الأحد، 9 أغسطس، 2015

مصطفى عبد الرازق.. البركان الهادئ







ابن الذوات، وتلميذ الإمام محمد عبده، والمدافع عن أم كلثوم، ومترجم كتاب الإمام الشافعى إلى الفرنسية.


بعد رحيل فضيلة الشيخ مصطفى عبد الرازق، بخمسين سنة، ستقدم المخرجة إنعام محمد على والكاتب محفوظ عبد الرحمن مسلسلا تليفزيونيا عن حياة أم كلثوم، وسيندهش كثيرون عندما يجدون شيخا من أكابر المشايخ يرعى أم كلثوم ويحفظها وأسرتها فى دار غربتها.


المشاهد القليلة التى سيظهر فيها الشيخ مصطفى عبد الرازق ستكون كافية لأن تزيح عن اسمه ترابا متراكما.


يقول الكاتب الأستاذ ياسر الغريب: «عانت أم كلثوم خصوصا فى بدايتها، حيث وجدت بعد بروز نجمها عداوات كبيرة وصعوبات كادت تقضى عليها فنيا، حتى تأهبت لمغادرة القاهرة يائسة مع والدها الشيخ إبراهيم إلى قريتها، لولا ظهور الشيخ مصطفى عبد الرازق الذى فتح لها ولأسرتها أبواب بيته الذى وجدت فيه الدفء الأسرى والتشجيع والمساندة‏.‏ ويقال إن الشيخ مصطفى عبد الرازق كتب بعض المقالات فى الدفاع عن أم كلثوم، حيث كان يحرر باب النقد الفنى بجريدة السياسة‏ من دون أن يوقع اسمه، فكان يكتفى بالتوقيع بثلاث نقاط فقط».


وقف الشيخ الإمام مصطفى عبد الرازق مع أم كلثوم فى شبابها، لترد إليه الوقفة بعد موتهما جميعا، فسبحان مقسم الحظوظ والأرزاق.


عن البداية الأولى لحياة الشيخ مصطفى يقول شقيقه الشيخ على عبد الرازق: «لا يعرف يوم مولده ولا شهره ولا سنته على وجه القطع واليقين، ولكن باستقراء الأحداث نرجح أن مولده كان فى عام 1885».


سبحان الله هذان شقيقان، يكتب واحد، وهو علىّ، كتيبا يحمل عنوان «الإسلام وأصول الحكم»، فيحوز به شهرة دائمة، ثم يناضل الثانى حتى يصل إلى مشيخة الأزهر وحيازة لقب الإمام الأكبر، ومع ذلك لا تسمع لاسمه ذكرا.


عائلة الشيخ مصطفى ليس كغيرها من العائلات، إنها عائلة صعيدية عريقة جدا وثرية جدا، قالوا إن الأطيان التى كانت تحت يد أسرته بلغت سبعة آلاف فدان!


الأب حسن بن أحمد بن محمد بن عبد الرازق قضى فى تلقى التعليم بالأزهر نحو ثمانى سنوات من عمره، ثم عاد من القاهرة إلى قريته أبو جرج بمركز بنى مزار بمحافظة المنى.


هذا الأب سيكون عضوا بارزا فى حزب الأمة، وهذا الحزب وفق الرؤية الحالية، هو حزب النخبة المصرية، التى رأت أن عرابى وثورته كانا فشلا مصريا يجب أن لا يتكرر، وعلى ذلك فيجب إصلاح النظام من داخله وبهدوء، لأن المصريين ليس لهم طاقة على الثورة!


آل عبد الرازق وبخاصة الشيخ علىّ سيرون أن حزب الأمة هو الحزب الوسطى الذى لن يأخذ المصريين يسارا ولن يرمى بهم يمينا!


هذا المناخ الذى لن نكون مبالغين عندما نصفه بالمترف سيفرغ الشيخ مصطفى للعلم. المال موجود بكثرة، والأب ذو هيبة ومكانة، والأزهر هو مدرسة العائلة مذ كانت.


بعد الكُتاب وحفظ القرآن غادر مصطفى المنيا إلى القاهرة لكى يلتحق بالأزهر، كان فى الحادية عشرة من عمره عندما التحق بالأزهر، ولكنه ما كاد يلتزم فى الدراسة، حتى أصيب بالتهاب رئوى حاد سيجعله يخشى المرض ما بقى له من عمر، وسيؤخر دراسته لفترة طالت لشهور.


بعد سنته الأولى فى الدراسة الأزهرية وفى الإجازة الصيفية كان والده، وهو أزهرى قديم، يراجع معه أهم الكتب، وينفقان الساعات الطوال فى دراسة شعر المتنبى، وهو الأمر الذى سيفتح باب الأدب للشيخ مصطفى.


وفى تلك الإجازات كان مصطفى يدرس مجلة خاصة بالأسرة، كان يحررها منفردا، وكانت الأسرة تتابع أعدادها بشغف، ثم أنشأ لشباب عائلته جمعية «غرس الفضائل»، كان أفراد العائلة يتناوبون الخطابة فى اجتماعات الجمعية التى تعقد مساء الجمعة من كل أسبوع.


وفى الأزهر سيكون من شيوخه الشيخ حسنين البولاقى وهو والد رجل القصر الداهية أحمد حسنين باشا، ومن شيوخه أيضا أبو الفضل الجيزاوى والشيخ بسيونى عسل، أما الشيخ صاحب الأثر والتأثير فكان الشيخ الإمام محمد عبده، الذى صاحبه مصطفى من أول يوم تتلمذ فيه عليه حتى رحل الشيخ إلى رحمة الله.


الشيخ ابن العائلة العريقة الثرية وابن تجربة هزيمة ثورة عرابى والخائف من المرض، وقد جربه فى صباه، وصاحب الحساسية الخاصة تجاه الفن، كل تلك العوامل ستتكاتف على أن تخرج لنا الشيخ الوسيم متى أطل، الهادئ متى تكلم، التدفق الحار متى كتب.


الأمة الآن واقعة تحت الاحتلال البريطانى وثورتها قد تفتتت، بل عن بعض الثوار قد ندم على ثورته واستنكرها وتخلى عنها، الأزهر فى القلب من أزمة الأمة، الشيخ الإمام محمد عبده يريد أن يلعب الأزهر دوره المنتظر منه، فى إيقاظ الأمة وتنويرها، وهذا لن يكون سوى بتجديد الأزهر تجديدا شاملا يرقى إلى درجة نسف القديم، وذلك القديم له شيعته المستفيدون من بقاء الحال على ما هو عليه، ولذا يحاربون الشيخ الإمام بل يكفره بعضهم!


علاقة التلميذ بأستاذه ليس كغيرها، إنها علاقة حب، يرى التلميذ السيوف وهى تنحر أستاذه فيتألم كأنها تنحره هو.

ثم تكون قاصمة الظهر عندما يرحل الشيخ الإمام محمد عبده فى عام 1905 وبعده بأقل من عامين يرحل والد الشيخ وراعيه.


تضيق دنيا الشيخ مصطفى، فلم يعد له بمصر أب ولا شيخ، كما أن الأزهر لم يعد يقدم لأمثاله ما يحتاجونه من علم، فيقرر السفر إلى فرنسا لاستكمال تعليمه، ولكى يرى دنيا الشعوب المتقدمة التى تحتل بلاد أمتيه العربية والإسلامية.


الشيخ ليس ابن فقراء كطه حسين، وليس مبهورا بالغرب كرفاعة الطهطاوى، إنه ابن الثراء، ولذا لا تلمح فى ما كتبه عن إقامته فى فرنسا ظلال تجربة الرجلين ولا ملامحها.


من الواضح أنه كان على معرفة بالفرنسية قبل سفره، لأنه لم يكن قد مضى على إقامته فى فرنسا سوى القليل حتى بدأ يحاضر فى جامعة ليون عن الأدب العربى، بل قام بترجمة رسالة الإمام الشافعى إلى الفرنسية، وهو نفسه كان شافعى المذهب، وكان وفيا جدا لعلم وذكرى الإمام الشافعى فى غير تعصب ولا حماسة زائدة.


الأقدار المعاكسة كانت لمصطفى بالمرصاد، فما إن بدأ نجمه يلمع فى الأوساط الفرنسية حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى، فلم يتم دراسته وعاد إلى مصر التى كانت بريطانيا قد أعلنت وقوعها تحت حمايتها وقامت بعزل الخديو عباس حلمى الثانى، وعينت مكانه الأمير حسن كامل، وجعلته سلطانا على البلاد، وتلك الأحداث اهتزت لها مصر، وحاولت نخبتها التعبير عن فداحتها، لكن سلطات الاحتلال منعتهم. الشيخ مصطفى أنشأ مجلة فى مايو 1915، مجله «السفور»، لتحمل أفكاره وأفكار أقرانه، لكن معارضيه كانوا كثرا، وعابوا على المجلة كل شىء، بداية من اسمها «السفور»، وراحوا يشنون حملة ضدها، وقد نجحت حملتهم فى إيقاف المجلة!


ثم جرت فى نهر حياته مياه كثيرة، فقد كتب الكثير وتولى المناصب المهمة خلال تلك الفترة، فعلى سبيل المثال عمل موظفا فى المجلس الأعلى للأزهر، ثم مفتشا بالمحاكم الشرعية، ثم عين أستاذا مساعدا للفلسفة الإسلامية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا)، ثم أصبح أستاذ كرسى فى الفلسفة، ثم حصل على رتبة الباشوية وعمل وزيرا للأوقاف.


وكتب كتابه «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية»، وكتاب «فيلسوف العرب والمعلم الثانى».


ودراسة عن البهاء زهير الشاعر المعروف.

وكتاب «الإمام الشافعى».

وأصدر كتاب «الدين والوحى والإسلام».

ونشر كتابه عن محمد عبده وسيرته.

كما قام بترجمة «رسالة التوحيد» لمحمد عبده إلى الفرنسية.



ثم حدث أن عاد إلى الأزهر لكى يتولى المشيخة، ولكن معارضيه وقفوا أمام توليه هذا المنصب الكبير، بحجة أنه ليس من هيئة كبار العلماء ولم يدرس فى الأزهر، فقام البرلمان بتعديل قانون المشيخة لكى يتمكن الشيخ مصطفى من المنصب، وبالفعل أصبح شيخا للأزهر، لكنه لم يقدم الجديد المنتظر، لأن جبهة معارضيه كانت قوية جدا، فلم يمكث فى منصبه سوى عام واحد، ثم رحل بعده مباشرة فى عام 1947. رحل بعد أن ترك مقولته التى تستحق أن تسجل بماء الذهب: «إن الذين يخدمون الحرية الفكرية هم خدام الحق وأنصاره، فإن العقول المستعبدة لا تسمو إلى جلال الحقيقة وجمالها».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال بجريدة التحرير فى 14 يوليو 2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق