الاثنين، 23 مايو، 2016

السلام الدافئ: تفريعة جديدة من كامب ديفيد







في التاسع من نوفمبر من العام 1977 وقف الرئيس الأسبق محمد أنور السادات أمام مجلس الشعب، بحضور ياسر عرفات زعيم منظمة التحرير الفلسطينية، وقال: "إنني أعُلن أمامكم وأمام العالم إنني على استعداد للذهاب حتى آخر العالم من أجل تحقيق السلام، بل إنني أُعلن أمامكم، وسوف يُدهشون في إسرائيل وهم يسمعون ذلك، إنني على استعداد للذهاب إلى القدس ومخاطبة الإسرائيليين في عقر دارهم، في الكنيست الذي يضم نواب شعبهم من أجل تحقيق السلام".


وفي السابع عشر من مايو من العام 2016، وفي قلب محافظة أسيوط، وقف الرئيس عبد الفتاح السيسي ليقول كلامًا كثيرًا عن الرغبة في السلام مع إسرائيل وعن بذل كل جهد ممكن لتنعم المنطقة بسلام دافئ.


ما قاله السادات نفَّذه، أما ما قاله السيسي فيحتاج لقراءة هادئة لكي نعرف هل يمكن تنفيذه على أرض الواقع، أم سيظل مجرد كلام مرتجل جاء في خطاب سياسي.


بدأ السيسي حديثه بلفت نظر العالم إلى ضرورة الاستماع لما سيقوله جيدًا، وبعدها بجملة واحدة قال شيئًا عجيبًا لا يتسق وحرصه على استماع العالم إليه، قال إنه لم يُحضّر لكلامه.


ضع أنتَ ما شئتَ من علامات التعجب بعد جملته تلك.

ثم قال سيادته ما ملخصه إن مصر لا تسعي للعب دور ريادي ولا للقيادة، ولكنها ستبذل جهدها في إحلال السلام وحل المسألة الفلسطينية، وإن المنطقة سترى العجب عندما يُقَرُّ السلام، لأن المفاوض الإسرائيلي الذي كان يفاوض أمام السادات ويحرص على أن تكون النقطة جيم من سيناء منزوعة السلاح، لن يصدق نفسه عندما يرى عتاد القوات المسلحة المصرية وهو منتشر في كل سيناء لمحاربة الإرهاب.


كان هذا باختصار غير مخل أبرز ما قاله الرئيس في خطابه عن جهود إحياء عملية السلام.


ولأننا لسنا سمكًا وما تزال لنا ذاكرة، فيحق لنا استرجاع شريط الأحداث من بدايته الأولى على يد السادات، فيوم قال السادات إنه جاهز للذهاب إلى الكنيست، كانت الطبخة معدة سلفًا من خلال اللقاءات التي احتضنها ملك المغرب الحسن الثاني وجرت بين حسن التهامي نائب رئيس الوزراء المصري، وموشيه ديان وزير الخارجية الإسرائيلي، ثم زار السادات رومانيا وإيران، وكشفت الوثائق فيما بعد أن الدولتين قامتا بدور كبير في تجهيز مسرح الزيارة التي جرت بعد الخطاب بعشرة أيام فقط لا غير.


ولأن الشيء بالشيء يذكر، فهل جرى تجهيز كواليس المسرح قبل خطاب السيسي، كما جرى مع السادات؟


ثمة إشارات تقول إن الإجابة هي نعم، فقد سبق وأن صرح السيسي في الصيف الماضي برغبته في توسيع نطاق اتفاقية كامب ديفيد، ولأن تصريحه ذاك كان متزامنًا مع حفر التفريعة الجديدة لقناة السويس، فقد بدا الأمر كأننا أمام تفريعة جديدة لكامب ديفيد تستوعب دولًا وأنظمة لم تكن لها صلة بالاتفاقية، إن لم تكن على عداء واضح وصريح معها.


في كل الأحوال يبقي السلام العادل حلمًا إنسانيًا نبيلًا، ولكن لأننا نعيش على الأرض وليس في الجنة فلا شيء مجاني، ولا أحلام بدون ثمن، قد يكون باهظًا، والسادات من ناحيته دفع ثمن سلامه مع إسرائيل، فقد اعترف بإسرائيل بوصفها عضوًا طبيعيًا في المجتمع الدولي والإنساني، وأخرج مصر تمامًا بل ونهائيًا من خندق المواجهة العسكرية مع تل أبيب، ثم أخلى لإسرائيل كامل الوطن العربي والجزء الأكبر والأخطر من أفريقيا لتتصرف معه كما تشاء، وظل حتى قُتل يحاول أن يوجٍد لإسرائيل ولو موطئ قدم داخل الوجدان المصري، من خلال عمليات تطبيع العلاقات.

كل هذه الأثمان دفعها السادات مقابل الحصول على سيناء منزوعة السلاح والسيادة والتنمية، فماذا بيد السيسي ليدفعه لإسرائيل ليجبرها على سلام هي ليست راغبة فيه أساسًا؟

يقول بعضهم إن اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والمملكة العربية السعودية، والتي بمقتضاها أصبحت جزيرتا تيران وصنافير قاب قوسين أو أدني من السيادة السعودية، هي مقدم الثمن الذي ستدفعه مصر، لأن سيادة السعودية على الجزيرتين ستجبر اﻷخيرة على دخول نطاق اتفاقية كامب ديفيد.

ولكن هل ستكتفي إسرائيل بهذا الثمن أم ستتوحش كعادة المرابين وتطالب بالمزيد؟

وهل سيشمل هذا المزيد إعادة رسم خارطة سيناء؟

السؤال مخيف والإجابة مرعبة، خاصة والحديث يدور عن كون إقامة الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية على أرض جد صغيرة سيخلق العديد من المشاكل، من ناحية تسكين ملايين الفلسطينيين على جزء من أرض فلسطين التاريخية. أين سيعيش هؤلاء إذن؟

الغريب في الأمر كله هو أن الرئيس قال ما سبقه إليه وزير خارجيته: "إننا لا نسعى للريادة ولا نسعى لدور قيادي".


فإذا كان هذا هو حالنا باعتراف رئيسنا، فما الذي يجبرنا على لعب دور ريادي سندفع ثمنه عاجلًا أو آجلًا؟ لماذا نحشر أنفسنا مع الرواد والقادة ما دمنا قد اعترفنا بأننا لسنا منهم وليسوا منا؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر فى موقع مدى مصر بتاريخ 21 مايو 2016

الخميس، 12 مايو، 2016

صارحونا حتى نصطف





في العام  1988 انفجرت طائرة بوينج  تابعة  لشركة بان أمريكان أثناء تحليقها فوق قرية لوكربي الاسكتلندية  ، وقد أسفر الانفجار عن مقتل جميع ركاب الطائرة وكان عددهم 259 شخصاً ، إضافة إلى مقتل  11شخصاً من سكان القرية حيث وقعت الطائرة .

هاج العالم وماج مستنكرًا تلك الجريمة الشنعاء ، وجرت تحقيقات كبرى انتهت إلى اتهام نظام العقيد الليبي معمر القذافي بأنه وراء تفجير الطائرة.

حاول القذافي ـ  شأن كل مسئول عربي ـ التنصل من المسئولية ، ولكن دول الغرب الكبرى حاصرته  بقرائن وأدلة جعلته يتراجع خطوة إلى الخلف ليبدأ في تقديم معالجة عربية مضحكة لكارثة مروعة .

معالجة القذافي ونظام حكمه للكارثة كانت أشبه بحالة طفلك عندما تضبطه متلبسًا باقتراف جرم ما فيروح الطفل يحلق في السقف أو يختبئ خلف ستارة النافذة كأنه ليس موجودًا في مسرح الجريمة !!.

اجتمع قادة الغرب وقرروا إنهاء مهزلة المعالجة القذافية ، ولذا أرسلوا إليه وزير خارجية بريطانيا للوصول إلى حل يحفظ دماء الضحايا .

كان العالم كله يقف على أطراف أصابعه مترقبًا نتائج اجتماع الوزير البريطاني مع سيادة العقيد .

العقيد من ناحيته جلس في خيمته الأسطورية وأوسع الوزير كلامًا عن ما هو فوق العرش وعن ما هو تحت الثرى ، وظل سيادته يتكلم ويتكلم عن كل شيء وعن أي شيء حتى ضاق به الوزير البريطاني فقاطعه قائلًا :" نريد الوصول إلى حل ".

فأبدي القذافي تعجبه من كلام الوزير وسأله :" ولماذا تبحث عن حل عندي".

تمسك الوزير بآخر قطرة صبر تجري في دمه وقال للعقيد :" لأنك رئيس هذه البلاد والمسئول السياسي الأول عن نظام الحكم ".

ضحك العقيد ضحكته الشهيرة ورد على الوزير قائلًا :" لقد قصدتَ الرجل الخطأ ، فأنا لست رئيسًا ولست حاكمًا ، تستطيع أن تقول إنني مفكر أو منظّر لنظام الحكم ولكنني لست رئيسًا ، الحاكم هنا هم أعضاء اللجان الشعبية و........."

ظل سيادة العقيد يتكلم شارحًا الفروق الجوهرية بين نظام حكم بلاده وأنظمة الحكم في البلاد الأوربية حتى كاد الوزير البريطاني يسقط في قبضة نوبة إغماء ، فسارع إلى مغادرة الخيمة فوجد  حشدًا من الإعلاميين في انتظاره ليعرفوا منه نتائج مقابلته للعقيد ، نظر إليهم الوزير وقال كلمته الخالدة :" قولوا لهذا الرجل أن يتحدث جادًا ".

تلك الحكاية القديمة ـ صالحة مع مزيد الحزن ـ لشرح الحالة المصرية الآن ، إننا بكلمة واحدة ، نفتقد إلى الجدية وإلى الحديث الجاد الذي يرسخ اليقين ولا يفتته .

ولعل قضية قناة السويس هي خير دليل على ما نعيشه وعلى ما أقصده بالعبث وتفتيت اليقين .

في تلك القضية لدينا ثلاثة رجال غاية في الأهمية وكلامهم يجب أن يوزن بميزان الذهب .

الرجل الأول هو الفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس الذي أجتمع مع الرئيس السيسي قبل شهر من الآن وأوضح  أن إجمالي عدد السفن العابرة لقناة السويس خلال عام 2015 بلغ 17483 سفينة بزيادة قدرها 335 مقارنة بعام 2014 بنسبة 2%، كما حققت القناة زيادة في إيراداتها تقدر بـ 1.15 مليار جنيه خلال عام 2015 مقارنة بعام 2014 وبنسبة 3%. .

التصريح هنا واضح لا لبس فيه ويقطع بزيادة معقولة في إيرادات القناة .

الرجل الثاني هو ناجي أمين مدير إدارة التخطيط بهيئة القناة الذي قال في مؤتمر صحفي :" إن إيرادات القناة قد تراجعت في العام 2015 لأسباب تتعلق بوحدة السحب الخاصة وتتعلق بانخفاض سعر البترول ".

وكانت هيئة القناة بذات نفسها قد أعلنت في يناير 2016 عن تراجع الإيرادات بمقدار 290 مليون دولار .

الرجل الثالث هو الرئيس السيسي الذي قال في مؤتمر الفرافرة قبل قرابة الأسبوعين :" إن أن إيرادات قناة السويس ارتفعت ولم تنخفض، موضحًا أنه مسئول عن كلامه ولا يتحدث دون معلومات مؤكدة ".

على ما سبق فنحن أمام ثلاثة رجال على أعلى قدر من المسئولية ، يأخذ كلامهم بعضه برقاب بعض ، لا تكاد تطمئن إلى تصريح واحد من تصريحاتهم حول ذات القضية .

ثم يزداد الطين بِلة  عندما نعرف أن هيئة قناة السويس قد حصلت خلال العام الماضي على قرض من البنوك بلغ مليار وأربعمائة مليون دولار .

وتتفاوض الهيئة الآن مع عدد من البنوك للحصول على قرض يبلغ ستمائة مليون يورو .

وهنا نقف ونسأل : إذا كانت القناة تربح فلماذا كل هذه القروض المليارية ؟.

وإذا كانت القناة ـ لا قدر الله ـ تخسر فلماذا لا يصارحنا بذلك أهل الاختصاص وحملة المسئولية ؟.

يقولون في تبرير القروض إنها لتمويل التزامات مادية مستحقة عليها .

ما طبيعة تلك الالتزامات ؟.

لا أحد يهتم بالرد علينا لنظل في تلك الدائرة الجهنمية من تفتيت اليقين والعبث والكلام غير الجاد ، ثم فوق كل ذلك وبعده وقبله يطالبوننا بأن نصطف  خلفهم صفًا واحدًا كأننا قوالب طوب .

إذا أردتم الاصطفاف فعليكم بدفع ثمنه ، وثمنه ليس أكثر من أن تكونوا صرحاء جادين وأن تجعلوننا نشارككم في إدارة حاضر ومستقبل بلدنا .

ـــــــــــــــــ

هامش .

بعد محاولات التهرب من المسئولية ، أدان القضاء المواطن الليبي عبد الباسط المقراحي وحكم عليه بالسجن المؤبد ، ودفعت ليبيا تعويضات خرافية لأهالي الضحايا ، بل وذهبت بعيدًا في استرضاء الأمريكان خاصة والغرب عامة بأن تخلصت من مكونات مفاعلها النووي ، ثم بعد كل ذلك سقط القذافي وأمسكوا به مختبئًا في ماسورة مجاري !! .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة المقال بتاريخ 11 مايو 2016 

الأربعاء، 11 مايو، 2016

النحاس باشا كالماء والهواء









ثار المصريون في العام 1919 وقدموا آلاف الضحايا بين شهيد ومصاب ، ثم كان لابد لثورتهم من ثمرة ، فكانت الثمرة هي دستور 1923 الذى كان في مجمل مواده لائقًا بجهاد شعب دفع دم أولاده قربانًا على مذبح الحرية ، ولكن إحدى مواد ذلك الدستور كانت تتيح للملك ( فؤاد الأول ) حل البرلمان .

ولأن البرلمان كان في معظمه وفديًا بحكم أن  الوفد كان أيامها هو حزب الأمة بدون منازع فقد استخدم الملك حقه الدستوري وحل البرلمان !!.
ثم كلف الملك إسماعيل صدقي(*) باشا برئاسة الحكومة ، فقبل صدقي التكليف ورد جميل الملك بأن ألغي دستور الأمة وصنع على هواه دستورًا جديدًا هو دستور 1930 واستعان في ذلك بجماعة من الفقهاء الدستوريين أمثال عبد العزيز فهمي باشا الذي قال :" إن دستور 23 ثوب فضفاض " وتناسى فهمي باشا أنه كان واحدًا من واضعي دستور 23 !!.

المضحك في الأمر أن صدقي باشا كان زعيمًا لحزب يسمى حزب " الشعب " فقام وحزبه بحل البرلمان المنتخب وإغلاق 15 صحيفة وسجن الكتاب المعارضين لإلغاء الدستور وعلى رأسهم عباس محمود العقاد ، ثم قام بالتنكيل بقيادات الوفد في الدلتا والصعيد بأن أحرق زراعاتهم وسممّ مواشيهم !!.
هل ترى معي أن الليلة كانت سوداء حالكة السواد ؟.

هي كانت بالفعل كذلك ، وفي كل الليالي السود ، يفتقد الشعبُ البدرَ ، لكن البدر كان حاضرًا وجاهزًا لدفع الثمن .
لم يكن البدر سوى زعيم الأمة مصطفى باشا النحاس الذي قرر قيادة الجماهير لإعادة دستور الأمة .
فماذا فعل لإتمام تلك القيادة ؟.



نزل إلى الشارع بشحمه ولحمه ولم يختبئ ولم يتوارى ولم يتلعثم .

تحالف مع الجميع حتى مع أعدائه ( الأحرار الدستوريين وزعيمهم محمد محمود باشا ).

نفض يديه من جماعة الإخوان المسلمين التي لم تشغل بالها ولو للحظة بالجهاد لاستعادة دستور الأمة ، بل راحت تختبئ خلف محاولة حل نزاع نشأ بين آل سعود وأمام اليمن !!.

قاد النحاس ورئيس مجلس النواب ويصا واصف  النواب للاجتماع في البرلمان رغم أنف حكومة صدقي  التي حاصرت البرلمان  وهددت النواب بضربهم بالرصاص ، لكن النواب بقيادة النحاس وويصا واصف حطموا السلاسل بعد التي أغلقت بها الحكومة أبواب البرلمان .

5 ـ ذهب النحاس مع القيادي الوفدي الكبير  سينوت باشا  حنا إلي المنصورة لقيادة الجماهير الغاضبة ، و  كان البوليس والجيش يحاصران مكان اللقاء .
استطاع النحاس بعد معارك دامية أن يخطب في الجماهير  التي سقطت  منها أعداد لا تحصي من الجرحى إضافة إلي اعتقال المئات .

أثناء عودة النحاس في سيارة مكشوفة وكان بجواره سينوت باشا أمر اللواء قائد القوة بمهاجمة النحاس فتقدم منه عسكري وأراد طعنه بالسونكي فتلقي سينوت باشا الطعنة بدلا من النحاس وسقط غارقا في دمائه . وقد مات سينوت متأثرًا بتلك الطعنة .

قام النحاس باستئجار قطار للذهاب إلي الصعيد لحث الجماهير على المطالبة بعودة دستورهم  .

كان القطار يضم النحاس وقيادات الوفد ومعهم محمد محمود باشا وقيادات الأحرار الدستوريين ،  فما كان من حكومة صدقي إلا أن أمرت بتحويل خط سير القطار والذهاب به إلى المقطم وليس إلى الصعيد .

7 ـ بعد معاناة تمكن النحاس ومحمد محمود من الذهاب إلى بني سويف ، وفي محطة القطار  جرت معركة بين مستقبلي النحاس وبين البوليس الذى حاصر النحاس لساعات ، وقام أحد العساكر باختطاف طربوش محمد محمود باشا ، ثم تمكن هو والنحاس من فض الحصار واللقاء بالجماهير ، وعلق محمد باشا على خطف طربوشه قائلًا :" لقد خسرنا  طربوشا  وربحنا معركة ".

8ـ  حسن باشا  صبري حمل إلي النحاس عرضا محددا قال له :"  الملك غاضب منك لأنك زرت العقاد في منزله وهو يعرض عليك تأليف الوزارة وإعادة دستور 23 مقابل فصل العقاد من الهيئة الوفدية ومن كل الجرائد الوفدية ".
 رفض النحاس قبول  العرض لأنه سيعد سابقة وقال :"  كيف أفصل أكبر كاتب في البلد من حزب البلد؟  ".

9 ـ عندما كانت حكومة صدقي تستعد لافتتاح البرلمان المزور دعا النحاس أعضاء الهيئة الوفدية لاجتماع سري في بيت مراد الشريعي المجاور لمحطة مصر وانتهي الاجتماع بإرسال برقيات لكل سفارات العالم تفضح تزوير صدقي لانتخابات البرلمان .

10ـ  تواصل النحاس مع عمال العنابر والترسانة  وحثهم علي الاعتصام في أماكن عملهم لمدة عشرة أيام في سابقة هى الأولي من نوعها ،فقام صدقي بقطع الماء عن المعتصمين لكي يموتوا عطشا . استسلم المعتصمون أمام العطش فتم القبض عليهم ولكن بعد أن تسببوا في فضيحة عالمية لصدقي .

11 ـ أوصى النحاس سيدات الوفد والصحفيات
  بتنظيم مظاهرة ضد صدقي من الجيزة وإلي حديقة الأورمان وكاد البوليس يضربهن بالرصاص إلا أن صدقي أمر بحصارهن داخل الحديقة  وتسليط خراطيم الماء عليهن .

12ـ ذهب النحاس لأداء صلاة الجمعة في مسجد  عبد الوهاب الشعراني ، وبعد الصلاة كان ينوي الخطابة في المصلين ، ولكن البوليس حاصر المسجد وقبض على المصلين وسرق أحذية النحاس وأقطاب الوفد  الذين عادوا إلى بيوتهم حفاة .

13 ـ لم يترك النحاس محافظة من محافظات الوطن إلا وزارها وخطب في أهلها وقاد غضبهم للمطالبة بعودة الدستور .
كل ما سبق لم يكن سوى غيض من فيض ، ونقطة من بحر كفاح النحاس وقيادته الشخصية للشعب للمطالبة بإلغاء الدستور الزائف وعودة الدستور الأصلي .
والآن نسأل  هل كان النحاس يخاف السلطة وبطشها ؟.
الخوف شعور إنساني طبيعي ما لم يتحول إلى جبن ونكوص ، كان النحاس يخاف وكان في كل مغادرة له لبيته يودع أخته السيدة " زهرة " وداع المفارق ولكنه كان دائمًا ما يتغلب على خوفه بالاحتماء بجماهير تصدقه لأنه كان صادقًا معها .
ثم تواصل النضال حتى جاء العام 1935 وأسقط النحاس والشعب دستور صدقي وعاد دستور الأمة ليحكم بين السلطات .
هل وصلت الرسالة لمن يهتم بأمرنا ؟
نحن بحاجة للنحاس باشا ، كحاجتنا للماء والهواء .
نحن نحتاج القائد المقدام الفقيه البصير الذى ينظم الصفوف ويتقدمها ويضحى عن طيب خاطر لكي تنعم الأمة بحياة تليق بها .
ــــــــــــــــــــــــــ
هامش

(*) باشا ابن باشوات ، كان في بدء حياته وفديًا ثم انقلب على سعد زغلول وعلى الوفد ، وأصبح ذراع الملك الحديدية ، تولى رئاسة الوزراء مرتين ، وفيهما لم يكن له من حليف واضح سوى جماعة الإخوان ـ توفي في العام 1950 وقد كتب  سيرته الذاتية بعنوان " مذكراتي ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بجريدة المقال يوم الاثنين 2 مايو 2016

الاثنين، 9 مايو، 2016

كشف حساب الرئيس






                                   
وقف السيد رئيس الجمهورية ، يوم الخميس الماضي في الفرافرة أمام حشد من الإعلاميين وكبار رجال الدولة وقال : إنه سيقدم في مطلع يونيو القادم كشف حساب عن السنتين الماضيتين اللتين تولى فيها رئاسة الجمهورية .

عزم الرئيس على تقديم كشف الحساب خطوة محمودة نشكرها له ، ونتمنى لو قدم كل مسئول كشف حسابه لكي تعرف الأمة ليلها من نهارها .

وإسهامًا منى في إثراء كشف الرئيس وتغذيته بالمعلومات التي أراها مهمة سأقدم كشفًا لحساب فخامته من واقع كوني مواطنًا يعيش تحت حكم نظامه .

تمتع الرئيس بشعبية فوق الخيال ، حتى من قبل ترشحه للرئاسة ، فقد طلب من الجماهيرـ عندما كان وزيرًا للدفاع ـ  النزول إلى الشوارع لكي تفوضه في محاربة الإرهاب ، وقد استجابت الملايين لمطلبه وفوضته فعلًا.

أزعم أن الرئيس قد أساء فهم التفويض ، وتعامل معه بوصفه شيك على بياض ، فإن كنا ـ بفضل الله ـ ثم بجهود الجيش والشرطة قد شهدنا تراجعًا جيدًا جدًا في معدل  العمليات الإرهابية إلا أننا حتى الساعة لم نشهد تصفية بؤر ما تزال تعمل ضد حاضر الأمة ومستقبلها .

إذن مضمون التفويض يكاد يفقد معناه الحقيقي ، خاصة والرئيس لا يستمع لأغلب الذين فوضوه .

فاز الرئيس بالرئاسة بأغلبية كاسحة لم يتمتع بها رئيس قبله .

فهل حافظ الرئيس على جماهيريته وشعبيته ؟.

لست مركز أبحاث لكي أقدم أرقامًا ولكنني رجل شارع يسمع ويرى ويناقش ويشعر بما يجري حوله ويمتلك قراءته الخاصة لمجمل الشأن العام ، وعلى ذلك يظهر لي أن شعبية الرئيس قد تراجعت بمعدل خرافي ، وسيكون الأمر طيبًا للغاية لو كان يتمتع الآن بنسبة 10% من مجمل الذين صوتوا له .


لم يسبق في التاريخ المصري أن دعا الحاكم شعبه إلى اكتتاب بالمليارات لإقامة مشروع عام واستجاب الشعب ، فعلها السيسي وقدم له الشعب في تسعة أيام أكثر من ستين مليار جنيه .

إذن التأييد كان جارفًا والثقة كانت مكتسحة والمحبة أظهر من أن يشير إليها أحد ، ومع ذلك جرى إنفاق المال على مشروع  ظهر بعد البدء في تنفيذه أنه لم يكن ملحًا وإن ثمة مشاريع أخري كانت أولى وأجدر بالإنفاق عليها ، ولكن يحسب للسيسي في كل الأحوال أنه استطاع انجاز مشروع التفريعة الجديدة لقناة السويس ولعل الريح تأتي بما تشتهي السفن ويثبت المشروع جدارته في دفع الاقتصاد المصري إلى الأمام .


  ضاق الرئيس بالإعلام الذي لا يطمح لأبعد من سقف النقاش والمشاركة في طرح وجهات نظر غير التي يتبناها الرئيس ، وقد ظهر ضيقه واضحًا في مناسبات عديدة ، مما جعل نظامه بأكمله يشن حربًا غير مسبوقة على كل ما هو إعلام ، فرأينا مناخًا عامًا طاردًا وعدائيًا لمعظم الوجوه الإعلامية التي تتشوق إلى مجرد النقاش ، بدأت الحملة ضد باسم يوسف ثم تواصلت فطالت أسماء ريم ماجد ويسري فودة وصولًا ليوسف الحسيني ، وقد أصبح الوضع صعبًا حتى أن بعضهم قد تجنب عناء المحاولة ومكث في بيته من تلقاء نفسه مبتعدًا عن شاشته أو جريدته .


منذ جري تأسيس نقابة الصحفيين قبل خمسة وسبعين عامًا لم تتعرض لمهانة كتلك التي تعرضت لها علي يد نظام حكم السيسي ، فلأول مرة في تاريخ مصر يتم حصار النقابة بجماعات من البلطجية المستأجرين المدعومين بحماية الأمن ، ثم يجري اقتحام النقابة والقبض على صحفيين كانا معتصمين بها .

السيسي هو أول حاكم في تاريخ مصر يباغت شعبه بأنه قد أعاد ترسيم حدود الوطن البحرية ، مما أسفر عن وقوع جزيرتي تيران وصنافير تحت الملكية السعودية .


لم يشاور الرئيس أحدًا في هذا الإجراء الخطير جدًا ، بل تبرع نظام حكمه وقدم ما يزعم أنه مستندات تؤكد ملكية السعودية للجزيرتين ، بل خطا خطوة لا سابق لها عندما شن حملة اعتقالات وتشويه وتخوين لكل الذين قالوا إن الجزيرتين مصريتان ، وأحدث اسم جري تخوينه  كان المحامي مالك عدلي المقبوض عليه بتهمة الترويج لمصرية الجزيرتين.


منذ كان لنا اقتصاد وطني  لم يكسر الدولار الأمريكي حاجز السبعة جنيهات ونصف الجنيه ، ولكنه كسره في حكم السيسي وظل يكسره حتى حطمه تحطيمًا قافزًا إلى قرابة الاثني عشر جنيهًا مقابل الدولار الواحد ، ولقد أصبحنا نهلل فرحين عندما تبشرنا جرائد الصباح أن الدولار قد تراجع أمام الجنيه مسجلًا عشرة جنيهات وستين قرشًا .


لم يحدث في تاريخ الإعلام أن أذاعت قناة تسجيلات خاصة لمواطنين بدون حكم قضائي ، ولكن هذا حدث في زمن السيسي في خرق فاضح لأبسط مبادئ الدستور ، ولم يتم ـ ولو عتاب ـ لمذيع التسجيلات .


9 ـ الإخوان الذين يجب على مصافحهم عد أصابعه بعد مصافحته لهم  يشيعون أن عدد المعتقلين يتجاوز الأربعين ألف معتقل ، ولم نسمع تكذيبًا مدعومًا بالأدلة من أي جهة رسمية ، حتى أن كاتبًا صحفيًا هو الأستاذ حمدي رزق كتب مرات يناشد المسئولين تكذيب أرقام الإخوان بأدلة قاطعة ولكن لم يلبي أحد مناشداته ، هذا رغم وجود اعتراف رئاسي بأن هناك بعض المظلمين في الحبس .


10 ـ  الرئيس هو أول رئيس مصري يخترع لغة ملغزة لا يعرف الشعب فك شفرتها ، فنحن لا نعلم على وجه القطع واليقين من هم أهل الشر الذين يكيل لهم الهجوم في كل خطاب من خطاباته .

11ـ لغة الرئيس الملغزة هذه تغذي أكذوبة المؤامرة الخارجية التي تقودها أمريكا ، ثم نري الرئيس وهو يستقبل خمسة من أكابر الدولة الأمريكية خلال شهر أبريل الماضي ، ونسمع التصريحات الدالة على حيوية العلاقات ومتانتها وأهميتها.


12 ـ توحشت في عهد الرئيس جماعة شرطية ، هي طائفة أمناء الشرطة ، بحيث لا يكاد يمر أسبوع حتى يرتكب أمين شرطة جريمة في حق أحد المواطنين ، بداية من ظلمه ونهاية بإطلاق الرصاص على صدره .


13ـ كل حاكم مصري يكون معنيًا في المقام الأول بأمرين ، الوحدة الوطنية بين طرفي الأمة ، والحفاظ على تدفق النيل .

في الأمر الأول نلاحظ نجاح نظام الحكم في الحفاظ على حدود معقولة يمكن البناء عليها في منظمة الوحدة الوطنية ، ولكن في الأمر الثاني وهو أمر حياة أو موت ، لم نشهد سوى الفشل المرعب ، فحتى اللحظة يتواصل بناء السد الأثيوبي الذي ينذرنا بالموت لا بالعطش فحسب ، متى تم تخزين مليارات الأمتار من المياه التي حتمًا ستخصم من الموارد القادمة إلينا من المنبع .

13 ـ الارتباك الرسمي تجاه معالجة أي حادث كان ، ولو رجعنا إلى حادث مهم وخطير مثل مقتل الباحث الإيطالي ريجيني ، سنجد روايات متضاربة ومتناقضة وبعضها مضحك لا يصمد لأي نقاش جاد ، وهذا الارتباك  يجعلنا نظهر أمام الآخرين بمظهر الدولة الفاشلة الفاشية .

14ـ يتحدث الرئيس دائمًا عن انجازاته لمشاريع قومية عملاقة في عامين فقط بينما نحن المواطنين لا نرى ثمرة تلك المشاريع ولا نحس تجاهها بأي أمل حقيقي في أن تصبح عملاقة فعلًا وتأخذ بأيدينا  إلى الأمام  .

وبعد هذا هذه المساهمة السريعة يبقي التأكيد على أن أول الشفاء لا يكون إلا بعد الاعتراف بوجود المرض ، وبالحق نحن مكبلون بأمراض شتى ، فاللهم اشفنا برحمتك ولطفك .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر فى جريدة المقال بتاريخ 9 مايو 2016

الأحد، 8 مايو، 2016

عمومية الصحفيين.. قصص ومناظر







ظهر  الأربعاء الرابع من مايو الحالي ، كنت في ميدان لبنان متجهًا إلى وسط العاصمة، حيث مقر نقابة الصحفيين، للمشاركة في اجتماع الجمعية العمومية. كانت حركة المرور قد أصابها شلل رباعي، وبدأ سائقو الميكروباص وبعض أصحاب السيارات الخاصة في سب الصحافة والصحفيين الذين أجبرت مظاهراتهم قوات الشرطة على إغلاق منطقة وسط العاصمة، مما أدي إلى تكدس السيارات على باقي المسارات.

بعد أكثر من ساعة ونصف وصلتُ إلى مدخل شارع عبد الخالق ثروت من ناحية شارع رمسيس.

بدا الأمر كما هو معتاد، حواجز أمنية وضباط ومجندون معظمهم مصاب بأنيميا  حادة،  ثم جماعات  من البلطجية المستأجرين، والذين يدللهم المصريون الساخرون بلقب المواطنين الشرفاء.
.
البلطجية في حماية الضباط، وتلك هي الكارثة، كارثة  بذاءة نظام وفحش إدارة، كارثة  إطلاق الرصاص على  رأس المنطق، والتصويب على قلب المعني، معنى القانون ومعني الواجب الوظيفي عندما ينهار ويسفل وينحدر إلى هاوية اللجوء للبلطجية.

ساحرة الأمازون

في الحقيقة لا أعرف كيف يكون شكل ساحرة الأمازون. قرأت في بعض القصص أنه مخيف جدًا، وهذا ما عاينته  وأنا أحاول المرور من الحاجز الأمني. قبضة بيضاء قوية جدًا ومشعرة للغاية قبضَتْ بعنف على ذراعي وصرخت صاحبتها: "انت جاي هنا ليه؟"

سؤال السيدة الأمازونية مضحك حتى الهلاك، ولكنه محور رئيسي من محاور كارثة  انهيار المعني.
أجبتها وأنا أقبض على ذراعها بعنف مماثل: "انتي إيه اللى جابك هنا؟"

صاحت بطريقة مرعبة: "شيل إيدك ماتلمسنيش".
هنا ضحكتُ، فتدخل البك الضابط قائلًا: "هل ستتشاجران في حضوري؟"
فأضحكني سؤاله الاستنكاري وقلت له: "اصدر لها أمرًا  بأن تترك ذراعي".

فقال: "اترك أنت ذراعها أولًا واظهر بطاقتك الصحفية".
أخذتني عبثية الموقف كله فأقسمت على عدم إظهار بطاقتي الصحفية. وكي لا يتطور الأمر تركني أعبر الحاجز بينما استطاع إيقاف زملاء آخرين بزعم عدم امتلاكهم بطاقات صحفية.

واقعة الكشري

في زمن ما قبل الفضائيات واﻹنترنت، كان المراهقون يتكبدون عناء الذهاب إلى دور العرض التي تعرض الأفلام المشاركة في مهرجان القاهرة السينمائي، وكان لديهم سؤال واحد أزلي أبدي يلقونه على كل مغادر لقاعة العرض: "هو الفيلم دا قصة ولّا مناظر؟"

كانوا بسؤالهم يريدون الاطمئنان على وجود مشاهد "مناظر" ساخنة في الفيلم، فإن كانت الإجابة بأن الفيلم "قصة" انصرفوا عنه لأنهم يريدون الأفخاذ  العارية لا حبكة الدراما.

ويوم أمس كانت به ثلاث قصص وعدد لا يحصى من المناظر. خذ عندك منظر التقاتل على علب الكشري التي كان يوزعها متعهد على البلطجية الذين يلتهمونها وهم يرقصون على موسيقي الأغاني الوطنية ويلوحون بأعلام الوطن وصورة الرئيس ويسبون الصحفيين. كل ذلك يفعلونه في نسق واحد عجيب أشد العجب .

مثل هذا البؤس ثقيل على أي قلب يتمتع صاحبه بالحد  الأدنى من الرحمة، ولكن ماذا بيد أي إنسان رحيم ليقدمه لهؤلاء الرافضين لأي حراك قد يدفع  بحياتهم إلى الأمام؟
هؤلاء قوم رضوا بالبرشام المخدر ورضي عنهم البرشام.

الغد علينا

حاول محامون الخروج من نقابتهم الملاصقة لنقابة الصحفيين لإعلان تضامنهم معنا، ولكن البلطجية ورجال الشرطة حالوا  بينهم وبين هدفهم، فتراّصوا أمام سور نقابتهم وراحوا يهتفون بكل قلوبهم مؤيدين للصحفيين ومتضامنين معهم.
تلك قصة لم تأخذ حظها من الاهتمام الإعلامي. في غبار المعارك تضيع تفاصيل غاية في الأهمية، وقد ضاع تضامن المحامين مع الصحفيين، وذلك لأن تضامنهم كان جذريًا وواعيًا ومدركًا لحقيقة الموقف الذي لا يخرج عن أن دهس الصحفيين نذير سوء للمحامين، وأنه إن كان اليوم على الصحفيين فالغد على المحامين.

أم القصص

أمام النقابة وعلى سلمها الخارجي اجتمع آلاف الصحفيين، وكان هتافهم الرئيسي: "عيش، حرية/ الجزر دي مصرية".
قل هي الجزر ولا شيء آخر. موقف الصحفيين الرافض للتخلي عن جزيرتي تيران وصنافير واحتضان النقابة لمتظاهري جمعة الأرض هو السبب الرئيسي، بل يكاد يكون الوحيد لتنكيل النظام الحكام بالصحفيين.
لقد أدرك الصحفيون مبكرًا جدًا أنهم أمام نظام حكم يريد ـ لأول مرة في التاريخ المصري ـ التخلي عن أرض مصرية، هكذا بدون منطق ولا دليل ولا وثيقة. رفض الصحفيون هذا الاتجاه فكان ما كان، وسيكون ما هو أشد وأشقى.

الجميلات هن الثائرات

قرب العصر دعا مجلس النقابة عموم الصحفيين للدخول إلى القاعات الرئيسية للاستماع إلى قرارات اجتماع الجمعية العمومية.
كان الأمر مفرحًا ذلك الفرح الذي يعيد لك يقينك بصفاء الوجدان المصري. الكثرة الغالبة كانت للصحفيات، فأين ذهب التحرش؟ بل أين ذهبت الغلظة والجلافة، وأين ذهبت المعاكسة والاستظراف؟

كل تلك الأمراض التي يحاول بعضهم ترسيخها لدي المصريين لم يكن  لها من وجود. عكسها كان هو المسيطر والحاكم للموقف كله .
لم تتعرض صحفية لمضايقة ولو بإشارة، رغم الزحام والجو الخانق والطقس الحار.
كان كل صحفي حريصًا على حماية زميلته والترفق بها محاولًا أن يجد لها مقعدًا لكي تجلس عليه.

ولأن الثائرات هن الجميلات، ولأن الجميلات هن الثائرات فقد وضعت الصحفيات المصريات لمساتهن على بدء الاجتماع.
فجأة وقفت أكثر من مائة صحفية وبدأن في إنشاد النشيد الوطني.
دموع غزيرة خنقت أصوات معظم الرجال تأثرًا بلمسة الجميلات.
هنا مصر بفنها ورقيها، هنا مصر التي لم تكف قطّ عن المقاومة، هنا مصر التي تسعي لأن تنتزع حقها في البناء والنهوض.

وقفة المحامين المؤيدة والداعمة للصحفيين كانت قصة، ومعرفة الصحفيين بسبب تنكيل النظام الحاكم كان القصة الثانية، نشيد الجميلات كان القصة الختامية، ليوم سيكون له ما بعده.
يوم الأمس كان القطرة الأولى في غيث قادم، بل في طوفان سيكتسح هؤلاء الذين يظنون أن بمقدورهم حبس المارد في قمقم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بموقع مدي مصر / الخميس 5 مايو 2016