الخميس، 18 ديسمبر، 2014

دَعْه يفبرك.. دَعْه يمر






لا يخلو مجتمع من أناس يؤمنون بالخرافات والآراء الشاذة الخارجة عن نطاق أى تفكير صحيح وسليم، يستوى فى ذلك المجتمعات المتقدمة، التى تناطح سحاب العلم والفكر، وتلك التى تزحف على بطونها، لكن يبقى هناك فارق جوهرى بين المجتمعات المتقدمة وغيرها، وهى أن حركة الأولى التى تمضى قدمًا إلى الأمام تعصم باقى طوائف وفئات المجتمع من هؤلاء أهل الخرافات، فمن العادى أن تجد قسا أمريكيا يصرخ فى أتباعه بأنه يحتاج فورا إلى خمسة عشر مليون دولار، وإلا فإن نيزكًا خرافيًّا سيسحق أمريكا فى مساء نفس اليوم!


الأتباع الخائفون على حاضر ومستقبل أمهم أمريكا ينفحون القس عشرين مليون دولار، وليس خمسة عشر فقط كما طلب!

إلى هنا والدولة الأمريكية لا تتدخل بين القس وأتباعه، لكنها تتدخل فى اللحظة الحاسمة بعد أن انهالت التبرعات على القس، جرى تحقيق موسع معه، وتم فضح ادعائه بأن نيزكا سيدمر أمريكا، وتم خصم الضرائب لصالح الخزانة العامة من أصل المبلغ، والباقى تم صرفه على رعاية فقراء كنيسة القس!


وبهذا الحسم انتهت القصة الأمريكية التى تذكرنا برائعة يوسف إدريس طبلية من السماء ، لكن الأمريكان جعلوها طبلية لصالح المجتمع.

نحن فى مصر -بعد الثورة أو قبلها لا يهم- يجرى الأمر على نحو معاكس تمامًا.

أولا: لا تراعى الدولة (أقول الدولة لا الحكومة) أننا بلد فقير، تفترسه الأمية الأبجدية بأنيابها المتوحشة، وتحاصره أمية ثقافية ومعرفية لا تقل فى توحشها عن الأمية الأبجدية، كما تتجاهل الدولة أننا بلد نُكب بانقطاع يكاد يكون تامًّا بين ماضيه المتألق وحاضره الذى نعرفه جميعا.


ثانيا: من خلال تجاهل الدولة لما سبق تقوم بإفساح المجال لكل من هب ودب، لكى يفعل ما شاء له هواه دون رقابة أو محاسبة، وفى هذا المضمار، نرى إحداهن تثير فزع ورعب الناس من خلال بث حلقة مصورة لفضائية خاصة عن مجموعة من الرجال يستخدمون حماما شعبيا، وتقوم السيدة صاحبة البرنامج بنعتعهم بأنهم جميعا من الشواذ، وعندما يضغط الرأى العام لكى تتحرك الدولة لإظهار الحقيقة، تأتى تقارير الطب الشرعى حاسمة بأن ثلاثة رجال من مجموع ثلاثة وثلاثين رجلا هم فقط الذين لهم علاقة بالشذوذ، ثم تعود الأمور إلى سابق عهدها من التجاهل والصمت المريب، فلم تعتذر السيدة صاحبة البرنامج عن تعميمها المفزع ولا حتى عن الفكرة المريبة التى قام البرنامج بترويجها.

ثم نرى سيدة ثانية، تكرس كل جهودها وجهود العاملين معها لبث حلقات عن كل ما هو خرافى، بداية من المس الشيطانى ونهاية بما لا أعرف من آراء وأفكار لا تستقيم مع أدنى درجات العقل.

وليت سيدة المس الشيطانى اكتفت بما بثته فى برنامجها، لكنها راحت تختلق حكايات يبدو واضحًا فيها استغلالها حاجة الناس المادية، وذلك من خلال جلبها طفلًا فقيرًا تظهره معها مرة بوصفه طفلا تائها عن أهله ومرة بوصفه طفلا لأسرة مصابة بالمس الشيطانى، يقينا هناك مقابل مادى لأسرة هذا الطفل الفقير الضائع.


ثالثا: تسلط الدولة جماعة من السماسرة، الذين يقومون بخلط كل الأوراق بحيث تتوه كل حقيقة، هؤلاء جاهزون دائمًا لتمزيق لحم كل مطالب باحترام عقول الشعب وبخصوصية اللحظة التى نحياها، وذلك بدعوى حماية حرية التعبير!

لا نطالب ولا نؤيد منع أحد، لكن كل مطالبنا تتلخص فى أن يدفع كل واحد ثمن كلامه، ويقدم الأدلة اليقينية على صدق ما يدعى، لكن للأسف نحن نتعرض لعاصفة من عواصف دعه يفبرك دعه يمر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة التحرير17 ديسمبر 2014


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق