الأحد، 2 أغسطس، 2015

دم الكفار







فى زمن دراستى الثانوية ذهبت إلى مكتبة عامة لاستعارة كتاب، كان أمين المكتبة مشغولا بتلبية طلب أحد المترددين، فجلست أنتظر، جاءت جلستى بجوار شاب يكبرنى بعشر سنوات، كان طويلا عريضا، أو بتعبير الشيخ عبد العزيز البشرى «كانت قارة مترامية الأطراف!! وفوق طوله وعرضه كان يطلق لحيته بحيث تفيض على صدره».


هو حر طبعا فى كل ذلك، إضافة إلى أن ضخامة تكوينه منحة من الله، فقد زاده تعالى بسطة فى الجسم، وإن كان هو قد رد على نعمة الله بنقمة أصاب بها هو نفسه.

كان الشاب الذى يرتدى الجلباب الباكستانى ناصع البياض بوصفه الزى الإسلامى، يستغفر الله مرة ثم يبصق على جلبابه بصقة!


أعتذر والله، لأننى أكتب هذا الذى أكتبه والناس فى صيام رمضان، ولكن هذا ما وقع أمامى منذ سنوات بعيدة لكنه لم يبرح ذاكرتى، تأملت وجه الشاب فرأيت ملامحه طبيعية جدا، يعنى لا مرض هناك يبرر عفوا البصق المتتالى على جلبابه.


أنقذنى الله بمجىء رجل صالح لم يمهل الشاب يكرر بصاقه أمامه حتى صرخ فى وجهه: «كف عن هذا القرف».


فرد الشاب على صرخة الرجل بهدوء: «هذا ليس قرفا، إنها سنة عن الرسول».


كدت أموت رعبا من جراءة الشاب على الرسول، من قال إن الرسول سيد كل جميل وسيد كل نظيف وسيد كل مليح كان هذا خلقه وكان هذا القرف عادة له؟


الرجل الصالح نظر إلى الشاب نظرة كأنه يقول له: «أهلا، هو أنت من همه؟».


جلس الرجل الصالح فى مواجهة الشاب وقال له:


«هات دليلك على أن الرسول كان يفعل كما تفعل»، قال الشاب بثقة:

«عن أبى أُمامةَ بنِ ثعلبةَ الأنصارىّ قال: ذَكَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يَوْما عِنْدَهُ الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم:


أَلَا تَسْمَعُونَ؟ أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ الْبَذَاذَةَ مِنْ الْإِيمَان، إِنَّ الْبَذَاذَةَ مِنْ الْإِيمَانِ».


ضحك الرجل الصالح من قلبه وقال للشاب:


البذاذة وليس الوساخة، البذاذة هى التواضع فى الثياب، وما فهمته أنت من الحديث لا علاقة له بالحديث ولا علاقة له بالإيمان.


كانت تلك الواقعة هى أغرب واقعة رأيتها فى حياتى، حتى جاء اليوم الثانى من شهرنا هذا وفيه كتب الدكتور عبد الله جريشة، وهو طبيب مصرى مقيم بألمانيا على حسابه الخاص بـ«فيسبوك» ما نصه:


«النهارده كان عندى واحدة ست سورية من اللاجئين السوريين ولدت إمبارح ونزفت كتير فى الولادة، فالنهارده لما كشفت عليها قلتلها إنتى حالتك وحشه ومحتاجة نقل دم.


قالت لى أوك.

لما الدم وصل وجاى أديهولها لقيتها بتقولى: يا دكتور هوا ده دم ألمانى؟


أنا استغربت من السؤال بس رديت عليها بضحك قلتلها: آه دم ألمانى نضيف وفخم.


لقيتها بتقولى: يبقى مش هينفع آخده يا دكتور.

قلتلها: ليه؟!


قالت لى: ده دم كفار، ولو أخدته هيختلط بدمى المسلم... حرام آخده يا دكتور.


أنا وقفت متنح قدمها كده وأنا عاجز عن الكلام ومش عارف أرد أقولها إيه، قلتلها: أنا بصراحة عمرى ما مر عليا كلام أو مناقشة زى دى، بس اللى أقدر أقولهولك إنك لو ما أخدتيش الدم بتاع الكفار ده مش هتعرفى لا تتكلمى ولا تتناقشى معايا كمان شوية».



لا النقاش كان سيجدى من الشاب الأول، ولا أراه سيجدى مع الشابة الثانية، كل ما أعرفه أن الظلام مخيم منذ سنوات قد تتواصل، اللهم رحمتك.
_____________________
نشر المقال بجريدة التحرير بتاريخ 8 يوليو 2015
لينك المقال:http://www.tahrirnews.com/posts/251748

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق