الأحد، 8 نوفمبر، 2015

دولة الإهانات







كنتُ في بداية عملي بالصحافة، وذات صباح ذهبت إلي الفنان التشكيلي "عدلي رزق الله" للحصول على رأيه في تحقيق كنت أكتبه، استقبلني الرجل استقبالًا طيبًا، وزاد من طيب الاستقبال وحرارته معرفته بأنني "بلدياته" صعيدي أسيوطي .


رد على كل أسئلتي برحابة صدر حتى جاء سؤال كان رده عليه: "متتعلمش التفاهة من دلوقت وتسأل أسئلة تافهة وهايفة". رده أصابني بخجل لم يسكتني ، بل جعلني أطلق دفعة شتائم في وجه الرجل.


باغتني الفنان العجوز الحكيم  بضحكة مجلجلة ثم قال: "جدع يا ولد، متخليش حد يهينك بس في نفس الوقت خليك واعي للفرق بين الإهانة وبين النقد القاسي، ثم يا صعيدي الإهانة لاحقة الجميع وكلنا تحت سيفها بطريقة أو بأخرى".

لم يعجبني كلامه لإيماني وقتها بأن الإهانة تلحق بمن يستحق فقط!!.


قرأ هو في وجهي عدم اقتناعي بكلامه فواصل قائلًا: "هسألك سؤال وهصدق إجابتك وعايزك تصدق إجابتي أنا عن نفس السؤال: مين هو من وجهة نظرك أكبر وأهم كاتب في مصر؟"

قلت علي الفور: "الأستاذ نجيب محفوظ".

رد هو: "طبعًا الأستاذ نجيب كبير ومهم ولكن عليك أن تعرف قبل أن تعرّفك الأيام أن الدولة المصرية لو عايزة تهين نجيب محفوظ فمش هتتأخر وهتبعتله أصغر عسكري يجره من قفاه ويسحله علي الأسفلت".


ولأنني كنت أخضر العود فلم أصدق إجابة الأستاذ عدلي رزق الله .


ثم بعدها بسنوات مات الأستاذ نجيب وكانت جنازته باردة لأن الدولة أرادتها رسمية مانعة لمحبيه وعارفي فضله من المشاركة في تشيعيه، وبعد الجنازة بأيام كتب الصحفي مجدي مهنا مقالًا في المصري اليوم قال فيه إن أجهزة الأمن قد فتشت جثمان محفوظ خوفًا من أن يكون أحدهم قد دس قنبلة في الجثمان، وذلك حرصًا علي كبار المشيعين وكان من بينهم الرئيس مبارك!!


وندد مهنا في مقاله بالعبث الذي لحق بالجثمان مما يعد إهانة للموت وللميت.

لم يكذب أحد ما كتبه مهنا، وأنا لم أعتذر لعدلي رزق الله  بعدما أثبتت الأيام صدق إجابته القديمة.


صباح اليوم الأحد الثامن من نوفمبر 2015 زاد رصيدنا في بنك الإهانات إهانة جديدة ، وذلك عندما قامت قوات من الأمن بإلقاء القبض على رجل الأعمال الشهير صلاح دياب ونجله ووضعت القيود الحديدية في أيديهما وصورتهما مقيدين وبعثت بالصور إلي المواقع الإخبارية !!

صلاح دياب فاسد أم شريف؟

الإجابة لدي القضاء .

فإن كان شريفًا فلماذا تتعمد الدولة إهانته على هذا النحو؟.

وإن كان فاسدًا فهل عقوبة الفاسد هي  إهانته لساعات أو لأيام ثم يطلق سراحه؟.

وإن كان فاسدًا فهل هو الفاسد الوحيد بين رجال الأعمال؟.


أعود إلي حديثي القديم مع الراحل الكريم عدلي رزق الله ،الذي تأكدت عبر تجارب مريرة أليمة من صحته ، لأقول إن  الدولة تهين من تريد وقتما تريد لأسباب تخصها ، أهانت جثمان الشيخ العجوز نجيب محفوظ حرصًا على حياة مبارك !!


وتهين صلاح دياب لخلاف بينه وبينها لا علاقة له بمصالح البلاد العليا أو السفلى .

إن كل غرض هو مرض ، وإن كل عقاب خارج منظومة القانون يجب علينا جميعًا الوقوف ضده ، فكما جرت إهانة دياب ـ ولو كان فاسدًا ـ جرتْ إهانة أبرياء شرفاء وستجري إهانة أبرياء آخرين إلي أن يقام للعدل ميزان في هذا البلد .  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بموقع البداية بتاريخ 8 نوفمبر 2015

هناك 6 تعليقات: