الاثنين، 11 ديسمبر 2017

حسين مؤنس ... لو يُطاع لعالمٍ أمر




كان جذيمة الأبرش أحد ملوك العرب  في الجاهلية، وكان له حليف اسمه "قصير" وذات يوم قال جذيمة لقصير إن الملكة "الزّباء" تريد الزواج مني فما رأيك يا حليفي وصديقي؟
فقال قصير: أرى أن الأمر خدعة فلا تذهب إليها ولا توافق على عرضها ولا تغفل أبدًا عن أنك قد قتلت أباها.
جماعة المنتفعين حول سيدنا الملك زينت له الأمر من ألفه إلى يائه، بل تبرع بعضهم وخاض في قصير عدو النجاح بل وعدو الوطن الذي لا يريد الخير لمولانا وسيدنا جلالة الملك.
ذهب صاحب الجلالة جذيمة الأبرش بصحبة موكبه من جماعة المنتفعين إلى العروس الملكية، وقبل أن يبدأ أي شيء كان جذيمة قد لقى حتفه في زحام موكب الاستقبال الملكي الذي أعدته له العروس الملكية!
وهنا تنهد الناصح الأمين قصير وقال جملته الخالدة التي أصبحت   مثلا: "لو يطاع لقصير أمر".
قصيرنا الأمين الذي نتناول اليسير من سيرته هو العالم الجليل حسين مؤنس.

البداية
تقول وكيبيديا إن حسين مؤنس قد ولد في مدينة السويس في 4 رمضان 1329 هـ الموافق 28 أغسطس 1911م. نشأ في أسرة كريمة، وتعهده أبوه بالتربية والتعليم، فشب محبًا للعلم، مفطورًا على التفوق والصدارة، حتى إذا نال الشهادة الثانوية في التاسعة عشرة من عمره جذبته إليها كلية الآداب بمن كان فيها من أعلام النهضة الأدبية والفكرية، والتحق بقسم التاريخ، ولفت بجده ودأبه في البحث أنظار أساتذته، وتخرج سنة 1934.

نقف هنا وقفة قصيرة قبل أن نمضي في تقديم التعريف بعالمنا الأستاذ الدكتور حسين مؤنس.
من هو والد مؤنس؟
ولا كلمة عن هذا الرجل العظيم الذي سيقدم لنا عالمًا جليلًا، ثم هو رجل عظيم لأنه كان حريصًا علي تعليم أبنائه ذكورًا وإناثًا قبل أكثر من سبعين سنة وهذا أمر كان غريبًا وعجيبًا جدًا في ذلك الزمان.
إن الدكتورة منى مؤنس أستاذ الأدب الانجليزي بالجامعة المصرية، كريمة عالمنا الأستاذ حسين تقول إن أباها كانت له شقيقتان، إحداهما كانت تدرس الأدب الإنجليزي والثانية كانت حاصلة علي الثانوية، وهذا الكلام كان قبل ثورة يوليو بزمن بعيد، حرص الجد علي تعليم أولاده لم يشفع له لدي الذين ترجموا  للأستاذ حسين فلم يكتبوا شيئًا عن أبيه الذي تعهده بالرعاية والعناية حتى سلمه لنا عالما فذًا. 

  بعد حصول  حسين مؤنس على ليسانس الآداب (لاحظ إنه كان متفوقًا جدًا) جرى تعيينه في وظيفة  فني مكتبة بالجامعة !!
هو بنفسه وصف العمل بأنه أقرب إلي عمل الفراش فرفضه وعمل مترجمًا عن الفرنسية ببنك التسليف، حتى سأل عنه أستاذه العالم الجليل عبد الحميد العبادي، فعرف أنه يعمل مترجمًا في بنك التسليف فاستدعاه وعرض عليه أن يعمل سكرتيرًا بالجامعة للعالم الأستاذ عبد الرازق السنهوري، وقبل مؤنس فورًا عرض العبادي رغم أنه سيخسر أربعة جنيهات شهريًا هى الفارق بين راتبه من الجامعة وراتبه من بنك التسليف، والسطور التي كتبها الأستاذ مؤنس عن السنهوري تستحق أن تكتب بالذهب، إنه يصف السنهوري وصفًا جامعًا مانعًا في سطور قليلة يكاد لا يفلت منه شيء، حتى الحذاء القماش الذي كان السنهوري ينتعله وصفه مؤنس.

 اشترك مع جماعة من زملائه في تأليف لجنة أطلقوا عليها "لجنة الجامعيين لنشر العلم" وعزمت اللجنة على نشر بعض ذخائر الفكر الإنساني، فترجمت كتاب "تراث الإسلام" الذي وضعه مجموعة من المستشرقين، وكان نصيب حسين مؤنس ترجمة الفصل الخاص بإسبانيا والبرتغال، ونشر في هذه الفترة أول مؤلفاته التاريخية وهو كتاب "الشرق الإسلامي في العصر الحديث" عرض فيه لتاريخ العالم الإسلامي من القرن السابع عشر الميلادي إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى ثم حصل على درجة الماجستير برسالة عنوانها "فتح العرب للمغرب" ثم حصل علي الدكتوراه من جامعة زيورخ بسويسرا، عام 1943.

زواج الراهب
كان الأستاذ الفنان حسين مؤنس راهبًا يقوم بحقوق الرهبنة في محراب العمل، فتأخر زواجه عن السن المتعارف عليها بين أبناء جيله، ثم هو كان محبًا للموسيقى الكلاسيكية، وكان يرتاد الأماكن التي يجري فيها عزفها أو تقديم محاضرات عنها، وفي قاعة من القاعات سيتعرف على فتاة سويسرية تصغره بعشر سنوات، كانت مثله محبة للموسيقى وتجيد آلتين هما البيانو والأكورديون، تحبا الاثنان وتقدم مؤنس لأهل محبوبته فرفضوه لما بين عالمه وعالم محبوبته من فوارق، ولكنهم رضخوا للأمر عندما رأوا تمسكه بحبيبته وتمسكها به، فراوغوه عارضين عليه أن يعود إلى مصر ويبقى بها عامًا كاملًا فإن وجد جذوة حبه ما تزال متقدة فليعد إليهم، وهذا ما فعله ليتزوج أخيرًا من سيدة فضلى ستتيح له كل دعم ممكن لكي يتفرغ لعلمه وتلاميذه.
في هذا الزواج أمور مهمة سجلتها بدقة ابنته الدكتور منى مؤنس في كتابها القيم "في بيت حسين مؤنس".
الزوجة قادمة من سويسرا للإقامة الأبدية في مصر، فتسارع من تلقاء نفسها إلي تعلم العربية حتى تصبح لغتها الرئيسية التي لا تتحدث سواها رغم إجادتها للفرنسية والألمانية.
ثم تعلن الزوجة إسلامها دون أدنى ضغط أو تدخل من زوجها المتخصص في التاريخ الإسلامي، وعندما تسلم تحرص كل الحرص علي تنشئة أولادها تنشئة إسلامية، حتى والأسرة الطيبة تعيش في عواصم الغرب.

العودة إلى الأندلس
عمل الأستاذ الفنان في العديد من بلدان أوربا ولكنه تألق عندما أصبح مديرًا لمعهد الدراسات الإسلامية في مدريد، هو بالأساس كان مولعًا بتاريخ المغرب الإسلامي وفي القلب منه الأندلس الذي جابه مقاطعة مقاطعة، عاملًا على بث روح التعاون بين مصر والمسلمين عامة وبين أسبانيا المعاصرة.
ومن أسبانيا سيذهب إلى الكويت في بداية نهضتها أستاذًا في جامعتها ثم يعود إلي مصر عشقه المقيم.
كان الرجل محبًا لمصر حبًا قل نظيره، حتى أنه قال إنه خشي أن يتخصص في التاريخ المصري فيغلب حبه لبلده على موضوعية يجب أن يتحلى بها المؤرخ!
ثم هو يرتدي دائمًا وأبدًا رباط عنق أسود حدادًا على هزيمة يونيو 1967 ويظل حريصًا على الرباط الأسود حتى تصله أخبار نصر رمضان أكتوبر 1973 فيخلع عن عنقه شارة الحداد ابتهاجًا بانتصار الكرامة المصرية.

نظرته إلى التاريخ
التاريخ عند مؤنس كائن حي وليس سجلات ميتة، يقول عن التاريخ في كتابه "تنقية أصول التاريخ الإسلامي": إن التاريخ الإسلامي قد فقد شخصيته وروحه ورسالته، لأن التاريخ إذا لم تكن له غاية أو روح أصبح حديثًا مكررًا معادًا لا معني له، لقد فقد تاريخنا شخصيته منذ أصبح مجرد نزاع علي السلطان، التاريخ لا شيء إذا لم تكن له رسالة، والإسلام هو رسالة التاريخ الإسلامي.
هذا الكلام الجاد الخطير يكتبه مؤنس بكل سهولة ويسر بعد أن امتلأ  قلبه وعقله بروح ورسالة التاريخ، ولذا فهو لا يخشى في تاريخه الإسلامي لومة لائم.
ولذا تراه يصف المؤرخ الجليل والكبير الطبري بأنه رجل به سذاجة، وفي موضع آخر من الكتاب سابق الذكر يصفه بالعبط، وهو لا يزعم الجرأة بدون دليل ولا يحط من قدر الطبري وعلمه ولكنه يناقش ما جاء في تاريخ الطبري وتفسيره من روايات إسرائيلية ستكون حربة يطعن بها المستشرقون القلب الإسلامي، مثل الأسطورة التي أوردها الطبري وروج لها عن تلفظ رسولنا بآيات تمتدح أصنام قريش، وهي الآيات التي تتحدث عن أن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى هن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى.
ينسف مؤنس بكل هدوء وأدب تلك الأسطورة التي يتمسك بها الاستشراق لأنها مروية في كتب الإمام الطبري.
وعلى مدار حياته كان مؤنس يلح في طلب تنقية كتب التراث من كل ما يسيء للإسلام ولرسوله، وكانت طريقته في التنقية تقوم على أن يقرأ تلك الكتب أهل العلم بها وينشرونها كما هي، ولا يتدخلون فيها بالحذف أو الإضافة ثم يأتون في هامشها ويعلقون على متنها موضحين موقفهم مما ذكره المؤلف دون تدخل في متنه.

ثم مرت السنوات ولم يستجب أحد لمؤنس الناصح الأمين، الذى توفي عام 1996،  ولو كانت الدولة قد سمعت كلامه وأطاعت نصيحته الذهبية لوفرت علينا وعلى نفسها عبء مواجهة الذين يشتمون والذين يشمتون ولكانت كتب تراثنا قد أصبحت صافية كماء السماء، ولكن لا يطاع لقصير أمر. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بجريدة "التحرير" 19 مايو 2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق