الاثنين، 27 فبراير، 2017

أرض المعرض.. نعم للاستثمار.. لا للسمسرة



 
عندما فكر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فى إنشاء استاد القاهرة الدولى، قامت الدنيا ولم تقعد، لأن مخطط الرئيس كان يهدف إلى إنشاء مجمع رياضى لا مجرد ملعب كرة قدم، على أن يكون المجمع مطبقًا للمواصفات العالمية.

كانت حجة المعارضين للتصور الرئاسى تستند إلى أن ضاحية "مدينة نصر" وهى المكان الذى جرى تخصيصه لإقامة المشروع لم يكن أحد يسمع بها، فلم تكن فى ذلك الزمان سوى بقعة صحراوية قاحلة، ثم أن الرئيس طلب أن يكون ملعب الكرة مجهزًا لاستضافة مائة وعشرين ألف متفرج، يومها قالوا: إن الرقم ضخم جدا ولن نجده فى أى مباراة أيا كانت أهميتها.

أصر «ناصر» على المضى قدما فى المشروع، والذى بعد افتتاحه بأيام استضاف مباراة جمعت بين ريال مدريد ومنتخب من الأهلى والزمالك، ويومها ضاق الاستاد بأكثر من مائة وعشرين ألف متفرج.

إذن لكل جديد معارض، ومعارضته لا تستوجب تخوينه ولا تجاهلا لرأيه، وإنما تحتم مناقشته والاستماع لحججه وتفنيدها إن كانت ضعيفة متهافتة أو الأخذ بها إن كانت منطقية ومتماسكة، وتهدف الصالح العام للوطن.

أكتب هذه السطور بعد أن طفحت على السطح مشكلة أرض المعارض، وبعضنا يقصر أمرها على كونها معرضا للكتاب وهذا غير صحيح، لأن الأرض تحتضن نشاطات شتى، المشكلة فجّرها تصريح من السيد وزير الثقافة حلمى النمنم قال فيه: إن أرض المعارض ستنتقل إلى التجمع الخامس.

التصريح كان طائرا ومتعجلا شأن معظم التصريحات الحكومية، مما فتح الباب على مصراعيه لكل كلام جاد أو هازل، حتى أن كثيرين شنوا حملة مضحكة ضد نقل المعارض من مدينة نصر لأى مكان آخر، بزعم أن الحكومة ستبيع الأرض للمستثمرين، من باب السمسرة وليس من باب الاستثمار.

الحملة تعاملت بخفة مع أمر خطير، وللأسف فإن التصريح الطائر الذى لم يقدم التفسير والتبرير للنقل كان سببا مباشرة فى الهجوم على مشروع ما زال مجرد فكرة.

فإذا كنا نبحث عن كلمة عادلة ومنصفة فتعالوا نقرر إن المعرض بصفته الحالية وبهيئته التى هو عليها لم يعد يجذب سوى المزيد من اللعنات، حتى أصبحت تسميته الشعبية هى "معرض القاهرة للعذاب أو التراب أو الهباب".

المعرض المقام فى مكان استراتيجى وتخدمه محطة مترو غاية فى الحداثة، وتصله كافة الخدمات، يراكم كل عام فشلا بعد فشل، فلا هو ناجح فى الحصول على رضا زواره ولا هو ناجح فى الحصول على تأييد ناشريه المحليين أو الدوليين، الكل يشكو من المعرض الذى لم يحدث نفسه بل ترك أمره كله للفوضى والدمامة، وأصبح الوصول إليه عملا من أعمال تعذيب الذات وجلد الظهر، وتجاهل القائمون عليه أهميته الكبرى لكل قطاعات واسعة من الشعب سواء فى مصر أو فى الأقطار الشقيقة، وتناسوا أن المعرض هو أداة من أدوات القوة الناعمة التى يجب ألا نفرط فيها.

فإذا كان تطوير المعرض وتحديثه والنهوض به فى مكانه الحالى مستحيلا لأسباب فنية أو اقتصادية فإن نقله لمكان آخر أصبح أمرا مُلحا لا يمكن تأجيله، مع ضمان أن تقدم الدولة دراسة أو حتى بيانا وافيا يشرح الوضع ويفسره، ولكن تجاهل المعارضين وعدم دعم المؤيدين بالمعلومات الموثقة لن يقودونا إلا لمزيد من التخبط نحن فى غنى عنه.

فى هذا السياق أثمّن رحلة قام بها الزميل الصحفى "سامح فايز"، والتى انطلق فيها من مسكنه فى نهايات شاعر فيصل إلى المكان الذى قيل إن الحكومة ستنقل إليه المعرض، وهو خلف مسجد المشير بالتجمع، قال "فايز" فى مقال نشره على صفحته بالفيس بوك: إن الرحلة قد استغرقت ساعتين ونصف الساعة، وقد دفع أربعة عشر جنيها للميكروباصات التى استقلها لكى تحمله إلى المكان الجديد، وعندما وصل إلى نقطة من الطريق الدائرى، سار على قدميه قرابة الألفى متر، وذلك لعدم وصول السيارات إلى تلك البقعة الصحراوية التى لا توجد بها خدمات من أى نوع، حتى أن الذين تصادف وجودهم فى المكان أو على مقربة منه نفوا أن يكونوا قد سمعوا بأمر المعرض أساسا!

ما قاله "فايز" يلزم الحكومة بأن تسارع بوضع النقاط على الحروف وأن تجيب عن أسئلة مهمة، أبسطها وأولها: هل هناك استحالة فى تطوير الأرض الحالية؟
فلو كانت الإجابة بنعم، فهل هناك ميزانية لإنشاء معرض جديد يكون لائقا بمصر ومكانتها؟

ثم ما هو مصير الأرض التى عليها المعرض الآن، هل ستخصص لكى تكون حديقة دولية كما يروج البعض، أم ستجرى إقامة فنادق عالمية عليها، أم ستكون نهبا للسماسرة من كل لون وفئة؟
ننتظر إجابة تقطع قول كل خطيب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نُشر بجريدة صوت الأمة
السبت 18 فبراير 2017

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق