الثلاثاء، 11 يوليو، 2000

"عيّل" اسمه فكري الخولي عمره 11 سنة يؤرخ بالدم لميلاد الصناعة المصرية (1 ـ 3)




لم يسبق في تاريخ الرواية العربية عمل من هذا الطراز فقد ألفنا في عالم الرواية أن نرى الفلاح يعين ابن عمه الذي تعلم في المدينة واحترف الكتابة، وأن نرى العامل بعين "المثقف الثوري" الذي انحاز لقضيته، بعد أن عرف أنه إنسان مثله. لكننا أبدًا لم نقرأ رواية بقلم فلاح أو بقلم عامل، يصور حياته كما يراها بعينيه..
 ويتيح لنا أن نراه كما يرى هو نفسه. وهذا الذي لم نقرأه أبدًا هو أن ما ينفرد به هذا العمل الذي لم يسبق له مثيل في الأدب العربي. فهنا لا يكتب "محمد حسين هيكل باشا" عن زينب الفلاحة الجميلة وقريتها الجاهلة التي تضطهد عواطف العذارى الجميلات، وهنا لا يكتب وكيل النيابة توفيق الحكيم عن لغز "ريم" التي يختلج رمش عينها فينبسط ظله على فدان.
 وهنا لا يصف حياة العمال نجيب محفوظ من مقعد القهوة، ولا يسرد الحكايات في قاع المدينة د. يوسف إدريس مستعينًا بالسماعة وكشف الأشعة قبل أن يتولى كشف الحالة. هنا يتولى الفلاح جميع هذه المهام.
هنا الفلاح يروي قصته بلسانه، والعامل يسجل سيرته بقلمه ولا يستعين "بخبراء أجانب" من أساتذة القلم المتطوعين للكلام باسمه، وفي اعتقادي أنه سيمضي وقت طويل قبل أن يظهر عمل أدبي يشبه عملنا هذا، لأن الأدب عندنا حرفة للخاصة والقلم له أهله، ولا يتصور الناشر العربي أن ينشر "يوميات ساعي بريد" إذا كان كاتبها ساعي بريد بالفعل.

فالسيرة الذاتية للإنسان العادي لا تعتبر مادة صالحة للنشر ولا تضاف إلى رصيد الأدب ما لم يكن صاحبها من أهل القلم المتعمدين. إن هذا العمل هو دعوة إلى كل عربي لكي يسجل تجربته بلا حيرة ولاتردد ولا تكلف.. لا لصالح القارئ وحده، وإنما لصالح الأديب المحترف. فما يرويه هذا العمل " الرحلة " يغطي مرحلة مهمة تماماً في تاريخ مصر المعاصر. وهي المرحلة التي نشأت فيها الصناعة المصرية الحديثة أيام طلعت حرب وشركات المحلة. ففي مختلف بلدان العالم التي سبقتنا إلى الثورة الصناعية، رسم وروى عن الأدب صورة المجتمع الذي عاصر هذه الثورة، وسجل الآلام والآثام والضحايا الذين قامت على أكتافهم الصناعة، أما الآلام والآثام المصرية والضحايا المصرية التي صاحبت عصر النهضة الصناعية المصرية..
 فقد تجاهلها الأدب المصري تمامًا. وكان طبيعيًا أن يتجاهلها، لأن الصناعة في مصر نشأت في صراع مع صناعة الاستعمار الأجنبي. فكان طابعها الوطني يمنع الرأي العام المصري، والعمال المصريين من التشهير بآثامها. والآن وقد زال هذا الاعتبار، فإن تاريخ نشأة الصناعة المصرية الحديثة والآلام التي صاحبتها والضحايا الذين سقطوا في سبيل أن تدور عجلاتها أصبح ممكنًا، وواجبًا أن يعرفه الجميع. وهذا العمل يؤدي هذا الواجب.

السطور السابقة ــ للأسف ليست لي ــ وإنما هي إحدي إبداعات الراحل الكبير صلاح حافظ ــ رحمه الله ــ قدم بها " للسيرة الذاتية لفكرى الخولى " التى كتبها تحت عنوان " الرحلة " .

لقد حرصت على إيراد معظم المقدمة لأنها إحدي المقدمات التي تلخص العمل ــ أي عمل ــ في سطور.

· والآن ماذا عن فكري محمد الخولى صاحب الرحلة وكاتبها؟

في بدايات عام 1916 كان محمد الخولي عامل البناء قد ترك قريته "كفر الحما" مركز طنطا مديرية الغربية وذهب إلى "مصر" باحثًا عن لقمة العيش. وفي أحد الأيام وبينما هو فوق السقالة سمع امرأة تنادي ابنها قائلة: "تعالي يا واد يا فكري" ترك العم محمد ما في يده وراح "يستحلب" حلاوة الاسم "فكري"، إنها المرة الأولى في حياته التي يسمع فيها هذا الاسم، إنها المرة الأولى في حياته التي يعرف فيها أن هناك بين الأسماء اسم فكري، وعندما انتهت ترحيلة محمد الخولي عاد إلى قريته وقال لزوجته: "أنا جبت لكي هدية من مصر.. جبت لكي اسم فكري.. لو جبت ولد سميه فكري.. اسم من مصر".

وفي 26 فبراير من عام 1917 جاء فكري إلى الحياة وفرح به أبواه كثيرًا إلا أن الفرحة كانت قصيرة فبعد شهرين من ميلاد فكري مرض والده ودخل المستشفي، وكان كلما زارته أم فكري يقول لها: "اتوصي بفكري.. علميه عشان يبقى زي الناس اللي في مصر". وبعد ثلاثة أشهر من ميلاد فكري مات والده.

الآن نترك بطلنا فكري الخولي يحكي لنا بلسانه قصة رحلته.

الهروب الكبير

عملت أمي بالوصية فخصتني دون إخوتي بالرعاية والاهتمام ولأنها كانت تحب أبي أحبتني ولم تنزلني من فوق كتفها وكانت كلما تعبت أعطتني لإحدى إخواتي زينب أو حسن أو خسكية فتربيت في أحضانهن جميعًا. وعندما بلغت من العمر ست سنوات حاولت أمي أن تعلمني وكانت دائمًا تقول لي: "أنا عايزاك تبقي زي الناس اللي في مصر.. أنا عايزاك تبقى أحسن من أخواتك وأحسن من أولاد البلد كلهم..
 اللي بيتعلم بيشتغل كاتب وبيتوظف واللي ما بيتعلمش بيشتغل خدام وفواعلي ويشيل علي الحمير حدا العمدة.. أنا عايزاك تبقى سيد نفسك". وعملاً بما قالته أمي ذهبت إلي الكتاب وهناك تعرفت على الولد "الغريب"والولد "السيد الصفطي" ونمت بيننا صداقة عميقة، وكانت أمي مسرورة بي وكلما ذهبت إلي السوق أحضرت لي الحلاوة الطحينية والعيش الخاص والفلافل.
وكنت أيامها أسمع عن سعد وعن المظاهرات وعن الإنجليز، وكنا ونحن في الكتاب نهتف "الله حي سعد جاي، ضرب البمبة في طيز.. العمدة وهو جاي"وكان هذا الهتاف لسعد يضايق العمدة لأنه كان من أنصار "عدلي باشا"وكان العمدة ينتقم من أهل بلدنا بأن يرسل الرجال والشباب إلي البلاد البعيدة أيام الفيضانات للعمل في الجسور بدون أجر، وكانت أمي تصعد إلى سطح الدار وتنكش شعرها وترفع وجهها إلى السماء وتدعو على العمدة الذي آخذ أخي إبراهيم إلى "السخرة" وكانت مدة "السخرة" تتراوح ما بين ثلاثة وستة أشهر، وقد بلغ من طغيان العمدة أنه لم يرسل إلى "السخرة" إلا الرجال والشباب القادرين على الزراعة، مما كان يدفع الزوجات والأمهات إلى العمل في الغيطان، وكنت أذهب مع أمي وأخواتى البنات إلى الغيط لجمع القطن وجمع الفول وتقليع البطاطا، وكثيرًا ما ذهبت مع أمي يوم الخميس والجمعة من كل أسبوع إلى الجبانة لزيارة أبي وكانت أمي تحضن التربة وتقول: "أنا عملت الوصية.. أنا رايحة أعلمه، أنا رايحة أخليه زي الناس اللي في مصر.. اقرأ يا ولد سورة الفاتحة.. سمع أبوك" وتستمر أمي في البكاء إلى أن يأتي أخوتي محمد وإبراهيم وزينب وحسن وخسكية ويبعدونها عن الجبانة. وتقدمت في حفظ القرآن حتي ختمت سورة ياسين.
وفي الأيام الأولى لعام 1928 كنت ذاهبًا إلى الكتاب كعادتي وإذ بمشايخ البلد يطلبون منا الذهاب إلى دوار العمدة وعندما ذهبت إلى هناك وجدت معظم أهالي البلد. وطلب منا العمدة الجلوس وكان يقف معه واحد أفندي وقال لنا: "يا أهل كفر الحما إحنا جينا عشان نتكلم معاكم.. بنك مصر عمل مصنع يغزل القطن.
 كنا زمان نزرع القطن ليأخذه الإنجليز.. إحنا النهاردة بنزرع القطن وحنحوله إلى قماش.. إحنا اللي حانزرع القطن وحنغزله وحننسجه عشان يبقى كل شيء من مصر.. صناعة وطنية. ابعثوا بأبنائكم عشان يتعلموا صنعة ولما حيتعلموا حياخدوا أجر كويس".
 ثم تكلم العمدة هو الآخر في هذا الاتجاه فقال: "البيه رايح ييجي بعد أسبوع ويجيب معاه عربية لوري واخد معاه كل الناس اللي عايزين يروحوا يشتغلوا في المصنع". وفي اليوم الذي حدده العمدة جاءت العربات واتلمت الناس عند الجامع لتوديع المسافرين وكان كل واحد من المسافرين جايب معاه قفة مليانة عيش ومخلل وكل أم تاخد ابنها المسافر في حضنها وتوصيه بأن ياخد باله من نفسه وجلست أنا أبكي لأن الولد الغريب والولد السيد الصفطي سافرا مع الرجالة، وجاءت أمي وهي تقول لي "ما تزعلش بكره يرجعوا أنا عايزاك تتعلم زي ما أبوك قال".
 وعندما ذهبت ثاني يوم إلى الكتاب لم أجد الولد الغريب ولا الولد السيد الصفطي فحزنت جدًا ورحت أفكر في أصدقائي، ولم يطل بي التفكير طويلاً فقد قررت أن أهرب وأروح المحلة. وذات صباح طلبت مني أمي أن أحرس البيت لأنها رايحة السوق مع زوجة أخي محمد وأعطتني خزرانة طويلة لأمنع بها الفراخ من الخروج. وبعد قليل من خروج أمي تركت البيت بكل ما فيه ومشيت أسأل كل من أقابله "فين طنطا" ولما وصلت طنطا سألت عن سكة المحلة فقالوا لي امشي بجانب السكة الحديد وتنك ماشي لحد ما توصل، فضلت ماشي لغاية بلد اسمها "الرجدية" وهي أول بلد بعد طنطا.
وبجانب هذه القرية وجدت مصلية فجلست بجانبها أبكي لأني جوعان ورآني أحد الرجال فأخذني إلى بيته وأمر زوجته أن تحضر لي الأكل، ثم قال لي: انت منين يا واد؟ فقلت: من كفر الحما مركز طنطا، وإيه اللي جابك هنا؟، أنا رايح المحلة الكبرى، ليه؟ أصل الولد الغريب والولد السيد الصفطي راحوا يشتغلوا هناك وسابوني

ـ وأمك عارفة أنك مسافر؟

ـ "لأ" .
ـ يعني أنت هربان من أمك.

وتدخلت زوجة الرجل في الحوار وهي تصيح: الله يلعن العيال ويلعن خلفتهم، زمان أمك دايخة عليك. ثم قالت لزوجها: هات الحمار ووديه لأمه ينوبنا ثواب.

وهنا تذكرت البيت اللي أنا سايبه وخفت جداً من الرجوع إلي أمي، وانتهزت فرصة انشغالهم في حل الحمار وأخذت بعضي ودورت الجري علي بره، وواصلت طريقي نحو المحلة الكبرى. ومن بعيد رأيت المداخن وكلما اقتربت رأيت المباني العالية والدخان يملأ السماء وقلت لنفسي: هنا يكون المصنع، هنا سوف التقي بالواد الغريب والولد السيد الصفطي.

وصلت المصنع وأمام بابه الكبير رأيت ناساً كثيرين كثيرين جداً ترش الملح ما ينزلش، وقفت أدقق في الوجوه باحثاً عن الولد الغريب والولد السيد الصطفي، وأحسست بإرهاق شديد ولما جلست أستريح وجدت أقدامي متورمة من المشي والجوع يمزق أحشائى، أحسست بالغربة عن أمي وأخوتي ورحت أحدث نفسي "حاكل منين"أشحت؟.. أنا عمري ما شحت وأنام فين؟!

وقطع تأملاتي صوت صفارة لم أحتمل سماعها لشدة قوتها، وفتح باب المصنع ودخل كل الناس اللي كانوا واقفين قدامه، ووجدت نفسي تسوقني الجموع إلى داخل العنابر ورأيت عيالاً تزق عربيات مليانة قطن وناس واقفة علي مكن وعيال تزق عربيات مليانة بكر وسط هذا الجو الغريب كنت أبحث عن الغريب والسيد الصفطي وأوشكت الشمس علي المغيب وأنا أبحث عن الولدين بدون جدوى، وجال بخاطري ما كان أخي يردده منأغاني الحنين والغربة

يا عم د أنا غريب والغربة كايداني

والقلب والبين والأيام كايداني

أفكار قاتمة سوداء راحت تطاردني وكدت أيأس فلم أستطع منع الدموع من عيني، وفجأة تبددت الأحزان والمخاوف، عندما وجدت يداً توضع فوق عيني من الخلف ويداً أخرى تحتضني كانت الأيدى هي أيدي من جئت من أجلهما وبقينا لحظات وكل منا ينظر إلى الآخر ودموع الفرح تتساقط من عيوننا وبعد فترة صمت قال الولد الغريب:

- أنت جاي منين؟

من البلد.

- جاي إزاي؟

ماشي

- أمك عارفة؟

أبداً.

فقال الولد الغريب: رحنا في داهية، طيب تعالي نكلم الريس علشان يشغلك معانا، إحنا بنشتغل الأسبوع دا بالليل من الساعة 8 بالليل لغاية الساعة 7 الصبح وبناخد قرش صاغ ف اليوم. أخذني ودخلت معه العنبر وجدته مليئاً بالعيال الصغار لا يزيد عمر الواحد منهم على 11 سنة.
سمح لي الريس بالعمل. دخلت العنبر، خفت من شكل المكن، المكنة الواحدة في حجم بيتنا، والسيور تقترب من السقف وحشد كبير من العمال والعيال الصغار، هذا الجو دفع الرعب إلى قلبي، ثم تشجعت وتقدمت نحو المكنة واستطعت بعد مجهود خرافي أن أركب البكرة في المكنة وهي شغالة، فرحت بنفسي جداً، ولكن لما انتصف الليل كاد النوم يقتلني، تلفت حولي فوجدت العيال قد ناموا في صناديق البكر، وبعد قليل جاء المشرفون ودلقوا علينا جرادل المياه فصحونا مذعورين، وأخيراً انتهت ليلتي الأولى بالمصنع ورحت أعدو أنا والغريب والسيد إلى الشارع.
فجأة سألتهم فين البيت اللي هنبات فيه؟ قالوا لي: مفيش بيت، إحنا بننام في الشارع لأن الشركة ضحكت علينا، في الأول قالوا: السكن على حساب الشركة، ولكن ساعة الجد قالوا كل واحد يدبر أمره بنفسه، فقاموا اللي معاهم فلوس أجروا أوضة بيسكن فيها كل 25 عامل مع بعضهم وأصحاب البيوت بياخدوا من كل عامل قرش صاغ كل شهر. خدنا المشي لغاية ما وصلنا إلي قرب المستشفي الأميري عند البحر وتحت ظل صفصافة قال الولد الغريب: "هذا هو بيتنا المؤقت، أقعد".
كان الإنهاك يهد جسمي فنمت نومًا عميقاً لم أصح منه إلا على صرخات النساء وهن يقلن "يا ولاد الكلب يا شرقاوية من نهار ما جيتوا غليتوا علينا المش". وعندما جاء الليل ذهبنا إلى المصنع وبينما نحن منهمكون في العمل صرخ الرجال والعيال صرخة غطت علي ضجيج الآلات "واحد مات.. واحد مات.. السير خطف واحد.. وعلقه في سقف العنبر.. الدم نازل يشرشب.. الدم نازل علي العنبر" جريت أنا في نفس الاتجاه كانت الجثة محشورة بين السقف والطارة اللي السير مركب عليها. بسرعة أحضر العمال السلم وانتزعوا الجثة المحشورة، ولم يتمكنوا من انتزاعها برفق فسقطت من بين أيديهم علي الأرض وغطي الدم كل المكن. وتوالت أحداث كثيرة من هذا النوع، مرة 5 عمال من عمال الشلل كانوا بيركبوا السير قام السير لفهم وماتوا علي الفور. ومع كثرة هذه الحوادث ازدادت الهمسات بين العمال "المكن لما يخرب ما بيشتغلش إلا لما يظفر بدم بني آدم".
إحنا زمان لما كانت مكنة الطحين تخرب كانوا يسرقوا لها عيل عشان يدبحوه ويظفروا بيه المكنة وعشان العفاريت تتنطط وتنطيط العفاريت هو اللي بيدور المكن" كلام وكلام وكلام وكل يوم كانت العربيات تأتي محملة بالمئات قادمين من القري البعيدة. أخيرا مضت 15 يوماً كاملة وجاء يوم القبض ويا سلام وأنا بتسلم من الصراف 23 قرش صاغ قيمة عمل 15 يوماً كاملاً، لم أصدق نفسي ووقفت أمام الرجل في ذهول ولم أنتبه إلا على صوت الريس وهو بيقول لي "اوعى حد ياخد منك الفلوس طبق إيدك عليهم كويس أوع حد يسرقك" فرحتنا كانت فرحتين، فرحة بـ 23 قرش وفرحة بالعيد والإجازة. أنا والولد والغريب والولد السيد دفع كل منا 15 قرشاً أجرة لصاحب الفرن اللي كنا بنام عنده وتبق مع كل واحد 8 صاغ، وعشان كدا روحنا ماشيين من المحلة لحد طنطا عشان نوفر الفلوس. في طنطا تفرقنا الولد الغريب ذهب إلي أخيه العامل في بلدية طنطا وذهب السيد إلى أبيه الجنايني. وصلت بمفردي إلى مدخل بلدنا كفر الحما.


عودة الغائب

وفجأة شعرت بيد ناعمة تقبض عليّ وهي تقول ضبطناك أنت كنت فين يا واد، الدنيا داخت عليك، كانت هي البت رتيبة صاحبة أختى زينب، دارت بى الأرض عندما تذكرت أنى هربان فرحت جاري منها ورايح علي الغيط، وأنا في طريقي للغيط شافتني أخرى خسكية وكانت تلبس ــ يوم الوقفة ــ ملابس سودة ومعصبة رأسها بعصابة سودة وكانت تنقل السباخ علي الحمار، لما شافتني جرت ورايا وهي تصرخ يا أخويا.. يا واد يا فكرى. لم تستطع الإمساك بي إلا عندما وقعت على وجهي فرمت نفسها فوقي وهي تصيح "أه يا خويا.. آه يا خويا.. قوم لأختك يا وله.. بص في وش أختك.. أنت كنت فين.. بوس أختك يا وله.. آه يا خويا.. كل الناس النهاردة بتعمل كحك وإحنا ماعملناش عشانك.. النهاردة الوقفة وكل الناس بتطبخ وفرحانة إلا إحنا.. أمك بتفحت في الزريبة وبتشيلني سباخ.. كل دا عشانك.. قوم يا واد اركب قدامي.. آه دلوقت بس إحنا حانعيد.. أحسست بمعني العيد عندما وجدت نفسي بين أحصان أمي.
 حكيت لأمي كل ما حدث في فترة غيابي وطلبت منها أن أعود للعمل في المصنع، فقالت لي بغضب "إزاي تبعد عني تاني؟ وأنا ما نمتش طول ما أنت غايب" ألححت عليها، وأمام إلحاحي وتدخل أقاربي وافقت أمي وبدأت تعد لي احتياجات السفر وأعطتني بعض النقود أجرة للحجرة التي سنسكن فيها أنا والولد الغريب والولد السيد.. وفي يوم السفر خرجت أمي مع عدد من أقاربي ومع أختي لتوديعي وطوال الطريق كانت أمي تبكي وتقول: "إيه اللي زانقنا علي الغربة دي.. اللي مكتوب علي الجبين لازم تشوفه العين".

العودة إلي الضجيج

مرت أيام الإجازة وعدنا مرة أخري إلي المصنع طبعاً أول حاجة عملناها إننا استأجرنا غرفة في بيت بعيد عن المصنع علشان ننام فيها ونحسن إن لينا بيت. الشغل في المصنع كان زي ما هو شقا في شقا لدرجة أن العيال اللي كانوا بيناموا أثناء وردية العمل كان الريسا بيجيبوا جردل مليان بصبغة الزهرة ويلغمطوا بيها وش العيل اللي يلاقوه نايم. وبعد شوية الريسا لاحظوا أن العمال بيناموا في دورة الميه فقاموا قفلوا دورة الميه، وعلشان كدا العمال والعيال كانوا بيقضوا حاجتهم بجوار المكن. كل الحاجات دي ما خلتنيش أكره الشغل. بالعكس كنت بحب الشغل يوم بعد يوم وكنت عايز أشرب الصنعة شرب وأفهم أسرار المكن وكل ما في المصنع. ولكن يا ريت المضايقات كانت في المصنع بس، لأ دي كانت كمان في شوارع المحلة. لأن أهل المحلة كانوا كل يوم يمسكوا عمال الشركة وهات يا ضرب فيهم وكانوا ديماً بيشتمونا ويقولوا علينا كلام قاسي جداً، أما الريسا اللي في المصنع فدول حكايتهم مع العمال حكاية لأن أي ريس كان من حقه أنه يضرب أي عامل لحد ما يموته، والضرب كان نازل علينا عمال على بطال.
أما عن نفسي أنا فالحقيقة إني كنت عامل زي اللي راكبه عفريت أي حاجة بتحصل كانت تحببني أكتر في الشغل، وفي يوم رحت المصنع سجلت اسمي في كشوف عمال الغزل ثم ذهبت لأعمل في عنبر النسيج، إيه اللي خلاني أعمل كدا معرفش. المهم رحت عنبر النسيج وقدمت نفسي للريس فنظر إلي وقال لي بكره لما تكبر أبقي أشغلك، فأنا قلت له أصل أبويا ميت وأنا عايز أشتغل في النسيج لأن أجره أحسن، وفعلاً الريس وافق على أني أشتغل وراح واخدنى من إيدى وقال لأحد العمال الكبار خد الولد دا علمه إزاي يدور المكن.
 وذهبت مع العامل والفرحة تملأ قلبي ولما اقتربت من المكن انتابني الفزع والخوف كان كل شىء بالنسبة لي جديداً كل شيء في المكن يتحرك، خيوط ملفوفة على "مطوه" مثل الخيوط الملفوفة على بكرة خيط، ولكن علي شكل أكبر وكل فتلة من تلك الخيوط ملفوفة فى سلك في "نبرة" وبهذا السلك عين مثل عين الإبرة ومركبة على مكن كله من حديد وأشد ما كان يدهشني أن المكنة كل ما فيها يتحرك بمجرد أن يعشق العامل الفرملة ويحول السير من على البطال إلى العمال بتروس تتحرك في لف القماش وذراعان يحدفان المكوك من درج إلى درج وخيوط تهتز كلما تحرك الدرج. ونظرت إلى كل الأشياء التى لم أرها من قبل وانتابني الفزع وابتعدت عن المكن واضعاً طرف جلبابي بين أسناني وتلفت حولي فوجدت بعض العمال ينظرون لي وهم يبتسمون اقترب مني أحدهم وقال لي: "أنت خايف؟ إحنا كنا زيك كده أول ما جينا من البلد وشفنا المكن دورنا الجري على بره وجريوا ورانا علشان يجيبونا.. ما هي حاجات ما شفناهاش إحنا ما شفناش غير الفأس والنورج والمحراث، دي حاجات جديدة علينا طول بالك بكره تتعلم.. أنت منين؟

أنا من كفر الحما مركز طنطا

يعني إحنا بلديات

وأنت منين؟

من الجعفرية مركز طنطا تعال لما أوريك المكنة تدور إزاي امسك الفرملة دي بإيديك الاثنين واستجمع كل قوتك وزقها مرة واحدة ولا تتركهاش إلا لما تعشق.. فعلت كما قال لي وكل ما في جسدي يرتجف ولما نجحت في تعشيق الفرملة بدأت الرهبة تزول لتحل محلها الطمأنينة، ثم علمني كيف أوقف المكنة في حالة قطع فتلة أو أكثر وعلمني كيفية ترجيع القماش وفك التروس وكلما تعلمت شيئاً زاد إيماني بإمكان تعلم الكثير مما لا أعرف..
 كذلك بدأ يعلمني كيفية أخذ الفتلة في النبرة وتركيبها في المشط وكان هذا أصعب شيء بالنسبة لي في بداية العمل في النسيج وبقيت طول اليوم واقفاً على المكنة بجانب العامل الذي كلفه الريس بتعليمي. ولما حضر الكاتب أبلغه العامل أن يضع اسمي في الكشف بناء على تعليمات الريس. وقف الكاتب مندهشاً وهو ينظر إلىّ في ذهول "مش معقول.. دانت قصير ما انتش طايل تجيب الماسورة من على اللوحة.. ورفض أن يضع اسمي في الكشف وتشبثت به كما تشبث به العامل الذي كان يعلمني وقلنا في نفس واحد: "الريس هو اللي قال كده".. فقال "طيب تعال معاي للريس".

ونحن في الطريق للريس كنت في منتهي الخوف من أن الريس قد يسمع كلام الكاتب وعند الريس وقف الكاتب يحدثه عن صغر سني وعن عدم قدرتي على العمل. ووقفت وأنا شابب على ضوافري لازداد طولاً أمامهم وبعد أن فرغ الكاتب من الكلام، شاور لي الريس وقال: "خلي بالك كويس اوعى تتعور على مهلك وأنت بتتعلم أوع المكون ينط في وشك يخزق عنيك أدى إحنا كتبناك في الكشف ومن اليوم محسوب لك اليومية خمسة تعريفة تركتهم وأنا لا أتمالك نفسي من الفرحة وفي الطريق إلي المكنة حدثت نفسي؟: "بكره أمي تعرف أن أجرى زاد.. وعندما وصلت إلى المكنة شد على إيدي العامل وقال كويس أنت عملت إيه.. وقفت علي ضوافري وشبيت.. أنا كنت شايفك وأنا هنا.. دا الكاتب ده أصلي واطئ مالوش شغلة غير قطع أرزاق الناس.. وأمك أصلها داعية لك.. ياللا أنا عايزك تاخد بالك كويس.. انت عرفت المكنة تبقي تيجي كل يوم هنا اوع تتوه.. إحنا بلديات ومن مديرية واحدة وأنا عايزك تتعلم أنا حاعلمك كويس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت فى جريدة القاهرة ــ 11 يوليو 2000

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق