الاثنين، 22 سبتمبر، 2014

المتحمس






من معارك المسلمين مع الفرس معركة تبدو مجهولة رغم خطورتها، تُعرف باسم معركة الجسر، والجسر هو الكوبرى بلغة أيامنا، ويقول ملخصها إن رستم قائد الفرس الشهير كان رجلا صاحب طموح وكبرياء، وقد هزته هزا عنيفا الهزائم التى أوقعها المسلمون به وبجيوشه، فحشد حشدا عظيما مكونا من ثمانين ألف مقاتل من خيرة محاربى الفرس، وجعل فى مقدمة جيشه عشرين فيلا، وهو كائن ليس للمسلمين الأوائل فى زمن عمر بن الخطاب كثير معرفة به، وجعل القيادة العامة لبهمن جازويه، وهو من أشد العسكريين الفرس بغضا للمسلمين، وكان الذى يقود المسلمين هو أبو عبيدة بن مسعود، وهو رجل وإن لم يكن ذائع الصيت إلا أن صفحات العسكرية الإسلامية تحتفظ له بتاريخ ناصع. كان معسكر الفرس على الجانب الشرقى من نهر الفرات ومعسكر المسلمين على الجانب الغربى، ولا يفصل بينهما سوى جسر صغير يصل بين الضفتين.

صاح بهمن فى المسلمين: «هل تعبرون إلينا أم نعبر إليكم؟».

أكابر قادة الجيش، وكان من بينهم القائد الفذ الشهير المثنى بن حارثة، أشاروا على أبى عبيدة بضرورة أن يعبر الفرس إليهم، وقد قالوا فى حيثيات مشورتهم إن المسلمين لو انهزموا فسيعودون إلى بلادهم التى يعرفون جغرافيتها، أما لو عبروا وهزموا على أرض العدو فسوف يتشتت الجيش، ولن تقوم له قائمة.

يقول المؤرخون إن أبا عبيدة كان رجلا من حديد لا يلين لرأى غير رأى حماسه الدافق وإخلاصه العظيم، ولذا فقد شق على ثقته بنفسه وبرجاله أن يبقى فى مكانه، ولا يعبر بالجيش ليلاقى العدو على أرضه، وقد حاول المثنى غير مرة أن يثنيه عن عزمه هذا، ويبين له خطورة ما هو مقدم عليه، لكنه بحكم قيادته استبد برأيه، وأمر الجيش بالعبور.

وما أن عبر جيش المسلمين، وكان عدده عشرة آلاف مقاتل، حتى تصدت لهم الأفيال فجفلت خيول المسلمين، وولت هاربة من ميدان المعركة، وقد ألقت من فوق ظهورها فرسانها، حاول المثنى وباقى القواد إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن كان الوقت قد فاتهم، وتبعثرت فرص الإنقاذ، لأن أبا عبيدة ذهب برأيه إلى كارثة محققة، وذلك عندما ذهب ليقتل الفيل الأبيض، الذى كان بمثابة القائد العام للأفيال، وقد حاول باقى القواد مرة أخرى منع أبى عبيدة من مواجهة هذا الفيل تحديدا، لكنه رفض الإنصات إليهم، ضرب أبو عبيدة الفيل بسيفه على خرطومه ضربة قاتلة أهاجت الفيل، الذى ركل أبا عبيدة ركلة أطاحت به، ثم جن جنون الفيل، فوقف فوق جسد أبى عبيدة حتى جعله والأرض سواء، هنا تيقن المسلمون من الهزيمة بعد مقتل قائدهم العام، ومقتل القادة العموميين، الذين عينهم قبل موته، وكانوا جميعا من أبنائه الذين حاولوا الثأر لأبيهم فماتوا مثله بسبب حماسهم الزائد الذى كان فى غير محله، وما زاد الطين بلة أن أحد عساكر جيش المسلمين تقدم بفرقة من الجيش، وقاموا بقطع الجسر لكى يحمس الناس على القتال حتى آخر نفس، قطع الجسر أدى إلى مزيد من استبسال الفرس، الذين أعملوا سيوفهم ورماحهم فى ظهور عساكر المسلمين، الذين تفرق جمعهم.

ولولا حنكة وحكمة المثنى الذى أعاد وصل ما انقطع من الجسر ورتب انسحابا هادئا لكان الهلاك قد لحق بكل جيش المسلمين.


وبعد مرور مئات السنوات على تلك المعركة يحق لنا أن نحذر المتحمسين، الذين لا ننكر عليهم إخلاصهم وحماسهم من التزيد، الذى يقود غالبا إلى المهالك لا إلى النجاة.
ـــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير 16 يوليو 2014
لينك المقال:
http://tahrirnews.com/chosen/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B5%D8%B1/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D9%85%D8%B3/

هناك تعليق واحد:

  1. نفس الشىء لشباب ونشطاء الثورة الذين تم استيرادهم فى بلاليص من يوتوبيا تجمعهم مع ديدان وبدون مش ...لذلك نحن هكذا اليوم فلا تتعجبون ولا تتسائلون .

    ردحذف