الخميس، 5 ديسمبر، 2013

مكتبة نجم



قابلتُ الفاجومى شاعرنا الراحل الكريم أحمد فؤاد نجم (رحمه الله) لأول مرة فى بداية التسعينيات، كان عائدا للتو من تغريبة كبرى استغرقت سنوات من عمره، كنت سأسأله أولا عن صبره على الغربة وهو المعجون بتراب هذا الوطن، لكن غرفته، المسماة مجازا ببيته فى حوش قدم، جعلتنى أكتم سؤالى لأتفرغ لمراقبة شارع نبتت له غرفة، ناس تدخل وناس تخرج ونسوة يبحثن عن أطفالهن المختبئين تحت سرير نجم. كان نجم يتعامل مع كل هذا الضجيج بأريحية منقطعة النظير، إنه لا يشكو بل لا يتأفف بل لا تظهر على صفحة وجهه أدنى بادرة ضيق من هذا الاقتحام الذى يبدو مثل سيل لا ينقطع.

بالنسبة إلى أحد معقدى الطبقة الوسطى مثلى كان الموقف غريبا جدا: «مَنْ هؤلاء يا عم نجم؟».

رد ببساطة لا تخلو من نبرة سخرية: هؤلاء هم الشعب سعادتك.

إجابته جعلت ورم الطبقة الوسطى يتمدد بداخلى: وهل من حق الشعب أن يفرض نفسه على حجرة واحد منه؟

ضحك ثم قال: إذا كان هذا الواحد بنى آدم مثلك فليس من حق الشعب اقتحام غرفته، ولكن إذا كان هذا الواحد شاعر مثلى فليس من حقه أن ينعزل عن شعبه، وعليه أن يقبل بل يحب بل يتعلم من شعبه بهبله وعبله كما قال فؤاد حداد.

بساطة إجابته وتلقائيتها تقطع بأنه يؤمن بما يقول، هو يرى نفسه شاعر الشعب الذى يتعلم من الشعب لا من النظريات ولا من المؤتمرات ولا من الندوات ولا من الكتب، آه الكتب، ترى أين هى فى غرفته المستباحة؟ لا أثر لمكتبة ولا لكتاب ولا حتى جريدة أو مجلة.

الأمر يبدو مدهشا، الرجل لا يمتلك كتابا واحدا، ولكنه يبدو مثل بحر تنام الكنوز فى جوفه مطمئنة ولا تصحو سوى بإشارة يرسلها مخه إلى لسانه، فينطق بحكم العرب وبأشعارهم وبحكاياتهم وبأساطيرهم فى استشهادات عميقة لا تخطئ حق موضعها من الكلام، إنه يكاد يحفظ ديوان المتنبى، ويعلن من خلال حديثه افتتانه بقصائد المتصوفين، ولا يأتى على ذكر عمر بن الفارض إلا مسبوقا بلقب سيدنا، ثم هو يغمض عينيه وينشد مطولات بيرم التونسى وبديع خيرى كأنه يقص أعظم قصص السحر والفتنة.

كيف لهذا الرجل المبعثر على قارعة الطرقات والأزمنة، العصى على كل أنواع الترويض والقولبة أن يحتفظ بكل هذه الكنوز دون كتاب يرجع إليه؟

كأنه قرأ على وجهى علامات الاستفهام حول تكوينه الثقافى الذى يبدو حاضرا وبقوة رغم غياب الكتب، قال: عمك فؤاد حداد قال: «إن الثقافة كتب وناس» وأنا قرأت ما شاء الله لى أن أقرأ، فنان الكاريكاتير العظيم حجازى هو الذى حببنى فى القراءة وكان يرشدنى إلى أهم الكتب، وهو الذى عرفنى على شعر بيرم التونسى، فكنت إن أحببت كتابا لا أتركه حتى أنتهى منه ثم لا أحتفظ به، أهديه لمن يحب اقتناء الكتب، أما الناس، وهم عندى هذا الشعب العبقرى فوجودهم فى حياتى لا غنى عنه، الشعب عندى كأنه الأكسجين، لا حياة لى دونه، هو يعلمنى لوجه الله، ومن ناحيتى فأنا موهوب فى احترام علوم الشعب، بداية من أغانى وحكايات أمى ونهاية بكلام الشوارع الملىء بروح الشعر.

- يعنى يا عم أحمد أليس هناك ولو كتاب واحد تضن به على الإهداء؟

يرد ضاحكا: لو احتفظت النحلة بعسلها لماتت مختنقة بشهده، أنا وجماعة من صعاليك العرب مثل النحل نطوف على أزهار الدنيا ثم نقدم إليكم عسلنا نحن، كل ما تعلمته من الحياة ومن الشوارع ومن السجون ومن المطاردات ومن الكتب قدمته فى قصائدى بنكهتى الخاصة.

واصل كلامه وقد عاد إليه مرحه المعتاد: لقد أحببت نفسى عندما تأكدت أننى فاجومى، هكذا ولدت وهكذا أعيش وهكذا سأموت، لن أحزن على سنوات شباب التهمتها الزنازين، ولن أندم على مواقف دفعت ثمنها من عمرى، كل ما أرجوه أن أكون جاهزا دائما لتلبية نداء معلمى الوحيد، الشعب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير - 5 ديسمبر 2013

هناك 4 تعليقات:

  1. قعد على مكتبتي بعثرها شمال ويمين وكمية الكتب التي أخذها مني على سبيل الاستعارة أهداها للرايح والجاي، نقول الله يرحمه!

    ردحذف
  2. الأستاذة الجليلة صافى ناز كاظم

    يرحم الله عمنا نجم والعمر السعيد المديد لك ولابداعك العظيم ".

    ردحذف
  3. الجميل هو عمنا احمد فؤاد نجم

    ردحذف