الخميس، 2 أكتوبر، 2014

الأذى بالقرآن





لى جار تلقى تعليمًا جيدًا مكنه من الترقى فى سلم وظيفته المرموقة، جارى هذا رجل مهذب وسيم الملامح خفيض الصوت، نظيف الملبس، لم أعهده صاخبًا أو بذيئًا أو عدوانيًّا، شاء الله أن يبتلى طفله الصغير بمتاعب صحية تجعله يبكى دون سبب مفهوم ليل نهار، كل ما سبق من مواصفات وصفات جارى تجعله يقينًا يهرع إلى أكابر الأطباء لكى يتلقى ابنه علاجًا شافيًا، ولكن خاب ظنى أو دلالات المواصفات والصفات، وذلك عندما انغمس جارى فى بئر بلا قرار اسمها الذهاب إلى الشيخ فلان والشيخ علان والشيخ ترتان.

كمية خرافية من المشايخ أو بالأحرى من مدعى المشيخة، أنفق عليهم الرجل المسكين المهذب الرقيق معظم ماله.

ونظرًا لأن لكل شيخ طريقة فقد تعقدت حالة الطفل وساءت جدًّا، حتى أصبح الصغير الذى كنت أراه عودًا أخضر يبشر بالخير شيئًا أقرب إلى أشباح سينما الرعب.

رأيت أن واجب الجيرة يحتم علىّ تقديم نصيحة ربما يكون فيها الشفاء للطفل الصغير.

بألطف تعبير وبأرق جملة خاطبت جارى فى حتمية الذهاب إلى طبيب، وعرضت عليه قائمة أطباء كبار وتعهدت بضمان رعاية فائقة للصغير العزيز.

بأدبه المعهود استمع لى جارى حتى فرغت من كلامى، ثم نظر إلى نظرة مرعبة، كانت نظرته تقذفنى بالكفر الصريح الذى لا يأتيه الإيمان من بين يديه ولا من خلفه.

استبشعت نظرته فسألته عن معناها (كأن معناها خاف علىّ) بصوته ذى النبرة الخفيضة قال كلامًا كثيرًا يمكن تلخيصه فى أن قراءتى لبعض الكتب (قالها غامزًا) ثم معرفتى ومصاحبتى لفلان وفلان (ذكرهم بالاسم) قد طبعت على قلبى بصمات الاستهانة ببركة القرآن الكريم كتاب الله المقدس.

أدركت فى لحظة تعقل (نادرًا ما أتحلى بها) أن أى دفاع عن نفسى لن تكون عواقبه حميدة، فتركت له نهر الكلام يعكره كما شاء له هواه وعقله أو قلبه وشيطانه.

واصل الرجل المسكين كلامه فقال إن بالقرآن كنوزا تخفى على أمثالى الذين ضربت العلمانية الغربية معاقل إيمانهم فى مقتل، فعاشوا يرطنون بكلام لا معنى له ولا يسمن ولا يغنى من جوع، ولن يستقيم حالهم (يقصدنى طبعًا) إلا إذا أعلنوا بكل قلوبهم بأن القرآن هو أبو العلاج وأمه، وأنه يستطيع علاج كل داء، وأن الطب الذى نتشدق بفوائده ما هو إلا دجل دجالين وتمتمة سحرة.

قطع دخول زوجته بمشروب الضيافة تدفق حديثه، فرأى أن دخولها مناسب لكى يستشهد بها على صدق كلامه، وسألها عن خالتها التى كادت تكون قعيدة حتى رزقها الله بالشيخ فلان الذى رتل على ركبتيها أواخر سورة «الرعد»، فقامت من بين يديه تجرى كما لو كانت شابة فى العشرين من عمرها.

ضاق صدرى وانقبض قلبى بما أسمع من شهادات هى إلى الخرافات أقرب، ضقت بشهادات تنزل القرآن العظيم، كتاب الهدى والقداسة والنورانية منزلة دون منزلته، فعرضت على جارى لكى يرتاح ضميرى أن نجرب ولو مرة واحدة الجلوس مع طبيب، فإن أفلح فهذا ما نبغى وإن فشل نذهب إلى غيره أو نزاوج بين الطريقتين، طريقة مشايخه وطريقة أطبائى.

هنا احتد صوته للمرة الأولى وقال: كيف أخلط سمًّا بعسل؟ ابنى سيشفيه رب الشفاء على أيدى ناس أؤمن بكرامتهم.

غادرت بيته غير مصدق لما سمعت، وقد تملكتنى الحيرة من أمره فلو كان من هؤلاء الذين يعميهم التطرف لكان الأمر مفهومًا، إنه مواطن عادى مثلى ومثلك يعمل ويجتهد فى عمله، لكنه ساعة الجد يركل عقله ويؤذى نفسه وطفله من حيث يريد الشفاء.

من الواضح أن شوط الوصول إلى بر الإيمان الحق بعيد جدًا وملىء بالمصاعب.
ــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بجريدة التحرير في 30 يوليو 2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق