا والبناء عليها. وأضاف "الوزير"، فى مؤتمر صحفي عقده مع وزير الإسكان عقب اجتماعهما بقصر الاتحادية مع الرئيس عبد الفتاح السيسى، أن الهيئة الهندسية بدأت إنشاء 210 كم طولي طرق بعرض 120 متراً، حيث يشمل الطريق 6 حارات، 3 فى كل اتجاه وجزيرة خضراء وطريق خدمات من 3 حارات بالإضافة إلى حارة للدراجات، وهى طرق لم تنفذ من قبل فى مصر بل والمنطقة، على حد قوله ".

يعني الموضوع جد والبناء مستمر !! .
 وقد صرح المهندس مصطفى مدبولي وزير الإسكان خلال مداخلة هاتفية ببرنامج "القاهرة اليوم" المذاع على فضائية"اليوم"، أن  تكلفة المرحلة الأولى من المشروع 45 مليار دولار على أن تغطي 135 كم مربعاً ".
ومن ناحيته قال محمد العبار، رئيس شركة إعمار العقارية، التي نفذت برج خليفة: " إن التكلفة الإجمالية لمشروع إنشاء العاصمة الإدارية المصرية  تبلغ نحو 300 مليار دولار ".

الأرقام تصيب أشد الناس اتزانًا بالدوخة من أين ستأتي الحكومة بالتمويل ؟.
لا يحدثني أحد عن تمويل وطني ، ولا عن تمويل من خلال زيادة أسعار الخدمات والمرافق من مياه الشرب إلى تذكرة المترو ، الأرقام المطلوبة فوق هذا بكثير جدًا.

هل نحن في طريقنا إلى دوامة  كالتي ألقى بنا فيها  فيه الخديوي إسماعيل عندما حلم بمصر الأوربية دون أن تكون لديه إمكانيات مادية يحقق بها حلمه فأسرف في الاستدانة والاقتراض حتى كان ما كان من رهن مصر للمرابين الغربيين ؟.
هل عاجل فعلًا ولا يمكن أن ينتظر تنفيذه حتى استقرار أحوالنا الاقتصادية ؟.
هل المصريون بحاجة ملحة إلى مشروع كهذا في توقيت كالذي نعيشه ؟.

مَنْ الذي وسوس لنظام الحكم بأن تخليد ذكره لن يكون إلا بالانخراط في مشروعات كهذا المشروع ؟.
يقينًا هو واحد من شياطين الإنس ، لأنه لو كان ناصحًا أمينًا لقال للرئيس إن العدل هو مشروعه الأهم والأرقى والأطهر .
سيادة الرئيس نحن نريد العدل أولًا والعدل أخيرًا ، لأن العدل وحده هو الذي سيجعلنا نبني كما نشاء ونؤسس كما نحلم ، وبدونه فإن كل مشروع سيبدو وكأنه بيت من الرمال بناه صاحبه على شاطئ بحر فوار ، ما أن تضربه أهون موجة حتى يعود كما كان مجرد حبات رمل .

هامش
محمد بن علي العبار ، عضو المجلس التنفيذي لحكومة دبي وأحد المساعدين الرئيسيين للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.
يشغل مناصب عديدة أخرى منها مدير عام الخليج للاستثمارات ورئيس مجلس إدارة شركة إعمار العقارية .
حصل محمد العبار على شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال عام 1981 من جامعة سياتل بالولايات المتحدة الأمريكية.
هو صاحب فكرة مهرجان دبي للتسوق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة المقال بتاريخ 24 مارس 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق