الخميس، 23 فبراير، 2017

نخشى على " جماعة " الأزهر من مصير جماعة الإخوان




* ازدواجية المسار بين السياسة والدعوة تجعل المؤسسة لا تنهض بأعباء هذه ولا تلك
* إنكار ممارسة المشايخ للسياسة يجعل من أي نقاش محض هراء
* متى يتكرم أصحاب الفضيلة ويضعون الأبعاد الاجتماعية في حساباتهم
* ليس صحيحًا أن هناك مذهبًا واحدًا وقولًا فصلًا في القضايا الفقهية
* من تنصيب المراهق فاروق بن فؤاد على عرش مصر إلى العلاقة بين المالك والمستأجر .. ابحث عن دور الأزهر

 
مذ كان الأزهر ، الجامع والجامعة ، وهو لاعب رئيسي على الساحة لا نقول المصرية ولا العربية بل الإسلامية على اتساعها، إنكار حقيقة كتلك سيجعل أي نقاش مع الأزهر وحوله محض هراء.
الدور الذي يلعبه الأزهر يتجاوز واجباته بوصفه مؤسسة دينية، الأزهر موجود وفاعل على كافة الأصعدة، السياسية والثقافية والتعليمة والدينية والاجتماعية، ونظرًا لتشعب المهام وخطورتها، يصبح النقاش مع الأزهر الآن وفي ظروفنا الحالية فرض عين على كل مهتم بالشأن العام.
فهل الأزهر المؤسسة وأصحاب الفضيلة قادتهم لديهم وقت للنقاش وسعة صدر للمجادلة ؟.  
لو كان لي حق الإجابة فسأقول: لا .
ولا هذه لا تعني التسليم بالسكوت أو التهرب من أعباء المواجهة، بل تعني المزيد من الإصرار على تصحيح المسار ووضع كل النقاط فوق كل الحروف، والحديث من فوق المنضدة لا من أسفلها.
يعاني الأزهر من ازدواجية، أخشى أن تقوده للهلاك، كما قادت ازدواجية جماعة الإخوان، الجماعة إلى مصيرها الذي نعرفه.

واصل التشابه بين الحالتين هو أن كلاهما يراوغ في تحمّل مسئولياته، وكلاهما زعم لنفسه دورًا على صعيد الدعوة فقط، ولكن عندما يطمئن الواحد منهم إلى هدوء السطح يرفع رأسه ثم يتوغل في كل المساحات بعيدًا عن مجال الدعوة، أقول يتوغل وكنت أقصد يتغول، ثم عندما يواجه بمعارضة أو نقاش جاد حاد يتهرب من مسئوليته ويقول: إنه دعويّ فقط ولا دخل له بالعمل العام !
هذه الازدواجية بل العجيبة من عجائب الدنيا هي التي تجعلنا نعيش ما نعيشه من حالة سيولة أو ميوعة في تحديد المواقف.
فكما أن الجماعة التي أصبحت هباءً منثورًا، كان لها دور سياسي حصدت به رئاسة الجمهورية، وكانت صفقاتها السياسية أشهر من أن نعيد التذكير بها فللأزهر دور سياسي يتعاظم يومًا بعد يوم، والعجيب أن أصحاب الفضيلة من قادة الأزهر ينكرون هذا الدور عندما يتحين ساعة الحساب.
مَنْ الذي جاء بمراهق يدعى فاروق بن فؤاد ليجلس ملكًا على عرش مصر وهو ابن السادسة عشرة من عمره ؟.
إنه بكل بساطة وكما سجلت دواوين التاريخ، الأزهر بقيادة شيخه العالم الجليل مصطفى المراغي.
مراهق يحكم مصر والسودان برعاية أزهرية بل بفتوى أزهرية، فقد كان الواجب ألا يحكم فاروق حتى يبلغ السن القانونية وهي ثمانية عشرة سنة، ولكن فضيلة الشيخ المراغي، وفق ترتيبات خاصة جرت بينه وبين على باشا ماهر رئيس الديوان الملكي في ذلك الوقت أفتى بأن يجرى حساب عمر المراهق فاروق الأول ابن فؤاد الأول وفقًا للتقويم الهجري وليس الميلادي الذي تتعامل به مصر منذ سنوات بعيدة ، وبحسابات معقدة تم احتساب عمر فاروق لكي يكون في السن القانونية !
وضعت علامة تعجب واحدة والحقيقة هي لا تكفي ولكنها شروط المساحة الصحفية، أليست تلك الواقعة، واقعة سياسية من ألفها إلى يائها ؟.
وكان المراغي نفسه قد اختلف مع فؤاد الأول وعلى خلفية الاختلاف أو الصراع الذي نشأ بين الرجلين قدم المراغي استقالته في سابقة فريدة من نوعها، وليتها تكررت لنزع رداء الكهنوت عن أصحاب الفضيلة من مشايخنا، فليس في الإسلام كهنوت كما يقولون ليل نهار.
المراغي كان يريد إدارة شئون الأزهر وبعثاته مطلق اليدين ولكن فؤاد تربص به وضيّق عليه حتى استقال، ولكن خروج المراغي من المشيخة لم يمنعه من لعب دور سياسي لصالح أحزاب الأقلية التي لم تكن معبرة عن آمال وطموحات المصريين، فوقتها كان حزب الأمة هو حزب الوفد فقط، ولكن الأزهر كان له رأي آخر، فعندما تصادم النحاس باشا رئيس حزب الأمة وقائده مع الملك، خرجت الجماهير إلى الشوارع تهتف: "الشعب مع النحاس" فقاد الإخوان بتنسيق مع الأزهر مظاهرات مضادة كان شعارها: "الله مع الملك" ! 

ثم لو قفزنا متخطين حاجز السنوات سنجد الأزهر يواصل لعب دوره المتعدد ذي الوجه الألفي، ففي كل زاوية  ستجد الأزهر وأنت لن تفتقده تحت كل حجر على طول البلاد وعرضها.
فهو مثلًا الذي بارك اتفاقيات كامب ديفيد ويومها أصبحت آية سورة الأنفال: "وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚإِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" أشهر آيات القرآن، من كثرة ما جرى ترديدها بمناسبة وبغير مناسبة، فهل اتفاقيات كامب ديفيد اتفاقيات دينية أم سياسية ؟.

ثم نصل لأزمة عاصفة شهدتها سنوات حكم مبارك، وكانت خاصة بالعلاقة بين المالك والمستأجر، فقد رأي كثيرون أن القانون الذي يريده مبارك سيعصف بأغلبية المصريين وهم في عمومهم من الفقراء، وتطور الأمر حتى تظاهر كثيرون ضد القانون ونزلوا إلى الشوارع، فما كان من الأزهر إلا أن أقر القانون ودعم مبارك وقال إنه موافق للشريعة، وذلك بغض النظر عن الآثار الاجتماعية المترتبة على تطبيقه، والتي لو كان الأزهر دعويًا فقط لكان قد التفت إليها ووضعها في حساباته.

إن المشكلة الأساسية التي تنشأ عنها الأزمات مع الأزهر لها وجهان.
الوجه الأول: هو عدم اعتراف الأزهر المؤسسة والمشايخ بحقيقة دورهم، بل تفضيلهم لعدم تحديد دورهم إنهم يؤدون كل الأدوار كل الوقت فلا نعرف أمام مَنْ نقف، هل أمام الشيخ الداعية أم الشيخ السياسي أم أمام الشيخ المفكر أم أمام الشيخ المصلح، فتتشعب بنا الطرق ونضل السبيل.
الوجه الثاني: هو أن الأزهر أقول يكاد يتعمد الخلط بين الفقهي والديني.
هناك فقه وهناك دين، والفقه هو عمل الرجال وثمرة عرق جباههم ونتاج سهرهم وبحوثهم، وهذا لنا أن نأخذ منه ونرد عليه.

أما الدين فهو النص القرآني ثم المقطوع بصحته من السنة، فليس لنا أن نتقدم عليه أو نتأخر عنه، وحتى مع النصوص هناك مجالات لتتعامل معها، فالقرآن ثابت راسخ محفوظ يؤخذ بنصه ولكن تفسيره وتأويله هو عمل الرجال، فلو قرأت مثلًا تفسير الشيخ الإمام محمد عبده لأشهر سور القرآن أعني الفاتحة ، ستجده يقول كلامًا مختلفًا بل مناقضًا لمدارس تفسير أخرى، وهنا نجد الفسحة في أن نأخذ من هذا أو من ذاك.
المثال السابق على بساطته يشمل المنهج الأزهري في التعامل مع المشكلات الفقهية، فالواضح لنا وبحكم تجربة السنين أن الأزهر يلجأ في معظم الأحيان إلى الترويج لرأي واحد بوصفه الرأي الواحد الأحد الذي لا يشاركه أو يناظره رأي آخر.
والحقيقة غير ذلك بالمرة، فلا توجد قضية فقهية لا تتعدد الآراء حولها ، وقد يصل التعدد إلى درجة التناقض  أحيانًا بداية من فقه الصلاة ونهاية بأي قضية تختارها وتقف أمامها باحثًا، ولكن هذا ليس معمولًا به في الأزهر في معظم القضايا، حتى أن أحدهم قال كلامًا خطيرًا عن تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم للإبكار على الثيبات، مستشهدًا بحديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه: سألني الرسول: "هل تزوجت بكرا أم ثيبا ؟"، فقلت: "تزوجت ثيبا".
 فقال الرسول: "هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك".
المتحدث في الناس قال هذا الكلام بوصفه الكلام الوحيد في القضية، وتجاهل حقيقة كون كل أزواج الرسول عليهن الرضوان كن ثيبات فيما عدا السيدة عائشة !
وتجاهل باقي الحديث الذي يشرح فيه جابر للرسول لماذا تزوج بثيب، قال جابر: "قلت يا رسول الله: توفي والدي أو استشهد، ولي أخوات صغار، فكرهت أن أتزوج مثلهن فلا تؤدبهن، ولا تقوم عليهن، فتزوجت ثيبا لتقوم عليهن وتؤدبهن".
فانتهى الحديث بمباركة الرسول للزواج.
ذلك المثل في إيراد أنصاف الحقائق وأرباعها أحيانًا واعتماد سياسية الرأي الواحد والقول الفصل هو ما أدي بنا إلى ما نحن عليه من ضيق أفق والحجِر على المتسع من ديننا.

لا أحد يطالب ـ لا قدر الله ـ بهد الأزهر، أو بالتضييق عليه أو بتجاهله، كل ما نسعى إليه هو نقاش جاد لتصويب المسار، ننطلق فيه من كون الأزهر رقمًا صعبًا في حياتنا ولاعبًا لا يمكن بحال التقليل من قدره.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نُشر بجريدة صوت الأمة
السبت 11 فبراير 2017
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق