الثلاثاء، 2 أبريل، 2002

القواعد العسكرية الأمريكية تحتل الخليج (1)

       


من المسئول عن هذا التواجد الأمريكي السرطاني في الأرض العربية؟
سؤال إن طرحته علي معظم السلطات العربية جاءك الرد واثقًا وقاطعًا: "إنه صدام حسين".
ولهؤلاء الواثقين في صواب إجابتهم نقدم وثيقة علمية تؤكد أن الهيمنة الأمريكية تثبت أوتادها بالمنطقة قبل أن يولد صدام حسين، وأقامت قواعدها في الخليج وهو بعد طفل صغير يلهو في شوارع تكريت.
وفيما يلي نستعين على موضوعنا بالوثيقة التي هي عبارة عن رسالة تقدم بها الباحث الشاب محمد محمود الطناحي إلى قسم التاريخ شعبة التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة عين شمس لنيل درجة الماجستير وقد أشرف على الرسالة الأستاذ الدكتور جمال زكريا قاسم أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة عين شمس هذه الرسالة التي حملت عنوان "تطور السياسة الأمريكية في الخليج العربي من 1978 إلى 1988".
هذه الرسالة نصفها بأنها وثيقة "مقاومة" لأننا نؤمن أن كل من يذكر الحقيقة هو مقاوم مجاهد في سبيل خروج أمتنا من نفق مظلم طويل يريد لها البعض أن تسكنه للأبد.
بداية نؤكد على اعتمادنا على ما جاء بالرسالة من معلومات مع الاحتفاظ بحقنا في القراءة والصياغة والتعليق، لأن هذا أمر يخصنا ولا يخص دراسة أكاديمية لها منهجها ولغتها شأن كل الأعمال الأكاديمية.
عسل الخلايجة وسمن الأمريكان
قبل أن يخلق الله صدام حسين كانت أمريكا موجودة وبقوة في الخليج العربي، ففي عام 1833 وقعت عمان معاهدة مشتركة مع الأمريكان وتم تعيين قنصل أمريكي بها في العام 1836. كانت عمان مهمة جداً للأمريكان وبخاصة منطقة زنجبار التي اجتذبت اهتمام الإدارة الأمريكية لوقوعها في طريق الهند والشرق الأقصى.
وبعد الوجه التجاري للعلاقة بدأ الوجه الديني إذ راحت أمريكا تمطر الخليج ببعثات "التنصير" يسمونها "التبشير" وهي تسمية خاطئة مراوغة -أحذر من الوقوع في فخاخها- بدأت البعثات نشاطها الرسمي في البحرين عام 1892 فأقاموا المستشفيات ثم بنوا المدارس وبعدها أسفروا عن حقيقة أهدافهم فاقتحموا ميدان العمل السياسي متعاونين مع السلطات البريطانية لإحكام السيطرة علي الخليج خاصة بعد انهيار الدولة العثمانية وكانت "الإرسالية الأمريكية العربية قد أنشئت في العام 1899 على يد البروفسير لانسنج وثلاثة من مساعديه في مدينة نيويورك بولاية نيوجرسي الأمريكية بهدف نشر أهدافهم التي يسمونها "تبشيرية" في منطقة الخليج العربى. إذن العلاقات متينة وبعثات التنصير تعمل بهمة في زمن لم يكن فيه صدام.
أول الخيط
مهدت بعثات التنصير أرض الخليج أمام جحافل الأمريكان، ثم جاء دور البترول الذي يمثل عنق العرب كل العرب ليشنقهم قبيلة بعد أخري وخيمة بعد أخري ودولة بعد أخرى.
وبانتهاء الحرب الأوروبية الأولي التي فرضتها أوروبا علي العالم فرضًا فأصبح اسمها الحرب العالمية الأولي تنبهت أمريكا لبترول الخليج أو قل تلمظت عليه خولت لنفسها حق الحصول على امتيازات بترول الخليج، فبدأت بالحصول على امتياز بترول البحرين في الحادي والعشرين من ديسمبر من العام 1928 ثم أتبعته بالحصول على بترول السعودية في التاسع العشرين من مايو من العام 1933.
هنا نتوقف لنذكر أن الملك عبدالعزيز كان يرغب في الابتعاد عن النفوذ البريطاني وكان يرى أن الشركات البترولية الأمريكية تتمتع باستقلال كبير إزاء حكوماتها كما أنه كان لا يرى أية أهداف سياسية لأمريكا في الخليج. انتهت وقفتنا وضع ما شئت من علامات التعجب والاستفهام.
بعد الحصول على امتياز بترول المنطقة الشرقية بالسعودية حصل الأمريكان علي امتياز بترول الكويت في الثالث والعشرين من ديسمبر عام 1934 كما حصل العدو علي بترول المنطقة المحايدة بين الكويت والسعودية في الثامن والعشرين من يونيو عام 1948.
ألا يذكرك هذا التاريخ بشيء إنه تاريخ اغتصاب الصهاينة لفلسطين.
ولأن الخلايجة يحبون أمريكا فقد أتاحوا لها الحصول علي الامتيازات البترولية في قطر وعمان.
وأمام كل هذا النجاح والأرباح الأسطورية التي حققها العدو اتسع نفوذ شركات البترول حتى أن المراقبين أرجعوا فوز الرئيس أيزنهاور بالرئاسة عام 1953 إلي الدعم الذي تلقاه من شركات البترول الأمريكية وهو الأمر الذي دفع أيزنهاور إلى أن يسند سبع وزارات لأقطاب هذه الشركات.
مرة أخرى لاحظ أن إدارة المجرم بوش هي في الأساس من رجالات البترول ويأتي على رأسهم هذا المجرم بوش الصغير.
قد يعترض معترض قائلاً: "إننا نحن العرب جماعة من البدو الرحل لا نعرف كيف ننقب عن البترول ولا كيف نستخرجه ولذا فمن الضروري أن نلجأ للذين يعرفون وهم الأمريكان". وهذا الاعتراض هو كما يقولون لا محل له من الإعراب، فأولاً لسنا بدواً رحلاً، وثانيًا لماذا لم نستثمر أموالنا في أن نعلم أنفسنا كيفية استخراج كنوزنا التي وهبها الله لنا، وثالثًا الأمر لم يتوقف عند إعطاء الأمريكان دون خلق الله جميعاً امتيازات البترول إذ تعداه إلى تدفق أمريكي علي المنطقة فبلد واحد مثل السعودية كان يعمل به في بداية الثمانينيات قرابة الـ 35 ألف أمريكي.(ترى كم يبلغ عددهم الآن).
 وإضافة لتدفق العمال والخبراء الأمريكان فإن حكامنا أعطوا للأمريكان معظم –إن لم يكن كل– عائدات البترول، إذ إن معظم الاستثمارات الخليجية الخارجية هي في أمريكا أولاً وعاشرًا، وبعد الاستثمارات تأتي كارثة الواردات فالأشقاء الخلايجة بلغت جملة ما استوردوه من أمريكا في العام 1985 (3.688.3) مليار دولار وهذا كان في عام 1985 فكم يا ترى أصبح المبلغ الآن؟

آخر الخدمة
ولأن العدو الأمريكي مثل الغز فإن آخر خدمتهم "علقة" كما يقول المثل الشعبي، فبعد أن أحضر الخلايجة الأمريكان إلي بلادهم ومكنوهم من البترول وساعدوا اقتصادهم علي النمو والازدهار بما ضخوه في عروقه من استثمارات وبعد أن وفروا فرص العمل لملايين الأمريكان، كان منطق الأمور أن ترد أمريكا الحسنة بخير منها أو بمثلها علي الأقل ولكن انظر ماذا قدمت أمريكا لأحبابها عرب الخليج؟
عملت أمريكا أولاً على تقوية إيران "أيام حكم الشاه" ليكون "بعبعًا" يخيفون به العرب فهم في الفترة ما بين 1953 و1960 قدموا لإيران معونات اقتصادية وعسكرية بلغت حوالي مليار دولار (لاحظ أن هذا كان من حوالي خمسين سنة أيام أن كان رقم المليار رقمًا أسطوريًا فاجعًا) وفي الفترة ما بين 1972 و1978 باعوا لإيران أسلحة بقيمة 16.2 مليار دولار.
وفي السياق ذاته عمل العدو الأمريكي على ضمان التفوق المطلق للصهاينة في أية مواجهة تقع بينهم وبين العرب.. وطبعاً كله على حساب صاحب "المخل" الذي هو والعرب الخلايجة ببترولهم الذي وضعوه طائعين مختارين بين يدي العدو.
ليس هذا فحسب، بل إن دولة مثل المملكة العربية السعودية وهي صاحبة العلاقة الأمتن والأقدم مع العدو استباح طيران الصهاينة مجالها الجوي عندما قصف المفاعل النووي العراقي.. وكان الأمر بالتأكيد بموافقة الأمريكان ومباركتهم.
الملك عبدالعزيز ال سعود مع الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت على ظهر سفينة امريكيه عام 1945


اسمع كلامك أصدقك
إذا سألت عربيًا أي عربي من المحيط إلي الخليج: من هو عدو الأمة سيرد عليك بكل ثقة: لا أعداء لنا سوي الصهاينة الذين دنسوا أرض الأقصى المبارك.. ستعجبك الإجابة وتتأكد أنك أمام رجل عاقل يعرف عدوه من صديقه، وسيدفعك الإعجاب لأن تسأله: ومن الذي يؤيد الصهاينة؟ سيرد عليك بذات الثقة السالف ذكرها: إنهم الأمريكان.
وهذا أيضًا كلام طيب وعاقل.. تعالوا بنا نري علي أرض الواقع حقيقة موقف هذا العربي الذي تسمع كلامه فتصدقه ولكنك إن رأيت أموره تتعجب كما يقول المثل الشعبي.
أولاً: كان العدو الأمريكي واضحًا وصريحًا وكأنه شمس منتصف النهار إذ أعلن على لسان المتحدث الرسمي باسم الإدارة الأمريكية "بول هير" في مايو 1973 حيث قال: "إن مسألة بيع أي أسلحة لإيران أو السعودية أو الكويت تتم بحساب، لضمان استمرار سياستنا الداعمة لأمن إسرائيل حيث إننا لا نبيع أية أسلحة يكون من شأنها تعريض الأمن الإسرائيلى للخطر".. الكلام واضح ومفهوم ولا يحتاج لتعليق.
ثانيًا: هل اتعظ عرب الخليج من هذا الكلام الأمريكي الواضح؟ طبعًا الإجابة "لا" وذلك لأن عداءهم للصهاينة هو عداء "كدا وكدا" كما تقول العامة في مصر، لأنهم لو كانوا يعادونهم حقاً ما كان الذي كان وما كان الذي هو كائن وما كان الذي سيكون!!
كان لرئيس دولة العدو نيكسون سياسة استراتيجية تقوم على "احتواء" لا أريد أن أقول "احتلال" منطقة الخليج، كانت البداية في إيران وقد تعرضنا لها في السطور السابقة وكان تتويجها في المملكة السعودية.. إذ قدم العدو برنامجًا خاصًا لتطوير القوات المسلحة السعودية والحرس الوطني واشتمل هذا البرنامج علي دراستين، الأولى: خطة دفاعية لتطوير القوات الجوية والبحرية السعودية.. والثانية: خطة لتطوير القدرات الخاصة بالقوات الجوية في فترة تستغرق من خمس إلى عشر سنوات بدءاً من عام 1974.
وما أن جاء عام 1971 حتى وقعت المملكة اتفاقية عسكرية مع العدو تقضي بتزويدها بمقاتلات متقدمة (طبعًا كلمة متقدمة لا معنى لها في ضوء تعهد أمريكا الأبدى بحماية الكيان الصهيوني).
وقد شهد عام 1974 تقدمًا في العلاقات المشتركة بين السعودية والعدو، ففي الثامن من أبريل من العام نفسه وقع وزير الدفاع السعودي الأمير سلطان بن عبدالعزيز عقدًا لشراء صواريخ دفاعية بقيمة 270 مليون دولار (لماذا لم يبتاعها من الاتحاد السوفيتي الذي كان يساند قضايانا؟) نظنه سؤالاً ساذجًا يحتاج لإجابة.
وفي الرابع عشر من شهر أبريل عام 1974 وقع الأمير عبدالله بن عبدالعزيز قائد الحرس الوطني  اتفاقية مع العدو لتدريب قوات المملكة بعقد بلغ 335 مليون دولار.
وشهد العام ذاته مبادرة أمريكية تجاه المملكة تناولت ما عرف باسم "الضرورات" وهي:
1-        ضرورة بناء مثلث المدن العسكرية "خميس، مشيط، تبوك، حفر الباطن" لمواجهة خطر محتمل يأتي من اليمن والعراق!
2-        ضرورة بناء سلسلة قواعد عسكرية لتعويض مشكلة القلة البشرية واتساع رقعة البلاد.
3-         ضرورة تدريب السعوديين على تخزين المعدات العسكرية وصيانتها ونقلها.
4-         ضرورة بناء قواعد بحرية في جدة وينبع وجبيل. 5
5-        ضرورة بناء قواعد جوية في الطائف وخميس وتطوير قاعدة الظهران.
بربكم كيف يستقيم هذا التعاون مع راعي الصهيونية الأول مع ادعاء عرب الخليج العداوة للكيان الصهيوني؟ حتماً ليس هناك استقامة أو عدل أو عقل لأن طبائع الأمور تدعوك لعدم التعاون ولا أقول التحالف مع حليف عدوك.. ولكن هكذا كان أمر الخلايجة وهكذا استمر.
وبعد استقرار التعاون مع كبيرة الخلايجة المملكة العربية السعودية التفت العدو الأمريكي إلي الكويت إذ أنه رأي ضرورة ربط دول الخليج جميعاً بمعاهدات واتفاقيات معه، وبالفعل أرسل إلى الكويت وفدًا من الخبراء العسكريين لدراسة وضع الكويت العسكري وانتهت الدراسة إلى قائمة "بالضرورات" تشبه سابقتها السعودية وهي:
1-    بناء قواعد جوية في الكويت.
2-    إنشاء قوة للدفاع الجوي.
3-     تكثيف أعداد المتدربين الكويتيين.
4-    استبدال طائرات الهليكوبتر المستعملة في الكويت.
5-    زيادة الطاقة البشرية العاملة في المجال العسكري.
رُب ظريف يقول: "إن الأمريكان يجهزون الكويت لتخوض معركة تحرير الأقصى". ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإذا تقدمنا خطوة إلى الأمام وتحديدًا إلى العاشر من فبراير عام 1979 سنجد وزير الحرب الأمريكي "هارولد براون" يهبط الرياض لإقناع السعوديين بتوسيع الوجود العسكري الأمريكي هناك (لاحظ مجدداً أن صدام لم يكن قد وصل إلي حكم العراق بعد). طبعاً نجحت الزيارة وبعد أقل من شهر حلق سرب من طيران العدو في سماء الرياض مخرجاً لسانه للثورة الإسلامية الإيرانية التي كانت لاتزال وليدة، وإضافة إلى سرب الطيران جاء للمملكة ثلاثمائة من عناصر القوات الجوية الأمريكية وطائرتي أواكس (لا تكن ظريفًا فتظن أن أمريكا تعد السعودية لخوض معركة تحرير الأقصى إذ أن الحقيقة أنها كانت تعدها للوقوف في وجه غزو يمني محتمل.. واضحك ملء فمك يا خالي البال).
ولمواجهة العدوان اليمني المحتمل عززت أمريكا قواتها البحرية المرابطة في البحرين مضيفة لها سفينتين جديدتين، ثم توسعت في إضافة المزيد من القوات في الخليج فأصبح لها أربع حاملات طائرات تحمل 400 طائرة و22 سفينة حربية علي متنها 32 ألف جندي فوصلت بذلك جملة قواتها الموجودة في الخليج إلي قرابة الستين سفينة وثلاث مجموعات كاملة من حاملات الطائرات، كما قام العدو الأمريكي بنقل محطات الإنذار المبكر من علي الحدود الروسية الإيرانية إلي مدينة تبوك السعودية.
ولأن إيران المسلمة التي حاربها العرب بوصفها أمة مجوس كفرة قد طردت أي وجود أمريكي على أرضها، قدم عرب الخلايجة تعويضًا مناسبًا لأحبابهم الأمريكان فقدمت عمان قاعدة السيب الجوية في الشمال وقاعدة تمريت الجوية في الجنوب كما شاركت البحرين في التعويض بتقديم تسهيلات من ميناءين واستمرت البحرين في تقديم التعويض حتى حازت بكل فخر على شرف احتضانها للقيادة المركزية الأمريكية!!
________________

الصدى - 2 أبريل 2002

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق