الخميس، 7 نوفمبر، 2013

حكومة ما لذ وطاب





عندما كانت للأمسيات معنى، كانت جماعة من شباب الصحفيين والكُتاب تحرص على الجلوس مساء كل ثلاثاء بين يدىّ الكاتب الأستاذ محمد مستجاب «رحمه الله»، كان مستجاب يلقى علينا دروس الحياة، ويعلمنا فنون الصعلكة ببساطته التى لا نظير لها. ذات مساء كان غاضبًا ومعتصمًا بالصمت على غير عادته، وبعد نجاحنا فى حل عقدة لسانه، زفر غضبه ثم قال: «إياكم والتعاطف مع تلاميذ مدرسة ما لذ وطاب، بل إياكم وقراءة أعمال هؤلاء التلاميذ أصلًا».


لم يتركنا مستجاب ندخل أنفاق التخمين المعتمة، لأنه واصل كلامه قائلًا: «الواحد من هؤلاء يريد مثلًا كتابة مشهد بطله جندى قادم من إجازة أمضاها فى قريته الصعيدية، طبعًا الجندى لا بد أن يحمل معه طعامًا من مطبخ أمه، ولأن كاتبنا البليد لا يعرف شيئًا عن طعام الصعايدة يتخلص من المشهد بجملة عبثية: (وفتح الجندى حقيبة سفره ليخرج لزملائه ما لذ وطاب من الطعام)».

يسلط مستجاب عينيه على وجوهنا ويقول: «لو كان البعيد فالحًا لعرف أن ما لذ وطاب من طعام قرية أسيوطية سيكون مغايرًا لما لذ وطاب من طعام قرية أسوانية، لكن ماذا نفعل وكله عند العرب صابون، وكله عند الكُتاب البلداء ما لذ وطاب؟».

ضحكنا جميعًا، لكن مستجاب لم يضحك، إذ استولت عليه رغبة عارمة فى فضح تلاميذ هذه المدرسة فقال: «إحداهن وهى تشبه جاموسة بيضاء»، كتبتْ: «شكرًا لك يا حبيبى لقد أهديتنى زهورًا ريفية». يضحك مستجاب ويعلق: «بربكم هل يعرف أحدكم ما هذه الزهور الريفية؟ لقد هاتفتُ تلك التى تزعم نفسها كاتبة وسألتها عن الزهور الريفية التى أهداها حبيبها لها فصمتتْ قليلًا قبل أن تجيب: (والله يا أستاذ محمد كان فى ذهنى وصف زهور الصفصاف). يصرخ مستجاب: (يا خلق الله هل شجر الصفصاف أصبح مزهرًا من خلف ظهورنا نحن الذين زرعناه مذ كانت الترع والقنوات؟)».

ثم ختم أديبنا الراحل كلامه قائلًا: «إذ رأيتم الكاتب يُجِمّل ما يجب تفصيله فاعلموا أنكم، أمام واحد من تلاميذ مدرسة ما لذ وطاب».

ما الذى دفع بذكرى أمسية مستجاب إلى سطح ذاكرتى؟

إنها حكومة الدكتور الببلاوى، بأمنها وإعلامها واقتصادها. لقد أقسمت حكومة الببلاوى أنها ستتصدى لشر عصابة حسن البنا، أقسمت هكذا فى المطلق دون تفصيل خطة وتحديد خارطة.

انظر إلى تلك الحكومة، وهى تواجه الكوارث التى تقترفها عصابة الشر فى حق الوطن، لقد ألقت الحكومة القبض على قيادات العصابة، ثم نامت مطمئنة هادئة البال قريرة العين محتمية فى شعبية جارفة يستحوذ عليها رجل واحد من وزرائها هو وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسى!

بطريقة ما لذ وطاب تعالج الحكومة الملف المتفجر لعصابة الشر تلك، ففى الوقت الذى يمرح فيه طلاب العصابة فى أرجاء الجامعات المصرية، معطلين الدراسة ومزعزعين الأمن نجد الحكومة تفكر فى طرح قوانين للحد من العمل السياسى بداخل الجامعة!

وفى وقت تستخدم فيه العصابة أفكارها التكفيرية وأسلحتها الثقيلة فى القتل العشوائى لجماهير الشعب، هادفةً إلى حسم صراع سياسى بقوة السلاح، نرى الحكومة لا تقف موقفًا جادًا وواضحًا من التسريبات المتتالية عن مصالحة تاريخية يجرى إعدادها على نار هادئة.

إن أسبوعًا واحدًا أمضيته مع عائلتى فى مركز القوصية بمحافظة أسيوط جعلنى أرى القاهرة بمساوئها جنة الله على أرضه قياسًا بما يعانيه أهلى من غياب يكاد يكون كاملًا للخدمات التى يجب على أى حكومة تقديمها لمواطنيها، فلا أمن ولا طرق ولا مواصلات ولا سماد للزراعة ولا علف للمواشى، بل إن وصول الجرائد للموزع يعتمد على الحظ والفأل الحسن، يجرى كل هذا فى منطقة هى الأولى برعاية الحكومة التى يبدو أنها لا ترى الظلم التاريخى الذى جثم على قلب الصعيد بمختلف محافظاته على مدار سنوات حكم المخلوع مبارك، إن منهج ما لذ وطاب الذى تعتمد الحكومة عليه لن يحصد ثماره إلا عصابة الشر التى لا تزال تبث سمومها فى ربوع الصعيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير 31 أكتوبر 2013
لينك المقال بموقع التحرير:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق