كتاب "كمال الطويل.. طيب يا صبر طيب" قدم خلاصة فن
الطويل طفل مصري ذاق اليتم مبكرًا ثم امتلأ بموسيقى مصرية ففاضت عبقريته
يأتي كتاب الكاتب الأستاذ سعيد الشحات "كمال الطويل.. طيب يا صبر طيب"، خطوة مفصلية في رحلة بدأها الأستاذ الشحات بكتابه عن السيدة أم كلثوم، ثم كتابه عن الفنان محمد رشدي، ثم كتابه عن الموسيقار عمار الشريعي، أقول خطوة مفصلية لمعرفتي الشخصية بالكاتب، فبعد نجاح كتبه التي ذكرت توقف ليسأل نفسه: هل أكمل هذا الطريق أم أعود إلى كتب التاريخ والسياسة والأدب ولدي عشرات الأفكار التي يمكن تنفيذها بيسر وسهولة.
أظن أنا أن نجاح كتاب الطويل سيغري الشحات بالمواصلة ولديه الكثير من كنوز أكابر الفنانين.
كتاب الشحات الصادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع، وبغلاف مميز للفنان الأستاذ يوسف الشريف يواصل فيه الكاتب منهجه في كتابة تراجم الفنانين، فهو يعتمد أولًا على تسجيلات للقاءات جمعته بهم، ثم على شهادات سبق لهم الإدلاء بها، ثم يعمل ذائقته هو في تقليب أمورهم على كافة الوجوه، فهو لا يقبل منهم شيئًا بوصفه الحقيقة الوحيدة، فكلنا يعرف أن للقمر وجهان أحدهما مظلم!
في كتاب الطويل تجلت مكافأة السماء لسعيد الشحات على هيئة علاقة لطيفة ربطته بالفنان زياد الطويل نجل الموسيقار كمال الطويل، من حسن حظ سعيد الشحات أن زيادًا مولع بأبيه وحريص على تراثه وعارف بفضله وبمكانته، ولذا فقد فتح له عن طيب خاطر مكتبته وقدم له ما طلب من وثائق ومعلومات ما كان الشحات سيصل إليها لولا سخاء قلب زياد.
وللحق يجب أن تكون لنا وقفة مع أولاد وورثة الفنانين وأصحاب الشأن العام، فكثرة منهم لا تريد الاقتراب من ذكر أسماء آبائهم، وكأن هؤلاء الآباء وقف خاص عليهم وليسوا أصحاب شأن عام ولهم في حياة الأمة دور وأي دور، وبعض الأبناء والورثة لا يعرفون عن الأب إلا اسمه ولا علاقة لهم بتاريخه ولا تراثه، ولي شخصيًا مع هذا النوع مواقف بلغت الغاية من السخافة.
نعود للفنان الأستاذ زياد الطويل لنوجه له تحية تقدير وعرفان فلولاه ما تمكن الشحات من نشر قائمة تكاد تكون كاملة لأعمال الأستاذ الموسيقار كمال الطويل الموسيقية، كما قام بنشر مجموعات من الصور الفوتغرافية التي ضمت الموسيقار الراحل مع نخبة من فناني الأمة العربية.
ضربة البداية التي نفذها الشحات تعصر قلب القارئ وتضع يده على حقيقة بهجة موسيقى الطويل المسكونة بشجن لم نكن قبل كتاب الشحات نعرف من أي نبع جاء.
يورد الشحات بدايات أمر الطويل فينقل عنه هذه الفقرة: "كان جدي من التجار المعروفين في طنطا، وكانت والدتي من الصعيد من مواليد بلدة اسمها "النواميس"، وهي من قري مركز البداري بمحافظة أسيوط، تعلم والدي وأشقاؤه عبد الفتاح ومحمد والدكتور عبد السلام في طنطا حتي أنهوا مرحلة التعليم الابتدائي، وبعدها سافروا إلي القاهرة حيث التحقوا بمدرسة السعيدية الثانوية، وبعد ثلاثة أعوام من مولدي سافر أبي في بعثة دراسية (الهندسة) إلي ليفربول بإنجلترا لمدة خمسة أعوام، وكانت والدتي في ذلك الوقت حاملا في أختي –الله يرحمها- فسافرنا إلي طنطا للإقامة في منزل جدي.
أنهي والدي دراسته بالبعثة وعاد إلي مصر، ولم يكن وحده فقد عادت معه زوجته التي ارتبط بها خلال فترة دراسته في ليفربول، وهي فتاة مصرية كانت شقيقة لأحد زملائه في البعثة وهو المهندس محمد شرف نعمان، والده أصلا من تونس وسافرت مع شقيقها لرعاية شئونه خلال سنوات الغربة، حيث التقت بوالدي الذي تعلق بها، وتعلقت به فكان الزواج، وعندما علمت أمي بنبأ زواجه من غيرها لم تحتمل الصدمة، وتوفيت في وقت لم نكن نعلم فيه أنا وشقيقتي شيئا عما يجري من حولنا، فقد تم طلاق والدتي بعد أن طلبت منه أسرة زوجته الجديدة ذلك، وانتقلت مع شقيقتي إلي القاهرة، فالتحقت أنا بمدرسة الأورمان الداخلية، بينما ذهبت شقيقتي للإقامة في بيت عائلة عمي الدكتور عبد السلام الطويل بعد التحاقها بمدرسة إنجليزية قرب كوبري الملك الصالح، وكانت السيدة جيهان السادات طالبة في نفس المدرسة."
ما كل هذا الشتات، صعيد وطنطا وقاهرة وليفربول، ثم أب غائب وأم راحلة، اليتم حتى في الشيخوخة مؤلم فكيف هو ألم يتم الطفولة، ثم كيف هو ألم يتم طفل فنان، نعم يولد الفنان فنانًا ويولد العالم عالمًا، وما للسنوات من عمل سوى تعميق المجرى وتمهيد الطريق لما هو قادم من نبوغ وذيوع.
في سنوات الطفولة تلك ومع الفقدان المبكر للأم تأتي الموسيقى، عوضًا عن حضن غاب وعن بهجة قبلات لن يحصل عليها أبدًا.
هنا يضع الشحات أيدينا على النبع الثاني والحاسم في رحلة تكوين الموسيقار كمال الطويل، ينقل الشحات عن الطويل: "نشأ داخلي حب المزيكا بصورة تلقائية وبشكل مدهش، وكان ذلك من خلال التجار الكبار في طنطا والبلاد المجاورة، ففي الأعياد والمناسبات الدينية، وما أكثرها لدي المصريين، كان هؤلاء التجار الكبار يقيمون سرادقات تتلي فيها آيات الذكر الحكيم وتقدم الأناشيد والتواشيح الدينية، أذكر فرحي وإعجابي بصوت المرحوم المقرئ الشهير الشيخ مصطفي إسماعيل، وبعدما كبرت قليلا أحببت صوته أكثر حين نزل ضيفا وقارئا علي سرادق أقامه جدي، في تلك الليلة وأنا استمع إليه انتابني حالة من السعادة الكبيرة، وبالإضافة إلي قراءة الشيخ مصطفي كانت هناك فرق الإنشاد الديني، وتشبعت مسامعي بكل هذا الجمال، ونقلته إلي إحساسي، إحساس الصبا".
يبلغ مولد السيد البدوي غايته من الزحام يوم الخميس استعدادا لإحياء الليلة الختامية التي هي ليلة الجمعة، ويمكن أن تسمي هذه الليلة ليلة الطرب والحظ، إذ يفد مشاهير المغنيين والمنشدين لإحياء تلك الليلة، كما يتوافد علي المولد رواد السماع والحظوظ من كل فج، وتبدو السرادقات في أبهي ما تكون زخرفا وزينة.
هذه المناسبات الدينية الجميلة غرست في نفسي كل المشاعر الجميلة العذبة من خلال عالم الأصوات المترنمة في السرادقات التي يقيمها جدي والآخرون من أهل المدينة، وعبر "أصوات السماء" هذه بدأ إحساسي- على الرغم من صغر سني- بالموسيقي والأداء الجميل الساحر، لقد اكتشفت شيئا مثيرا هو جمال ورقة الصوت البشري، وأدركت مبكرا أن الصوت الإنساني يمكن أن يكون أجمل ما في الحياة".
لقد قدم لنا الشحات بمهارة خلاصة فن الطويل، طفل مصري ذاق اليتم مبكرًا، ثم امتلأ بموسيقى مصرية ففاضت عبقريته.
منشور بجريدة صوت الأمة الأربعاء الموافق 17 يونيه 2026م.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق