الاثنين، 19 يناير، 2015

محاولة




فتنة الجامعة

قبل حوالى ثمانين عامًا من عامنا هذا كان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين يلقي على طلابه محاضرات في الشعر الجاهلي ، كان من بين تلاميذ العميد ، الطالب محمود  محمد شاكر ، الذى سيصبح فيما بعد  حارس العربية وشيخ مشايخ محققي  التراث العربي والإسلامي ، الطالب شاكر لم تعجبه محاضرات العميد وناقشه في منهجه الذى يشك في الوجود الحقيقي للشعر الجاهلي ، ثم وقر في قلب الفتي شاكر أن العميد قد نسخ ( بمعنى سرق ) ومسخ بحثًا للمستشرق مرجليوث حول نفس الشأن .
حدثت كل هذه النقاشات دون كلمة خارجة من أيهما ، لا الفتي شاكر رفع عينيه في أستاذه ولا الأستاذ قمعه وهدده بـ " قلم البوليس السياسي " أو بالرسوب .

خاض الفتي شاكر صراعًا نفسيًا مريرًا ، أدى إلى هجره للجامعة وقال قولته الموجعة  :" لقد انهدم معنى الجامعة في نفسي ".
معنى الجامعة في نفس شاكر لم يكن يعني سوى التقديس المطلق لقيمة العلم .

وقد سجل الأستاذ شاكر دقائق وتفاصيل هذا الصراع في مقالات شهيرة ، جمعها في كتاب " بيني وبين طه " فلم تفلت منه كلمة  نابية واحدة ضد أستاذه ، بل على العكس اعترف بفضل  أستاذه عليه وكيف سانده لكي يلتحق بقسم اللغة العربية بكلية الآداب .
تلك  الحادثة  البعيدة عن زماننا ، تشير إلي ما لحق بجامعاتنا من سوء ، وهذا السوء هو  للإنصاف قد ضرب كل مؤسساتنا بعد التجريف الذى أصابنا على يد نظام حكم مبارك .

الجامعة الآن لم تعد مكانًا يقدس قيمة العلم وجلال الأستاذية ، لقد أصبحت مسرحًا لعبث أظنه لم يخطر على قلب إبليس شخصيًا .
هناك طلاب وأساتذة يقولون إنهم ضد " الانقلاب ".
وهؤلاء أمرهم معروف ، فهم من خلايا عصابة حسن البنا أو من مدعي اليسارية المراهقة .
ثم هناك طلاب وأساتذة يكاد الواحد منهم أن يقدس نظام الحكم الحالي .

 هؤلاء وأولئك جعلوا من الجامعة مسرحًا لتصفية حساباتهم السياسية ، فرأينا الشماريخ والمولوتوف بل والخرطوش بل والبنادق التى تطلق الرصاص الحي إضافة إلى السلاسل والسكاكين والخناجر  والعصي تمرح في جنبات الجامعة .

حدث هذا وأكثر العام الماضي وكانت نتيجته مقتل حوالي اربعة عشر طالبًا ، ذهبت دماؤهم أدراج الرياح .

الكارثة الحقيقة هى في إدارة منظومة الجامعة ، كل المسئولين عن أمن الجامعة يتصرفون وكأنهم يتعرفون لأول مرة على أوجه المصاعب والمتاعب والمشاكل التى تواجه الجامعة ، الجميع يتصرف بعشوائية مفرطة ، كل مسئول يظن أن اعتقال طالب هنا أو حبس طالب هناك سيؤدى إلى السيطرة على الجامعة وانتظام الدراسة ، لا أحد يريد الدخول في نقاش حقيقي وجاد عن أسباب كل هذا الانفلات ، لا أحد يريد توريط نفسه في الذهاب إلي رأس الدمل والتعامل معه بمشرط جراح يمتلك رهافة حس الفنان لا غلظة سواعد القاتل .

المظاهرات ستستمر والاشتباكات ستتواصل والنفخ في رماد الخلافات حتى يصير الرماد جمرًا لن يتوقف ، إذن  ما الحل؟
الحل هو أن يتحمّل كل مسوؤل مسوؤليته كاملة وإلا فليتفضل مشكورًا  و يجلس مرتاحًا في بيت أبيه ، والمسوؤلية هنا تعنى احترام حقوق الطلاب الإنسانية والسياسية .

التعامل بحزم وحسم مع كل خروج على القانون العام .
تحرى أقصى درجات الدقة في ضبط أمن الجامعة .

الكف عن الأساليب القديمة البالية التى تؤمن أن عصا الأمن قادرة على إخراس كل صوت معارض ، لقد جرب نظام مبارك وكل نظام فاشل هذه الأساليب فلم تفلح سوى في  تخمير الثورات ومن ثم اندلاعها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق