الجمعة، 21 يوليو 2023

بيرم التونسي .. لم يكسره عدو ولم يحمه حبيب ( 2ـ 3 )

 


كان بيرم التونسي يدرك بفطرته السوية أن المصريين هم شعب من الجِمّال ، يصبرون على الجوع والظمأ وعلى الأذى وعلى برد الصحراء وقيظها ، صبرًا يجعل الذين لا يعرفون نفسية الشعب  يظنه كومة من الجماد الذي لا يحركه شيء ، ثم فجأة يرد عليهم الشعب منتفضًا ومحطمًا كل سد يحول بينه وبين تحقيق أحلامه .

تفهم بيرم لطبيعة الشعب المصري ، جعله يوقد شرارة ثورة 1919 قبل أن تصبح الشرارة نارًا تحرق الاحتلال ، كل ما كتبه بيرم قبل الثورة كان تمهيدًا وحشدًا لها ، فهو يسخر من الاحتلال وأعوانه ويقلل من شأنهم ويحرض الشعب على الوقوف في وجوههم .

اشتعلت الثورة في كل الوادي من أسوان إلى دمياط ، فكان بيرم أول المساندين ولم يكتف بالقصائد والأزجال ، فقد أصدر جريدته " المسلة " ولكي يهرب من قهر الرقابة كتب في ترويستها :" المسلة لا جريدة ولا مجلة " وقد كتب بمفرده كل موادها ، وإمعانًا في تحدي الاحتلال وعبيده وضع صورته على غلاف الجريدة ، وطبع من عددها الأول خمسة آلاف نسخة ،وقام بتوزيعها بنفسه ، قاصدًا رواد المقاهى وموظفي الحكومة ، وقد أحسن السكندريون استقبال الجريدة فنفد عددها الأول ، وأصبح اسم بيرم وجريدته على كل لسان .

رأي بيرم أن مغادرته للإسكندرية وإقامته في القاهرة سيخدم آمال الثورة ، فسكن القاهرة وفيها ألتقي لأول مرة بالموسيقار سيد درويش ، الذى كان معجبًا ببيرم وبشعره ، متمنيًا أن يساعده بيرم في تطوير فن الغناء العربي .

كان الوقت وقت ثورة ، وكانت الأحلام عظيمة ، كان الموسيقار يحلم بإنشاء أوبريت مصري من الألف للياء ، فطلب من بيرم كتابته وقال له نصًا :" حجة الإنجليز الدائمة لتبرير استعبادنا أننا شعب ضعيف لا يستطيع حكم  نفسه ، عشان كده أنا شايف إن الأوبريت من أوله لآخره يكون تمجيدا للإنسان المصري ".

كتب بيرم الأوبريت تحت عنوان " شهو زاد " في إشارة إلى شهوات أسرة محمد على التي تحكم مصر بتحالفها مع المحتل ، ولكن الرقابة رفضت العنوان ، فجعله بيرم " شهر زاد " ، وعرض الأوبريت وحقق نجاحًا ساحقًا ، وبعد مرور مئة عام على عرضه ، ما نزال نحفظ ونردد بعض أبياته " أنا المصرى كريم العنصرين / بنيت المجد بين الأهرمين /  جدودى أنشأوا العلم العجيب / ومجرى النيل فى الوادى الخصيب ".

وقعت الواقعة

مشكلة بيرم والذين مثلهم أنهم يذهبون إلى رأس الدمل مباشرة ، لا يعرفون التحايل ولا يهاجمون الذيل ويخافون الرأس ، في القاهرة أصدر بيرم العدد الثاني من " المسلة " وفي القاهرة ستقع الواقعة .

المؤرخ المصري العظيم " ابن إياس " قال :" أهل مصر لا يطاقون إذا أطلقوا لسانهم في حق  الناس ".

وقد أطلق المصريون لسانهم في الأميرة " فوقية ابنة الملك فؤاد من زوجته الأولى شويكار ، وملخص القصة الشائكة يقول : إن علاقة خاصة قد ربطت بين  الأميرة  ابنة السلطان فؤاد (الملك فؤاد فيما بعد) وحسين باشا فخرى الذي كان محافظًا للقاهرة .

قالت الشائعات : إن فخري قد رفض طلب السلطان بالزواج من الأميرة ، وعرض أن يتزوجها شقيقه "محمود باشا فخرى" وكان سفيرًا لمصر فى فرنسا.

وبالفعل تم الزواج !.

بيرم الذي راهن على قدرة الثورة على تخليص البلاد من حكم فؤاد تلقف الشائعة وكتب عنها قصيدة الشهيرة " القرع السلطاني " والقرع هو " الكوسة " مع ما تحمله الكلمة من إيحاءات معروفة .

 نشر بيرم قصيدته في جريدته المسلة وكان أبرز أبياتها يقول صراحة :" الوزة من قبل الفرح مدبوحة / والعطفة من قبل النظام مفتوحة "

جن جنون فؤاد عندما وصلته القصيدة التي انتشرت كالنار في الهشيم ، ولكن ماذا يفعل فؤاد مع بيرم ؟.

بيرم تونسي حسب الأوراق الرسمية ، وهو بهذه الصفة من رعايا فرنسا التي كانت تحتل تونس ، وفؤاد لا يستطيع طرد رعية فرنسية من مصر !

هل سكت بيرم وقد مرت القصيدة بغضب مكتوم من فؤاد ؟.

المصريون لم يسكتوا ، فعندما رزق السلطان بابنه فاروق ، قال المصريون : إن نازلي أم فاروق قد حملت به قبل الزفاف بأشهر !

فكتب بيرم قصيدته " البامية الملوكي  " والبامية تعني القرون ، ودلالة القرون معروفة لدي المصريين .

قال بيرم مخاطبًا فؤاد :" ربك يبارك لك في عمر الغلام

يا خسارة بس الشهر كان مش تمام ".

ولم يسكت بيرم فقد كتب قصيدة ثانية قال فيها :

"سلطان بلدنا حرمته جابت

ولد و قال سموه فاروق

يا فاروق فارقنا بلا نيله

دي مصر مش عايزة لها رذيلة " .

تأكد فؤاد من أن بيرم لن يسكت ، وكيف كان سيسكت وهو شاعر الشعب ، والشعب كان يتهم فؤاد بأنه قد أجهض ثورتهم؟ .

واصل بيرم إصدار المسلة ، وفي كل عدد قصيدة تنال من فؤاد وابنه الطفل وعائلته جميعًا ، قرر فؤاد إغلاق المسلة ، فأصدر بيرم جريدة جديدة أطلق عليها اسم " الخازوق " مواصلًا الاشتباك الحاد مع العائلة المالكة .

بيان تكفير

هدأت الثورة قليلًا ، وكان وجهها الأبرز سعد باشا زغلول يستعد مع الوفد المصري للسفر إلى باريس لحضور مؤتمر الصلح لعرض قضية استقلال مصر عليه .

الشيخ محمد بخيت وكان مفتيًا للديار المصرية ، كان من رافضي سفر الوفد المصري ، وشاع أن الشيخ من المتحالفين مع فؤاد والاحتلال ، فهجم عليه بيرم هجمة شنيعة جاء فيها

" أول ما نبدى نصلى على النبي

نبي وطني يلعن أبوك يا بخيت

ثاني كلامي وفد مصر بلادنا

ولع شموعه والتقى الكبريت ".

لم يكن الشيخ بخيت مغلول اليد مثل فؤاد فقد رد على هجاء بيرم بإصدار بيان أتهم  فيه بيرم بالكفر والإلحاد!

هنا كان يجب أن يخاف بيرم ، ولكنه لم يخف وواصل طريقه في الهجوم على رؤوس الاحتلال والمتحالفين معه .

بداية العذاب

سعى فؤاد بكل قوة لطرد بيرم ، وأخيرًا نجح في إبعاده إلى تونس .

عاد بيرم إلى أرض أجداده يوم 25 أغسطس عام 1920، ومن المفارقات أن اليوم كان يوم عيد الأضحى ، فكأن فؤاد كان يذبح بيرم بنفيه عن مصر .

بعد نفي بيرم إلى تونس بقليل وضعت زوجته ابنته الثانية ، ثم تأكدت الزوجة أن بيرم لن يعد فطلبت الطلاق وحصلت عليه .

في تونس دفع بيرم  ثمن جذور جدته التركية.

يقول بيرم في مذكراته :" اقتصرت علاقتي بعائلتي على المجاملات البسيطة ، لأن العائلة كانت قد أصبحت إقطاعية ذات مناصب ، منطوية على نفسها ، وكانت الدعاية التي تحوطني في تونس ، أنني كنت أحد الثائرين في مصر ضد بريطانيا لصالح تركيا !

فكان مدير الفندق الذي أقيم فيه يقول للخدم :" أعطوا التركي مفتاح غرفته علشان يرقد "!.

الآن بيرم بمفرده تمامًا ، فلا عائلة ولا مال ولا جماهير تحمي وتساند .

لم ينكسر بيرم ، فحاول العمل ، ولكن كل الأبواب أغلقت في وجهه ، حاول مشاركة بعض الكتاب التونسيين لكي يصدروا جريدة ، ولكن السلطات الفرنسية كانت له بالمرصاد .

لقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت ، فغادر تونس بعد أربعة أشهر فقط إلى فرنسا .

في معمعة برد الشتاء الفتاك وصل بيرم إلى ميناء مارسيليا ، ولكن البرد والغربة وعدم إجادته للفرنسية ، جعلته يغادر مارسيليا بعد ثلاثة أيام فقط ، متجهًا إلى باريس .

في باريس لم يجد سوى البطالة والفقر والغربة والبرد ، لكنه لم يخاصم الشعر الذي جلب له كل هذا العذاب

لقد رأى بيرم بعين الإنصاف إقبال الفرنسيين على العمل فكتب:

"الفجر نايم وأهلك يا باريس صاحيين

معمرين الطريق داخلين على خارجين

ومنورين الظلام راكبين على ماشيين

بنات بتجري وياما للبنات أشغال

وعيال تروح المدارس في الحقيقة رجال

ورجال ولكن على كل الرجال أبطال

ولسه حامد وعيشة وإسماعيل نايمين ".

فشل بيرم في أن يجد عملًا في باريس ، فنصحه العرب المغتربين بالسفر إلى مدينة ليون .

قبل أن أنقل من المذكرات ما عناه بيرم في ليون وغيرها من مدن فرنسا تجدر الإشارة إلى أن أوربا الآن غير أوربا عام 1920 ، في تلك الأيام لم تكن هناك حقوق للعمال ولا للغرباء ، بل ولا للمواطنين الفقراء ، كان بيرم وغيره من المغتربين يعملون في مستنقعات هى الموطن الأصلي للبعوض القاتل وللذباب ، إن الحديث عن التأمين الصحي كان من المحرمات وكذا كان من المحرمات الحديث عن تحديد ساعات العمل وأجره .

أنقل من مذكرات بيرم :"  سعيت بنفسي إلى ليون مدينة صناعة الصلب في فرنسا، تلك المدينة التي لأهلها قلوب مثل الصلب لا تعرف الرحمة أو الشفقة، وهي أيضًا مدينة مشهورة عند الفرنسيين أنفسهم بأنها مدينة معتمة.. وصلت لهذه المدينة في عز الشتاء ولأن جيوبي كانت شبه خاوية فقد أخذت المسألة من أقصر طرقها، وذهبت إلى أفقر أحيائها، واستأجرت فوق سطوح أحد المنازل شيئاً يسمونه حجرة، كانت من الخشب الذي حولته مياه الأمطار إلى مكان له رائحة من نوع خاص، إنها رائحة قريبة من العفن، وداخل تلك الثلاجة كنت أنام الليالي القاسية البرودة، وفي النهار كنت أسعى مع الفجر في البحث عن عمل قبل أن يتبخر آخر مليم في جيبي".    

والتحق بيرم بأحد مصانع الحديد والصلب، ولكنه تركه بعد أن سقطت على فخذه قطعة من الحديد كبيرة!

عاد بيرم للبطالة والغربة والفقر والبرد مضافًا إليهم الجوع ، لقد جاع مرة لثلاثة أيام متصلة ، جاع في مدينة تصل الحرارة فيها إلى ما تحت الصفر ، ولقد وصف جوعه في مذكراته وصفًا مذهلًا ، فقال:"  كنت أثناء الجوع أمر بمراحل لا يشعر بها غيري من الشبعانين، كنت في البداية أتصور الأشياء واستعرضها في ذاكرتي، هذا طبق فول مدمس، وهذه منجاية مستوية..وهذه يا ربي رائحة بفتيك تنبعث من عند الجيران، ثم أصل بعد ذلك إلى مرحلة التشهي، أثناءها تتلوى أمعائي، ويبدأ المغص، ويطوف الظلام حول عيني، وأتمنى من الله أن ينقلني إلى الآخرة فهي أفضل من هذا العذاب الأليم..وأخيرًا تبدأ مرحلة الذهول وخفة العقل، فأطيل النظر إلى اللحاف الذي يغطيني، وتحدثني نفسي أن أكل قطنه أو أبحث عن بذرة للغذاء تحتوي على زيوت ".

في نوبة من نوبات الجوع خسر الأدب العربي بل العالمي كنزًا لم يعوضه كنز ، جاع بيرم حتى وصل لمرحلة الهذيان ، فتش غرفته للمرة الألف ، فوجد بصلة ، فراح يستحلب ريقه وهى يتخيلها مشوية ، بحث عن كبريت ليشعل النار ويشوي البصلة فلم يجد الكبريت ، بعد طول تردد طرق باب جاره الذي قدم له متأففًا عودًا واحدًا ، حاول بيرم إشعال العود ففشل ، طرق باب جاره ثانية ولكن الجار رفض إعطائه عودًا جديدًا !.

ظل بيرم واقفًا أمام باب غرفته يرتجف من البرد والجوع ، حتى صعد جار قدم لبيرم علبة كبريت كاملة !

بعد حل مشكلة الكبريت ، تذكر بيرم أنه لا يمتلك أي نوع من المواد الصالحة لأن تكون وقودًا يشوى به البصلة !

بعد طول تفكير جاء بيرم بقواميس اللغة والخطابات التي أرسلها إليه عباس العقاد وسيد درويش ، ومع الخطابات وضع ديوان أبي العتاهية ، وأشعل النار منتظرًا الشواء الجميل ، سرعان ما احترقت الخطابات الغالية وسقطت البصلة بين رمادها ، فخسرنا كنزًا من الخطابات المتبادلة بين العمالقة ولم يربح بيرم بصلة مشوية .

جرح غائر

تنقل بيرم بين شتى المهن ، فعمل في مصنع للكيماويات ، كان سببًا في إصابته بمرض الربو الذي مات به .

هنا نتوقف لنسأل : هل كان شاعرنا هو العربي الوحيد في طول فرنسا وعرضها حتى يجوع كل هذا الجوع ويشقى كل هذا الشقاء؟

الحق أن مدن فرنسا في ذلك الوقت كادت تكون مدنًا عربية من كثرة العرب الموجودين بها ، وكان غالبية العرب يعرفون بيرم جيدًا ، وكان منهم الأثرياء الذين يستطيع الواحد منهم الإنفاق على عشرات مثل بيرم ، القصة كانت قصة نفس بيرم ، إنها نفس عالية شريفة لا تتكسب بشعرها ولا تتنازل عن مبادئها ، تجوع ولا تأكل بثدييها ، لم يكن بيرم يقبل دعوة عربي له على شطيرة ما لم يشاهد الإصرار في عينيه ، الدعوات العابرة لم يكن يتوقف عندها إلا بالشكر ثم يغادر إلى برد غرفته وجوع أمعائه .

 الذي كان يؤلم بيرم الألم كله لم يكن العمل في مهن لا تليق بشاعر مثله ، الذي كان يؤلمه حقًا كان الجحود وعدم حماية أحبابه له ، من هؤلاء الأحباب الذين تخلوا عن بيرم كان سعد باشا زغلول وجه الثورة المصرية الأبرز والذي من أجله عادى بيرم الشيخ بخيت وكل شيخ وقف في وجه سعد .

عرف بيرم أن سعدًا في باريس ، فتوجه لمقابلته لكي يتوسط في إعادته إلى مصر ، فماذا كان موقف سعد ؟.

يقول بيرم «أخذ سعد يرفعني ويخفضني ببصره، ثم أشار الى الباب دون أن يرد على كلامي بنعم أو لا».

لماذا تنكر سعد باشا لبيرم ؟.

بيرم نفسه لا يقدم جوابًا ، هل تنكر الباشا شراءً لخاطر فؤاد؟

أم تراه تنكر لمعرفته بأن بيرم ابن قصيدته  وليس ابنًا لحزب أو لجماعة؟ .

هل تنكر لأن بيرم خاض في أعراض الملوك وهؤلاء كانوا أولياء نعمة حماه مصطفى باشا فهمي والد زوجته صفية زغلول ؟.

لا إجابة يقينية ، ولكن موقف الباشا من بيرم دفعه لأن يقرر العودة إلى مصر وليكون ما يكون ، وقد عاد فعلًا وكان ما سنعرفه في الأسبوع المقبل بإذن الله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع أصوات ، الاثنين 15 يوليو 2019


الخميس، 13 يوليو 2023

إذا رقصتِ فلا تندمي

 


ذهبت سيدة، طائعة مختارة، بل فرحة سعيدة مسرورة إلى حفل زفاف إحدى صديقاتها، إلى هنا، الأمر عادي تمامًا ولا غبار عليه، فجأة قررت السيدة طائعة مختارة، بل فرحة سعيدة مسرورة أن يستجيب جسدها لطبلة لعوب، يمكنها أن تجعل معالي وزير الغابة الفيل الرصين، تهتز أعطافه طربًا ونشوة.

رقصت السيدة كما شاءت، لم يجبرها أحد، ولم تحصل على أجر، لقد رقصت لوجه الرقص، كانت ترقص في حفل، والحفل أي حفل كما نعلم تتكدس على مقاعده مئات الموبايلات، والموبايلات كما نعلم بها كاميرات، وبعض الكاميرات، كما نعلم، ذات جودة عالية جدًا، تقترب من جودة كاميرات السينما والتلفزيون، ولأن الموبايلات، كما لا يخفى على أحد من الجمادات، التي لا تستطيع التصرف من تلقاء نفسها، فحبكة القصة دائمًا هي في صاحب الموبايل.

قلتُ إن السيدة رقصت طائعة مختارة، رقصت في مكان لا يمكن تسميته بالمكان الخاص المغلق، نعم قاعة الحفل ليست على المشاع مثل الشارع، ولكنها ليست خاصة مثل صالة بيتها أو غرفة طعامها أو استقبالها، ولن أقول غرفة نومها.

هذا حفل زفاف، يدعى إليه البار والفاجر والأقرع والمشعر، يدعى إليه الذي يغض البصر ويراعي المحارم، ويدعى إليه الذي يتلصص ويتجسس وقد يتحرش.

رقصت السيدة واستل أحدهم موبايله، وصوبه نحو جسد يتراقص ويتماوج، ظل المصور يصور، حتى انهت السيدة رقصتها.

ألم تعرف السيدة أنها الآن تحت قبضة كاميرا عالية الجودة؟

هل فوجئت بالمصور فتركته وضميره؟

السيدة كانت ترقص طائعة مختارة وخضعت لغواية التصوير طائعة مختارة.

هل أذنب المصور؟

نعم هو مذنب.

لأنه على أقل تقدير لا يرحب بتصوير واحدة من أهل بيته.

هل أذنب عندما رفع فيديو السيدة على اليوتيوب؟

نعم أذنب.

ولكن كما قال المثل الشعبي الحكيم:" إلهي يقطع اللي يجيب سيرة الناس، قال: إلهي يقطع اللي يخلي الناس تجيب في سيرته".

وهناك مثل يقول:" يا رب دخلنا بيت الظالمين وطلعنا سالمين.. قال له: ما أنت واقف بره!".

ويرحم الله الشيخ الإمام ابن القيم الذي قال: «ولا يزال العبدُ يعاني الطَّاعة، ويألفها ويحبُّها ويؤثرها، حتَّى يرسل الله سبحانه وتعالى برحمته عليه الملائكة تؤزُّه إليها أزًّا، وتحرِّضه عليها، وتزعجه من فراشه ومجلسه إليها، ولا يزال يألف المعاصي، ويحبُّها ويؤثِرها، حتَّى يرسل الله عليه الشَّياطين فتؤزُّه إليها أزًّا".

بعد شيوع الفيديو، وما كان له إلا أن يشيع، بكت السيدة وعضت أصابعها من الندم وقالت من بين دموعها:" سيطلقني زوجي!"

تعاطف معها من تعاطف وطالبوا رافع الفيديو بحذفه، ولكن لا حياة لمن تنادي، فالفيديو منتشر ومتوغل ولم يحذفه أحد وظني أنه لن يحذف.

ثم دخلت على الخط إحدى كبريات المتعاطفات فقالت: إنها ستسجن رافع الفيديو؟

كيف هذا بربك؟

إذا كنت لا تعرفين مصور الفيديو ورافعه فكيف ستسجنين أحدًا حتى لو كان هذا الأحد نملة تسعى خلف حبة قمح أو سكر؟

السيدة الراقصة ظهرت فجأة ونفت أنها سيدة ونفت أنها متزوجة وقالت: أنا آنسة وطالبة في الجامعة!

هذه الواقعة المكررة حد الملل لا علاج لها إلا لدى المجتمع.

كيف يرى المجتمع الرقص؟

هذا هو السؤال المركزي، عندما يجيب عليه المجتمع إجابة تلقائية هو مقتنع بها وليست مفروضة عليه، ساعتها سنحلل كل تلك المشكلات.

قبل أن يجيب المجتمع فسيستجيب جسد سيدة ما لطبلة ما ثم سيصورها أحدهم ثم ستبكي السيدة ندمًا، ثم سيذهب كل هذا إلى جب النسيان إلى أن نصحو على واقعة جديدة قد يكون فيها خراب بيوت كانت عامرة قبل أن تستجيب السيدة لطبلة لعوب.

القصة قديمة وقد تعرض لها الراحل الكريم الدكتور عبد الوهاب المسيري في مقال نشره بالأهرام قبل قرابة عشرين سنة، وكان المقال عن الفيديو كليب وأغنية من أغنيات روبي

قال المسيري في مقاله:" الرقص البلدي يهدف للإثارة الجنسية بشكل واضح وصريح، ولكننا كنا لا نراه إلا في الأفلام وفى الأفراح والليالي الملاح، فهو جزء من عالم "العوالم"، أي أننا كنا نعرفه بوصفه جزءًا من عالم مستقل عن عالمنا، قد نتمتع به وقد نرفضه، ولكن في كلتا الحالتين هو ليس جزءًا من عالمنا (حاولت سعاد حسنى في "خللي بالك من زوزو" أن توسع من الإمكانيات التعبيرية للرقص البلدي، إذ قدمت مرثية عالم أمها الراقصة التقليدية من خلال رقصة حزينة في حين كان شفيق جلال يغنى أغنية "لا تبكى يا عين على اللي فات ولا اللي قلبه حجر"). وفى تصوري أن هذه كانت المحاولة الأولى والأخيرة لفصل الرقص البلدي عن الإثارة الجنسية. وما تفعله الفيديو كليبات هو عكس ذلك تماما، وتحاول إنجازه من خلال عشرات الراقصات (الروسيات والمصريات والهنديات...إلخ) المتحركات! ولكن الأهم من كل هذا هو ما أسميه عملية تطبيع الرقص والإثارة؛ فالرقص يقدم في الفيديو كليب على أنه جزء من صميم حياتنا العادية اليومية".

ويضيف المسيري:" ولكن نلاحظ أن الرقص البلدي هنا ليس رقص المحترفات وإنما يشبه الرقص الذي ترقصه بنات الناس الطيبين في الاجتماعات العائلية، وبذا يتم هدم الحواجز بين حياتنا اليومية والرقص البلدي، ويتم تطبيعه تماما".

وبعدُ فمن الواضح ان المجتمع لم يطبع علاقاته بالرقص البلدي حتى الساعة حتى لو قامت به بنات الناس الطيبين في الاجتماعات العائلية!

وعلى ذلك فالرقص مسئولية كل راقصة، فليس للراقصة أن ترقص ليلًا ثم تندم نهارًا.


الأربعاء، 28 يونيو 2023

السيدة هاجر المصرية.. صانعة بهجة العيد

 


يأتي عيد الأضحى المبارك فنتذكر الرسولين الكريمين، سيدنا إبراهيم الخليل وولده سيدنا إسماعيل الذبيح، عليهما وعلى ابنهما رسولنا الكريم الصلاة والسلام، لكن معظمنا يغفل عن دور السيدة المصرية الكريمة أم العرب السيدة هاجر، فقصتها مع سيدنا إبراهيم الخليل ومع ولدها سيدنا إسماعيل هي التي خلدها مولانا عز وجل وجعلها عيدًا للمؤمنين به وحده لا شريك له.

تروى لنا كتب التاريخ بدايات قصة الفتاة المصرية هاجر مع خليل الرحمن فتقول: إن الخليل عليه السلام كان متزوجًا من ابنة عمه السيدة سارة وكان يقيم معها في أرض فلسطين، ثم زارا مصر التي كان يحكمها في ذلك الوقت حاكم باطش، صعق عندما رأى جمال السيدة سارة، فأراد الوصول فمد يده نحوها فصدته السيدة العفيفة وهي تدعو ربها قائلة: "اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبنبيك، واحصنت فرجي إلا على زوجي، فاكفني هذا الفاجر".

يكمل المؤرخون القصة فيقولون: بعد أن دعت الله تعالى بهذا الدعاء تجمدت يد الحاكم، ولم يعد يستطيع الحراك، فأصابه خوف وذعر شديدان، وقال لها "ماذا فعلت بي، اطلقيني ولن أمسك بسوء".

ثم أمر جنوده بحاميتها إلى أن تعود إلى بيتها محملة بالهدايا، وكان على رأس هداياه الفتاة هاجر.

أصبحت هاجر جارية لدى السيدة سارة التي لم تكن تنجب، وكان زوجها خليل الرحمن يتوق إلى ولد، ففكرت السيدة سارة في أن تهب جاريتها لزوجها فلعلها تحقق له أمله في الإنجاب.

تزوج الخليل من هاجر لتصبح سيدة بيته، وحملت بإسماعيل وولدته فقرت به عين ابيه الخليل، ثم أمر مولانا عز وجل رسوله الخليل بأن يهاجر إلى مكة مع السيدة هاجر وولده سيدنا إسماعيل.

ما أقسى هذا الاختبار وما أصعب هذا الابتلاء، كيف كانت مكة في ذاك الزمان البعيد؟

كانت مكة المكرمة كما وصفها سيدنا إبراهيم عندما دعا ربه قائلًا: "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يخفى عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ".

عندما قرر الخليل العودة إلى فلسطين صاحت السيدة هاجر: كيف تتركنا في هذا الوادي وحدنا؟ الله امرك بهذا؟

فرد عليها الخليل: نعم

فقالت: إذا لا يضيعنا.

إذا وصفنا السيدة هاجر بسيدة الرضا والتسليم والاطمئنان فلن نقع في فخاخ المبالغة، لأنها حقًا وصدقًا كانت كذلك، والأمر عندها كان أمر إيمان برب آمنت به، وبزوج علمت أنه مرسل من قبل الله فقبلت بكل ما يقول وما يفعل.

إنها بتعبيرنا المعاصر سيدة بيت وربة أسرة تعرف كيف تؤسس أسرة وتقيم حضارة منها ومن طفلها ولا ثالث إلى إيمانها بأن الرحمن الرحيم لن يضيع تلك الأسرة التي امتثلت لأمره.

هل كانت تعلم المصرية ربيبة القصر الحاكم المقام على ضفاف نهر خالد دافق، إنها مرشحة لدور إنساني سيخلدها في ضمير البشرية حتى قيام الساعة؟

نحن الآن أمام سيدة كانت منعمة تعيش في قصر ملكي، ثم فجأة أصبحت تعيش مع طفلها في واد غريب عنها وليس به من مقومات الحياة شيء، فلا ماء ولا زرع ولا شيء سوى الرمال والصخور والجبال ثم الرمال والصخور والجبال.

ولكي تكتمل الدائرة فقد نفد طعامها وشرابها.

ماذا ستفعل سيدة شابة كانت مرفهة تعيش في قصر ملكي لا تشغل نفسها بمأكل ولا مشرب؟

لقد حانت ساعة الحقيقة فهل ستثبت لاختبار جديد، أم تخسر كل شيء؟

تعالوا نتخيلها وهي عليها السلام تضم طفلها لصدرها وتناجي ربها أن يعجل بتفريج كربها وكرب وليدها.

ولأنها عليها السلام زوج نبي مرسل فهي تدرك قيمة العمل ومعنى السعي، ووجوب بذل الجهد ثم سترسل السماء غيثها، المهم أن نعمل أولًا ولا نقع في بئر اليأس والقنوط والسخط، الله لن يضيع أجر العاملين وهو أرحم من أن يترك امرأة وحيدة في كل هذه الصحراء بدون طعام ولا ماء.

بدأت السيدة الجليلة رحلة البحث عن الماء أو عن أحد يدلها على الماء فراحت تصعد جبل الصفا مرة وجبل المروة مرة ثانية، السعي الآن وبعد كل ما تقدمه بلاد الرحمين الشريفين من خدمات يعد عملًا شاقًا، فكيف كان الأمر قبل آلاف السنين؟

تواصل سعيها بين الجبلين العظيمين سبع مرات، ليخلد رب العالمين سعيها ويصبح شعيرة من شعائر الحج، وسيظل سعيها خالدًا إلى قيام الساعة، فأي مكافأة هذه؟

نعود إلى المؤرخين فنجدهم يقولون: عندما بلغ التعب منها كل مبلغ، أرسل الله رسوله جبريل فضرب بعقبه الارض ففجر منه نبعا، وعادت الأم لتجد عند ولدها نبعا من الماء، بقدرة من الله تعالى كرامة لها ولطفلها، فجعلت تزم التراب حوله كي يتجمع، ولذلك سمي زمزم.

روى الإمام أحمد أن رسولنا الكريم قد قال: "رحم الله هاجر أم اسماعيل لو تركتها لكانت ماء معينا".

أخيرًا جاء الماء، ومتى وجد الماء وجدت الحياة، لأن القانون الإلهي جعل من الماء كل شيء حي.

في تاريخ الإمام الطبري ما ملخصه: أن قبيلة جرهم كانت تعيش بواد قريب من مكة، قال ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي قالوا ما لزمته إلا وفيه ماء، فجاءوا إلى هاجر فقالوا لو شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك، قالت نعم فكانوا معها حتى شب إسماعيل.

مكة المكرمة أصبحت عامرة، بها ماء وبها ناس، وبها سيدة زمزم وولدها الذي أصبح فتًا يشار إليه بالبنان.

كل تضحيات السيدة هاجر كانت من أجل ولدها إسماعيل، وكل ما كان يتوق إليه الخليل هو أن ينعم الله عليه بولد، فكان إسماعيل، ولكن الاختبار ما يزال قائمًا.

هؤلاء القوم يريد الله أن يطهرهم تطهيرًا ليكون الواحد منهم أمة بأكملها، يصهر معادنهم الشريفة فتصبح أنقى وأطهر لا يلحقها من غبار البشرية شيء، ذلك الاصطفاء لا يتم إلا بتجربة مؤلمة.

وقد جاء زمن التجربة فتعالوا نقرأ من الكلم الطيب ما ملخصه: بدأ العمران يبسط أجنحته على المكان. كانت هذه هي المحنة الاولى.. أما المحنة الثانية فهي الذبح.

كبر إسماعيل.. وتعلق به قلب إبراهيم.. وابتلى الله تعالى إبراهيم بلاء عظيما بسبب هذا الحب. فقد رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه الوحيد إسماعيل. وإبراهيم يعلم أن رؤيا الأنبياء وحي. انظر كيف يختبر الله عباده. تأمل أي نوع من أنواع الاختبار. نحن أمام نبي قلبه أرحم قلب في الأرض. اتسع قلبه لحب الله وحب من خلق. جاءه ابن على كبر.. وقد طعن هو في السن ولا أمل هناك في أن ينجب. ثم ها هو ذا يستسلم للنوم فيرى في المنام أنه يذبح ابنه وبكره ووحيده الذي ليس له غيره. أي نوع من الصراع نشب في نفسه. يخطئ من يظن أن صراعا لم ينشأ قط. لا يكون بلاء مبينا هذا الموقف الذي يخلو من الصراع. نشب الصراع في نفس إبراهيم.. صراع أثارته عاطفة الأبوة الحانية. لكن إبراهيم لم يسأل عن السبب وراء ذبح ابنه. فليس إبراهيم من يسأل ربه عن أوامره. فكر إبراهيم في ولده.. ماذا يقول عنه إذا أرقده على الأرض ليذبحه.. الأفضل أن يقول لولده ليكون ذلك أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قهرا ويذبحه قهرا. هذا أفضل.. انتهى الأمر وذهب إلى ولده "قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى"، انظر إلى تلطفه في إبلاغ ولده، وترك الأمر لينظر فيه الابن بالطاعة.. إن الأمر مقضي في نظر إبراهيم لأنه وحي من ربه.. فماذا يرى الابن الكريم في ذلك؟ أجاب إسماعيل: هذا أمر يا أبي فبادر بتنفيذه (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) تأمل رد الابن.. إنسان يعرف أنه سيذبح فيمتثل للأمر الإلهي ويقدم المشيئة ويطمئن والده أنه سيجده من الصابرين هو الصبر على أي حال وعلى كل حال.. وربما استعذب الابن أن يموت ذبحا بأمر من الله.. ها هو ذا إبراهيم يكتشف أن ابنه ينافسه في حب الله. لا نعرف أي مشاعر جاشت في نفس إبراهيم بعد استسلام ابنه الصابر. ينقلنا الحق نقلة خاطفة فإذا إسماعيل راقد على الأرض، وجهه في الأرض رحمة به كيلا يرى نفسه وهو يذبح. وإذا إبراهيم يرفع يده بالسكين.. وإذا أمر الله مطاع. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) استخدم القرآن هذا التعبير. هذا هو الإسلام الحقيقي.. تعطي كل شيء، فلا يتبقى منك شيء. عندئذ فقط.. وفي اللحظة التي كان السكين فيها يتهيأ لإمضاء أمره.. نادى الله إبراهيم.. انتهى اختباره، وفدى الله إسماعيل بذبح عظيم.

هنا نتوقف قليلًا للنقل عن فضيلة الشيخ الأستاذ علي جمعة المفتي السابق للديار المصرية، يقول فضيلته: "إنه يرجح أن زواج سيدنا إبراهيم - عليه السلام- من السيدة هاجر كان في مصر أكثر من رواية كونه بعد الرحيل؛ لأنه لا يوجد مساحة زمنية بين الإهداء والحمل؛ فالمتتبع للأحداث يجد أن أمر الزواج تم بسرعة فائقة.

وفي القرآن يقول- تعالى-: «وبشرناه بغلام حليم»، والتوراة تقول إن الذبيح هو إسحاق: " أذبح لك وحيدي إسحاق"، وإسحاق لم يكن وحيدًا فكان له أخ أكبر منه هو إسماعيل، فالسياق يقول أن هناك: " وحيدي، وإسحاق"؛ فوحيدي فيها إشكال، لافتًا إلى أن الذبيح الأول: سيدنا إسماعيل، والذبيح الثاني: سيدنا عبد الله - أبو النبي صلى الله عليه وسلم- بشكل عام، ورواية " أنا ابن الذبيحين ضعيفة".

وأنه بتتبع واستقراء ما يزيد على نحو 40 آية نجد أن الذبيح هو سيدنا اسماعيل- عليه السلام- ابن السيدة هاجر، مع رواية عجيبة مرفوضة، مضمونها: "أن سيدنا إسماعيل كبر مع سيدنا إسحاق، وضرب إسماعيل اسحاق ذات مرة؛ فحزنت السيدة هاجر، وكأنه بيت عادى، ومن ثم حدثت الهجرة "؛ فهذا مرفوض تمامًا، والذي حدث أن الله أوحي إلى سيدنا إبراهيم أن يأخذ السيدة هاجر وسيدنا إسماعيل لتعمير البيت الحرام والسيدة سارة بقيت مع ابنها اسماعيل لتعمير بيت المقدس.

وأشار الدكتور على جمعة إلى أن النسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- كان من السيدة هاجر أم سيدنا اسماعيل، أبو العرب وجد النبي - صلى الله عليه وسلم-، والصهر مع مارية القبطية عندما أسلمت وتزوجت النبي - عليه الصلاة والسلام- واصبحت أم ولد، ولحقت بأمهات المسلمين.

والسيدة هاجر - رضى الله عنها- أم العرب، بنت الملوك، أخذت أسيرة من بيت أبيها بمصر في أحد حروب أقاليم مصر قبل توحيد القطرين، وكانت هبة عظيمة من الملك لسيدنا .

أحسنت التوكل على الله عندما تركها سيدنا إبراهيم- عليه السلام- مع ابنها في الصحراء بلا زاد ولا ماء؛ فسعت وبحثت وفجر الله لها ينبوعًا من ماء هو خالد إلى يوم القيامة، وأصبح سعيها ركن من أركان الحج في الإسلام؛ فهذه هاجر أم العرب مثلًا وقدوة وفخرًا".

الفداء العظيم الذي وقع للخليل وابنه سيكون سنة خالدة، ومكافأة إلهية لأسرة صابرة محتسبة تقوم لأمر الله ولا تسخط لأقدار صعبة مؤلمة، من تلك اللحظة الحاسمة بدأت بهجة العيد فهل ترى كيف يصنع الله آياته ويحكمها، لحظة ذبح أكيد تصبح بهجة عيد قادم سيتواصل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ثم تحصل السيدة هاجر على مكافآت إضافية عندما يشارك ابنها أباه في بناء بيت الله.

جاء في تاريخ الطبري عن ابن عباس قال: جاء يعنى ابراهيم فوجد اسماعيل يصلح نبلا له من وراء زمزم فقال ابراهيم يا إسماعيل إن ربك قد أمرني أن أبنى له بيتا فقال له اسماعيل فأطع ربك فيما امرك فقال ابراهيم قد أمرك أن تعينني عليه قال إذا أفعل قال فقام معه فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم)، فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم فجعل يناوله ويقولان تقبل منا إنك أنت السميع العليم فلما فرغ إبراهيم من بناء البيت الذى أمره الله عز وجل ببنائه أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج فقال له (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) فقال إبراهيم يا رب وما يبلغ صوتي قال أذن وعلى البلاغ فنادى إبراهيم يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق قال فسمعه ما بين السماء والارض أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الارض يلبون.

ثم صعدت روح أم العرب وجدتهم الكبرى إلى بارئها فقام ابنها سيدنا إسماعيل بدفنها بجوار البيت الحرام.

وبعدُ فيجب علينا مع كل عيد أن نتذكر السيدة هاجر عليها السلام ولها الرضوان، فهي فخر بنات جنسها وسيدة من سيدات العالمين، ويكفيها شرفًا وتكريمًا أن مولانا الرحمن الرحيم الوهاب قد تكرم عليها فجعل من أفعال يومها شعائر مقدسة نحرص عليها بل نسعى خلف تحقيقها باذلين كل غال ونفيس.

مع كل عيد تذكر أن أميرة مصرية مرت من هنا، عليها السلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة صوت الأمة 5 يوليو 2022م.

 


السبت، 24 يونيو 2023

نم يا حبيبي..



اعلم رحمك الله أن جلطة قد ضربت شرياني ليلة السبت على الأحد العاشر من رمضان 1444 هجرية، الأول من أبريل 2023 ميلادية.

أنا في القاهرة وأنت في أسيوط، أنا مجلوط وأنت تصارع سرطان متوحش لا يرحم.

في طريقي إلى مستشفى العجوزة، تمنيت سماع صوتك، كنت ستسعل ثم تضحك ثم تشتم الولد طري العود الذي لا يبحث إلا عن التدليل.

أعرف أني الولد الذي تعنيه، ولكنك لم تعرف أنني تحملت منفردًا خبر إصابتك بالمتوحش القاتل.

غادرت غرفة العمليات فجر الأحد، قال الطبيب بحسم: لا تدخين، لا عصبية، لا حزن.

سألت الطبيب: هل تعرف الحاج مندي؟

رد: لا.

قلت: هو شقيقي الذي علمني كيف أشم رائحة الأرض الشراقى بعد أن يهطل عليها المطر، وعلمني كيف أنظر للقمر، وكيف أقدّر بهجة وشقاوة صوت إيناس جوهر وهي تصيح مبتهجة: تسااااااللللللى.

ثم علمني القراءة والكتابة، هو الآن في صراع مع متوحش قاتل.

قال الطبيب: قصتك ثقيلة، ولكن، الحزن والقلق أصبحا من أعداء قلبك، اترك الأمر كله لله، لأن الأمور كلها بيد الله، عندما تعود إلى بيتك، عليك بالراحة التامة، ستعود إلينا بعد شهر من الآن، فأنت بحاجة لمزيد من الدعامات.

عدت إلى بيتي يوم الثلاثاء: جاءني صوتك من أعماق ذاكرتي: ثُلث التسعة ثلاثة.

كنا تسعة أشقاء، مات ستة وبقيت أنا وأنت والحاجة سامية.

تسعل ثم تضحك وتضيف: لا أخاف موتي ولكني أخاف وقع موتي عليك.

صباح الخميس الخامس عشر من رمضان العاشر من أبريل جاءني صوت ابنك باكيًا: أخوك في ذمة الله.

لماذا لم يقل ابنك: أبي في ذمة الله؟

هل أراد تذكيري بأن سبعة من التسعة قد ذهبوا؟

كيف سيواجه اثنان، كل هذا الوجع.

قال الطبيب: لا حزن ولا سفر.

عدت إلى أسيوط لأرى وجهك للمرة الأخيرة، الحمد لله رأيتك هادئًا مطمئنًا.

لم أذكر لك شيئًا عن الشرايين التي خربتها الحسرات والهزائم والسجائر.

همست بالقرب من أذنك: متى سيكون اللقاء؟

هذا نهار رمضان وأنت لا ترتل القرآن، هذا مغرب رمضان وأنت لا تجمعنا على الإفطار، هذا قيام رمضان وأنت لا تؤم المصلين، هذا مسجدك ولكنك غائب، هذا منبرك ولكنك صامت.

أين أنت يا رجل؟

يا رجل أنا صغيرك وقد دمرت الأحزان شراييني لماذا لم ترفق بي؟

طعنني المعزون وهم يقولون لي: أنت الآن كبير العائلة.

أي عائلة وأي كبير، لقد ذهبت العائلة وذهب الكبار، وما أنا إلا وحيد يتيم معطوب القلب.

كنت أصرخ في وجوه أولادك وأولاد أخوك لكي يكفوا عن البكاء، فإن سكتوا قلت لهم: هيا ابكوا أخي، إنه أخي أنا، إنه أخي الأخير، المصيبة مصيبتي أنا، ابكوا معي مصيبتي.

مضت أيام العزاء، نظرت إلى بيتك فرأيته أكبر مما هو عليه، هل أصبح كبيرًا أم صار فارغًا؟

يوم السابع عشر من مايو عدت لغرفة العمليات مجددًا.

رأى الطبيب شيئًا فسألني من بين أسنانه: هل عدت للتدخين.

ـ لا.

ـ هل تركت العلاج؟

ـ لا.

يا أخي حالتك أسوأ من المرة الأولى، أنت فعلت شيئًا ما، وهذا الشيء ضار مضر.

هل سأحكي لكل طبيب قصتي معك؟

هذا لا يليق، هذا سيبتذل كل الوجع فيصبح تافهًا.

هل تعرف أنني من يوم رحيلك لم أكتب شيئًا، كأني نسيت الكتابة، أصبحت أشقى من أجل كتابة مقال أسبوعي، لا يقول شيئًا لا عني ولا عنك.

الأيام ثقيلة والليالي طوال وصوتك غائب.

جاءت لك حفيدة، نظرت لصورتها وبكيت، هي لن تعرف عنك شيئًا، ستحمل اسمك وترى صورك، أما أنت فلن تعرفها، لن تغني لها كما غنيت لشقيقاتها، لن ترتل في أذنها سورة الملك، هذه الحفيدة لن تعرف فداحة خسارتها.

سأتركك الآن تواصل نوم الهادئ المطمئن.

نم يا حبيبي حتى نلتقي.