الأربعاء، 2 أبريل، 1997

جائزة قيمة لمن يتعرف عليه:المؤبد الأبدي.. قاعد على قلوبنا لطالون!


 

هو "فائض عن الحاجة" طولاً وعرضًا ، كرشًا ولغدًا ، جهلاً واستبدادًا.

تراه فتهابه عيناك حتى يتكلم .

فإن تكلم أخذت تعض على شفتك السفلى لكن لا تقطع سيوف الضحك حنجرتك.. وذلك لأن "المؤبد الأبدي" لا يتكلم بفمه مثل كافة خلق الله وإنما يتكلم بجميع جسده.. فتخرج منه الكلمات بطيئة، مكتومة، مندغمة كأنها "دحرجة" برميل زفت على تراب شارع ريفي.

و"المؤبد الأبدي" عندما يحادثك ترى يده تمرح على بطنه مزهوة بعظمة البطن وما احتواه من مرق ودسم وثريد ، وترى علامات الرضا وقد علت وجه ( المؤبد الأبدي) فمن غيره يملك جسدًا سمنته مهلبية القصور، وربربته قطيفة كراسي المناصب، وأترفته جنة البطالة؟

لقد اعترف ( المؤبد الأبدي) في سيرته الذاتية التي نشرها في أكبر وأعرق صحفنا بأنه تمتع برشف عسل البطالة ربع قرن من الزمان!

ويومها جن جنون مفكرنا الوطني الدكتور جلال أمين وكتب متسائلاً عن ماهية الرجل الذي يختار وبمحض إرادته البطالة عملاً دائمًا له لمدة ربع قرن بالتمام والكمال.

وموقف ( المؤبد الأبدي) من العمل والنشاط يفسر عضه بالأظافر والأسنان والأنياب على أى منصب يجثم على أنفاس كرسيه.. فالرجل لا يتمسك بمناصبه العديدة والخطيرة حبًا في السلطة.. إنه يتمسك بالمناصب عقابًا لمن حرموه لذة "لعق" عسل البطالة.

وبعد طرده من "جنات البطالة" هبط إلى الأرض وظل يفكر ويفكر ويفكر في نوعية العمل الذي يبدأ به حياته الجديدة.. وامتحاناً من الله سبحانه وتعالى لقدرة عباده المخلصين على الصبر وتحمل الأذى صرف أنظار ( المؤبد الأبدي ) عن مهن كثيرة كانت لائقة به تماماً كان "يسرح" بعربة خضار وينادي "الجرجير الأخضر يا كلاب".

ويسر له سبحانه وتعالي لحكمة يعلمها سبل تعاطى الكتابة الأدبية. ومن يومها و"المؤبد الأبدي" يدلق أطنانًا من الحبر علي الصفحات ليخرج علينا في النهاية بروايات تحدثنا عن "عتريس" الذي ترك الفلاحة وذهب إ‍لى البندر فوقع في غواية نساء البندر الفاتنات حتى أصابته أمراض البلهارسيا والمصران الأعور والكحة والبرى برى والحصبة وشلل الأطفال فعاد إلى قريته محطمًا لكي ينال الجزاء العادل!! ولأن من سار على الدرب وصل ولأن طول العمر يبلغ المنى فقد وقع ( المؤبد الأبدي ) على مخرج كان أيامها شابًا وأعطاه إحدى قصصه ليخرجها للسينما وعن هذه الواقعة يحدثنا أديبنا سليمان فياض في كتابه "المثقفون وجوه من الذاكرة" فيقول ذهب المخرج بسيناريو قصة "المؤبد الأبدي" إلى شاعر غنائي صعيدي ليكتب له أغاني الفيلم فاشترط الشاعر الصعيدي علي المخرج أن يسمح له بكتابة السيناريو والحوار من جديد وفق رؤيته هو واستجاب المخرج.. وتم الانتهاء من تصوير الفيلم.. وفي ليلة العرض الخاص جلس "المؤبد الأبدي" بجوار الشاعر وراح يلكزه في جنبه قائلاً له: "أنت ناوي توديني في داهية إيه الرؤية "الحمراء" المشبوهة دي.. أنا قلت حاجة من دا.. أنا مليش دعوة.. يا رب الرقابة ترفض الفيلم.

وكانت أبواب السماء مفتوحة ورفضت الرقابة عرض الفيلم عرضًا جماهيريًا.. وتعالت احتجاجات المخرج والمنتج ضد قرار الرقابة أما ( المؤبد الأبدي) فقال "بركة يا جامع" لأن ضمن بذلك "عنب الشام وبلح اليمن" فهو من ناحية سيستطيع التبجح في قادم الأيام بأنه عارض "حكم العسكر" ومن ناحية أخري فإن عدم عرض الفيلم لن يغضب عليه "العسكر".. ووصل الأمر إلي تدخل عبدالناصر شخصيًا وأمر بعرض الفيلم.. وفاز ( الموبد الأبدي) بكل العنب وكل البلح ومن يومها وهو لا يكف عن التنافخ والتبجح بأنه عارض بل وناضل ضد حكم العسكر.. ويشهد الله والمخرج والشاعر الصعيدي والمنتج ونقاد ذلك الزمان أنه برىء من المعارضة براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

وإن كان هناك ما يحير في شخصية ( المؤبد الأبدي) فسيكون بغضه لنا نحن "أولاد البلد" طبعًا هناك كثيرون غيره يكرهوننا ولكنه يتفرد في كرهنا "باستراتيجية" لا يتنازل عن أي خطوة منها.. إنه يكرهنا هذا الكره الذي يعني أن المحبة لم تخلق أبداً.. وموقفه من شاعرنا الوطني الراحل أمل دنقل هو خير دليل على "منهجه" في بغضنا. فعندما تكاثرت وحوش السرطان على جسد شاعرنا توجه محبوه إلى ( المؤبد الأبدي) راجينه المساهمة في تكاليف علاج أمل من مال المؤسسة التي يرأسها خاصة وأمل عضو بارز من أعضائها فماذا كان رد ( المؤبد الأبدي) قال: "علي المذكور أن يتقدم بالتماس لكي نساهم بصرف مائة جنيه مصرى فقط لا غير في تكاليف علاجه" هل هناك بغضًا وعدوانية أكثر من ذلك؟

سيدي القارئ ها هو "المؤبد الأبدي" يرشح نفسه للمرة المليون ( رئيسا لاتحاد كتاب مصر ) وسواء نجح أم لا فسيبقى يكرهنا وسنحافظ على إقامتنا في خانة أعدائه.ً

سيدي القارئ ليس خوفًا من طغيانه وبكائه لم نذكر اسمه ولكن إشفاقًا عليك خاصة ونحن في "أيام مفترجة" يجب ألا يذكر فيها إلأ كل جميل ومع ذلك نعدك بجائزة قيمة إن بعثت لنا باسمه مع ثقتنا أنك لن تفعل فما الجائزة إلا مجموعة من رواياته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الدستور ــ 2 أبريل 1997

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق