الخميس، 22 ديسمبر، 2016

الصور تليق بالأحباب ( 3 ـ 3 )

* نبوءة الصيادة 


عندما ذهبت إليها بحيرتي، كانت تشرف على عشرين رجلًا يعملون في حقلنا، تتحدث معهم كأنها رجل وليست امرأة، لا تخجل من سبهم بما يأتي على لسانها من ألفاظ.
جلست إليها تحت ظل نخلة وبحت لها بسر المذكرات.
غضبتْ كما لم تغضب من قبل ولا من بعد، غضبتْ حتى بكت، نعم المرأة القوية بكت بين يدي.
قالت المرأة القوية من بين دموعها: "أنت عاق، وسيعاقبك الله يومًا، ويومها سأشهد عليك، كيف استبحت أسرار أبيك؟ ثم كيف سرقت؟ ثم كيف فتشت؟ ثم كيف لم تمت خجلًا؟ أنت مجرم، أنت ارتكبت كبيرة لا أظن أنك ستفلت منها، جئتني بجريمتك تطلب مساعدتي ؟.
أنت لا تستحق مساعدة قبل أن تبكي دمًا لعل الله يغفر لك ذنبك".
بقوتها القادرة كفت عن البكاء ثم قالت بصوت واضح: "ماذا تريد مني؟"
قلت : " أريد كل أبي ".
ابتسمت ابتسامة استهتارها وقالت: "عودك أخضر ولن تستطيع تحمل ثقل أهون سر".
قلت متبجحًا: " بل أنا رجل قوي".
حدقت في وجهي طويلًا ثم قالت: "خذ هذا السر".
ثقل كلامها عليّ فلم أدعها تكمل سرها ففررت من وجهها فراحت تقذفني بالحصى وتصيح: "عد يا أيها الرجل القوي، عد لو كنت رجلًا".

***

لم نكن نطلب بهيجة  في مكان أو زمان ونفتقدها، دائمًا كانت حيث نريد، كانت في زيجاتنا وحقولنا وخبيزنا وأفراحنا وأحزاننا وسفرنا وإقامتنا، كانت كالهواء تحيط بنا من كل جانب، في زمن ما، أطلقنا عليها لقب الحاج مشحوط، وشاع اللقب حتى كاد يغلب اسمها، ومشحوط عندنا هو الذي ينشغل بكل شيء، فهو مفرّق بين الأشياء وقائم بالأعمال لا يكل ولا يمل.
كانت علمًا عندما كان ذكر أسماء النساء من العيوب، كان ابنها عندما يفاخر يقول: "أنا ابن بهيجة عبد الرحيم أنا ابن الحاج مشحوط".

***

الحنين يفتتني يا بهيجة يا  أمي، أحن لرائحتك وأنت قادمة من الطاحونة معطرّة برائحة الدقيق الساخن.
أريد القبض على جلساتنا بين الحقول وأريد القبض على شاي الحقول وعلى طعامه.
كنت تزينين غرفتي بالصور التي أحب، كيف كنت تعرفين الصور التي أحب؟.
كنت أذهب معك إلى السوق وكنت تبتاعين  لي ما أشتهي، كيف كنت تعرفين شهواتي؟.
 أعرفك يا أمي لا تحبين الرجل الضعيف، سأكون قويًّا ما دمت أكتب لك وعنك، سأبوح لك بسر صغير: ما أكتبه الآن جاءني يوم الأربعاء العاشر من أغسطس من عامنا هذا، وفيه  ذهبت إلى فندق بالدقي لمقابلة محمد المخزنجي ـ ربما يكون ولدك ناصر قد حدثك عنه ـ  هو يا أمي كأنه من أبناء عبد الرحيم، هو قوي وقادر مثلك، وأبيض وحيي كأمنا، أعرفه منذ زمن بعيد وليست ثمة صورة تجمعني به، نعم يا أمي أنا أصبحت عاقلًا وطردت عني أوهام الخلود والأبدية، فكلنا يا أمي إلى زوال، ولكن يشق علي افتقادي لوجوه أحببتها.
مرت بنا مضيفة جميلة فغازلتها فتعجب المخزنجي من جرأة لا يعرفها فيّ، ضحكتْ الجميلة من مغازلتي فقلت للمخزنجي: "هذا ما أريده، ستصورنا وهي ضاحكة فتأتي صورتنا كأجمل ما تكون الصور".
نشوة الضحك جعلت يد الجميلة تهتز وهي تصورنا فقال المخزنجي :" هذا ما أخذناه من غزلك ".
يومها طبب المخزنجي جروحي وترك لي صورته، لحظتها قلت سأكتب عن صور تليق بمقام الأحبة، لحظتها افتقدت صورتك.
آه يا شقيقتي، آه يا أمي،  لقد ماتت أمنا عظيمة، ومات أبونا الحاج بهجات، آه يا أمي لقد وقعنا في جب الحزن.
آه يا أمي القوية السمراء، آه يا حاج مشحوط، كيف اجترأ عليك هذا السرطان الخبيث ؟.
كيف تذوبين أمام عيوننا وأنت البقية الباقية من الأحبة؟.
أنا الآن يا أمي، أعيش الوحدة الكاملة وأعيش النقصان الكامل، أعيش البتر الهمجي، تلفني الوحشة يا أمي، لست قويًّا مثلك، أنت اصطدت لي الطائر المحلق في السموات البعيدة، أنا يا أمي أصطاد كل صباح خيبة جديدة وهزيمة جديدة، وأفتقد صورتك.
آه يا أمي وشقيقتي، حذرتني قبل ثلاثين عامًا من عقاب هتك السر، لقد وقع العقاب، لقد هتكوا سري وتركوني مكشوف العورة.

الخميس 1 سبتمبر 2016

هناك تعليق واحد: