الأربعاء، 10 فبراير، 2016

نجاة.. إخلاص الهواة وتمكن المحترفين (1 ـ 2 )













الفنانة نجاة تخوض رحلة البحث عن ذات صوتها، لقد تغيرت نبرتها بفعل المراهقة، ولم تعد صغيرة تقف فوق مقعد لكي يراها الجمهور، ثم إنها مهما أتقنت تقليد أم كلثوم ستظل فى موقع الصدى. الأسئلة التى تجاهلها كتاب "نجاة الصغيرة" يبحث حمدى عبد الرحيم عن إجابات لها!

الكتاب: نجاة الصغيرة
المؤلف: رحاب خالد
الناشر: الكرمة، 2016

قال الأستاذ الإمام ابن خلدون فى مقدمته عن الغناء: "هذه الصناعة هى آخر ما يحصل فى العمران من الصنائع، وأول ما ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه".
العمران عند ابن خلدون هو الحضارة فى لغتنا المعاصرة، ومعنى كلامه أن الغناء لا يكون حقًّا إلا بعد أن تستكمل الحضارة بنيانها، ثم إن انهياره وانحطاطه وتراجعه يكون عنوانًا على بدء زوال الحضارة.

تلك المعاني الخطيرة التى أكد عليها الأستاذ الإمام، جمعتها ووضعتها تحت عينيها الكاتبة الأستاذة رحاب خالد عبر صفحات كتابها "نجاة الصغيرة".

لا أعرف عن رحاب سوى أنها حاصلة على ليسانس فى الآداب من قسم الإعلام بجامعة عين شمس، وتعمل باحثة إعلامية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء.
تقول بيانات كتابها إنه من منشورات دار الكرمة، تصميمه الداخلي للفنان "عمرو الكفراوي" وتصميم غلافه للفنان "أسامة علام" وخطوط غلافه لشيخ الخطاطين "محمود إبراهيم".

ثم تضيف البيانات أن الكتاب هو: "أول سيرة شاملة وموثوقة تتناول حياة نجاة، ويحتوى على أكثر من 270 صورة نادرة بالأبيض والأسود وبالألوان، إضافة إلى ثبت كامل ومفصل بجميع أعمالها الغنائية والسينمائية، ويباع الكتاب بمائة وثمانين جنيهًا".

نجاة ثمانون سنة، بينما رحاب شابة، فما الذى أغراها باحتمال وعثاء النبش فى التواريخ القديمة؟
ربما كان ابن خلدون قد سرَّب لخاطرها معناه الخطير عن الحضارة والغناء، وربما كانت مولعة برائحة حبر الجرائد والمجلات القديمة وشغوفة بالصور الأبيض والأسود، وربما هو الحظ الحسن لنجاة، وقد أسندت ظهرها إلى حائط الظل، فجاءت رحاب لتعيدها إلى بؤرة الضوء، وكل تلك التخمينات لا تنفى الأمر الأكيد الذى هو حب رحاب للغناء وحبها لصوت نجاة خاصة.

سنقرأ معًا الكتاب فقد نجد الإجابة.
بدايةً أسجل أن الكتاب لم تكتبه نجاة عن نفسها حتى يقال إنه سيرة، رحاب خالد هى التى كتبت عن نجاة، ولذا فإن التسمية الصحيحة التى لا تهدر دلالة الألفاظ على المعاني هى "ترجمة".
بدأت رحاب كتابها من تلك اللحظة التى برع فيها "محمد حسنى" السوري المولد، فى فن الخط العربي واستماعه لنصيحة أحد شيوخه بأن يجرب حظه خارج نطاق الشام فجاء إلى القاهرة فى العام 1912.

وقد رأيت أنا فى بيت الكاتبة الأستاذة صافى ناز كاظم مصحفًا شريفًا من خط محمد حسنى الذى كان منافسًا لوالدها شيخ فن الخط العربي الأستاذ "محمد إبراهيم كاظم".

محمد حسنى هذا ستولد له نجاة فى يوم الثلاثاء الحادي عشر من أغسطس من العام 1936.

هذا الرجل كان له خلق عجيب، فهو فنان خط لا يشق له غبار، ثم هو مزواج مطلاق كثير العيال، ثم هو يعتنق فى حياته رأيًا يبدو شاذًّا إذ لا يلحق أولاده بالتعليم النظامي بزعم أن التعليم النظامي يفسد الموهبة!

ليت رحاب توقفت طويلًا عند الرجل وتقصت آراءه وخلقه، وكنتُ سأضمن لها أنها لن تغادر موضوعها الرئيسي عن نجاة، بل كانت ستثرى قاعدة كتابها وتُغْنى نقطة انطلاقه، ولكنها فضلت إلقاء نظرة طائرة على حياة الرجل، الذى نعرف عنه من الشائعات أكثر مما نعرف من الحقائق.

كم تزوج؟ كم طلق؟ كم له من الأولاد والبنات؟ هل كان بخيلًا أم كريمًا؟ لماذا ضاقت به نجاة حتى هجرته وهى فى بدايتها الأولى؟

هل كان يستنزف صوتها من أجل الحصول على المزيد من مكاسب غنائها؟ هل حقًّا كان يسقيها الخل لكي تظل ضامرة صغيرة؟

ليت رحاب توقفت، ولكنها انطلقت "لـتترجم" لنجاة التى غنت قبل أن تتكلم.

كانت نجاة شأن الأطفال تغنى دائمًا فى بيت أبيها، وذات مرة أنصت إليها شقيقها عز الدين، فوجدها لا تخرج عن اللحن الذى تترنم به.
عز الدين هذا هو الوحيد بين آل حسنى الذى عرف التعليم النظامي فالتحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية وأصبح فيما بعد ملحنًا يشار إليه بالبنان.

غير عز هناك سامي محمد حسنى (خمس سنوات) وهو يجيد العزف على الكمان والرق، ومعه فاروق يعزف على القانون والعود ويجيد الرسم، ومعهما سميرة (تسع سنوات) وهى تجيد العزف على القانون والعود والكمنجة، ومن هؤلاء جميعًا وبقيادة الكبير عز (أربع عشرة سنة) تألف أول تخت للمطربة نجاة الصغيرة (ست سنوات).

فأي رجل كان محمد حسنى السوري؟
عز طالب معهد الموسيقى قدم شقيقته إلى مصطفى بك رضا رئيس المعهد، ولأن زمانهم كان غير زماننا فقد قدمها مصطفى بك لتكون مطربة إحدى سهرات المعهد. وقفت نجاة أمام تختها المكون من أشقائها وغنت من ألحان شقيقها عز ومن كلمات محمد عرابي أولى أغنياتها "غنى يا كروان".

جمهور الحضور سيسعد بتلك المعجزة الصغيرة، والإذاعة ستبث الحفل، ثم ماذا؟
فى تلك السنوات الفاصلة بين عامي 1942 و 1955، ستبرع الكاتبة رحاب خالد فى حشد أدق التفاصيل المحيطة بعالم الطفلة ثم المراهقة نجاة.

نجاة لا تعرف من القراءة والكتابة إلا رسم وأصوات حروف الهجاء، الأب كما أسلفنا لا يؤمن بالدراسة النظامية، نجاة تضع الحرف بجوار أخيه حتى تؤلف كلمة، والكلمة بجوار أختها حتى تؤلف جملة، لقد علمت نفسها بنفسها بدأب وصبر النمل.
تتعلم العربية بمجهودها الفردي وتتعلم الإنجليزية بمساعدة مدرسة، وتتنفس الغناء، وليس ثمة غناء إلا أغنيات وقصائد السيدة أم كلثوم.

لقد استمعنا نحن المتأخرين إلى أم كلثوم وهى قريبة من السبعين تغنى "حكم علينا الهوى" وكان صوتها جبارًا عفيًّا، فكيف كان صوتها وهى فى الثلاثين أو الأربعين؟
مَنْ الذى قذف بنجاة النحيلة الناحلة فى أتون تلك التجربة الحارقة؟

كانت هناك أصوات كثيرة جميلة تستطيع نجاة أن تهتدي بها، فلماذا اختارت أم كلثوم على وجه التحديد؟
الذى ذكرته الأستاذة رحاب خالد يقول ملخصه إن الإنسان مفطور على اختيار الأجمل!

هنا كان يجب على رحاب أن تسأل نجاة نفسها عن سر الاختيار المهلك.
عمومًا مضت حياة نجاة بين حفلات النوادي والأفراح لا تغنى سوى أغنيات أم كلثوم العامي منها والفصيح، وقد ذاع صيتها فسمعها عبد الوهاب وشجعها، وسمعها أكابر الموسيقيين وأهل الاختصاص الذين أزعجهم كثرة سهرها وغنائها فراحوا يطالبون فى مقالات لافتة بأن تكف البنت عن الغناء حتى تستقيم حنجرتها فلا تفسد قبل أوان النضج والإثمار، بل ذهب بعضهم إلى ضرورة مقاضاة أبيها الذى لم يكن يرد يد طالب، فمرة حفلة بمائة جنيه ومرة حفلة بخمسة عشر جنيهًا.

كانت نجاة تستنفد قدراتها الطفلة فى تقليد أم كلثوم بداية من المنديل ونهاية بالتطريب، حتى جاءت ليلة وسمعتها أم كلثوم بنفسها وهى تغنى "غلبت أصالح فى روحي" فشجعتها حتى إنها قبَّلتها وأجلستها على حجرها.

منذ البداية وإلى يوم الناس هذا، ومصر تفتقر إلى مديري المواهب، لو كان لدينا مدير مواهب لوصلنا أنقى تسجيل لأعظم صوت رتل القرآن، أعنى الشيخ الإمام محمد رفعت، ولكن...

عبد الوهاب كان محظوظًا بصحبة شوقي بك، وأم كلثوم كانت تحت رعاية والدها ولكن نجاة كانت تقاتل على كل الجبهات بمفردها.

فى تلك السنوات غنت كثيرًا، بل غنت دائمًا، أكثر الأغنيات كانت تقليدًا لأم كلثوم وأقلها كانت أغنيات باهتة لم تترك أثرًا يذكر.
تجرأت نجاة وطلبت لحنًا خاصًا من الأستاذ عبد الوهاب ولكنه صرفها بلباقة ولطف، عبد الوهاب لا يتحمل مسئولية انطلاق صوت، هو رجل الخطوة الثانية، ينتظر حتى يلمع الصوت فيدخله إلى صومعته، فعل ذلك بداية من عبد الحليم ونهاية بإيمان الطوخي، ثم تجرأت نجاة وطلبت من الأستاذ رامي كلمات خاصة فنهرها والدها بزعم أنها ما تزال صغيرة!
نجاة بمفردها تخوض رحلة البحث عن ذات صوتها، لقد تغيرت نبرتها بفعل المراهقة، ولم تعد صغيرة تقف فوق مقعد لكي يراها الجمهور، ثم إنها مهما أتقنت تقليد أم كلثوم ستظل فى موقع الصدى، هى تريد أن تكون الصوت لا الصدى ولكن كيف يكون ذلك والأب مسيطر متحكم؟

عز الدين كان قد استقل بمعيشة منفردة، فهربت إليه شقيقته نجاة لا تحمل سوى حلمها وملابسها.

ذلك الهروب من الرجل ستعيده نجاة مع زوجها "كمال منسي" سيعود الزوج يومًا فلا يجد زوجته نجاة ولا ابنه منها وليد!
كان واجبًا على الكاتبة رحاب خالد أن تتقصى هذا الهروب، ليس من باب التفتيش فى خصوصيات الناس ولكن من أجل صورة محكمة لصوت سوف يملأ الدنيا ويشغل الناس.

فى مثل تلك النقاط الحساسة يتقدم علينا كُتَّاب الغرب، الذين يشرِّحون الشخصية التى يتناولونها ولا يفلتون كبيرة ولا صغيرة، ولكن نحن نتجه دائمًا إلى تناول احتفائي لا يغضب أحدًا، فبعد زواج نجاة من كمال منسي وطلاقها منه لم تذكر رحاب رجلًا دخل حياة نجاة، على أى صعيد كان وجوده!
كيف سجلت رحاب خالد سنوات نجاة الصعبة، وهى تلك السنوات الفاصلة بين عام انطلاقها الأول 1942 وعام بزوغها 1955؟

رحاب جادة محبة، والجدية والمحبة شرطان لازمان لكي يصبر الكاتب على جمع مادته من مظانِّها، رحاب لم تترك جريدة ولا مجلة ولا صورة إلا وهرعت إليها لتوثق لكتابها، هذا صبر كأنه صبر الجمال على عطش الصحراء، ثم إن رحاب ذكية تكتفي فى النقاط الشائكة بأن ترسل لقارئها بضوء شمعة أو عود ثقاب وعليه هو أن يكمل طريقه فى القراءة معتمدًا على ضوئه الخاص فى الفهم والتلقي ، ومن ذلك أنها لم تفسح المجال لذكر ما كان بين عبد الحليم حافظ ونجاة من مشاعر تكاد تصل إلى حد البغضاء!

رأيتُ أنا تسجيلًا لعبد الحليم مع "طارق حبيب" يقول فيه عبد الحليم: إن مخارج حروف نجاة ضائعة!
وتلك فرية من عبد الحليم تكذبها آذان السنباطي وعبد الوهاب ومحمود الشريف والموجي والطويل وبليغ الذين لحنوا لنجاة القصائد الفصيحة والعامية، والذين لو أحسوا بضياع مخارج حروفها ما عملوا معها بذلك الشغف المشهود.

وثمة شهادات سلبية أخرى شهدها عبد الحليم ضد نجاة، أجزم بأن رحاب قد وقعت عليها، ولكنها فضلت ألا تعكر صفاء سردها بتلك الأشياء فراحت فى ذكاء ترسم صورة لمنافسة محمومة اشتعلت بين نجاة وعبد الحليم، كان عبد الوهاب قد اعتزل الغناء فى الحفلات العامة وكذا ليلى مراد وكانت أم كلثوم فوق أن ينافسها أحد وفوق أن يضمها سياق جملة مع أحد، فلم يعد باقيًا إلا عبد الحليم ونجاة بوصفهما صوتي شباب تلك المرحلة.

ومن النقاط التى كان يجب على رحاب أن تتوقف عندها، طبيعة علاقة نجاة بأختها سعاد حسنى، ليس فى الكتاب سوى أن سعاد كانت تقدر أختها نجاة، وترى أن صوت نجاة فى السماء بينما صوتها هى سعاد فى الأرض، وكانت سعاد تقدم حفلات نجاة العامة وتظهر فى صور كثيرة وهى تداعب ابن أختها وليد.

ثمة شهادات كثيرة عن العلاقة المرتبكة الملتبسة التى كانت بين الأختين، كان يجب على رحاب أن تناقشها وتنفيها أو تؤكدها، خاصة وكتابها هو أول كتاب جاد يتناول رحلة نجاة، وسيصير عما قليل مرجعًا وعمدة لكتب ستكتب فى يوم ما عن نجاة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر بمجلة عالم الكتاب عدد شهر ديسمبر 2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق