الأحد، 20 نوفمبر، 2011

عهدة خليل حسن خليل



كتب رائد الإخراج الصحفي " حسن فؤاد " في مطلع الثمانينات مقالاً في " صباح الخير " عن السيرة الذاتية للدكتور خليل حسن خليل التي تحمل عنوان " الوسية " ، بعده كتب الراحل الكريم " فتحي رضوان "عن الوسية وعن التاريخ السياسي لصاحبها ، كنت أحب الكاتبين وأصدقهما ، ولكن العثور علي نسخة من الكتاب موضوع المقالين كان صعباً ، لأن كتب ( مصر = القاهرة ) لا تصل إلي أسيوط حيث كنتُ أقيم ،فجأة علمتُ أن " بواقي " معرض القاهرة الدولي للكتاب ، سيقام لها معرضاً بأسيوط ، ذهبتً إلي المعرض متلهفاً وهناك وجدت »الوسية« .الغلاف: »ميري« خشن شأن أغلفة كتب »الحكومة« الثمن : 160 قرشا ، الناشر : الهيئة العامة للكتاب .

يصيبني "سعار" قراءة الكتب الحبيبة فأجلس علي أول مقهي يصادفني وأبدأ في القراءة . كلمة الغلاف تقول :" عن قصة الجندي الذي أصبح أستاذاً للاقتصاد بالجامعة " . بعد كلمة الغلاف تأتي ضربة البداية الموفقة جداً ، يفتتح الكاتب سيرته بصيف1933 ، هو الآن صبي في الحادية عشرة من عمره حاصل علي المركز الأول في امتحانات الشهادة الابتدائية علي مستوي مديرية الشرقية ، قبل الاحتفال بالنجاح الباهر ، يأتي المحضرون ليحجزوا علي أثاث البيت للعرض في مزاد علني سداداً لديون أب أتلف " الكرم الشرقاوي " ثروته . يقوم الصبي خليل وأمه وأخواته بتهريب الأثاث إلي منزل الجيران ، يتكرر هجوم المحضرين وفجأة يتوقف . يسأل الصبي أمه عن سبب توقف الغارات فتجيب دامعة لقد بعنا كل الأثاث لم يعد لدينا سوي " حصيرة وقلة ماء".

الخوف من غارات المحضرين والجوع المزمن يستوليان علي حياة الصبي حتي يصبحا جزءاً من جهازه العصبي ، يغادر خليل حلم الدراسة ليلتحق بوظيفة " كاتب أنفار " في وسية الخواجة اليوناني ، وآه يا مصر يا بلدا خيرك لغير أولادك.
رحلة هي قطعة من " المقاومة " يبدأ خليل من " الوسية " وعالمها الثري ثم يواصل تسجيل وقائع التحاقه بالجيش وكيف تمكن من الحصول علي الاعدادية ثم الثانوية ثم ليسانس الحقوق .

مع انتهائي من قراءة السيرة ولد بداخلي حلم مقابلة الدكتور خليل حسن خليل ، قلت لنفسي بعد قليل سأذهب إلي الجامعة في القاهرة وهناك سأعرف الطريق إليه .

في الفترة التي أمتدت من زمن الحلم بلقاء المؤلف وإلي يوم اللقاء كان خليل قد نشر الجزء الثاني من الوسية تحت عنوان »الوارثون« يعني أن الضباط الأحرار حكام مصر بعد 23 يوليو هم مجتمع الوسية الجديد !!
قبيل ثورة يوليو يسافر خليل إلي لندن للحصول علي دكتوراه في الاقتصاد ، فشل في الحصول عليها من القاهرة لأن الرسالة كانت ضد مجتمع " الوسية " بعد العودة الظافرة من لندن يقوم بتدريس الاشتراكية بناءً علي رغبة عبد الناصر ، ولكن زبانية التعذيب يعتقلونه وينكلون به !!

أحدهم يقول له :" لو فشل عبد الناصر ولم يصل إلي الحكم لكان الآن مكانك ولكنتُ أجلد ظهره كما أجلد ظهرك ، نحن هنا لحماية النظام أي نظام "

تتسع رؤية خليل لتري الدودة التي هي في أصل الشجرة ، إنها دودة الاستبداد ولا يهم إن كان الاستبداد ملكيا أو ثوريا.
حان وقت لقاء المؤلف في صيف العام 1994 مهدت لمقابلته باستضافته علي صفحات جريدة الأحرار التي كنت أعمل بها ، كنت أهاتفه لاستطلاع رأيه في التحقيقات الصحفية التي تتناول الشأن العام ، بعد أن أصبحت لدينا " صحبة تليفونية " عقدت العزم علي مقابلته وجها لوجه .

مكان مقابلتنا الأولي كان في معهد يقع بحي جاردن سيتي ، يُدرس فيه الاقتصاد الاشتراكي ( اشتراكية في قلب زمن الخصخصة).

كان أجمل وأرق مما تخيلت ، بشرته سمراء ، تلك السمرة المصرية اللطيفة ، بنيانه متين ، كفاه لهما قوة محراث ، ضحكته مجلجلة ، حاضر النكتة ، يجيد قلب معاني الكلام ليستخرج منه طرفة تدفع جليسه للضحك .
تفحصني بعينين ناعستين ثم شرد قليلا ثم قال :" هل تحفظ شيئا من أغاني جني القطن ؟ " . تلفت حولي وقلت :" نحن في جاردن سيتي "

أشاح بوجهه قائلا :" نحن مَن نحدد مكان وزمان الغناء ، والآن غن للقطن".
غنيتُ :" يا قطن يا حرايري يا حزام أبو إسماعيل / اللي ما يزرعكش طول السنة حزين ".
صفق معجبا ثم قال : خذ هذه :" يا لوزة يا لوزلي / يا عاشق النبي صلي"
كان الرجل علي جلال قدره يتذكر معي ألعاب وغناء طفولته ، لم أدرك إلا متأخرا أنه كان يقيس متغيرات المجتمع من خلال الألعاب والأغاني .

حكي ـ وقد أطمأن إلي حسن استماعي ـ عن واحد من الزبانية كان يشغل منصبا خطيرا في جهاز أمني وظل يتعقب خطوات خليل ويحصي عليه حركاته وسكناته حتي أضطر الرجل الخجول إلي أن يضاجع زوجته في الصحراء هربا من مراقبة فاجرة، ثم استفاض في ذكر مساوئ الاستبداد وكيف هو قرين للتخلف .
أصبحنا بعد عدة مقابلات أشبه بصديقين أحدهما يكبر الآخر بحوالي أربعين سنة .

أهداني الجزء الثالث من سيرته الذاتية وكان يحمل عنوان" السلطنة "
الغلاف كان مباشرا ، ثمة رجل يشبه " السادات ، يعتم بعمامة السلاطين ويدخن البايب جالسا علي خريطة مصر مهيمنا عليها ومنتشيا بتبغ البايب .

سألته :" هل السلطنة من السلطان أم أنك تعني " السلطنة " التي هي درجة من درجات السكر وغياب الوعي تحت وطأة المخدر ".

ضحك وقال :" أقصد المعني الأخير، لقد تصرف السادات في البلد كما يتصرف عمدة ريفي في ممتلكاته ، السادات هو العلامة الفارقة علي غياب وعي حكامنا بإمكانيات البلد الذي يحكمونه ، أما هذا الذي يحكمنا الآن فهو أعجوبة زمنه ، لقد عرضت سياساته الاقتصادية علي أبرز الاقتصاديين في الداخل والخارج فلم يستطع واحد منهم تقييمها ، نحن نسير إلي كارثة ".
صعدت معه إلي سيارته الحديثة جدا الثمينة جدا لكي نكمل كلامنا ، ضقت ببطء قيادته فطالبته بأن يسرع قليلا ، ألتفت لي غاضبا ثم قال :" يا ولدي هذه السيارة عهدة حصلت عليها من المعهد الذي يتبع الأمم المتحدة ولابد أن أحافظ عليها ، خيانة العهدة أمر لا يليق بمن كان مثلي"

هبطت من سيارته وأنا أضحك من رجل يقدر العهدة في زمن الخيانة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك تعليقان (2):

  1. هى دى صورة الدكتور خليل انا نفسى اشوف صوره له

    ردحذف
  2. هى دى صورة الدكتور خليل انا نفسى اشوف صوره له

    ردحذف