الاثنين، 10 مارس، 2014

الفاتحة




الجمعة 9 مارس 2007

عشقي ليوم الجمعة قديم، يعود لتلك الأيام التي كنت فيها أطيل السجود، لأملأ أنفي برائحة حصيرة الجامع المبللة بماء الوضوء.
غادرت البيت منتعشًا في الرابعة عصرا، جاء الميكروباص وكان الهدوء يغمر الركاب والسائق الذي كان نظيفًا لامعًا يبصر مستعينًا بنظارات طبية لها إطار أنيق، إنه من النوع "المعاش" واحد من موظفي الشركات التي باعها حسني مبارك، سائقي المسكين خرج إلي المعاش المبكر وهو في الخمسين ليبدأ عملًا لا يعرف قواعده ولن يعرفها، سريعًا وصلنا إلي الموقف في التحرير، عبرت الموقف إلي ساحة الشهيد عبد المنعم رياض، من زمن بعيد كنت قد دربت نفسي علي نسيان التواريخ حتى استطعت نسيان عيد ميلادي، يمر اليوم كغيره وقد أتذكره بعدها بأيام فأصفق لنجاح تجربة النسيان العظيم، إذن ما الذي جعلني أتذكر أن اليوم هو يوم الشهيد؟ إنه الحاج مندي الذي ذكرني في مكالمة جرت بيننا أمس بمقال كنت كتبته عن الشهيد رياض ونشرته بالأحرار قبل سنوات (تري هل يغفر الله للحاج مندي؟).
يقف تمثال الشهيد محاصرًا بكل بذاءات الميكروباص، ودخان البانجو، الساحة التي يتوسطها التمثال مكتظة بعشرات الشبان والشابات. يجلسون علي المقاعد الحجرية، الأولاد يدخنون في صمت والبنات تحاول الواحدة منهن إخراج الولد من دوائر صمته وشروده بشتى الطرق، يحاول الولد إثبات حضوره فيداعب شعر فتاته أو رقبتها أو خدها وأحيانًا يقنع أو تقنع البنت بلمسة علي اليد كما يحدث أحيانًا أن يوغل الولد في إثبات حضوره فتذهب مداعباته إلي أماكن لها خطورتها.
كنت والتمثال وحيدين. مدخنو البانجو ليسوا هنا كما أنهم ليسوا هناك، فجأة دخلت الساحة جماعة من الأجانب، أربعة رجال وامرأة، وقفوا تحت التمثال والتقطوا صورًا تذكارية، ضربني الوسواس القديم المقيم، هل هم صهاينة حضروا للتشفي من الشهيد في يوم عيده؟ أم هم أجانب أبرياء يكدسون الشمس والذكريات وليس أكثر؟ لو كانوا صهاينة، فيجب عليَّ هزيمتهم، ولكن كيف سأهزمهم بمفردي؟
أرسل رب الأفكار فكرة عظيمه فله تعالي الحمد كله.
ـ هي فكرة عظيمة ولكن..
ـ ولكن ماذا؟
ـ هي خارجة علي سياق سلوكي العام. أخجل من تنفيذها، إنها تحتاج لرجل استعراضي ولستُ كذلك.
ـ الحق هي تحتاج لرجل يحب الشهيد، أولستَ كذلك؟
ـ والله أنا أحبه فعلا.
ـ إذن تقدم وافعلها. 
يارب كن معي... واحد، اثنان، ثلاثة.
تقدمت بخطوات مستقيمة باتجاه التمثال، وضعت حقيبتي علي الأرض واعتدلت بهدوء ونظرت إلي التمثال لحظة، وفي الثانية كنت قد هزمت خجلي وأديت التحية العسكرية للشهيد، أديتها بحب وإخلاص جندي في حضرة قائده الفذ. ببطء استدرت أنظر لجمهور الساحة لأري رد فعلهم، كان الأولاد يدخنون في صمت وشرود والبنات مستسلمات لنشوة المداعبات المفاجئة، دهشة جميلة رأيتها تطل من عيون الأجانب، الحمد لله ليسوا صهاينة (الدهشة ليست من أخلاق القتلة) كافأت الأجانب الأبرياء علي دهشتهم الجميلة واستقبلت القبلة. أغمضت عينيّ وبسطت كفيّ وتلوت الفاتحة بصوت مسموع، وعندما قلت آمين كانت كاميراتهم تلتقط صورتي، بتلقائية أصحاب الشأن الذين اعتادوا التصوير أخذت حقيبتي وغادرت الساحة في هدوء.
الغريب في الأمر أن نقطة صدق قد عرفت طريقها إلي قلبي!
كيف حدث هذا وأنا أعلم أن ما فعلته كان محض تمثيلية أكيد بها من ظننتهم صهاينة؟ 
الله أعلم
تمثيليتي التي لو التفت إليها البنجاويون لوصفوها بالحركة القرعاء، فتحتْ لي أبواب الأوهام التي أحتمي بها.

أسبوع للشهيد، فرقة موسيقي الجيش تعزف موسيقاها، أطفال يطيرون طائراتهم الملونة في سماء الساحة، شبان تجري فى عروقهم دماء العافية، بنات مثل الورد يجملن الساحة ويزين المهرجان، فرقة أولاد الأرض تكنس أغانيها عتمة تراكمت

وغني يا سمسمية لرصاص البندقية
ولكل ايد قوية حاضنة زنودها المدافع
غني لكل دارس في الجامعة والمدارس
لمجد بلاده حارس من غدر الصهيونية
غني ودقي الجلاجل مطرح ضرب القنابل
راح تطرح السنابل ويصبح خيرها ليا.

شيوخ الإسلام سيخطبون عن الشهادة والشهيد، الكنيسة سترسل جوقتها وستظلل الترانيم مئات الآلاف من الحضور.
في ختام الأسبوع سيشرف مهرجاننا رئيسنا الذي انتخبناه وسيمنح الفائزين في مسابقة الشهيد الجوائز القيمة (طبعا رئيسنا سيختص أولاد الشهداء بلفتة رئاسية خاصة).
ستظل تجري وراء أوهامك حتي تفتت سيارة طائشة عظامك، كف عن الأوهام، العراق تفتت، فلسطين علي طريق الأندلس تسير، سوريا محاصرة، ليبيا خلعت سروالها، بلدك أم الدنيا ومهد الحضارة تلفظ أنفاسها الأخيرة.

دخلت إلي الكرامة وكانت بقية من الفاتحة تعطر دمي، جاءت زينب حسن ومحمد سعد عبد الحفيظ ومحمد الروبي وسمير عبد الغني وأحمد عاطف ومجدي عبد الكريم وشكروا مقالي الذي كتبته عن جرائم شهر فبراير أو" فقراير" كما ينطقها المصريون، ثم جاء أمين إسكندر (مستشار تحرير الكرامة) وقبلني مهنئا وقال لي: احرص علي قراءة مقالي القادم لأنه عن الشهيد عبد المنعم رياض، احتضنت إسكندر بقوة أدهشته (كدت أقص عليه ما فعلت ولكن خجلت).
بهجة الفاتحة أو قل بركتها استمر مفعولها حتي نهاية السهرة، فعملت علي موضوعات جيدة عن ملف الأسري المصريين الذين قتلهم الصهاينة، الملف كان ينطلق من نقطة مركزية وهي: الحكومة ماتت وعلي الشعب أن يتحرك.
كدت أذهب لعبد الحليم وأصارحه: سيدي رئيس التحرير قبل ساعات رأيت في ميدان التحرير أولاد الشعب يمضغون الصمت والبانجو وبنات الشعب مهتاجات بفعل مداعبات مفاجئة ورغبات لا تجد شقة شرعية أو حتي عرفية.
أخيرا انتهت السهرة علي خير، دون الوقوع في حماقاتي المزمنة، سرت كما هي العادة إلي التحرير، في الموقف سيارات ولكن لا ركاب، لم أغامر بالانتظار، وخرجت إلي الكورنيش، أرسل الله التاكسي، سألت السائق: هل وصلتك حكاية الأسري التي يتحدثون عنها؟ نظر إليّ مبتسما وقال: بعد صلاتك علي سيدك النبي أشعل سيجارة وناولني أختها واسمع معي بنتا سبحان الله صوتها في جمال عينيها، صليت علي سيدنا النبي وأشعلت سيجارة وناولته أختها ووضع هو شريطا في المسجل فجاء صوت البنت التي سبحان الله صوتها في جمال عينيها.
كانت أصالة 
وكانت تغني:
ما فضلش غير دمعة مرسومة في المناديل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فصل منشور فى كتاب " فيصل تحرير .. أيام الديسك والميكروباص"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق